2026/11/02

أحـنُّ إلى النطرون قراءة ChatGPT في السرد والرمز وجماليات المكان إعداد د. وجدان الخشاب

أحـنُّ إلى النطرون قراءة ChatGPT في السرد والرمز وجماليات المكان إعداد د. وجدان الخشاب تمهيد يتضمن هذا الملف نصي القصصي (الخروج من التابوت نهارًا) ثم يتبعه البحث الذي أجراه ChatGPT عليه. ************************************************************* أحـنُّ إلى النطرون (نص قصصي) د. وجدان الخشاب / العراق أسدل الليل أستاره على الكون ، الموج ينساب بعذوبة هَـدِئة القسمات ، والبحر يغـفو ويتغافل عن ذلك العجوز الذي ارتكن على حاجز السفينة ... وجالت عيناه فيما حوله .. السفينة تناغم الأمواج .. النجوم أشرقت اشراقة افتقدها في الليالي التي هامت ماضية دون أن تلفت ، والريح غفت هي الأُخرى تاركة أشرعة السفينة تهفف بهدوء شفيف ... من خلال هذه الهدأة الليلة همس للعجوز صوت : - تعال .. تعال .. أحسَّ أنّ النسمات توقفت ذاهلة .. لكنَّ الصوت لم يكـفّ عن الترديد: - أنا انتظر .. التفت إلي .. تلفتَ العجوز .. وما رأى .. انحنى على صفحة البحر .. وما رأى .. جالت عيناه في الهواء ... وما رأى .. عاد الصوت هامسًا يناديه : - تعال .. أحنُّ إلى لمسة من يديك .. ارتفع الهمس إلى الفراغ .. التقطته نجمة صغيرة .. بدأت تهبط بهدوء نحو السفينة .. صافحت يد العجوز نسمة دافئة كأنّها روح نابضة وأخذت تسحبه .. النجمة اقتربت أكثر ؛ لترمي بضوئها الخافت أمام قدميه .. مبهورًا .. جال بعينيه في أرجاء السفينة .. وما رأى .. لكنها الروح ظلّت تسحبه ، حتى وطأت قدماه السلّم العتيق للسفينة نازلًا إلى المخزن القابع في جوفها .. انزلقت عيناه نحو تابوت خشبي عتيق .. عتيق .. أضاءه نور النجمة .. تقدّم باتجاهه .. تجرّأت يداه وتلمّسته .. ازداد نور النجمة سطوعًـا ، وعاد الصوت يهمس: بيديك الحانيتين افتحْ تابوتي .. ادفعْ عني لفائفي .. افتحْ أغطية أوانيَّ الكانوبية التي تحمي أحشائي .. دعني أتنفس الهواء .. تراجع العجوز خطوة إلى الوراء .. مرعوبًـا حابسًا أنفاسه .. لكنَّ الصوت لم يعد همسًا، بل توسلًا : - افتح تابوتي ... زمَّ العجوز شفتيه ؛ ليمنعها من التصويت بكلمات كانت قد استقـرّت منذ زمن غار في عمق ذاكرته : (لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه كل من يجرؤ على ازعاج الملك) اجتاحته رعشة غامرة لم يفـق منها إلاّ حين عاد الصوت يناديه : - تعال .. - لا .. لا .. - تعال .. افتح التابوت .. أحنُّ إلى الهواء .. - لا .. لا أجرؤ على لمس أقـفاله .. - المسها .. أحنُّ إلى النور . . اندفعت النجمة لتضيء المكان أكثر .. انحنى العجوز .. لمس التابوت بيده المرتجفة .. أزاح طبقة كثيفة من الغبار وقرأ ما أخفاه هذا الغبار : (لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه كل مَن يجرؤ على ازعاج الملك) سقطت روحه في بئر الحيرة، ولم يفق من ظلمته إلاّ حين عاد صوت الروح متوسلًا : - افتحه ، أحنُّ إلى الهواء .. بين التردد والتجرؤ كانت عينا العجوز تناور .. لكـنّ أصابعه تلهفت لاكتشاف ما وراء القفل .. وقبل أن تلمسه تراجع متأرجحًـا بين الرغبة واللا رغبة في فتحه .. ذاكرته تموج بسؤالٍ يتعـلّق بين شفتيه ولا يجرؤ على الاعلان عن حضوره .. رنت عيناه إلى القفل بحزن .. أغلقهما تاركًـا المجال لرئتيه لتعبَّ هواءً افتقده في تلك اللحظة ، ورمقت روحه التابوت بلهفة تنمُّ عن رغبتها في اكتشاف ما فيه ... - أعدني إلى البحر .. قال الصوت بهمس تختنق نبراته .. - كيف لي أنا المثقل المبهور أن أُعيدكَ ؟ - ادفع التابوت إلى الماء لأرتوي .. - الماء مالح .. - ادفع التابوت .. - البحر غادر .. - ادفع التابوت .. - لماذا ؟ - أحـنُّ إلى ملح النطرون .. - من سباتك الأزلي تنهض .. لماذا ؟ - لكي تعيدني إلى النيل .. أعدني إلى وادي الملوك .. أعدني إلى مدفني الهرمي .. - ولكن كيف أُعيدكَ ؟ - ارفع عن جسدي لفائفه .. ودعني أعبُّ الهواء . - في نبش لفائفك ما يؤلم روحك .. ويؤلمني . - ارفعها ... امتدت أصابع العجوز وعيناه إلى القفل لتتفحصه .. وما إن قَـلَبه حتى انفتح وسقط على الأرض متناثـرًا ، بصعوبة هائلة رفع الغطاء ، كادت عيناه تطيران دهشة حين وقعتا على قطعة قماش غار لونها .. إلّا أنّـه بالكاد قرأ ما كُتب عليها بحروف ذهبية بارزة : أنا الملك .. ملك الأرضينِ القبلي والبحري .. ابن إله الشمس .. آتون القوة .. آتون الضوء .. آتون طارد الظلام .. مُنحتُ الحياة أزليًـا .. مُنحتُ الحياة أزليًـا .. رفعها ، فوقعت عيناه على لفائف بدت وكأنها شرائط نُـسيت في زاوية غافلة ... بعينين لاهثتين كانت النجمة تراقب المشهد ، اقتربت أكثر وألقت نورها .. فأضاء داخل التابوت تمامًـا .. بدأت أصابع العجوز المرتعشة تفكُّ لفائف المومياء عن رأسها وصدرها ، وتعيد نشر التمائم السحرية وجعران القلب وتماثيل جنود الاوشابتي الخزفية الزرقاء المخفية بين طياتها.. حول المومياء ، اوزوريس الأخضر عند يمين الرأس ، وايزيس الذهبي عند يساره .. والاوشابتي في الأركان الأربعة ، وتوالت حركاته فاتحة لفافة بعد أُخرى، كانت الذراعان متقاطعتين على الصدر ، الذراع اليمنى تقبض على صولجان مُلكٍ غاب من زمن عتيق ، والذراع اليسرى تقبض على عنخ ، علامة الحياة الأبدية .. اجتاحه هدوء غامر وهو يتأمّـل المشهد ، مُـفكِّـرًا ماذا سيفعل الآن ؟ التفتَ إلى باب الأمان في صدر المخزن .. فتحه .. أطلَّ على البحر الذي بدا له مرتعبًـا .. ولكنّـه يُظهِر سكونًـا مؤقتًـا مُـنتظٍـرًا لما سيكون .. والهواء هو الآخر انكفأ متفاجئا حابسًا أنفاسه .. وترقبت النجمة حركة العجوز وهو يعيد الغطاء .. ويبدأ بدفع التابوت إلى صفحة البحر هامسًا : - لكَ أملاح البحر كلّها ... - لا أُريدها كلّـها .. بل أُريد النطرون .. طفا التابوت على وجه الموج الليلي ، وروح العجوز الخافقة ترقبه وهو يبتعد عن السفينة .. وما إن بدأت شعاعات الفجر الأُولى ترمي بوجودها على وجه البحر المبهور حتى أخذت الأمواج تفور فورانًـا دائريًـا عنيفًـا .. تهيم ويهيم معها التابوت ويغرق .. يغرق حتى غاب عن عيني العجوز .. سالت دمعتان دافئتان عبر أخاديد وجه العجوز .. وانكفأ على كرسي مركون قرب باب الأمان يلمُّ بعضه بعضا حزنًـا وألما .. وحيدًا بدا وخاملًا .. لكنّها يده ظلّت قابضة على مفتاح الحياة الأبدية ، عنخ خشبي صغير أخذه من التابوت ، وخبـّـأه في جيبه .. أخرجه وبدأ يشمّه ملء روحه مرة تلو أُخرى .. حتى تراخت ذاكرته تمامًـا.. في عمق الظلام البحري تلقـفت موجة ذلك التابوت الغريق .. لـفّته بيديها الحانتين .. وتوجهت نحو الشرق .. حتى وصلت جزيرة الشمس المشرقة .. بدأت تصعد ويصعد معها التابوت الى حيث كانت الشمس تشرق بسطوع ناصع .. لَـفَّـته بحنوٍ حتى أوصلته إلى حافة تلك الجزيرة .. وعادت تهبط إلى عمق البحر ؛ لتغـفـو بسكون غامر .. من فتحة صغيرة لا تكاد تُرى في وسط غطاء التابوت ، ألقت الشمس شعاعًـا من ضوئها داخله .. استرخت المومياء تاركة شعاع الشمس الذهبي يغسلها جزءاً .. جزءاً من غبار السنوات الماضيات ، انتعشت وطارت روحها لتطـلَّ على ذاكرة العجوز الغافي .. فيراها غارقة في ضوء شمس الظهيرة الحارة .. نهض ومدَّ يده إلى البحر .. أمسك موجة صغيرة كانت تركن عند حافة السفينة ، أطلقها لتعود إلى البحر حاملة أنفاسه التي نفخها فيها .. ودفعها بيده وهو يأمرها برقّـة : - اذهبي ... واحملي التابوت باتجاه مشرق الشمس .. باتجاه النيل .. غاصت الموجة .. وتحركت بإيقاع متسارع تاركةً أمواجاً أُخرى ترقبها وتحسدها حتى وصلت حافة الجزيرة .. مدّت جسدها ليحضن التابوت ويهبط به ثانية إلى البحر .. أشرق وجه العجوز وهو يرى بعيني روحه الموجة تلفُّ التابوت بحنوِّها ، وتسارع مسيرتها ، تحركت شفتاه ناطقة بسؤال كان يدور في ذاكرته ، تلقفت الروح السؤال الهائم في الهواء ما بين العجوز وبينها .. لتُـجيب : - نعم .. أخذتُ يقظتي من إله الشمس آتون .. آتون القوة .. آتون الضوء .. الضوء الذي أشرق على روحي .. - والآن .. إلى أين المسير ؟ - إلى النيل .. إلى النيل .. - والحاجز المائي ؟ - ما بين البحر والنيل موجات من حنان يتدفق .. سيناديني النيل إليه .. - أيحنُّ النيل إليك ؟ - يحنُّ إليَّ .. وأحنُّ إليه .. عند الحاجز المائي ما بين البحر والنيل ، توقفت الموجة .. مبهورة ، ترنو إلى أمواجه وهي تتهادى ولا تختلط بأمواج البحر .. تنبّه شعاع الشمس ورنا إلى المشهد المفروش تحت ناظريه .. اندفع نحو موجة كانت ترقب المشهد هي الأُخرى .. ورمى إليها بدفءٍ كانت بانتظاره ، فامتدَّ جسدها ليحمل التابوت .. ويبدأ المسير .. تألّقت الابتسامات والهمهمات بين أمواج النيل .. عرس وأفراح واشراقات غمرت المومياء بضوئها ... انحنى العجوز على البحر هامسًا : - أرأيتَ ؟ - ماذا ؟ - الجسد يعود إلى أرضه .. - الغريب لن يبقَ غريبا ... ردد العجوز بألم : الغريب لن يبقَ غريبا ... سارت الأمواج حاملة كنزها الثمين .. وصلت أرض النطرون .. خرج الجسد من تابوته وتمرًّغ حتى ارتوى من ملحها .. ثم عاد إليه ليكمل المسير .. ساعات وساعات وموجات النيل .. شعاعات الشمس .. الأسماك .. نباتات النيل .. ذرات الهواء .. حاشية ملكية تقيم احتفالًا مزهرًا بالعائد اليها .. تعالت ترانيمها .. وبدت أصواتها أجراسًا تقرع .. فيردد الهواء صداها .. تلفتت أحجار الهرم المغسول بإشراقة شمس مصرية القسمات والدفء .. تنادت .. بفرح غامر رمقت ملكها العائد إلى أرضه ، وبدأت ترنَّم ترنيمتها الأزلية : الغريب لن يبقَ غريبا... الغريب لن يبقَ غريبا... أحنُّ إليك يا مدفني العتيق .. أحنُّ اليك .. رددت المومياء الفرعونية. تسارعت الموجات حاملة تابوت ملكها العتيد .. عابرة أرض البئر .. صاعدة إلى غرفة المدفن الملكي .. استقرَّ التابوت فيها .. شهق الفرعون شهقة عميقة ؛ ليعبَّ الهواء كلّه ..وعيناه تجولان على جدرانها ورسوماتها التي تحكي قصته ما بين الحياة والموت .. جنوده .. حروبه .. بطولاته .. أسراه .. عرباته الحربية ... أغمض جفنيه ؛ ليرسل صوته عبر المسافات مناديًـا العجوز : - الغريب لن يبقَ غريبا... تلفت الرجلان المرتكنان إلى حافة السفينة ، وقال أحدهما متفاجئًـا : - هل سقط أحد في البحر ؟ - لا .. ليس هناك أحد غيرنا هنا .. - لكنّـي سمعت صوت ارتطامٍ بالماء .. أليس كذلك ؟ - نعم .. ولكن لا أحد غيرنا هنا .. - نظرا إلى الماء وما رأَيا شيئا .. البحر أخفى دوائره ، واحتضن جسد العجوز ؛ ليبدأ هو الآخر رحلته إلى وادي النيل .. مترنٍّـمًـا : الغريب لن يبقَ غريبا ... ردد البحر والهواء وشعاع الشمس .. الطيور وأوراق الشجر : الغريب لن يبقَ غريبا ... الغريب لن يبقَ غريبا ... الثلاثاء 22 / 11 / 2011 الساعة 5 فجـرًا ********************************************************** أحـنُّ إلى النطرون قراءة ChatGPT في السرد والرمز وجماليات المكان المُـلخّـص تقرأ هذه الدراسة نص (أحنُّ إلى النطرون) بوصفه نصًا سرديًـا، يوظِّـف الموروث المصري القديم في بناء دلالات معاصرة تتصل بالاغتراب والانتماء والذاكرة والعودة، وينطلق من لقاء رجل عجوز مجهول الهوية بصوت يخرج من تابوت ملكي، ثم تتطور الأحداث عبر رحلة عجائبية يتحـوّل فيها البحر من فضاء للفصل إلى وسيط للعبور، فيما يغدو ملح النطرون علامة على الأرض الأصلية وذاكرة الجسد، وتبحث هذه الدراسة في بنية الحدث، وتشكيل المكان والزمن ووظائف الشخصيات، وشبكة الرموز، وأثر الحوار والتكرار وتشخيص الطبيعة في بناء المعنى، وتخلص إلى أنَّ مركز الثقل في هذا النص لا يتمثّـل في استعادة ملك فرعوني فحسب، بل في تحويل العودة إلى سؤال إنساني عن المكان الذي يستعيد فيه الإنسان هويته، كما تميّـز بين الاستثمار الأدبي للموروث الحضاري وبين إعادة بناء التاريخ بوصفه وثيقة. الكلمات المفتاحية أحنُّ إلى النطرون، السرد، القصة القصيرة، العجائبي، الأسطورة، الموروث المصري القديم، الرمز، الاغتراب، المكان، النيل، البحر، النطرون. المقدمة ينتمي نص (أحنُّ إلى النطرون (إلى نمط من الكتابة السردية التي تتجاور فيها الواقعية والعجائبية والشعرية، ويُستدعى فيها الموروث المصري القديم، فلا يقدم لنا حادثة تاريخية محددة، ولا يسعى إلى إعادة بناء زمن فرعوني بناءً وثائقيًا، بل يفتح أسئلة معاصرة عن الجذور والهوية والاغتراب، ويهيئ افتتاح النص المدروس القارئ لهذا التداخل؛ إذ يبدأ بمشهد ليلي هادئ، تتقدم فيه الطبيعة على الحدث، ثم ينشأ النداء الغامض الذي يقود العجوز إلى التابوت. يقول النص في استهلاله "أسدل الليل أستاره على الكون، الموج ينساب بعذوبة هَدِئة القسمات، والبحر يغفو ويتغافل عن ذلك العجوز الذي ارتكن على حاجز السفينة..."، لا يؤدي هذا الوصف وظيفة خلفية محايدة، فالليل والبحر والنجوم والريح عناصر تمهّـد لدخول العالم العجائبي، ثم تتحـوّل الطبيعة لاحقًـا إلى شريك في الفعل السردي، ومن هنا تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال الآتي: كيف يعيد هذا النص توظيف رموز مصرية قديمة في بناء حكاية عن الغربة والعودة، وكيف تتحـوّل الأمكنة والاشياء من عناصر مادية إلى علامات للذاكرة والانتماء؟ وتتفرع عن هذا السؤال أسئلة تتصل بمراحل الحدث، ووظائف الشخصيتين، ودلالة التابوت والنطرون والبحر والنيل، وآليات العجائبي والتكرار والحوار، وطبيعة النهاية التي تصل مصير الفرعون (الملك) بمصير العجوز. منهج الدراسة تعتمد هذه الدراسة مقاربة متعددة المستويات، تجمع بين: • التحليل السردي؛ للكشف عن الحدث والشخصيات والزمن والمكان. • التحليل البنيوي؛ لرصد الثنائيات والتكرارات والعلاقات بين أجزاء النص. • التحليل السيميائي؛ لتتبع تحـوّل العلامات المركزية، والمقاربة الأسطورية لدراسة استثمار الموروث المصري القديم. • والمقاربة الجمالية؛ لتحليل الصورة والتشخيص والإيقاع والحوار. وتتكامل هذه المستويات؛ لأنَّ دلالة النص لا تنشأ من رمز منفرد، بل من شبكة من العلامات تتفاعل داخل بنائها الحكائي. محاور الدراسة 1/ العنوان بوصفه عتبة دلالية. 2/ البنية الحكائية وتحولات الحدث. 3/ الزمن والمكان بوصفهما بنيتين دلاليتين. 4/ العجوز والملك؛ شخصيتان ومساران للعودة. 5/ شبكة الرموز والموروث المصري. 6/ العجائبي وتشخيص الطبيعة. 7/ الحوار واللغة الشعرية والتكرار. 8/ الثنائيات الدلالية ومفارقة النهاية. المحور الأول: العنوان بوصفه عتبة دلالية يجمع عنوان النص (أحنُّ إلى النطرون) بين فعل وجداني هو (أحـنُّ)، واسم يحيل إلى مادة (النطرون) وهو ملح ارتبط بعمليات تحنيط أجساد الموتى في مصر القديمة، وتنبع مفارقة العنوان من أنَّ المتكلم لا يطلب الحياة بمعناها المُـجـرّد، بل يشتاق إلى النطرون بوصفه علامة على موضعه الأول؛ لذلك يتجاوز النطرون وظيفته المادية؛ ليصبح أثـرًا حسيًا للوطن وذاكرة الجسد. وتؤكِّد الجملة التي يصرِّح بها الملك ضمن الحوار اتجاه هذه الدلالة "أحنُّ إلى ملح النطرون.."، فالملك لا يطلب ملح البحر، على الرغم من أنَّـه يحيط به، بل يميّـز بين ماء يفصله عن أصله، ومادة تستدعي المكان الذي ينتمي إليه، وهكذا يختصر العنوان الحركة الكبرى لهذا النص؛ لأنَّ الحنين ليس رغبة في استعادة زمن مضى فحسب، بل بحث عن موضع يستعيد فيه الملك صلته بجذوره. المحور الثاني: البنية الحكائية وتحولات الحدث يتشكّـل الحدث في هذا النص من خلال مراحل متتابعة، هي: 1/ مرحلة السكون: يبدأ النص في الليل، على متن السفينة، وهناك بحر ونجوم وريح وسفينة وعجوز، والسكون هنا ليس مجرد وصف، وإنّما هو سكون ما قبل الانفجار الحكائي. 2/ مرحلة النداء: حيث يظهر الصوت: "تعال... تعال...". فهذا المقتطف من النص يحدد اللحظة التي يبدأ فيها الانتقال من العالم الواقعي إلى العالم العجائبي. 3/ مرحلة اكتشاف التابوت: التي تقود الروحُ فيها العجوزَ إلى مخزن السفينة، حيث يوجد التابوت، وهنا ينتقل النص من النداء الغامض إلى السر المادي. 4/ مرحلة الصراع: الذي يتمثّل في تردد العجوز بين الخوف والرغبة: والذي يؤشره هذا المقتطف من النص "بين التردد والتجرؤ كانت عينا العجوز تناور..". وهذه من أهم لحظات النص نفسيًا. 5/ مرحلة الكشف: حين يفتح العجوز التابوت، وتظهر المومياء بكل علاماتها الفرعونية. 6/ مرحلة الرحيل: حين يدفع العجوز التابوت إلى البحر. 7/ مرحلة الرحلة العجائبية: وفيها يتحول البحر إلى قوة حانية، تحمل موجته التابوت باتجاه الشرق. 8/ مرحلة العودة: تصل الرحلة إلى النيل، ثم إلى أرض النطرون، ثم إلى المدفن الملكي. 9/ مرحلة اكتمال العودة: يعود الملك إلى موضعه، وتتكرر اللازمة النصية: "الغريب لن يبقَ غريبًا..." 10 / مرحلة انتقال العجوز نفسه، وهنا تحدث المفارقة الكبرى: العجوز الذي أعاد الملك إلى أرضه يصبح هو الآخر جزءًا من رحلة العودة، التي يؤشِّرها هذا المقتطف من النص "البحر أخفى دوائره، واحتضن جسد العجوز؛ ليبدأ هو الآخر رحلته إلى وادي النيل...". وهذا يجعل نهاية النص دائرية وليست خطية. المحور الثالث: الزمن والمكان بوصفهما بنيتين دلاليتين يتداخل في القصة مستويان زمنيان أساسيان؛ أولهما زمن الحكاية الحاضر، أي زمن العجوز والسفينة والبحر، وثانيهما الماضي الفرعوني الذي تستحضره المومياء والتابوت والطقوس والرموز الجنائزية. ولا يظهر الماضي هنا بوصفه زمنًا مغلقًا ومنفصلًا عن الحاضر، بل يتداخل معه من خلال الذاكرة والنداء والرحلة، فيغدو الماضي قوة فاعلة في تشكيل الحدث الراهن. أما العجائبي، فلا يمثل مستوى زمنيًا مستقلًا، بل يشكل نمطًا سرديًا يتيح تجاوز القوانين المألوفة وتداخل الأزمنة داخل العالم القصصي؛ فالملك الميت يتكلم، والنجمة تهبط، والموجة تحمل التابوت، والشمس تمنح اليقظة. وهكذا يصبح العجائبي أداة فنية تسمح للماضي بأن يستعيد حضوره في الحاضر، وللرغبة في العودة بأن تتحول إلى فعل ممكن داخل الحكاية. ويتحـرّك المكان في هذا النص من السفينة إلى البحر، فالجزيرة، والحاجز المائي، والنيل، وأرض النطرون، ثم المدفن الملكي، ولا تمثّـل هذه الأمكنة محطات جغرافية فحسب، إذ يتغيّـر معناها مع تقدم الحدث، فالسفينة فضاء مؤقّـت، والبحر مجهول وفاصل في البداية، لكنّـه يصبح لاحقًـا طريقًـا للعبور، فيما يمثّـل النيل مجال الانتماء، وتغدو أرض النطرون لحظة استعادة حسيّـة للذاكرة، ويستعيد المدفن الملكي معنى الاكتمال والهوية، ويصف النص المدروس وصول التابوت إلى النيل بقوله "تألقت الابتسامات والهمهمات بين أمواج النيل.. عرس وأفراح وإشراقات"، فتضفي هذه الصورة على النيل هيأة جماعة تحتفل بملكها العائد؛ لأنَّ المكان لا يستقبل جسد الملك بصمت، بل يتحـوّل إلى فضاء احتفالي، ومن ثم تتأسس الحركة المكانية على انتقال موازٍ من الغربة إلى الاستعادة، ومن الانفصال إلى الانتماء. المحور الرابع: العجوز والملك، شخصيتان ومساران للعودة من اللافت أنَّ الكاتبة لا تمنح العجوز اسمًا، وهذا الإغفال مقصود من الناحية الفنية؛ إذ يجعله أقرب إلى النموذج الإنساني منه إلى الشخصية الفردية؛ لأنّـه رجل مسنّ، وحيد، مثقل بالذاكرة، يعيش على هامش العالم، يخاف الموت، لكنّه يتحـوّل إلى فاعل يساعد الملك على استعادة طريقه، غير أنَّ هذا النص لا يكتفي بتصويره وسيطًـا لعودة الآخر، بل يجعل مصيره في النهاية امتدادًا للمسار نفسه. إنَّ الملك لا يحمل اسمًـا تاريخيًـا محددًا، وإنما هو ملك مُتخيّل يستعير ملامحه من الحضارة المصرية القديمة، وعدم تسميته يمنحه صفة رمزية، فهو ليس ملكًا فرديًا فقط، بل يمكن أن يرمز إلى كل من مصر القديمة، الذاكرة، الوطن، الجذور، الحضارة، الإنسان المنفي عن أصله، وتحدد عبارته المقتطفة من النص "لكي تعيدني إلى النيل.. أعدني إلى وادي الملوك.. أعدني إلى مدفني الهرمي.." غاية رحلته، فالمسألة ليست مجرد الخروج من التابوت، بل استعادة المكان الذي تنتمي إليه هويته، ومن خلال هاتين الشخصيتين تبني القصة تقابلًا بين مًن يساعد الآخر على العودة، ومن يكتشف -في نهاية المطاف- أنَّ حاجته إلى الانتماء لا تقـلّ عنه. المحور الخامس: شبكة الرموز والموروث المصري القديم يعتمد هذا النص على شبكة كثيفة من العلامات المصرية القديمة، ومنها: آتون، النطرون، المومياء، التابوت، الأواني الكانوبية، أوزوريس، إيزيس، الأوشابتي، العنخ، صولجان الملك، وادي الملوك، المدفن، الشمس، واللافت أنَّ هذه العناصر لا تؤدّي وظيفة زخرفية خالصة، بل يندمج بعضها في الحدث، بينما يوسّع بعضها الآخر أُفق الدلالة، فالتمائم والرموز الجنائزية تمنح التابوت كثافته الحضارية، والعنخ يرتبط في سياق القصة بفكرة الحياة، فيما يحضر آتون ضمن منظومة النور واليقظة، ويظهر هذا التوظيف في الوصف الذي يرافق كشف المومياء " كانت الذراعان متقاطعتين على الصدر ، الذراع اليمنى تقبض على صولجان مُلكٍ غاب من زمن عتيق ، والذراع اليسرى تقبض على عنخ ، علامة الحياة الأبدية .."، فالمشهد هنا يجمع بين علامة السلطة وعلامة الحياة، ويضعهما في جسد واحد يبدو خارج الزمن، لكنّـه قادر على العودة إلى الحركة، وتستثمر القصة كذلك الإله آتون بوصفه علامة للنور؛ إذ يرد على لسان الملك تحديده له بقوله: "آتون القوة.. آتون الضوء.. آتون طارد الظلام.."، فيبدو آتون مرتبطًـا بمسار ضوئي يبدأ في الليل، ثم النجمة، فالفجر، فالشمس واليقظة، ومع ذلك ينبغي التمييز بين هذا الاستثمار الأدبي وبين إعادة بناء التاريخ المصري القديم، فالنص مدار البحث يجمع العناصر والرموز من سياقات تاريخية ومعتقدية متعددة داخل عالم تخييلي واحد، وهذه الحرية في الجمع لا تُـعدّ خللًا بذاتها ما دام النص لا يقدم نفسه بوصفه وثيقة تاريخية، لكنّـه يقتضي أن تكون المعلومات الحضارية التي توردها هذه الدراسة مُـوثّـقة بدقّـة. المحور السادس: العجائبي وتشخيص الطبيعة ينشأ العجائبي في هذا النص من أحداث تتجاوز قوانين الواقع المألوف، حيث نجد فيها صوت روح ميتة، ونجمة تهبط، ومومياء تستعيد وعيها، وموجة تحمل التابوت، وعناصر الطبيعة تردد عبارة إنسانية، لكنَّ هذه الأحداث لا تظهر كاستعراض منفصل للخوارق، بل تدخل تدريجيًـا في منطق هذا العالم القصصي، حتى يغدو العجائبي الوسيلة التي تسمح بتحويل الرغبة في العودة إلى فعل ممكن داخل الحكاية، ويعزز تشخيص الطبيعة هذا المنطق، فالموجة لا تؤدي وظيفة النقل وحدها بل تُـصوَّر بوصفها كائنًـا حانيًـا، وهذا ما يكشف عنه مقتطف من النص "لـفَّـته بيديها الحانتين وتوجَّـهت نحو الشرق"، فهنا تمنح الاستعارةُ الماءَ هيأة أُمومية، وتُـحّـول البحر من قوة مخيفة إلى وسيط للرعاية، فضلًا عن أنَّ مشاركة الهواء والشمس والطيور وأوراق الشجر في ترديد اللازمة "الغريب لن يبقَ غريبا..."، عملت على توسيع الحدث وتحويله من تجربة فردية إلى احتفال كوني بالعودة. المحور السابع: الحوار واللغة الشعرية والتكرار يعتمد هذا النص على الحوار بصورة واضحة، تخصيصًا الحوار بين العجوز والصوت القادم من التابوت، وهو هنا يؤدي ثلاث وظائف: 1/ تحريك الحدث: فمن دون الحوار ما كان العجوز ليقترب من التابوت. 2/ الكشف النفسي: فمن خلال ردوده نعرف خوف العجوز وتردده، وهذا ما يؤكّـده المقتطف الآتي من النص: "لا .. لا أجرؤ على لمس أقفاله.." 3/ الكشف الدلالي: فالملك من خلال الحوار يكشف غايته التي يؤكّـدها المقتطف الآتي من النص "أحنُّ إلى ملح النطرون.."، ثّـم "لكي تعيدني إلى النيل.." وهذا يجعل الحوار أداة للسرد، لا مجرد زينة شكلية. وفي المقابل تتكرر رغبة الملك في الهواء والنور والنطرون ملحًا وأرضًا، فيتدرج الحوار من طلب مبهم إلى كشف الغاية الفعلية للرحلة، ويصبح بذلك أداة تنقل الشخصيات من الخوف والالتباس إلى الفعل والمعرفة. تتسم اللغة في هذا النص بكثافة شعرية تظهر في الصور الحسية، والايقاع، والجمل المتوازية، والتشخيص، ومن ذلك ما يكشفه هذا المقتطف من النص في وصف دموع العجوز "سالت دمعتان دافئتان عبر أخاديد وجه العجوز.."، حيث يتحول الوجه إلى تضاريس، والدموع تعبر مساراتها، وهذا ما يربط أثر الحزن بالجسد والمكان، أمّـا التكرار فيبلغ ذروته في اللازمة " الغريب لن يبقَ غريبا..."، التي تبدأ قولًا داخل الحوار، ثم تتسع لتصبح صوتًـا يتردد في المكان والطبيعة، ويؤدّي التكرار هنا وظيفة بنائية، فهو يربط المراحل المتباعدة، ويمنح الرحلة إيقاعًـا يشبه الترنيمة، ويهيئ القارئ لتلقي النهاية بوصفها اكتمالًا لمعنى جرى بناؤه تدريجيًـا. المحور الثامن: الثنائيات الدلالية ومفارقة النهاية ينظم النص المدروس عددًا من الثنائيات التي لا تبقى متعارضة على نحو ثابت، بل تتغيّـر العلاقة بينهما خلال الرحلة، وهي: البحر والنيل، الغربة والوطن، الموت والحياة، الظلام والنور، النسيان والذاكرة، وأبرز هذه العلاقات هي ثنائية البحر والنيل؛ فالبحر يبدأ بوصفه فضاءً للمجهول والانفصال، ثم يصبح وسيلة للوصول إلى النيل، وهكذا لا يمحو هذا النص معنى الغربة، بل يعيد توظيف فضائها ليصير طريقًـا للعودة، وتتجلّـى مفارقة النهاية حين يكتمل وصول الملك إلى مدفنه، ثم يسمع القارئ أنَّ العجوز نفسه سيغادر عالمه، ويبدأ رحلته إلى وادي النيل، وهذا ما يشير إليه هذا المقتطف من النص "البحر أخفى دوائره، واحتضن جسد العجوز؛ ليبدأ هو الآخر رحلته إلى وادي النيل.."، فهذه النهاية تمنح اللازمة دلالة مزدوجة؛ لأنَّ الملك لم يعد غريبًـا عن موطنه، والعجوز لم يعد خارج دائرة العودة، ولا ينبغي اختزال هذا المعنى في القول إنَّ الموت هو عودة فحسب، فالأدق أنَّ هذا النص يعيد تصوير الموت ضمن منطقه الرمزي بوصفه انتقالًا إلى موضع الانتماء والاستقرار. القيمة الفنية والفكرية والملاحظات النقدية أولًا: القيمة الفنية والفكرية تتظافر في هذا النص مجموعة من السمات الفنية المتمثّـلة في كثافة الرموز، والتداخل بين الواقعي والعجائبي، وتشخيص الطبيعة، وفاعلية الحوار، والتكرار الإيقاعي، وحضور الماء والضوء، والبناء الدائري، وتمنح هذه العناصر النص وحدة جمالية؛ لأنّها تتجه جميعًـا نحو سؤال العودة واستعادة الهوية. وتكمن القيمة الفكرية لهذا النص في أنّـه يتجاوز سؤال: أين يذهب الميت؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: أين ينتمي الإنسان؟ فالملك لا يريد مجرد الخروج من التابوت، إنَّه يريد الهواء، النيل، ملح النطرون وأرضه، مدفنه، ذاكرته، ومن هنا تتقدم العودة، بوصفها استعادة للانتماء، على مجرد استعادة الحياة الجسدية، وهذا يجعل النص قصة عن الهوية بقدر ما هي قصة عن الموت. ثانيًا: الملاحظات النقدية ومن منظور نقدي، يمكن تسجيل بعض الملاحظات التي تزيد الدراسة توازنًا: أولًا: كثافة اللغة: تتميز اللغة بطاقة شعرية عالية، لكنّها في بعض المواضع تجعل السرد يقترب جدًا من اللغة الشعرية، بما قد يبطئ الحركة القصصية. ثانيًا: كثافة الرموز: تتسم العلامات الفرعونية بكثافة ملحوظة، وهو ما يمنح النص ثراءً دلاليًـا، لكنّـه يفترض قارئًا يمتلك قدرًا من المعرفة بالموروث الحضاري. ثالثًا: ثالثًا: حضور التاريخ بوصفه مادة تخييلية: يجمع النص بين الإحالة إلى وادي الملوك والمدفن الهرمي، وهما ينتميان إلى سياقين مختلفين من تقاليد الدفن الملكي في مصر القديمة؛ فوادي الملوك ارتبط بالمقابر المنحوتة في الصخر، في حين ارتبطت الأهرامات بتقاليد الدفن الملكي في عصور أسبق. ويمكن قراءة هذا الجمع بوصفه توظيفًا تخييليًا لعناصر من الموروث الجنائزي المصري، لا إعادة بناء تاريخية لطقوس الدفن وأمكنته. ومن ثم ينبغي التمييز بين حرية الكاتب في إعادة تركيب الرموز الحضارية داخل العالم القصصي، وبين الدقة التاريخية التي تقتضي التوثيق والتحقق عند تقديم المعلومات بوصفها حقائق تاريخية. فلا يُحاكم النص التخييلي بمعايير الوثيقة التاريخية ما لم يقدم نفسه بوصفه كذلك. النتائج تخلص الدراسة إلى النتائج الآتية: 1/ يتمحور النص حول الاغتراب والانتماء، ولا يقتصر على حكاية ملك فرعوني يستعيد مدفنه. 2/ يتحول ملح النطرون من مادة مرتبطة بتحنيط جسد الميت إلى علامة حسية على الأرض الأصلية والذاكرة. 3/ يؤدّي التابوت وظيفة متحولة؛ فهو وعاء للموت، ثم مركز للكشف، ثم وسيط للرحلة والعودة. 4/ تتغيّـر دلالة البحر خلال السرد من فضاء للفصل والمجهول إلى طريق يصل الغريب بوطنه. 5/ يمثّـل النيل مجال الانتماء، بينما يسهم المدفن الملكي في اكتمال هوية الملك داخل منطق النص. 6/ تتجاوز شخصية العجوز دور المساعد؛ إذ يصبح مصيره في النهاية امتدادًا لمسار العودة. 7/ يعمل الموروث المصري القديم بوصفه شبكة علامات سردية ورمزية، لا مجرد زخرفة ثقافية. 8/ يسهم تشخيص الطبيعة في جعل العالم العجائبي متماسكًا داخل القوانين الداخلية لهذا النص. 9/ يؤدي الحوار والتكرار وظيفة بنائية، وتصبح لازمة "لن يبقَ الغريب غريبا..."، مفتاحًـا تأويليًـا لنهاية النص. 10/ تمنح النهاية الدائرية النص معنى يتجاوز استعادة الماضي إلى مساءلة حاجة الإنسان إلى موضع ينتمي إليه. 11/ ينبغي التمييز في قراءة هذا النص بين حرية التخييل وبين الادعاءات التاريخية التي تحتاج إلى توثيق مستقل. 12/ استطاع النص أن يجمع بين المحلي والإنساني؛ إذ يبدأ من الحضارة المصرية القديمة وينتهي إلى سؤال إنساني كوني عن الوطن والهوية. الخاتمة يبني نص (أحنُّ إلى النطرون) حكايته من مفارقة مركزية هي ميت (الملك) يطلب العودة، وحيّ (العجوز) يساعده على استعادة موضعه، ثم يكتشف أنَّ طريق الميت يفضي إلى مصيره هو أيضًا، ومن خلال الماء والنور والتابوت والنطرون، يحـوّل النص الموروث المصري القديم إلى لغة سردية تسائل الذاكرة والانتماء، ولا تُـعـدّ العودة فيه حركة جغرافية فحسب، بل فعلًا رمزيًـا يستعيد فيه الملك صلته بالأصل. وتكمن قوة اللازمة "الغريب لن يبقَ غريبا..." في أنّـها تنمو مع الحدث؛ إذ تنتقل من وعد يطمئن الملك إلى خلاصة تتسع لتشمل العجوز والطبيعة والفضاء القصصي كله، وهكذا تنتهي الحكاية دون أن تنغلق دلالتها، فالوطن ليس نقطة على الخريطة فقط، بل المكان الذي تستعيد فيه الذاكرة معناها، ويجد فيه الكائن موضعًـا يطمئن إليه. المراجع والمصادر أولًا: المصدر الأساس الخشاب، وجدان. «أحنُّ إلى النطرون». نص قصصي، النسخة المقدمة في الملف المرفق. ثانيًا: المصادر الحضارية المساعدة في قراءة الموروث المصري القديم مصادر النطرون والتحنيط The Metropolitan Museum of Art. “Bag of Natron from Tutankhamun’s Embalming Cache.” The Met Collection. يوضح المصدر استعمال النطرون مادةً مجفِّفة في التحنيط. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/587568 مصادر الأواني الكانوبية والرموز الجنائزية The Metropolitan Museum of Art. “Fragments of a Canopic Jar Inscribed for Senimen.” The Met Collection. يتناول المصدر الأواني الكانوبية ووظيفتها في السياق الجنائزي. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/844004 The Metropolitan Museum of Art. “Canopic Jar.” The Met Collection. يوضح المصدر وظيفة الأواني الكانوبية وصلتها بالمعتقدات الجنائزية المصرية القديمة. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/550773 The Metropolitan Museum of Art. “Shabti of Akhenaten.” The Met Collection. يوضح المصدر وظيفة تماثيل الأوشابتي في العالم الآخر وفق المعتقد المصري القديم. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/549501 The Metropolitan Museum of Art. “Funerary Figure of Akhenaten.” The Met Collection. يوثّق المصدر ظهور علامة العنخ في سياق جنائزي. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/544684 مصادر آتون وأوزوريس وإيزيس The Metropolitan Museum of Art. “Akhenaten Sacrificing a Duck.” The Met Collection. يعرض المصدر تمثيل آتون بقرص الشمس وأشعته في الفن المرتبط بأخناتون. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/544056 The Metropolitan Museum of Art. “Divine Egypt: Overcoming Death.” يعرض المصدر دور أوزوريس في العالم الآخر وصلته بالمعتقدات الجنائزية، كما يتناول إيزيس في أسطورة أوزوريس. https://www.metmuseum.org/pt/exhibitions/divine-egypt/inside-the-exhibition تاريخ الاطلاع على المصادر الإلكترونية: 23 أكتوبر 2026.

2026/10/02

الخروج من التابوت نهارًا - من الحنين الى العبور

الخروج من التابوت نهارًا: من الحنين إلى العبور قراءة ChatGPT في قصة د. وجدان الخشاب إعداد: د. وجدان الخشاب تمهيد يتضمن هذا الملف نصي القصصي (الخروج من التابوت نهارًا) ثم يتبعه البحث الذي أجراه Chat gpt عليه. ********************************************************************************** الخروج من التابوت نهارًا { قصة } خيط شمسي رفيع تسلل عبر شقٍ صغير في جدار الهرم العتيق ... تحرّك ببطء شديد داخل فراغ المدفن الرملي ، اصطدم بأصابع غافية تراكم عليها الغبار واللفائف ... تساءل : ـ مَن هذا الجسد الغارق في عتمة وبرودة ألِفها هذا الجسد المؤطّر بلفائف تغرق هي الاخرى في عتمة المكان .. دار الشعاع حول الجسد والاسئلة تعوث في ذاكرته ، فبدأ يدفع شيئا من الدفء ليطرد برودة المدفن ويوقظ الانفاس ـ أنفاس المكان وأنفاس الجسد ـ تسلل ليعلن وجوده للأصابع التي تتمدد في تابوت ذهبي بلا غطاء ... حاول أن يحاورها ... انحنى بحنوِّ ليلفَّها بيديه الدافئتين ... فتحركت بهدوء ، أشرق الشعاع أكثر ليدفع الجسد الغافي الى يقظة ... مسّدهُ بداية من الأصابع وصولاً الى الرأس ، تعثرت أصابعه بالتاج ، أزاحهُ فارتكن الى زاوية التابوت الذهبي ... الآن ذهب يحاور ذهبًا ، يبكيان ويشهقان معًـا ... يهمس التابوت للتاج بخوف : -هل يفكر الشعاع بإيقاظ الجسد ؟ ينكمش التاج ويتجعد باحثًا عن حروفٍ يرصفها ولا يجد ... تعثرت حروفه وتساقطت الى جوفه فتثاقلت أنفاسه ، في الوقت ذاته كانت ذاكرته تتقيأ الكلمات ؛ لتصطف بنسقٍ جُمَليّ يعلن عن خيبته ... بحثت ذاكرته عن حباله الصوتية علّها تدفع صوتًـا ما خارجها ، لكنها تقطعت وترامت في مدخل بلعومه ... يأكلها الخوف ، فيما تهاربت حنجرته دون أن تترك رسالة، ظلَّ التابوت وحيدًا يرقب الشعاع وهو يبعث الحياة في الجسد الميت حتى تململ الجسد وأخذ يتمطى وينكمش ... مد َّ الشعاع أصابعه وأمسك باللفائف... فكَّ التفافها ورمى بها الى العتمة ... فتح الجسد عينيه ... أدارهما في الفراغ ... تساءل : ـ مَن أيقظ زمني وحمله عبر المسافات المفتوحة التي ألغت حدودها واستلقت بلا ذاكرة ؟ ـ مَن همسَ في اذني لحنًا هادئ القسمات ؟ مَن أيقظ الروح لتجول في هذا الجسد المفرَّغ الأحشاء ؟ بدأ الجسد الفرعوني يتململ أكثر .. ينفرش وينكمش ... دارت عيناه لتسقطان على التاج ... ظلّت ترمقانه للحظة .. تدقـقان في تفاصيل انحناءاته والتماعاته ، امتدَّت الأصابع لتقبض هذه الالتماعات فلسعتها برودته ، تنبَّه الجسد فيما كانت الذاكرة تقلِّب أوراقها التي بدأت تضيء ، قرأت العينان بعض سطورها بوضوح شفاف تقريبًا ، وبدأت تتذكر شيئا من تاريخها: تاج وعرش وصولجان ... خيول تصهل وتعانق الريح .. حسان الطرف موكولات بكل جميل ... نيل يشرب شباب حسناء فيغرق في المتعة ويفيض ... تخضَّر الارض وتستيقظ أزهارها وتفرش ألوانها وروائحها في الهواء ... تحرَّك الجسد الفرعوني ... اعتدل ... مد َّ يديه ... لسعته برودة التابوت ... تناهض واندفع خارجه ... جال في حيز المدفن الضيّق ... لَفتَ انتباهه باب ترامت عتبات صغيرة أمامه ... تقدَّم الجسد ، صعد العتبات بحذر أزَّ الباب حين امتدَّت يده لتفتحه ... لكنَّ الجسد كان مشغول الفكر بهذه الصور التي تنهال على ذاكرته بالتماعات ملوَّنة تشرق في كل مكان ... ألوان تعلن زهوها ، حوائط وسقوف وأجساد تفيض شبابًا ... عيون يحدد مسارها المنحني كحل مسوَّد الملامح ... فتلتمع وتحكي بصمت ... بخور وتراتيل تعلو ... تترنم بها الشفاه لتعانق حرائق القرابين ... ـ مَن أنا ؟ تسآءلت شفتاه فيما كانت قدماه تعبران الممر الضيِّق المنخفض ... التقطت عيناه بابًا آخر يشخص في نهاية الممر .. تسارعت خطواته ، وما إن وصله حتى ارتمت لهفته لتفتحه فتعالى أنينه وهو ينفتح متثاقلًا ... خطا الجسد داخل الغرفة ... أضاء الشعاع وجودها وهو يبتسم ليكشف لعينيه موجوداتها : عرش ذهبي وصولجان مرصَّع ... أردية موَشاة القسمات بألوان تزهو ... أساور ومحابس وماسات تشرق بانكسار الضوء في جوفها ... جمال له حضور مُعلَن تمسُّه يداه وتستغرب ، فيما تغرق ذاكرته في الصور التي تنهال منها ... لكن جسده محشور في هذا الحيّز الضيِّق الذي يستكشفه ولا يتعرَّفه ... دفعت حباله الصوتية سؤالًا الى شفتيه : ـ لماذا أنا هنا ؟ ما هذه ال ( هنا ) التي تضيق بي وأضيق بها ؟ مَن أنا ؟ سؤال يطرق ذاكرته المضببة .. ولا يجد جوابا ... في هذا الوقت كان الشعاع يرقب ويبتسم .. ولكنه طار ليحط في ميدان هيبو دروم حيث كانت المسلَّة الفرعونية تنتصب ... تحاور الهواء وعيون الغرباء التي تستطلعها ثم تحبس ملامحها في وميض الكاميرات ... ترمقها الشمس فتتراقص الرموز المرسومة على وجوهها الاربعة مع خيوط الشمس الذهبية ... انسلَّ الشعاع بهدوء وبدأ يتفحص المسلَّة صعودًا ونزولا.. دار حولها .. دقق في تفاصيل ثنياتها باحثًا... التقطت عيناه شقًـا في جدارها الشرقي، غمرته فرحة وهو يتسلل بهدوءٍ عبرها الى داخل المسلَّة ، اصطدم بالجسد الذي يغفو واقـفًـا بانتصاب يوازي انتصابها ليعلن الموت وقوفًا وليس تمددًا ... عرفَه إنَّه هامان الذي لملم جسده من حفرة الدفن ليستقر في عمق المسلَّة وَلهًا بها ... وحين امتدَّت يد الغزاة وحملتها عبر الحدود ، غفا بهدوء مستسلم داخلها ، يلتحف بجدرانها ويبكي ، منتظرًا زمنًا آخر يحمله الى وادي النيل .. مدَّ الشعاع يديه بحنوٍ الى رأس هامان ، مسَّده ليوقظ الذاكرة التي غفت عارية ، لا لفائف تلتف حولها ولا تيجان تلتمع ولا نطرون يفوح منها ، مسَّد العينان ليفـكَّ انطباقهما لكنهما ظلَّتا عصيتين عليه ... وَخز الألم قلب الشعاع ، عاد الى رأس هامان يمسِّده بدفء ؛ ليدفع عينيه الى انفتاح .. مدهوشًا فتحهما ليعلن : ـ مَن أيقظ غفوتي ؟ مَن أضاء ضوء ذاكرتي ؟ ابتسم الشعاع ليعلن بصوت آمر : ـ يا هامان ... تعال ... يا هامان ... تعال ... تنبَّه هامان .. دارت عيناه وقبل أن تستقر على شيء كان جسده ينسل ُّ محمولًا خارج المسلَّة ... فاجأه ضوء شمس النهار ، انكمش لينسحب ... ناداه الشعاع : ـ يا هامان لِمَ تنسحب وحيدا ، وعيناك ترسمان عالمًا آخر لا يتوقف ولا ينطلق ... أنتَ مَن حاول تخطيط الأفق ... ودفع الحلم الى حضورٍ آخر يشرق في أُفقٍ شفّاف ... فتح هامان عينيه وذاكرته معًا... مدّ َ يديه لتطبقان على الشعاع ... فيما جالت في ذاكرته فكرة: الآن يا هامان يشتبك المكان والزمان معًـا بيد وقلب وذاكرة تموج بما تلتقط .. التفتَ .. اصطدم بالشعاع الذي بدأ يدفع السؤال الى ذاكرته : ـ هل غرقت يوماً في بحر مرمرة ...؟ بحر مزرق القسمات .. تتآكله قذارات ودخان السفن .. ضحكات الوجوه تتعالى وصيحات الفرح تمرح هنا وهناك، نهار مرمرة أزرق وليله فضي الملامح .. تتراقص قناديل البحر عن قرب لتعلن وجودًا شفافًـا .. والليل يرقد عند قدمي مرمرة خابيًـا تفضحه الأنوار .. يخاتله ولكنّه يكشف عن وجوده .. يهرب منه هرب مجرم مكشوف القسمات .. ليل مرمرة وهج ونهاره وهج .. ـ تعال .. يا هامان .. نتألق فيه تألق قناديله ونوارسه المحلقات .. ـ ألا يكفيني الموت .. لا.. لا أريد الغرق .. ولكن ما تلك الأنوار في الجنوب؟ ـ إنّها ميرسين تغـفو على ذراع البحر .. أترى ؟ ـ ماذا ؟ ـ أنوارها تتألق وتحضن العتمة .. شوارعها تطرد عابريها فيما الساعة تدق الثانية عشرة .. والبحر يمتص العتمة ، ويدفع بها الى جوفه .. ليبدأ حوار السفن الكبيرة الراسية على مبعدة مع قوارب الشاطئ ، ترسل إليها شارات العشق عبر نسيم يتهادى ... لكنّها القوارب تتمانع عن الرد ، وتترك البحر ليموج بهدوء ... ـ يا ميرسين يا هادئة الليل .. يناديني البحر وقطراته تصرخ بي : ـ تعال يا هامان .. تعال اغتسل من النسيان تعال .. اغرق علّك تستعيد الذاكرة التي هامت بلا اتجاه ـ أنا لا أغرق ولا أطفو .. أنا وحيد وسفني بلا أشرعة ولا رجال .. وهذه ميرسين تسحب وجودها من عينيَّ ؛ لتغفو في حضن الرمل عند أكتاف البحر ... مدَّ الشعاع يديه ومسَّد رأس هامان مرة مضافة ، ثم أطبق جفنيه بأصابعه للحظات وسحبهما ... فتح هامان عينيه مبهورًا : ـ أين أنا ؟ ـ أنت في أنقرة ... أترى ؟ الفجر يشرق بعينين نصف مفتوحتين ... ويطل بهدوء كماء بحر أتعبه المسير الشاق ، والنسمات الباردة تصافح وجوه العمارات التي تنتصب بشموخ مُلوَّن .. يا هامان .. أيّها الناهض من عمق تراب التاريخ البعيد .. هذه أنقرة التي تزهو بشموخ مبانيها وبرج التجارة يناديك ، يمدُّ إليك يـدًا من عليائه تقول: ـ اِصعد يا هامان .. اِصعد .. الأقزام يرتفعون عن الأرض ليستقروا في منتصف الطريق بين الفضاء والأرض .. ـ اِصعد يا هامان ... اِصعد ... وأنقرة تشمخ تحت ناظريك ... ساكنة في الهواء والألوان ... اِصعد يا هامان ... اِصعد ... أنقرة علب تتراكب على بعضها كمكعبات يلهو بها الأطفال حين يبنون قصورًا وعمارات .. بكى هامان ، وانسحب منكفئا تحت حائط برج التجارة حين أشرقت ذاكرته بومضة أعقبتها صرخة : ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي الأسباب ) لم يعرف مَن صرخ ... لكـنَّه بكى لأنّ أنقرة الجميلة هي الأخرى لم تجعله يبلغ الأسباب ... تنبَّه الشعاع ... اقترب وجلس أمام هامان ... مدَّ يديه ورفع رأسه فالتقت العيون: ـ يا هامان ... لِمَ تنسحب وحيدًا ... تبكي وعيناك تبحثان عن عالم لم ينطلق من مدفنه ؟ أنت مَن حاول تخطيط الأفق بالهرم العتيق ، وتحديد زواياه وغرفه و ممراته .. أنت مَن هيّـا النطرون واللفائف والتمائم والتعاويذ والتماثيل الذهبية .. أنتَ مَن أحرق البخور وزيَّن التابوت ؛ ليرقد فيه الفرعون بسلام ... اِسمعها .. اِسمعها التراتيل تتردد ..تعلو وتهبط لتملأ الفضاء .. وتطارد رائحة الموت التي استيقظت لتسكن الجسد الفرعوني. ـ كأني أسمعها ... تقترب .. تتراكض .. تطوي الزمن .. أسمعها .. تصرخ بي : ـ يا هامان عُـد الى ترابك .. يا هامان عُـد الى ترابك .. نهض الشعاع وحمل جسد هامان طائرًا : ـ يا هامان أنقرة تبعد .. واسطنبول تنتظرك عند بواباتها المفتوحة لزمن متوهج الألوان .. ـ اسطنبول ؟ ـ نعم ، لنذهب الى توب كابي ... ـ لا.. لا أريد ... انسحب الشعاع حزينًـا ؛ لينكفئ في زاوية الحديقة السلطانية ، فيما خطا هامان أولى خطواته في توب كالي .. جالَ في ردهاته وممراته .. ثم ركن الى جذع نخلة عتيقة تفيأ في ظلها ... فيما كانت ذاكرته تحاول استعادة مخزونها ، لكـنَّها بدت له معتمة تمامًـا.. رنا الشعاع إلى هامان .. حائرًا يبدو .. غارقًا في لُجّة عابثة لم يمسك منها بمعلومة واحدة تضئ الذاكرة الخابية .. نهض وخطا بهدوء نحو الشجرة ، وبدأ يدفع الى ذاكرة هامان صورًا لأزمنة غرقت في قاع تاريخ يَرحَلُ ويُرحِّل الأشياء : ـ يا هامان .. السلاطين تواريخ تشرق وتكتب سطورًا من ذهب يركن الى البوابات والشبابيك ، فيرسم لها ملامح واشراقات ذهبية ... انظر اليه توب كابي وسقوفه المنقوشة بزخرفات ملوَّنة ، تحفظ بصمات ليل ونهار أشرق وأخفى .. لكنَّه التاريخ ينسلُّ من غفوته ؛ ليعلن وجوده في ردهات وممرات غرفٍ تُـخفي خلف زجاجها سلاطين الأشياء .. جوهرة هنا وخوذة وسيف هناك ، والتخت السلطاني يغـفـو الآن تحت قبة ذهبية النقشات ، ومفارش ذهبية القسمات ، وأنفاس لم تعد هوائية بل هي الآن ترابية .. ألا تُـذكِّـركَ بتاريخٍ ما ؟ رفع هامان عينين مطفأتين وهزَّ رأسه حائرًا ... فعاد الشعاع الى الإرسال : توب كابي .. أنفاس السلاطين والأميرات ، الجواري والعبيد تتراكم في الزوايا ، تبحث عن إشراقٍ ما يعيد إليها الهواء والشمس ، أنفاس ترى الى الغرباء يدوسون القصر الذهبي ، يجوسون في ثنياته ، يُخرِجون اشياءه من ظلال العتمة الى نور الكاميرات ، لكنَّهم الآن سلاطين بلا سلطان ... ألا تذكر أنَّ للسلطان سلطوية مطلقة القسمات .. لكنَّها الآن مطلقة الضياع .. انظرها هذه الوجوه ... سُمر.. شُقر ..صُفر ... لا شيء اليوم يشبه البارحة .. والسنوات عجاف حوَّلت الذهب السلطاني الى نحاس يغفو هو الآخر تحت ظلمة الغبار ... ـ يكفيك .. يكفيك .. ذاكرتي مطفأة لِمَ تحاول ايقاظها .. ـ ستشرق .. نعم ستشرق .. مـدَّ لي يدًا أمـدُّ لك يقظة ... ـ لا .. لن تشرق .. ـ بل ستشرق .. تعال .. تلاقت الأيدي وانطلقا ليشهدا معًـا : في جناح الأميرات .. الأضواء تكشف الأسرار .. تتسلل الى الممنوع والمسموح ؛ لتتركه في عراء الشمس تحت عيون بشرية تتفحص ، وعيون آلية تسجل وتعلن .. تساءل هامان : ـ مَن سمح للغرباء أن يدوسوا هدأة غرف الأميرات ؟ مَن سمح لعيون الرجال استطلاع أسرار الأميرات ؟ ـ لا ذنب لعيون سُمِح لها أن تقرأ أسرار وخفايا غرف الحريم ، التي كانت يومًـا مقفلة الملامح ، ترنو الى الداخلين من خلف شقوق الستائر والبوابات .. لكنَّها الآن مكشوفة الجذور لسطوة شعاعات الشمس .. ـ ألم تشرق ذاكرتك بعد .. يا هامان؟ ـ لماذا تؤلم ذاكرتي الغافية بوخزك هذا ؟ أعدني الى مدفني فأنتصب هناك وأغـفـو .. ـ بل سأدفع بك الى تلك العربة ... ـ ماذا ؟ ـ نعم .. تلك العربة .. أَسرعْ .. أَسرعْ .. ستنطلق .. ـ الى أين ؟ ـ أسرعْ .. ـ أترى ؟ بدأت العربة تشقُّ الصمت المطبق بصوت محركها الذي بدأ يئن تحت وطأة الارتفاع . ـ الى أين ؟ ـ ها أنا أدعوك الى الصعود الى ما بعد الألفي متر ، باتجاه غيمة ثلجية الملامح .. انظر .. الطريق الوحيد يحتضن أشجارًا شبابية الخضرة .. معـتَّـقة الوجود .. تتشابك لتحتضن بعضها وترد عنها الغرباء .. وترتفع مع ارتفاع الطريق الأوحد ... ـ هل الجبل مثلث القمة ؟ ـ لا يا هامان ، ليس هو كالهرم الفرعوني العتيق الذي قرأتَ فيه تراتيلك .. ونشرتَ فيه روائح بخوركَ وحصَّنته بالتمائم .. اِصعدْ يا هامان .. اِصعدْ ـ الليل هنا يطبق بعتمة باردة صامتة ... ـ مَن قال أنَّ الليل والصمت لا يتطابقان ؟ إنَّهما يتآلفان هنا كعاشقين التمّا في هدأةٍ تغـفل عن كل شئ .. القمة تنتظرك .. وممراتها تتلوى ؛ لتسقط عند أقدام فنادق شاهقة ... يا هامان .. الآن جبل أُولوداغ يعانق الغيمة .. يمدُّ لها يدًا دافئة تضمها وترقص معها على أنغام دافئة ، فيرقص الليل والجبل والهدأة والعتمة ، ليشكِّـلوا أزواجًـا من جمال يوقظ حفلات سلاطين غفوا في ظل ذرات ترابٍ هائمةٍ على الأرض السلطانية .. ـ وصلنا ؟ ـ تَرجَّلْ يا هامان .. تَرجَّلْ ... هذه قمة اولوداغ .. وهذه تركيا ترتمي عند قدميه .. تَرجَّلْ ... ـ ما بك؟ ـ أسمعُ صراخات من عمق البعد ولا أُميزها . ـ ماذا ؟ ـ اِسمعْ .. اِنصتْ لتسمع . ـ تلفتا معًـا بدا الصوت واضحًـا.. الفرعون يزأر بجنون : ( يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب ) اِلتفتَ الشعاع فأبصر الفرعون بوضوح .. حدقتاه تتفجر ألمًـا.. يداه تنكمش وتتكسر .. يتآكله الغضب والرعب معًـا .. وصراخاته تتعالى ... صداها يزلزل المدفن الرملي .. يتساقط الرمل بانثيال أعمى ويلاحق جسده.. يرتعب .. يركض .. يصطدم جسده بالتابوت .. يتحامل ليتمدد فيه ويطبق شفتيه وجفنيه .. فيما ذرات التراب الهائجة تتكوم عليه ، فتنطفئ العينان والذاكرة معًـا .. ينتبه الشعاع يلملم هامان ويطير عائدًا الى المسلَّة ، بحنوٍّ ينسلُّ عبر الشق ليعيده داخلها ، هامسًا في ذاكرته : نَمْ .. يا هامان .. نَمْ الفرعون لم يستيقظ بعد .. الليل طويل .. والحلم تساقط تحت تراب عتيق ... انسحب الشعاع بهدوء فيما كان هامان يطبق جفنيه وذاكرته معًـا ... ويغرق منتصبًا في عمق المسلَّة ... 2010م ************************************************************* ملخص البحث تتناول هذه الدراسة قصة (الخروج من التابوت نهارًا) بوصفها نصًا سرديًا يقوم على استعادة التاريخ الفرعوني، وإعادة تشكيله داخل شبكة من الأمكنة والأزمنة المتباعدة، وتنطلق القراءة من مركزية «الشعاع» الذي يتحول من عنصر ضوئي إلى فاعل سردي يوقظ الجسد والذاكرة، ومن شخصية هامان (الوزير المسؤول عن البناء والمعمار) التي تعبر من المدفن الفرعوني إلى فضاءات تركية معاصرة، فتلتقي في رحلتها أمكنة التاريخ القديم بأمكنة الحاضر. وتسعى الدراسة إلى الكشف عن دلالات التابوت، والضوء، والذاكرة، والمسلة، والرحلة، وتداخل المكان والزمان، كما تتوقف عند العلاقة بين العنوان وبين مفهوم «الخروج نهارًا» في الأدب الجنائزي المصري القديم. وتخلص إلى أن الرحلة في القصة لا تمثل انتقالًا مكانيًا فحسب، وإنما تجسد حركة من الحنين إلى العبور، ومن استعادة الماضي إلى اختباره في فضاء الحاضر. الكلمات المفتاحية: الخروج نهارًا، التابوت، الذاكرة، الشعاع، هامان، المكان، الزمن، المتخيل الفرعوني، الرحلة، العبور. المقدمة تنهض قصة (الخروج من التابوت نهارًا) على بناء سردي يتجاوز الحكاية المباشرة، إذ تستدعي شخصية من عمق التاريخ وتدفع بها إلى رحلة تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة، وتتجاور فيها مصر الفرعونية مع إسطنبول وميرسين وأنقرة وأولوداغ. ومنذ البداية، يفتح النص منفذًا بين عالمين؛ إذ يتسلل (خيط شمسي رفيع) عبر شق في جدار الهرم، ويتقدم داخل المدفن حتى يبلغ جسدًا غارقًا في العتمة، ولا يظل هذا الشعاع مجرد مصدر للإضاءة، بل يتحول تدريجيًا إلى قوة فاعلة تستدعي الجسد وتوقظ الذاكرة وتدفع الشخصية إلى مغادرة سكونها. وتكتسب جملة (الخروج نهارًا) في عنوان القصة أهمية خاصة عند وضعها في سياق الأدب الجنائزي المصري القديم، فمتحف فيتزويليام بجامعة كامبردج يوضح أنَّ المصريين القدماء أطلقوا على مجموعة النصوص التي عُرفت لاحقًا باسم (كتاب الموتى) تسمية ترتبط بــ (الخروج في النهار)، وهذه النصوص كانت تُدفن مع المتوفى لمساعدته في اجتياز أخطار العالم الآخر، كما يورد المتحف أنَّ بعض هذه الصيغ تعود إلى تقاليد جنائزية أقدم، منها نصوص الأهرام، ولا يعني هذا أنَّ القصة تعيد إنتاج النصوص الجنائزية القديمة أو تحاكيها حرفيًا؛ بل إنَّ أهميتها تكمن في استثمار صدى هذا الموروث داخل كتابة سردية حديثة، تجعل الخروج من التابوت بداية رحلة تخييلية عبر التاريخ والجغرافيا. ومن هنا تتحدد إشكالية البحث في السؤال الآتي: كيف تُحوّل هذه القصة فعل الخروج من التابوت إلى رحلة في الذاكرة والزمن والمكان، وكيف ينتقل المتخيل الفرعوني فيها من الحنين إلى العبور؟ منهج البحث اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي بوصفه المنهج الأكثر ملاءمة لطبيعة القصة المدروسة، مع الإفادة من بعض آليات المنهج السيميائي والمنهج الجمالي في قراءة العلامات والدلالات التي يتأسس عليها البناء السردي. وقد انطلق من قراءة القصة في كليتها، ثم عمد إلى تفكيك مكوناتها السردية واللغوية والبصرية، للكشف عن طرائق اشتغالها في إنتاج المعنى. كما استعان البحث بالقراءة التأويلية في مقاربة العلاقة بين المكان والذاكرة والرحلة، ولا سيما في انتقال القصة من الجغرافيا الواقعية إلى المتخيل الفرعوني، وما يترتب على ذلك من تداخل بين التجربة الشخصية والمرجعية الحضارية، ولم يتعامل البحث مع الإشارات التاريخية والحضارية الواردة في القصة بوصفها مجرد معلومات مرجعية، وإنّـما بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل الرؤية السردية وبناء الدلالة. ويقوم البحث، في جانب منه، على رصد تحول المكان من فضاء جغرافي إلى ذاكرة ثقافية، وتتبع الكيفية التي تتحول بها الرحلة في هذه القصة من حركة في المكان إلى حركة في الوعي، بما يسمح بقراءتها من زاوية (الحنين الى العبور) حيث يتجاور الواقعي والمتخيل، والحاضر والماضي، والتجربة الفردية والذاكرة الحضارية. وقد حرص البحث على الاستشهاد بالمقاطع النصية ذات الصلة المباشرة بكل محور، مع قراءة هذه المقاطع ضمن سياقها العام، تجنبًا لعزلها عن بنيتها السردية، وصولًا إلى نتائج تستند إلى معطيات القصة نفسها، وتكشف عن خصوصية تجربته في استعادة الماضي الحضاري وإعادة تشكيله داخل الحاضر. محاور البحث تقوم الدراسة على مجموعة من المحاور المتكاملة، تتوزع على النحو الآتي: العنوان وصلته بمفهوم(الخروج نهارًا) في الأدب الجنائزي المصري القديم، والشعاع بوصفه فاعلًا سرديًا ومحرِّكًا للذاكرة، والتابوت بوصفه عتبة زمنية، وهامان بوصفه شخصية تخييلية تتقاطع فيها المرجعيات التاريخية والدينية والثقافية، والمسلة بوصفها أثـرًا محمولًا للذاكرة الحضارية، والجغرافيا بوصفها وسيطًـا لاستدعاء الذاكرة والزمن، واشتباك المكان والزمان، ثُـمَّ توب كابي بوصفه فضاءً لحوار الحضارات، وصولًا الى ثنائية الحنين والعبور، والعودة الى التابوت بوصفها نهاية دائرية، وما يتصل بذلك من بنية الضوء والعتمة والقيم الجمالية للرحلة. المحور الأول: العنوان وذاكرة (الخروج نهارًا( يحمل عنوان القصة مفتاحًا أول لقراءتها، فـ (الخروج) فعل حركة، في مقابل (التابوت) الذي يحيل إلى السكون والموت والانغلاق. أمّا (نهارًا) فيضع هذه الحركة تحت علامة الضوء والانكشاف، وهذا التكوين الثلاثي: الخروج ـ التابوت ـ النهار، يصنع منذ البداية مفارقة دلالية بين الداخل والخارج، والموت والحياة، والعتمة والضوء. وتزداد هذه المفارقة أهمية حين نعرف أنَّ جملة (الخروج نهارًا) ترتبط في الأدبيات المصرية القديمة بما يُعرف اصطلاحًا بـ (كتاب الموتى)، ويشير متحف فيتزويليام إلى أن المصريين أنفسهم لم يسموا هذه المجموعة (كتاب الموتى) بل ارتبطت تسميتها بصيغ (الخروج في النهار)، وأنَّ من موضوعاتها الأساسية استمرار وجود المتوفى في الحياة الآخرة، ويمنح هذا السياق عنوان القصة أفقًا تأويليًا إضافيًا؛ إذ يصبح (الخروج) في النص الحديث صدى بعيدًا لفكرة قديمة هي استمرار الوجود بعد الموت، غير أنَّ القصة تجري تعديلًا جوهريًا على هذه الفكرة: فالشخصية لا تخرج إلى عالم أخروي ثابت، بل إلى عالم حديث متغير، تنتقل فيه من مصر الفرعونية إلى مدن وأمكنة تنتمي إلى تاريخ وحضارة أخرى، وهنا يتحول (الخروج نهارًا) من مفهوم جنائزي إلى مجاز للعبور عبر التاريخ. المحور الثاني: الشعاع: حين يتحول الضوء إلى شخصية سردية يُعد الشعاع أكثر عناصر القصة تميزًا من الناحية الفنية، فهو يدخل النص في صورة (خيط شمسي رفيع) ثم يبدأ بالتقدم داخل المدفن، ويلامس الجسد، ويمنحه شيئًا من الدفء، ويحاول محاورته، ثم يفك اللفائف التي تحيط به، إذًا نحن أمام ضوء اكتسب صفات الفاعل الإنساني: يتحرك، ويسأل، ويحاور، ويبتسم، وينادي، ويحمل، ويدفع، وهكذا تتحول الاستعارة إلى آلية سردية، فالضوء ليس ما يجعل الجسد يرى فقط، وإنّـما ما يجعله يستعيد قدرته على التذكر، وتتضح هذه الوظيفة عندما يبدأ الجسد في استعادة صور التاج والعرش والصولجان والخيل والنيل والأزهار والبخور والتراتيل، والذاكرة هنا لا تُفتح بواسطة خطاب مباشر، وإنّما بواسطة اللمس والضوء والحركة. وهذا يجعل الشعاع وسيطًا بين مستويين: • عالم الموت وعالم الحياة. • عالم الماضي وعالم الحاضر. • عالم النسيان وعالم الذاكرة. • عالم العتمة وعالم الكشف. ومن ثم يمكن القول إنَّ الشعاع يؤدي في البنية السردية وظيفة الموقظ؛ فهو الذي يخرج الشخصية من حالة الوجود الساكن إلى حالة الوجود المتحرك. المحور الثالث: التابوت بوصفه عتبة بين زمنين لا يؤدي التابوت في القصة وظيفة مكانية فحسب، وإنّما يتحوّل إلى علامة على انغلاق الزمن، فالجسد في داخله، والذاكرة غافية، والأشياء محجوبة بالعتمة، وعندما يبدأ الشعاع بتفكيك اللفائف، يستعيد الجسد الحركة، ثم يفتح عينيه، ويسأل عن الزمن الذي أُعيد إليه، وهذا ما يكشف عنه مقتطف شديد الأهمية من القصة "من أيقظ زمني وحمله عبر المسافات المفتوحة التي ألغت حدودها...؟" فالسؤال لا يتعلق بالمكان وحده، وإنّما بالزمن الذي أصبح قابلًا للحمل والانتقال، وهذا ما يجعل الخروج من التابوت عبورًا زمنيًا بقدر ما هو خروج مكاني، والشخصية لا تخرج إلى حاضرها، وإنّما تدخل في زمن لا تعرفه، وتبدأ في اكتشافه بالتدريج، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التابوت بوصفه عتبة سردية: ما قبله هو زمن السكون، وما بعده زمن الرحلة. المحور الرابع: هامان واستعادة الذاكرة تتقدم شخصية هامان في هذه القصة بوصفها شخصية تخييلية، تتقاطع فيها المرجعيات التاريخية والدينية والثقافية، فحين يعثر الشعاع على جسده الراقد داخل المسلة، يصبح هامان هو نفسه جزءًا من الأثر، وهذه الصورة شديدة الدلالة، حيث أنَّ الإنسان يصبح أثـرًا، والأثر يصبح حاملًا للإنسان، وتكتمل الدائرة حين يوقظ الشعاع هامان، فيفتح عينيه ويسأل: "من أيقظ غفوتي؟ من أضاء ضوء ذاكرتي" وهكذا يتحدد جوهر الشخصية في هذا المقتطف من القصة، فهي لا تستيقظ من الموت فقط، بل من غفوة الذاكرة، والذاكرة التي تبدأ في الظهور ليست ذاكرة مكتملة، وإنّـما شظايا وصور وأصوات وروائح، وهذا يمنح السرد طابعًا حلميًا، إذ لا تعود الشخصية إلى الماضي عودة وثائقية، وإنّـما تستعيده عبر ومضات حسية. المحور الخامس: المسلة: ذاكرة الحضارة المحمولة تُـمثّـل المسلة واحدة من أكثر العلامات دلالة في القصة، فهي أثر فرعوني موجود في ميدان هيبو دروم، وتصبح في النص نقطة التقاء بين الحضارة المصرية القديمة والجغرافيا التركية، وبذلك تتحوّل المسلة من أثر تاريخي إلى صورة للحضارة حين تعبر حدودها الأصلية، إنّها تحمل مصر داخل مكان آخر، ومن خلالها يصبح التاريخ قابلًا لأن ينتقل من جغرافيا إلى جغرافيا، دون أن يفقد قدرته على إثارة الأسئلة، كما أنَّ وجود هامان داخل المسلة يضيف معنى آخر: فالشخصية التاريخية نفسها تصبح محمولة داخل الأثر، وكأنَّ الحضارة لا تُحمل في الحجر وحده، وإنّـما في الذاكرة التي يسكنها. المحور السادس: من ميرسين إلى أنقرة: الجغرافيا بوصفها ذاكرة لا تأتي المدن التركية في القصة على سبيل الوصف المكاني أو السياحي، وإنّـما تؤدي وظيفة سردية تتصل ببناء الذاكرة، وتشكيل دلالة الرحلة، فالمكان هنا لا يستقبل الشخصية فحسب، بل يستدعي طبقات من المعنى كـلّـما انتقلت إليه. في ميرسين، يلتقي هامان بالبحر؛ فيتحـوّل البحر من عنصر جغرافي الى فضاء رمزي تتقاطع فيه دلالات الغرق والتطهير واستعادة الذاكرة، ويكتسب هذا التحـوّل دلالته من الحوار الذي يدعوه فيه البحر الى (الاغتسال من النسيان) واستعادة الذاكرة، فالماء لا يعود مجـرّد امتداد طبيعي، وإنَّـما يصبح وسيطًـا بين النسيان والتذكّـر، وبين الماضي الذي غاب والوعي الذي يحاول استعادته. ومن ثُـمَّ تتحـوّل الجغرافيا – في هذا الموضع – الى أداة لتحريك الذاكرة لا الى خلفية ثابتة للحدث. أمّا أنقرة مستوى مكانيًـا مختلفًا؛ إذ ينتقل هامان الى مدينة حديثة، تواجه فيها هذه الشخصية القادمة من عمق التاريخ العمارات الشاهقة وبرج التجارة، وهنا يتولّـد التوتر بين زمنين: زمن الشخصية الفرعونية، وزمن المدينة الحديثة، ولا يبقى العمران الحديث مجـرّد مشهد بصري، بل يستدعي في ذاكرة هامان صورة البناء، فتنبثق الآية القرآنية في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ )غافر: 36( ويكشف هذا الاستدعاء عن أنَّ المتخيل الفرعوني في القصة مدار البحث، لا يتشكّـل من المرجعية التاريخية وحدها، وإنّـما يتسع ليشمل الذاكرة الثقافية العربية، وما تختزنه من صور متصلة بهامان والبناء والصرح. ومن هنا يتخذ المكان وظيفة تأويلية تتجاوز حدوده الجغرافية، فالهرم والصرح والبرج ينتظمون داخل حقل دلالي واحد، قوامه محاولة الإنسان أن يرفع البناء نحو السماء، وأن يتجاوز حدود الأرض، وبذلك تتحـوّل الجغرافيا من مسار للانتقال الى وسيط لاستحضار الزمن الحضاري، ويصبح المكان المُشاهَد مدخلًا الى طبقاته التاريخية والثقافية، وهذا ما يجعل علاقة الإنسان بالمكان في هذه القصة علاقة بالذاكرة أيضًا؛ فكل انتقال جغرافي يستدعي طبقة من الماضي، وكل مكان جديد يفتح احتمالًا جديدًا للعبور بين الأزمنة. المحور السابع: اشتباك المكان والزمان لعلَّ من أهم مفاتيح هذه القصة مدار البحث هو العبارة الصريحة التي تقول: "الآن يا هامان يشتبك المكان والزمان معًا بيد وقلب وذاكرة تموج بما تلتقط" فهذه العبارة تصلح مدخلًا نظريًا لقراءة البناء الزمني والمكاني فيها، فالشخصية لا تتحرك داخل خط زمني مستقيم، وإنَّـما تنتقل بين طبقات زمنية متباعدة، كما يستدعي كل مكان طبقة أُخرى من الذاكرة، ويمكن مقاربة هذا البناء في ضوء مفهوم الزمن السردي عند جيرار جنيت، ولا سيما التمييز بين زمن الأحداث والطريقة التي يعيد بها الخطاب السردي ترتيبها وعرضها؛ فالقصة لا تكتفي بتمثيل انتقال الشخصية بين الأمكنة، بل تجعل هذا الانتقال وسيلة لإعادة ترتيب علاقتها بالماضي والحاضر، ومن ثـمَّ يصبح المكان والزمان عنصرين متداخلين في إنتاج المعنى، لا إطارين منفصلين لوقوع الأحداث، وبذلك لا يكون المكان في القصة مجرد إطار تجري فيه الأحداث، بل يصبح أداة لاستدعاء الزمن، حيث إنَّ المسلة تستدعي مصر، وميرسين تستدعي البحر والرحلة، وأنقرة تستدعي الصرح، وتوب كابي يستدعي تاريخ السلطة، وأولوداغ يستدعي الارتفاع والجبل في مواجهة الهرم، إنّـها جغرافيا تتحوّل باستمرار إلى ذاكرة، وزمن يتجسّد في المكان كلّـما تحـرّكت الشخصية داخله، المحور الثامن: توب كابي وحوار الحضارات عندما يصل هامان إلى قصر توب كابي، تدخل القصة في طبقة حضارية جديدة، حيث يواجه القصر السلطاني، والتيجان، والجواهر، والأردية، والأسلحة، والأميرات، والجواري، والتخت السلطاني، لكنّـه لا يرى هذه الأشياء بوصفها مظاهر قوة حاضرة، بل بوصفها آثارًا لسلطة انقضت، فالقصة تعلن أنّ مَـن كانوا سلاطين صاروا "سلاطين بلا سلطان" وأنَّ الذهب السلطاني نفسه تحوّل تحت الغبار إلى مادة فاقدة لبريقها، وهنا يتشكّل حوار عميق بين الحضارتين، فالفرعون الذي خرج من التابوت يلتقي بتاريخ إمبراطوري آخر، فيكتشف أنَّ الزمن فعل بالسلطنة ما فعله بماضيه هو أيضًا، وبذلك لا تصبح الرحلة مقارنة بين حضارتين بقدر ما تصبح تأملًا في مصير السلطة والإنسان أمام الزمن. المحور التاسع: الذاكرة المؤلمة لا تقدم القصة استعادة الذاكرة بوصفها خلاصًا مريحًا، فكلما اقترب هامان من ماضيه، ازداد الألم، وفي توب كابي يسأل عن اقتحام الغرباء لأسرار غرف الأميرات، ثم يطلب من الشعاع أن يعيده إلى مدفنه، لأنّه يريد أن ينتصب هناك ويغـفو، وهنا تكشف القصة عن وجه آخر للذاكرة: أن التذكّر قد يكون أكثر ألمًا من النسيان؛ لأنَّ النسيان يريح الشخصية من ثقل الماضي، بينما التذكّر يعيد إليها الأصوات والسلطة والخوف والمصير، وهذه المفارقة تمنح الرحلة بُـعدها الإنساني؛ فالإنسان لا يطلب الماضي دائمًا لأنّـه جميل، وإنّـما لأنّـه جزء منه، حتى عندما يكون استعادته موجعة. المحور العاشر: من الحنين إلى العبور في ضوء هذه المستويات، يظهر أنَّ جملة (من الحنين الى العبور) لا تصف جانبًا واحدًا من القصة، وإنّـما تختصر بنيتها العميقة، فالحنين هو نقطة الانطلاق، والشخصية تستعيد صور الماضي، وتبحث عن هويتها، ففي هذا المقتطف من النص تسأل "من أنا"، لكنّـها لا تتوقف عند السؤال، بل تتحرك، فتخرج من المدفن، وتعبر الأبواب، وتدخل الغرف، وتصل إلى المسلة، ثم إلى البحر والمدن والقصر والجبل، وهكذا يصبح الحنين قوة دافعة إلى العبور؛ لأنَّ الذاكرة لا تبقى استرجاعًا، وإنّـما تتحول إلى فعل، وهذا هو أحد أبرز جماليات القصة، فهي لا تتعامل مع التاريخ بوصفه متحفًا مغلقًا، بل بوصفه مادة قابلة للحركة داخل المخيلة. المحور الحادي عشر: أولوداغ والارتفاع: الهرم في مواجهة الجبل في المرحلة الأخيرة من الرحلة، يصعد هامان إلى جبل أولوداغ، وهنا يتغير اتجاه الحركة، فبعد أن خرج من عمق الأرض، يصعد الآن نحو القمة، ويستدعي الجبل صورة الهرم، لكنَّ القصة ترفض التطابق بينهما، وهذا ما يشير إليه هذا المقتطف منها "ليس هو كالهرم الفرعوني العتيق" فالمقارنة تفتح مجالًا لتأمل العلاقة بين شكلين من أشكال الارتفاع: • الهرم بوصفه بناءً حضاريًا. • الجبل بوصفه بناءً طبيعيًا. لكن كلاهما يمثل صعودًا، وكلاهما يربط الأرض بالسماء، وبذلك تستمر القصة في بناء شبكة من الصور التي تتجاور فيها العمارة والطبيعة، والماضي والحاضر، والموت والحركة. المحور الثاني عشر: الفرعون وعودة الماضي تصل الرحلة إلى ذروتها عندما يعود صوت الفرعون مُـعلنًـا "ياهامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب"، ففي هذا المقتطف من القصة ينقلب مسارها؛ لأنَّ الذاكرة التي كانت تفتح الأبواب تصبح قوة تدفع الشخصية إلى الخوف والانهيار، والماضي لا يطلب من هامان أن يتذكّـره فقط، وإنّـما يطالبه بأن يعود إليه؛ ولهذا يصبح العبور مؤقتًا، والشخصية تستطيع أن تخرج من التابوت، لكنّـها لا تستطيع أن تلغي التاريخ الذي خرجت منه. المحور الثالث عشر: العودة إلى التابوت: نهاية دائرية مفتوحة تنتهي القصة بعودة هامان إلى المسلة، ثم إلى موضعه في عمقها، حيث يحمله الشعاع ويعيده عبر الشق، ثم يهمس له في هذا المقتطف من القصة: "نم يا هامان... نم الفرعون لم يستيقظ بعد... الليل طويل" وتبدو النهاية دائرية؛ فالقصة بدأت بجسد غافٍ في العتمة وانتهت بجسد يغرق من جديد في النوم، لكن هذه الدائرة ليست تكرارًا محضًا، فالجسد الذي عاد إلى موضعه ليس الجسد نفسه الذي خرج منه؛ لقد عبر المكان والزمن، وشاهد الحاضر، والتقى بتاريخ آخر، واستعاد أجزاء من ذاكرته، ومن هنا تصبح العودة إلى التابوت عودة جسدية لا عودة دلالية، فقد حدث العبور بالفعل، حتى وإن عاد العابر إلى نقطة البداية. المحور الرابع عشر: البنية الرمزية للضوء والعتمة يمكن قراءة هذه القصة كلها عبر ثنائية الضوء والعتمة، العتمة هي المدفن، والنسيان، وانغلاق الذاكرة، والضوء هو الشعاع، واليقظة، والحركة، والكشف، لكنَّ القصة لا تجعل العلاقة بينهما بسيطة أو نهائية؛ فالضوء لا يقضي على العتمة، وإنّـما يدخل إليها ويخرج منها، وهذا ما يجعل الشعاع أكثر من مجرد رمز للحياة؛ إنّـه رمز للوعي الذي يدخل مناطق الماضي ليكشف ما فيها، ثم يعود منها. وفي هذا السياق تكتسب كلمة (نهارًا) الواردة في العنوان دلالتها الأعمق: إنّـها ليست مجرد تحديد لوقت الخروج، وإنّما إعلان عن انتقال من حالة الستر إلى حالة الكشف. المحور الخامس عشر: القيمة الجمالية للرحلة تتأسس جمالية هذه القصة على الجمع بين عناصر متباعدة: الفرعوني والتركي، القديم والحديث، الصحراء والبحر، المدفن والمدينة، الهرم والجبل، الظلمة والنور، الموت والحركة، ولا تأتي هذه الثنائيات في صورة مواجهات جامدة، وإنما تتداخل باستمرار؛ لأنَّ الهرم يقود إلى المسلة، والمسلة إلى إسطنبول، وإسطنبول إلى قصر توب كابي، وتوب كابي إلى أولوداغ، وأولوداغ يعيد الذاكرة إلى الهرم، فالحركة هنا دائرية تجعل المكان شبكة من الإحالات، ولهذا يمكن النظر إلى الرحلة باعتبارها بنية جمالية كبرى تنظم النص كله. النتائج تكشف القراءة السابقة عن مجموعة من النتائج الأساس: 1/ العنوان مفتاح تأويلي مركزي؛ إذ يستثمر جملة (الخروج نهارًا) ذات الصلة بالموروث الجنائزي المصري القديم، ثم يعيد توظيفها داخل سرد حديث يقوم على العبور بين الأزمنة والأمكنة، وتشير المصادر المتحفية المتخصصة إلى أن (الخروج في النهار) كان من المفاهيم الأساس في نصوص كتاب الموتى. 2/ الشعاع هو الفاعل السردي الأكثر حضورًا؛ فهو الذي يوقظ الجسد ويستدعي الذاكرة ويقود الرحلة. 3/ التابوت يمثل عتبة زمنية تفصل بين سكون الماضي وحركة الحاضر. 4/ هامان شخصية عابرة للأزمنة؛ فهو يخرج من التاريخ إلى الحاضر ثم يعود إليه. 5/ المسلة تمثّـل ذاكرة الحضارة المحمولة؛ فهي أثر فرعوني خارج موطنه، وفي داخلها يستقر جسد هامان. 6/ المكان في القصة ليس خلفية للأحداث، وإنما أداة لاستدعاء الذاكرة وبناء الحوار بين الحضارات. 7/ قصر توب كابي يوسع المجال الحضاري للقصة؛ إذ يضع الذاكرة الفرعونية أمام ذاكرة سلطانية أخرى، ويجعل مصير السلطة التاريخية موضوعًا للتأمل. 8/ الذاكرة في القصة مزدوجة الأثر؛ فهي مصدر استعادة الهوية، لكنّـها مصدر للألم أيضًا. 9/ الرحلة تتحرك من الحنين إلى العبور؛ فالحنين يستدعي الماضي، لكنَّ الذاكرة تدفع الشخصية إلى الحركة ومواجهة الحاضر. 10/ النهاية الدائرية لا تلغي الرحلة؛ فالعودة إلى التابوت لا تعني فشل العبور، بل تؤكد أنَّ الشخصية استطاعت أن تخترق حدود زمنها ولو بصورة مؤقتة. 11/ كما يكشف استدعاء المرجعية القرآنية في قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ )غافر: 36) عن اتساع المتخيَّـل الفرعوني في القصة، بحيث لا يستند إلى التاريخ الفرعوني وحده، وإنّـما يتشكّـل من تفاعل التاريخ مع الذاكرة الثقافية العربية. وقد أسهم هذا الاستدعاء في تحويل المكان من إطار جغرافي للرحلة إلى فضاء رمزي للعبور، تنتقل فيه الذات من المكان المُشاهَـد إلى طبقاته الحضارية والتاريخية، ومن التجربة الحسية إلى استعادة الذاكرة وتأويلها؛ وبذلك تتأكد إحدى النتائج المركزية للبحث، والتي تكشف عن أنّ الجغرافيا في هذه القصة ليست مسارًا للانتقال فحسب، بل وسيطًا لاستحضار الزمن الحضاري وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان والذاكرة. الخاتمة تكشف قصة (الخروج من التابوت نهارًا) عن كتابة سردية تجعل التاريخ مادةً حية للمخيلة، لا مجرد خلفية للأحداث، فـفيها لا يظل الفرعون داخل المدفن، ولا تبقى المسلة حجرًا صامتًا، ولا يبقى الزمن خطًا مستقيمًا، ولا يكون المكان جغرافيا محايدة، بل تدخل كلـها في حركة واحدة، حيث الذاكرة تستيقظ، والجسد يتحرك، والمكان يستدعي التاريخ، والتاريخ يواجه الحاضر، ومن هنا يمكننا القول بإنَّ الرحلة التي تبدأ بشعاع صغير يتسلل إلى مدفن مظلم، تنتهي إلى رؤية واسعة لعلاقة الإنسان بماضيه. لقد جعلت الكاتبة من الخروج من التابوت فعلًا يتجاوز الجسد إلى الذاكرة، ومن النهار رمزًا للكشف، ومن الشعاع وسيطًا بين العتمة والوعي، ومن هامان شخصية تحمل سؤال الإنسان عن الزمن والهوية، وإذا كان الحنين هو الذي حرّك الرحلة، فإنَّ العبور هو الذي منحها معناها؛ لهذا يمكن القول إنَّ جوهر هذه القصة لا يكمن في أنَّ هامان خرج من التابوت، وإنّـما في أنّه خرج من حدود زمنه، وعاش لحظة قصيرة استطاع فيها الماضي أن يرى الحاضر، واستطاع الحاضر أن يرى نفسه بعين الماضي، ثم عاد الجسد إلى مكانه، لكنَّ الذاكرة لم تعد كما كانت. المصادر والمراجع أولًا: المصدر الأساس الخشاب، وجدان: الخروج من التابوت نهارًا، قصة قصيرة، 2010م. ثانيًا: المراجع النظرية Genette, Gérard. Narrative Discourse: An Essay in Method. Translated by Jane E. Lewin. Ithaca: Cornell University Press, 1980. ويُستفاد من هذا المرجع في مقاربة تنظيم الزمن السردي، ولا سيما العلاقة بين زمن الأحداث والطريقة التي يعيد بها السرد ترتيبها وعرضها. ثالثًا: مراجع الأدب الجنائزي المصري القديم Scalf, Foy, ed. Book of the Dead: Becoming God in Ancient Egypt. Oriental Institute Museum Publications 39. Chicago: The Oriental Institute, University of Chicago, 2017. ويضم هذا العمل دراسات متخصصة في نشأة كتاب الموتى وتطوره وإنتاجه واستعماله وسياقه الطقسي واللاهوتي. Fitzwilliam Museum, University of Cambridge. Passport to the Egyptian Afterlife: The Book of the Dead of Ramose. ويعرض الموقع تطور الأدب الجنائزي المصري، ويبين أن المصريين القدماء أطلقوا على هذه النصوص تسمية مرتبطة بـ«الخروج في النهار»، كما يعرض «الصيغة 72» بوصفها صيغة للخروج في النهار بعد فتح القبر. Fitzwilliam Museum, University of Cambridge. Book of the Dead. ويعرض المصدر وظيفة مجموعة الصيغ الجنائزية في مساعدة المتوفى على اجتياز العالم الآخر، ويشير إلى التسمية الأدق «Spells for Coming Forth by Day».

2026/09/14

مدونة الدكتور ابراهيم العلاف / د. وجدان الخشاب / العراق

مدونة الدكتور ابراهيم العلاف بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين يسعدني أنا (الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف )أن ارحب بكم في مدونتي الثانية مدونة الدكتور ابراهيم خليل العلاف ..واود القول بانني سأخصص هذه المدونة لكتاباتي التاريخية والثقافية العراقية والعربية عملا بالقول المأثور : " من نشر علما كلله الله بأكاليل الغار ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار " . الأحد، 9 مارس 2014 السيرة الذاتية للدكتورة وجدان توفيق الخشاب السيرة الذاتية للدكتورة وجدان توفيق الخشاب ************************************************** - من مواليد الموصل / 1959 . - حاصلة على شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث / جامعة الموصل / 1998 وعنوان رسالتها :"قصص ( غانم الدباغ ) القصيرة" - حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث / جامعة الموصل / 2004 وعنوان اطروحتها :" الاغتراب والتغريب في مسرحيات الفريد فرج " . - نشرت بحوثها وقصصها في المجلات والجرائد العراقية والعربية والنت . - صدر لها : - رمليات مدورة / مجموعة قصصية / ضمن سلسلة نون / الاتحاد العام لأُدباء العراق / فرع نينوى / 1995 . - وقيعة وثلاث عواصف / حوارات وقراءات /ضمن سلسلة نون / الاتحاد العام لأُدباء العراق / فرع نينوى /1996 . - قصص من نينوى / ج 2 / مشتركة / 2000 . - قصص من نينوى / ج 3 / مشتركة / 2001 . - قصص من نينوى / ج 4 / مشتركة / 2002. - قصص من نينوى / ج 5 / مشتركة / 2003 . - الاغتراب والتغريب – قراءة في نصوص مسرحيات ألفريد فرج / 2012 . - تقنيات القصة القصيرة / قصص غانم الدباغ أُنموذجاً / 2012 . - فرشاة ودلالات / حوار مع الفنان التشكيلي حازم صالح / 2012 . - صدرت لها مجموعة – للمرايا نبش آخر – عن دار الشؤون الثقافية العامة / مشروع بغداد عاصمة للثقافة / بغداد . ..........................................................ا.د.ابراهيم خليل العلاف صورة: ‏السيرة الذاتية للدكتورة وجدان توفيق الخشاب ************************************************** - من مواليد الموصل / 1959 . - حاصلة على شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث / جامعة الموصل / 1998 وعنوان رسالتها :"قصص ( غانم الدباغ ) القصيرة" - حاصلة على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث / جامعة الموصل / 2004 وعنوان اطروحتها :" الاغتراب والتغريب في مسرحيات الفريد فرج " . - نشرت بحوثها وقصصها في المجلات والجرائد العراقية والعربية والنت . - صدر لها : - رمليات مدورة / مجموعة قصصية / ضمن سلسلة نون / الاتحاد العام لأُدباء العراق / فرع نينوى / 1995 . - وقيعة وثلاث عواصف / حوارات وقراءات /ضمن سلسلة نون / الاتحاد العام لأُدباء العراق / فرع نينوى /1996 . - قصص من نينوى / ج 2 / مشتركة / 2000 . - قصص من نينوى / ج 3 / مشتركة / 2001 . - قصص من نينوى / ج 4 / مشتركة / 2002. - قصص من نينوى / ج 5 / مشتركة / 2003 . - الاغتراب والتغريب – قراءة في نصوص مسرحيات ألفريد فرج / 2012 . - تقنيات القصة القصيرة / قصص غانم الدباغ أُنموذجاً / 2012 . - فرشاة ودلالات / حوار مع الفنان التشكيلي حازم صالح / 2012 . - صدرت لها مجموعة – للمرايا نبش آخر – عن دار الشؤون الثقافية العامة / مشروع بغداد عاصمة للثقافة / بغداد . ..........................................................ا.د.ابراهيم خليل العلاف‏ في مارس 09, 2014 إرسال بالبريد الإلكتروني كتابة مدونة حول هذه المشاركة ‏المشاركة على X ‏المشاركة في Facebook ‏المشاركة على Pinterest ليست هناك تعليقات: إرسال تعليق رسالة أحدثرسالة أقدمالصفحة الرئيسية الاشتراك في: تعليقات الرسالة (Atom) الاستخبارات العثمانية وأثرها في السياستين الدخلية والخارجية للدولة 1880-1908 ...................في اطروحة دكتوراه الاستخبارات العثمانية وأثرها في السياستين الدخلية والخارجية للدولة 1880-1908 ...................في اطروحة دكتوراه ا.د.ابراهيم خليل العلاف ... جريدة الزوراء (البغدادية العثمانية) مصدراً لتاريخ العراق الحديث* جريدة الزوراء (البغدادية العثمانية) مصدراً لتاريخ العراق الحديث * أ.د. إبراهيم خليل العلاف مركز الدراسات الإقليمية -جامعة الموصل في ... بيت هكوري في حي الثورة -الموصل ................ثانية ا.د.ابراهيم العلاف بيت هكوري ... خليل باشا جاده سي في بغداد أي (شارع الرشيد) 1916 خليل باشا جاده سي في بغداد أي (شارع الرشيد) 1916 وتعمدتُ أن أُسمي شارع الرشيد سيد شوارع بغداد باسمه الاول ، وهو (جادة خليل باشا) ، وخليل ... أرشيف المدونة الإلكترونية ◄ 2009 (16) ◄ 2010 (435) ◄ 2011 (198) ◄ 2012 (600) ◄ 2013 (2507) ▼ 2014 (4535) ◄ يناير (160) ◄ فبراير (447) ▼ مارس (531) معرض للكتاب في قاعة نقابة المعلمين في الموصل ........ صورة جميلة تجمع الفنان العراقي الكبير الاستاذ محمد... لقطة فوتوغرافية جميلة لامرأة عربية فيها الكثير من ... مع الاخوان حسن سعد الديوه جي والاستاذ سعد الديوه ... عبد الخالق السامرائي بأقلام من عرفه ( مقهى الكرم ) في منطقة المجموعة الثقافية في الجان... المرحوم الحاج عبد الباقي الشبخون في الفلوجة ...هَجّة قديمة جديدة بقلم :الاستاذ سامي... الشاعر بدر شاكر السياب والولادة المقبلة للوطن الشاعر حافظ جميل والثورة الجزائرية الشاعر عبد الوهاب البياتي وجمال عبد الناصر الشاعر الفريد سمعان وقناة السويس شاعر العراق الكبير الاستاذ معروف عبد الغني الرصافي... لوحة ﺳﻴﺪﺓ ﺑﻐﺪﺍﺩ (Lady of Baghdad ) للرسام الانكليز... في مجلس المخزومي الثقافي بتاريخ 21-3-2014 ، عقدت ن... أفتتاح مشروع الثرثــار بقلم : أ.د يحيى المعموري ا... سنابل الخير بلونها الاخضر قبل ان تكتسب لون الذهب صورة تاريخية لبائع الشاورما (الكص ) في استانبول تع... ندوة (( أطباء الموصل في التاريخ العربي الإسلامي سن... الشاعر عبد المنعم الفرطوسي والغرب شاذل طاقة 1929-1974 يصور المأساة الانسانية ( مقهى الكرم ) في منطقة المجموعة الثقافية في الجان... سعد البزاز وكلمة لمناسبة مرور 10 اعوام على بث مجم... الاستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك (رحمه الله ) في ... وهذه صورة لطلبة قسم التاريخ بكلية التربية -جامعة ب... تكريم الاستاذ نهاد نجيب بدرع الابداع انضمام الاخ الاستاذ الدكتور طالب عبد الجبار القريش... انضمام الاخ الاستاذ عمر القاسم الى اتحاد كتاب الان... انضمام الاخ الاستاذ حازم سالم الى اتحاد كتاب الانت... انضمام الاخ الاستاذ خالد احمد الجوال الى اتحاد كتا... العلمانيون والاسلاميون في تركيا ......دراسة للاستا... عبد الرزاق عبد القادر آل كداوي..خواطره وذكرياته لقطة لمكتبة اشور الكبرى في جامعة الموصل وهي لاتزال... جامع محمد نجيب الجادر في محل الفيصلية (النصر حاليا ) من الكتابات المبكرة للشاعر الموصلي المرحوم الاستاذ... عبد الغني الملاح 1920-2001 كاتبا وسياسيا وفاة الدكتور اسامة احمد القزاز منارة الحدباء في الموصل أطول منارة في العراق حسين مروة في بغداد يسقط الحاقدون في البئر غرقى ***وتظل الشموس تطلع شرقا ليس ثمة منظر يسرهم مثل المنطقة الممتدة والغافية عل... في الطريق الى القشلة (العثمانية ) في بغداد .... رحيل الفنان المسرحي الاستاذ احسان التلال انجيلا جولي في لبنان الطاهر شريعة 1927-2010 فنان سينمائي تونسي كبير دريد لحام الفنان السوري الرائع ..فنان ملتزم واصيل ... عبد الخالق المختار الفنان العراقي الكبير كان -رحمه... الفنان المسرحي محمد اسماعيل في رسائل الناقد صديق أ... تاريخ التعليم العالي في العراق منذ 1908 اي منذ تأس... الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولة أقلمة وتدويل ال... مجلة «المجلة» المصرية مجلة النجف النجفية مجلة الهاتف النجفية درع جامعة ديالى الى ا.د. حنفي عوض " المحضر التأسيسي لسيمنار التاريخ الحديث والمعاصر ... تاريخ التعليم العالي في العراق في برنامج شذرات مقهى الزهاوي ببغداد من ابرز المقاهي الادبية في العراق الرئيس الخالد جمال عبد الناصر (1918-1970 ) يرحب به... لوحة للفنان التشكيلية العراقية زهراء عبد الرضا افتتاح مشروع وادي الثرثار 1956 وفاة الشيخ يونس أغا الحيالي شيخ عشيره الحياليين ف... أبو ليلى ...من منا في الموصل (وخاصة من مجايليي ) ل... الاستاذ طارق محمود أحمد من ابرز واقدم اساتذة الاعد... المكتبات الخاصة في الموصل في رسالة جامعية الحسن البصري في كتاب للمحامي الاستاذ ميسر بشير جائزة البوكر العربية ....أصلها ...وفصلها كتاب : الجرذان في كل مكان ولا أحد يعرف الحقيقة ت... شط الكوفة ...وقد التقطت الصورة سنة 1911 ........... جسر التون كوبري (أي الجسر الذهبي باللغة التركية ) ... جامع يونس أغا في دمشق الحبيبة صفحة معهد المخطوطات العربية محل سمبوسة ابو عباس الشهيرة في منطقة العشار بالبصرة صورة لساحة في كربلاء المقدسة التقطت سنة 1909 ........ صورة لجامع الاغوات في باب الجسر (من الخارج ) وهو ا... جامع الاغوات (من الداخل ) في باب الجسر وهو اول جام... أحد أبواب الموصل الشهيرة وهو (باب القلعة ) ........ الجسر الثالث ودجلة الخالد منارة الحدباء في الجامع النوري الكبير وهي أعلى منا... مجلة شرفات صورة شط الكوفة ...وقد التقطت الصورة سنة 1911 ... صورة جسر التون كوبري (أي الجسر الذهبي باللغة الترك... صورة للاعدادية الشرقية التي بُنيت سنة 1908 بتبرعات... منارة الحدباء في الجامع النوري الكبير وهي أعلى منا... الجوامع في الصين The Mosques in China نانسي ستينها... تحياتي للاخت الاميرة عروبة اسماعيل الاموي وهي تحتف... افاق نقدية ..قراءات في المتون ومناهج التحليل .. كت... أثر ثورة الاستقلال الأمريكية على العلاقات الانكليز... وهذا جانب من كازينو الرشيدية السياحي في الموصل وتق... هذه صورة زوجتي الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي ... وهذه صورة لي ومعي ولدي الدكتور هشام وولدي الصغير أ... وهذه صورة لنموذج من العاب الاطفال في كازينو الرشيد... وهذه لمة الاطفال يحيطون بولدي الدكتور هشام في كازي... كان معي في السفرة اليوم الاربعاء 26-3-2014 الى منط... في الصورة زوجتي الدكتورة سناء عبد الله عزيز الطائي... " الصهيونية: لمحة تاريخية في نشوء الصهيونية " ....... مجلة (شرفات ) الموصلية تصدر بجهود وتمويل كتابها وم... مؤتمر القمة العربية في الكويت ..هل حقق شيئا ؟ صورة جميلة من الاحتفالية التي اقامها اتحاد الادباء... لوحة جميلة للفنان التشكيلي البصري الاستاذ صالح كري... ايام عبد الناصر ..خواطر ومشاعر كتاب ليوسف لسباعي رغبات شعر : سامي مهدي خطاب الى الشباب بقلم :ا.د.عادل المخزومي صلاة الجمعة ....جمعة مباركة .. وصلاة مقبولة .. وعم... لب السعادة . واليوم نفذ السيد رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التر... كتاب ...عظماء أمتي وفاة الاستاذ أحمد يونس المفرجي عميد كلية الفنون ا... سحر التشكيل ودهشة التدليل :قراءات في الخطاب السردي... في اليوم العالمي للشعر 21 آذار/مارس .. إقبال الطلاب العرب على الجامعات الماليزية: جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين 1960 في برنامج ... اغنية "صاح القطار " من التراث الغنائي الموصلي الشعبي تحياتي للاخت الاميرة عروبة اسماعيل الاموي وهي تحتف... نصيحة بقلم : سامي مهدي في كلية العلوم -جامعة بيروت العربية ناقشت الروائية... عبد الناصر يستقبل الوفد العراقي الملك عبد الله بن الحسين 1882-1951 .. أسس المملكة ... مصطفى كمال 1881-1938 اسس الدولة التركية الحديثة سن... الاستاذ اديب القليه جي .....لنستذكره في يوم المسرح في معرض بغداد الدولي للكتاب تحياتي واعتزازي بالعالم العراقي والاديب الكبير الا... الملك فيصل الاول 1883-1933 حكم العراق منذ سنة 1921... جمال عبد الناصر 1918-1970 زعيم مصري بنى مصر وأقام ... نيلسون مانديلا 1918-2013 ناهض الفصل العنصري وأسس ل... شارل ديغول 1890-1970 زعيم فرنسي .. ورجل دولة لايزا... ماو تسي تونغ 1893 - 1976 بنى الصين وحولها الى دولة... ما كتبه العلامة الكبير الشيخ الاستاذ الدكتور عبد ا... الدكتور عامر سليمان والمدرسة الاثارية العراقية ◄ أبريل (532) ◄ مايو (565) ◄ يونيو (152) ◄ يوليو (198) ◄ أغسطس (243) ◄ سبتمبر (237) ◄ أكتوبر (416) ◄ نوفمبر (457) ◄ ديسمبر (597) ◄ 2015 (2985) ◄ 2016 (1567) ◄ 2017 (1585) ◄ 2018 (602) ◄ 2019 (274) ◄ 2020 (553) ◄ 2021 (816) ◄ 2022 (782) ◄ 2023 (729) ◄ 2024 (732) ◄ 2025 (624) ◄ 2026 (956) التسميات العراق ،التاريخ ،شخصية العراق ،شخصية العرب ،الثقافة تاريخ العراق الاقتصادي الحديث والمعاصر دعوة للانضمام الى الاتحاد الإبلاغ عن إساءة الاستخدام " قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ..ان أجري الا على الله والله على كل شيء شهيد " صدق الله العظيم " قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ..ان أجري الا على الله والله على كل شيء شهيد " صدق الله العظيم ***************************************************** جميع الموضوعات المنشورة .. والتي هي ليست للاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف .. تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب المدونة Powered By Blogger المتابعون صورة شخصية صورة شخصية صورة شخصية الصفحة الرئيسية بحث هذه المدونة الإلكترونية المظهر: Simple. يتم التشغيل بواسطة Blogger.

2026/09/12

رسائل رمسيس ( نص قصصي) د . وجدان الخشاب

رسائل رمسيس (نص قصصي) د. وجدان الخشاب / العراق { 1 } من عمق المغارة التي دُفنتُ فيها أبعث إليكِ هواتفي المارقات عبر أزمنة تراكمت على بعضها .. من وراء حُجب لفائفي أتنفس الكلمات وأنفثها حروفًـا هوائية علَّكِ تلتفتين إليها .. أُسائل عينيكِ أن تقرأ ما خطَّته أصابعي من رسائل تغازل تاريخًـا مغبـرًا لم يعد يعرف تاريخه ... فانهضي .. انهضي .. ولنقرأ سوية سطوري ... - يا رمسيس بيني وبينك طوفان زمن غائر بين أزمنة غارت هي الأُخرى ... - انهضي .. أمَا أرَقتكِ أيامي .. - أيامكَ المتراكمات شاغلتني ... أرَقتني .. غـفت وأشرقت في ذاكرتي أيامًـا .. - إذَا انهضي .. - سأنهض ولكن يا رمسيس هذا الصيف يحرق ذاكرتي .. - الصيف حارق .. حارق .. ولكن الفيض آتٍ .. - فيض النيل ! يا رمسيس ما عاد للنيل فيض.. أحرقته السدود والحواجز .. - انهضي .. أنا النيل الذي يفيض أبـدًا .. بل أنا النيل الغامر بالفيوضات .. - يا رمسيس ما عاد للنيل فيضٌ .. - انهضي .. انهضي .. الفيضُ آتٍ .. آت .. { 2 } - في قصري أركن لا أُغادره .. في قصري احتبس أنفاسي وأحسبها.. - لماذا يا رمسيس وأنتَ فرعون مصر العتيد؟ - ما عدتُ سوى كومة من جسدٍ يخبو تألقه .. - أهي التسعين إذًا ؟ - نعم .. هي التسعين التي أتلَفّتُ من خلالها ولا أجد أحدا .. أولادي . . وزرائي.. كهنة معابدي .. خدمي .. يُحملون إلى مدافنهم واحـدًا واحدا ، وأنا هنا أقبع في عتمة العمر .. - ونفر تاري ؟ - مليكتي الجميلة .. لؤلؤتي وشمس سنواتي .. ناداها اوزوريس فارتحلت .. هجرت أرض الشمس النهارية .. هي الآن في المدفن المعتم تغـفو .. - كانت جميلة ؟ - ابتسامتها تشعّ من عينيها .. الجمال يقطر من أصابعها .. الحكمة تنهال من رأسها .. - لكنها الآن مومياء ؟ - أمرتُ أن تُكتب على تابوتها كلمات القوة .. - كلمات القوة ؟ - نعم ، كلمات القوة المُـوجّـهة إلى الإله آمون. - اسمِعني... - اسمعي : أيُّها الخفي في مكان مجهول أنا نفر تاري .. الروح الكاملة .. أتهيأُ لصحبة الإله رع أتيتُ من العالم الآخر العالم النهاري المشرق بضيائك من عين الإله حورس ظهرتُ إلى العالم الآخر أذهبُ عالم الإله رع .. القوي الذي سيغمر روحي بقوته جسدي ينادي أعضاءه جسدي ينادي أعضاءه .. واحـدًا . . واحدا يا رع... أيُّها القوي اجعل الأرض مكانًـا آمنًـا لي فـكَّ أربطتي . . دع روحي تجول في ضوء النهار يا رع .. أيها القوي اجعل الإله حورس حارسي وافتح لي بوابات العالم السفلي ليُضاء بشعاعات الشمس المذهبة .. { 3 } - ابعدْ سوطكَ عني .. - لماذا ؟ - ما هكذا تُـنبـّه غافلا ؟ - الغافل مشغول .. وسوطي تنبيه .. سوطي قوة .. - سوطكَ جبروت . - سوطي كبرياء . - سوطكَ خوف . - خوف ! - نعم .. خوف يعرّش في ثنايا صباحاتكَ ولياليكَ. - أخاف ؟ مَن يخيفني ؟ - رعيتكَ . - الرعية غادرة . - الرعية أرواح وأجساد حرة . - بل عبيد ..عبيد لي . - ... - ما بكِ ؟ - ما بين الرعدة وحافة الخوف أقف .. وأنا أراكَ تسوط الأرواح قبل الأجساد، ليبنوا لك هرمًـا تتكوم في عمق ظلامه .. - هرمي نور وانبعاث .. هرمي عودتي إلى الحياة. - وحيـدًا تبدو .. في عينيكَ تنطفئ دمعة ، وتغور اشراقة . - في عينيَّ تساؤل .. حيرة .. كلمة تطوف في فراغ فمي .. سنوات معتمات . . - كلمة تتهارب حروفها آنيـًا ، وتشرق بحضورها قديمًـا .. وما بين الآن والماضي تتكوم آلاف السنوات .. { 4 } - أسرعي .. أسرعي .. - ما بكَ ؟ - أسرعي .. - أُريد أن أغفو .. نهاري شقاء .. - ستبدأ التراتيل .. - أية تراتيل ؟ - انصتي .. - ما هذا الصوت ؟ - الكاهن الأكبر يقرأ تراتيله . - تراتيل ؟ - نعم ، كلمات القوة التي ستُرفع إلى الإله آمون . - مَـن سيرفعها ! هل استيقظت رعيتكَ ؟ - نعم .. بسوطي وصولجاني أيقظتهم من ظلمات التوابيت .. انصتي .. إنّها التراتيل التي رددها الكاهن طوال سنوات .. انصتي معي .. - لا أسمع يا رمسيس .. لا أسمع بوضوح . - زمنكِ هذا اطويه .. أوراقكِ وأقلامكِ اتركيها .. سأُرتّـل مع الكاهن ترانيمه قبل الرحيل .. فانصتي : من مكان مشرق بالزروع أتيتُ في العالم الآخر أركن مبتهجًـا اتحدت روحي مع روح الإله حورس يمدُّ إليَّ الإله رع يـدّا من ضياء يمسح عينيَّ بشعاع نور فأُبصر ما حولي مشرق هو العالم تستقر روحي .. ويبتهج صولجاني تُشرَّع الأبواب لخطواتي أنا رمسيس .. أنا مانح الحياة أمدُّ يدي فتنبت الزروع افتح عينيَّ فتشرق الشموس النيل ينتظر اشارتي .. ليفيض أنا الإله خبري في الصباح أنا الإله رع عند الظهيرة أنا الإله تيمو في المساء إذا حضرتُ تبتلع الأفواه كلماتها الشريرة وإذا التفتُ تهاربت الظلمات من حولي وإذا ضحكتُ حلّت أعياد القطاف أنا الناطق بالكلمات أنا روح القوة مَن يصرخ ضدي بالكلمات ؟ مَن يسكن في أعالي الهضبات ؟ مَن يستقر في أعماق الأهرامات ؟ أنا .. أنا عابر من فضاء إلى فضاء أنثر روح الشمس على صفحة النيل ليشرق النهار أنا الحياة أنا الحياة أنا نجوم نهارية أنا شمس ليلية أنا الريح العاصفات أنا البذرة التي تنبت الشجرة أنا دافع الظلام إلى الظلام بأمري ترتفع الأهرام حجـرًا .. حجرا بأمري تنهال القوة كلمات وكلمات بأمري تنفتح بوابات .. وتبدأ الحياة تغفو التوابيت بأمري وتنبض روحي فتصدح احتفالات ... واحتفالات أنا رمسيس الناهض أبـدّا بإشراقتي تتعبق السنوات وتثمر الخيرات الخير غامر .. غامر لأنني آتٍ .. لأنني آتٍ .. افتح لي أيّـها الإله آمون أبوابك لأنني آتٍ .. { 5 } - يا رمسيس ألا تعرف أنّ الصمت ، أحيانـًا ، جمال ؟ من فمك تنهال الذكريات . . ذكريات مشرقات لكن .. الآن .. السنوات عجاف ثِقال. - ثِقال ! روائح البخور تعوث .. تخالط أرواح القرابين .. الأوتار تشدو وحناجر الجواري صادحات.. سفني تُشرِّع أشرعتها وتتهادى على صفحة النيل .. شمس وأنوار وألوان .. وتقولين ثِقال ؟ - يا رمسيس أتعبتَ ذاكرتي وأوراقي المسوَّدات .. وتريدني أن أغـفـو مع رنّـة الأوتار. - أنا الجمال كله . - جمال ! ارحل الآن يا رمسيس .. أتعبتني .. ارحل الآن .. الساعات ثِقال . - لا تُـذكِّـريني بالسنوات الثِقال.. يالها من سنوات! - لماذا ؟ - قبل سنوات ليست بالبعيدة أخلفَ النيل فيضه ثلاث سنوات .. تشقـقـت الأرض .. جفت الزروع .. صُراخات الأطفال تعالت .. ما عاد للرجال أرواح ولا أصوات .. انكسار يجرُّ انكسار .. والنيل لا يسمع ولا يرى .. - والكاهن الأكبر؟ - الكاهن الأكبر ؟ لا قرابين يذبحها .. لا بخور يحرقها .. الخزائن فارغات ، وكسرة الخبز ما عادت تُرى .. إنّه الخراب الذي لم نعرفه قبل ذلك .. وما توقعناه .. لكنه الآن يحكم كل شيء .. بل يرسله إلى الموت. - ولكن ألم تكتبوا الوثيقة ؟ - كتبها الكاهن الأكبر... باركتُها بأصابعي .. قدمتُها للنيل قبل الموعد .. ولكن لا فيض .. لا فيض ثلاث سنوات .. - والقوارب الملكية ؟ - ركنت في أماكنها .. تغفو متثاقلة الجفان .. لا تسأل عن موعد العيد .. تنظر إلى النيل وهو ينزوي بعيـدًا .. تجف دموعها وأفراحها .. ثلاث سنوات .. ليالٍ ونهارات .. نهارات سوداء وليالٍ جافة مثل صحراء .. - وبعدها ؟ - سطع ضوء الشمس .. تعالت الهتافات .. أشرق النيل بفيض غامر جَسور .. مرَّ بالأراضي .. تنامت الزروع .. انتشرت الأفراح .. وامتلأ البئر .. - البئر ؟ - بئر الخير قرب الهرم .. حين يمتلئ أشمُّ رائحة الماء .. وأرتوي .. أمدُّ يدي وأشرب .. تنهض روحي من الأكفان .. يتألق مدفني بشعاعات الشمس ونسمات الهواء .. أنهض وتنهض معي ملكات وأميرات .. ملوك وأُمراء .. خدم ووزراء .. في وادي الملوك نقيم احتفالا.. ونشرب الماء .. - احتفل يا رمسيس .. احتفل بالماء .. ودع لي أوراقي .. - ليس لكِ إلاّ كلمات .. - إنّـها ، كما تُسمّـيها ، كلمات القوة .. - لا .. في زمنكم هذا لا قوة للكلمات .. القوة للسلاح .. للقتل .. للبكاء .. - لا تخنق أيامي فهي متعبات .. - كلمات .. ليس لديكِ إلاّ كلمات .. كلمات ..

أحـنُّ الى النطرون ( نص قصصي ) : د. وجدان الخشاب / العراق

أحـنُّ إلى النطرون (نص قصصي) د . وجدان الخشاب / العراق أسدل الليل أستاره على الكون ، الموج ينساب بعذوبة هَـدِئة القسمات ، والبحر يغـفو ويتغافل عن ذلك العجوز الذي ارتكن على حاجز السفينة ... وجالت عيناه فيما حوله .. السفينة تناغم الأمواج .. النجوم أشرقت اشراقة افتقدها في الليالي التي هامت ماضية دون أن تلفت ، والريح غفت هي الأُخرى تاركة أشرعة السفينة تهفف بهدوء شفيف ... من خلال هذه الهدأة الليلة همس للعجوز صوت : - تعال .. تعال .. أحسَّ أنّ النسمات توقفت ذاهلة .. لكنَّ الصوت لم يكـفّ عن الترديد: - أنا انتظر .. التفت إلي .. تلفتَ العجوز .. وما رأى .. انحنى على صفحة البحر .. وما رأى .. جالت عيناه في الهواء ... وما رأى .. عاد الصوت هامسًا يناديه : - تعال .. أحنُّ إلى لمسة من يديك .. ارتفع الهمس إلى الفراغ .. التقطته نجمة صغيرة .. بدأت تهبط بهدوء نحو السفينة .. صافحت يد العجوز نسمة دافئة كأنّها روح نابضة وأخذت تسحبه .. النجمة اقتربت أكثر ؛ لترمي بضوئها الخافت أمام قدميه .. مبهورًا .. جال بعينيه في أرجاء السفينة .. وما رأى .. لكنها الروح ظلّت تسحبه ، حتى وطأت قدماه السلّم العتيق للسفينة نازلًا إلى المخزن القابع في جوفها .. انزلقت عيناه نحو تابوت خشبي عتيق .. عتيق .. أضاءه نور النجمة .. تقدّم باتجاهه .. تجرّأت يداه وتلمّسته .. ازداد نور النجمة سطوعًـا ، وعاد الصوت يهمس: بيديك الحانيتين افتحْ تابوتي .. ادفعْ عني لفائفي .. افتحْ أغطية أوانيَّ الكانوبية التي تحمي أحشائي .. دعني أتنفس الهواء .. تراجع العجوز خطوة إلى الوراء .. مرعوبًـا حابسًا أنفاسه .. لكنَّ الصوت لم يعد همسًا، بل توسلًا : - افتح تابوتي ... زمَّ العجوز شفتيه ؛ ليمنعها من التصويت بكلمات كانت قد استقـرّت منذ زمن غار في عمق ذاكرته : (لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه كل من يجرؤ على ازعاج الملك) اجتاحته رعشة غامرة لم يفـق منها إلاّ حين عاد الصوت يناديه : - تعال .. - لا .. لا .. - تعال .. افتح التابوت .. أحنُّ إلى الهواء .. - لا .. لا أجرؤ على لمس أقـفاله .. - المسها .. أحنُّ إلى النور . . اندفعت النجمة لتضيء المكان أكثر .. انحنى العجوز .. لمس التابوت بيده المرتجفة .. أزاح طبقة كثيفة من الغبار وقرأ ما أخفاه هذا الغبار : (لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه كل مَن يجرؤ على ازعاج الملك) سقطت روحه في بئر الحيرة، ولم يفق من ظلمته إلاّ حين عاد صوت الروح متوسلًا : - افتحه ، أحنُّ إلى الهواء .. بين التردد والتجرؤ كانت عينا العجوز تناور .. لكـنّ أصابعه تلهفت لاكتشاف ما وراء القفل .. وقبل أن تلمسه تراجع متأرجحًـا بين الرغبة واللا رغبة في فتحه .. ذاكرته تموج بسؤالٍ يتعـلّق بين شفتيه ولا يجرؤ على الاعلان عن حضوره .. رنت عيناه إلى القفل بحزن .. أغلقهما تاركًـا المجال لرئتيه لتعبَّ هواءً افتقده في تلك اللحظة ، ورمقت روحه التابوت بلهفة تنمُّ عن رغبتها في اكتشاف ما فيه ... - أعدني إلى البحر .. قال الصوت بهمس تختنق نبراته .. - كيف لي أنا المثقل المبهور أن أُعيدكَ ؟ - ادفع التابوت إلى الماء لأرتوي .. - الماء مالح .. - ادفع التابوت .. - البحر غادر .. - ادفع التابوت .. - لماذا ؟ - أحـنُّ إلى ملح النطرون .. - من سباتك الأزلي تنهض .. لماذا ؟ - لكي تعيدني إلى النيل .. أعدني إلى وادي الملوك .. أعدني إلى مدفني الهرمي .. - ولكن كيف أُعيدكَ ؟ - ارفع عن جسدي لفائفه .. ودعني أعبُّ الهواء . - في نبش لفائفك ما يؤلم روحك .. ويؤلمني . - ارفعها ... امتدت أصابع العجوز وعيناه إلى القفل لتتفحصه .. وما إن قَـلَبه حتى انفتح وسقط على الأرض متناثـرًا ، بصعوبة هائلة رفع الغطاء ، كادت عيناه تطيران دهشة حين وقعتا على قطعة قماش غار لونها .. إلّا أنّـه بالكاد قرأ ما كُتب عليها بحروف ذهبية بارزة : أنا الملك .. ملك الأرضينِ القبلي والبحري .. ابن إله الشمس .. آتون القوة .. آتون الضوء .. آتون طارد الظلام .. مُنحتُ الحياة أزليًـا .. مُنحتُ الحياة أزليًـا .. رفعها ، فوقعت عيناه على لفائف بدت وكأنها شرائط نُـسيت في زاوية غافلة ... بعينين لاهثتين كانت النجمة تراقب المشهد ، اقتربت أكثر وألقت نورها .. فأضاء داخل التابوت تمامًـا .. بدأت أصابع العجوز المرتعشة تفكُّ لفائف المومياء عن رأسها وصدرها ، وتعيد نشر التمائم السحرية وجعران القلب وتماثيل جنود الاوشابتي الخزفية الزرقاء المخفية بين طياتها.. حول المومياء ، اوزوريس الأخضر عند يمين الرأس ، وايزيس الذهبي عند يساره .. والاوشابتي في الأركان الأربعة ، وتوالت حركاته فاتحة لفافة بعد أُخرى، كانت الذراعان متقاطعتين على الصدر ، الذراع اليمنى تقبض على صولجان مُلكٍ غاب من زمن عتيق ، والذراع اليسرى تقبض على عنخ ، علامة الحياة الأبدية .. اجتاحه هدوء غامر وهو يتأمّـل المشهد ، مُـفكِّـرًا ماذا سيفعل الآن ؟ التفتَ إلى باب الأمان في صدر المخزن .. فتحه .. أطلَّ على البحر الذي بدا له مرتعبًـا .. ولكنّـه يُظهِر سكونًـا مؤقتًـا مُـنتظٍـرًا لما سيكون .. والهواء هو الآخر انكفأ متفاجئا حابسًا أنفاسه .. وترقبت النجمة حركة العجوز وهو يعيد الغطاء .. ويبدأ بدفع التابوت إلى صفحة البحر هامسًا : - لكَ أملاح البحر كلّها ... - لا أُريدها كلّـها .. بل أُريد النطرون .. طفا التابوت على وجه الموج الليلي ، وروح العجوز الخافقة ترقبه وهو يبتعد عن السفينة .. وما إن بدأت شعاعات الفجر الأُولى ترمي بوجودها على وجه البحر المبهور حتى أخذت الأمواج تفور فورانًـا دائريًـا عنيفًـا .. تهيم ويهيم معها التابوت ويغرق .. يغرق حتى غاب عن عيني العجوز .. سالت دمعتان دافئتان عبر أخاديد وجه العجوز .. وانكفأ على كرسي مركون قرب باب الأمان يلمُّ بعضه بعضا حزنًـا وألما .. وحيدًا بدا وخاملًا .. لكنّها يده ظلّت قابضة على مفتاح الحياة الأبدية ، عنخ خشبي صغير أخذه من التابوت ، وخبـّـأه في جيبه .. أخرجه وبدأ يشمّه ملء روحه مرة تلو أُخرى .. حتى تراخت ذاكرته تمامًـا.. في عمق الظلام البحري تلقـفت موجة ذلك التابوت الغريق .. لـفّته بيديها الحانتين .. وتوجهت نحو الشرق .. حتى وصلت جزيرة الشمس المشرقة .. بدأت تصعد ويصعد معها التابوت الى حيث كانت الشمس تشرق بسطوع ناصع .. لَـفَّـته بحنوٍ حتى أوصلته إلى حافة تلك الجزيرة .. وعادت تهبط إلى عمق البحر ؛ لتغـفـو بسكون غامر .. من فتحة صغيرة لا تكاد تُرى في وسط غطاء التابوت ، ألقت الشمس شعاعًـا من ضوئها داخله .. استرخت المومياء تاركة شعاع الشمس الذهبي يغسلها جزءاً .. جزءاً من غبار السنوات الماضيات ، انتعشت وطارت روحها لتطـلَّ على ذاكرة العجوز الغافي .. فيراها غارقة في ضوء شمس الظهيرة الحارة .. نهض ومدَّ يده إلى البحر .. أمسك موجة صغيرة كانت تركن عند حافة السفينة ، أطلقها لتعود إلى البحر حاملة أنفاسه التي نفخها فيها .. ودفعها بيده وهو يأمرها برقّـة : - اذهبي ... واحملي التابوت باتجاه مشرق الشمس .. باتجاه النيل .. غاصت الموجة .. وتحركت بإيقاع متسارع تاركةً أمواجاً أُخرى ترقبها وتحسدها حتى وصلت حافة الجزيرة .. مدّت جسدها ليحضن التابوت ويهبط به ثانية إلى البحر .. أشرق وجه العجوز وهو يرى بعيني روحه الموجة تلفُّ التابوت بحنوِّها ، وتسارع مسيرتها ، تحركت شفتاه ناطقة بسؤال كان يدور في ذاكرته ، تلقفت الروح السؤال الهائم في الهواء ما بين العجوز وبينها .. لتُـجيب : - نعم .. أخذتُ يقظتي من إله الشمس آتون .. آتون القوة .. آتون الضوء .. الضوء الذي أشرق على روحي .. - والآن .. إلى أين المسير ؟ - إلى النيل .. إلى النيل .. - والحاجز المائي ؟ - ما بين البحر والنيل موجات من حنان يتدفق .. سيناديني النيل إليه .. - أيحنُّ النيل إليك ؟ - يحنُّ إليَّ .. وأحنُّ إليه .. عند الحاجز المائي ما بين البحر والنيل ، توقفت الموجة .. مبهورة ، ترنو إلى أمواجه وهي تتهادى ولا تختلط بأمواج البحر .. تنبّه شعاع الشمس ورنا إلى المشهد المفروش تحت ناظريه .. اندفع نحو موجة كانت ترقب المشهد هي الأُخرى .. ورمى إليها بدفءٍ كانت بانتظاره ، فامتدَّ جسدها ليحمل التابوت .. ويبدأ المسير .. تألّقت الابتسامات والهمهمات بين أمواج النيل .. عرس وأفراح واشراقات غمرت المومياء بضوئها ... انحنى العجوز على البحر هامسًا : - أرأيتَ ؟ - ماذا ؟ - الجسد يعود إلى أرضه .. - الغريب لن يبقَ غريبا .. ردد العجوز بألم : الغريب لن يبقَ غريبا .. سارت الأمواج حاملة كنزها الثمين .. وصلت أرض النطرون .. خرج الجسد من تابوته وتمرًّغ حتى ارتوى من ملحها .. ثم عاد إليه ليكمل المسير .. ساعات وساعات وموجات النيل .. شعاعات الشمس .. الأسماك .. نباتات النيل .. ذرات الهواء .. حاشية ملكية تقيم احتفالًا مزهرًا بالعائد اليها .. تعالت ترانيمها .. وبدت أصواتها أجراسًا تقرع .. فيردد الهواء صداها .. تلفتت أحجار الهرم المغسول بإشراقة شمس مصرية القسمات والدفء .. تنادت .. بفرح غامر رمقت ملكها العائد إلى أرضه ، وبدأت ترنَّم ترنيمتها الأزلية : الغريب لن يبقَ غريبا الغريب لن يبقَ غريبا أحنُّ إليك يا مدفني العتيق .. أحنُّ اليك .. رددت المومياء الفرعونية. تسارعت الموجات حاملة تابوت ملكها العتيد .. عابرة أرض البئر .. صاعدة إلى غرفة المدفن الملكي .. استقرَّ التابوت فيها .. شهق الفرعون شهقة عميقة ؛ ليعبَّ الهواء كلّه ..وعيناه تجولان على جدرانها ورسوماتها التي تحكي قصته ما بين الحياة والموت .. جنوده .. حروبه .. بطولاته .. أسراه .. عرباته الحربية ... أغمض جفنيه ؛ ليرسل صوته عبر المسافات مناديًـا العجوز : - الغريب لن يبقَ غريبا تلفت الرجلان المرتكنان إلى حافة السفينة ، وقال أحدهما متفاجئًـا : - هل سقط أحد في البحر ؟ - لا .. ليس هناك أحد غيرنا هنا .. - لكنّـي سمعت صوت ارتطامٍ بالماء .. أليس كذلك ؟ - نعم .. ولكن لا أحد غيرنا هنا .. - نظرا إلى الماء وما رأَيا شيئا .. البحر أخفى دوائره ، واحتضن جسد العجوز ؛ ليبدأ هو الآخر رحلته إلى وادي النيل .. مترنٍّـمًـا : الغريب لن يبقَ غريبا .. ردد البحر والهواء وشعاع الشمس .. الطيور وأوراق الشجر : الغريب لن يبقَ غريبا ... الغريب لن يبقَ غريبا .. الثلاثاء 22 / 11 / 2011 الساعة 5 فجـرًا

2025/04/07

 

 موسوعة شعراء الموصل في العصر الحديث (1900 – 2017)

لماجد حامد محمد

د. وجدان الخشاب 




   تُـعـدُّ الموسوعة دائرة معارف تضمُّ معلومات محددة في مجال معرفيّ محدد، سواء أكان هذا المجال في التخصصات الإنسانية أو العلمية، أو الإبداعية في الفن والأدب، ولهذا تفتخر الأُمم بموسوعاتها؛ لما تقدمه وتحفظه من معلومات وحقائق موثَّـقة لموضوعات مُـعيّـن، وهذا ما ينطبق على (موسوعة شعراء الموصل في العصر الحديث 1900 – 2017) لمؤلِّـفها ماجد حامد محمد، والتي صدرت في العام (2018م) عن دار نون للطباعة والنشر في مدينة نينوى، وقـدّمها الدكتور إبراهيم العلاف تقديمًـا ثـريًـا أحاط بجوانب متعددة منها، ولكنّـي سأتوقف عندها من جوانب أُخرى أثارت انتباهي عند قراءتي لها كاملة، ولا بُـدَّ لي أولًا من الإشادة بصبر المؤلِّـف وجديته وحرصه على أن تخرج هذه الموسوعة بشكلها العلمي الرصين اللافت للنظر، حيث انَّه لم يكتفِ بعرض السير الذاتية للشعراء الذين ولدوا داخل مدينة الموصل، بل عرض أيضًا سيرة الشعراء الذين ولدوا في أقضيتها ونواحيها، على سبيل المثال لا الحصر، غريغوريوس بولص بهنام من أهل منطقة قره قوش، ونمرود قاشا، وامير بولص من منطقة برطلة، وجاسم محمد جاسم المولود في منطقة سميل، ونامق سلطان المولود في ناحية حمام العليل، ويوسف مقصود الذي ولد في قضاء تلعفر، وخالد الشيخ الذي ولد في قضاء سنجار، وغيرهم، وهذا دليل على قصدية المؤلِّـف في ضمِّ هؤلاء الشعراء الى الشعراء الذين ولدوا داخل الرقعة الجغرافية لمدينة الموصل، وذلك لما لهم من دور واضح في الحركة الثقافية الشعرية للمدينة، من خلال مشاركاتهم في مهرجاناتها ومناسباتها، وما أصدروه من كتب ونشاطات أُخرى أسهمت في إثراء الحركة الثقافية منذ العام (1900م – 2017م)، فضلًا عن الشعراء الموصليين الذين هاجروا الى خارج العراق، ولكنهم لم يقطعوا صلتهم به بل واصلوا نشر نتاجاتهم في جرائده ومجلّاته مثل الشاعر يونس صديق والشاعر يوسف سعيد.

   ولم يكتفِ المؤلِّـف بتأرخة الشخصيات وإنّـما أورد نماذج من قصائدهم، موثِّـقًـا بعضها بنسخة مُصوّرة بخط يد الشخصية كما فعل مع الشاعر إبراهيم العلي الجبوري والشاعر ذو النون الاطرقجي والشاعر فيصل دبدوب على سبيل المثال لا الحصر، أمّـا الشاعر عبد القادر يونس فقد وثّـقَ له قصيدتين مُـصوّرتين عن جريدة السجل، وهذه طريقة توثيقية دقيقة تُحسب للمؤلِّـف؛ لأنَّ هذه الجريدة أصبحت من النوادر وذلك لتوقفها عن الصدور منذ سنوات طويلة.

   وما يلفتُ ايضًا أنَّ المؤلّـف لم يبحث عن قصائد قصيرة بل عن القصيدة الأجمل للشاعر، حيث نشر قصيدة (معذرة) للشاعر غربي الحاج احمد رغم طولها نسبيًـا، وكذلك قصيدة (آخر الأحلام) للشاعر طلال عبد الرحمن، وقصيدة (ابجدية التكوين) للشاعر جبو بهنام.

   ولا بُـدَّ لي من الإشارة الى أنَّ هذا الكتاب أثار متعتي أثناء القراءة؛ لأنّـه كشف عن حقيقة واقعية امتازت بها مدينة الموصل العريقة، حيث أنَّ الشعراء الذين أرّخَ لهم المؤلِّـف تميّـزوا بالإبداع في أكثر من اتجاه ثقافي، فمنهم مَـن تميّـز في وظيفته مثل الأطباء والخطباء والدُعاة وأساتذة الجامعة والمدارس والمعاهد، ومنهم الموظَّـف في دوائر الدولة، وفي الوقت ذاته كانت لهم نتاجات متنوعة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مؤلِّـف الكتاب الذي تنـوّعت نتاجاته بين التأليف والتمثيل والإخراج المسرحي والمحاضرات والمقالات المتنـوّعة، والشاعر ميسر قاسم الخشاب الذي ألّـفَ المسرحيات الشعرية، وترجم عن الأدب العالمي، فضلا عن كونه شاعـرًا ومُـدرِّسًا، والشاعر ضيف يزن الذي تزخر صفحته بنشاطاته المتعددة، وطلال البدراني الشاعر والمحامي الحاصل على شهادة الدكتوراه، وله مؤلّـفات في القانون، والشاعر عبد الرزاق عبد القادر الذي كان أول مَـن استخدم طريقة ديوي العشرية في تصنيف كتب المكتبة المركزية العامة في الموصل، وأول مَـن صنّـفَ كتب مكتبة الأوقاف فيها، فضلا عن أعماله الوظيفية ونشاطاته الأخرى.

   وهكذا تسير بنا هذه الموسوعة – التي تقف شامخة مع الموسوعات السابقة لها سواء أكانت موسوعة موصلية أو عراقية أو عربية أو عالمية – في رحلة غاية في الثراء والإبداع؛ لتؤكِّـد من جديد على الدور الحضاري العريق لمدينة الموصل ممثلا بمبدعيها، ذلك الدور الذي أسهم في كشفه الأُستاذ ماجد، فلا يسعني إلاّ أن أُقـدّم له شكري والوافر وتقديري العميق لهذا الجهد المتميز، وأدعو له بالصحة ودوام الإبداع، وفي الوقت ذاته أُوجّـه دعوتي الى الباحثين والإعلاميين للاهتمام بهذا الجهد، وتأليف موسوعات أُخر تُسلِّـط الأضواء على الشخصيات الموصلية المبدعة في أي مجال من المجالات؛ لأنَّ الكتاب يحفظ المعلومات على المدى البعيد، أمّـا المقالات الصحفية التي تتناول هذه الشخصيات فـقد تُـفـقـد بعد زمن.

2025/03/31

وجدان توفيق / حوار

 

"وجدان توفيق"

حظيت الموصل بالادباء والمثقفين و"وجدان توفيق" اسم لامع من محافـظتنا في مجال كتابة القصة إضافة الى عملها الوظيفي كمدرسة.. "الحدباء" التقت بها وأجرت معها هذا الحوار حيث حدثتنا عن بداياتها وبمن تأثرت به من الكتاب بقولها:

-       بدأت بكتابة القصة عام 1983 حيث نُشر أول نص قصصي لي، وقبل ذلك اقتصرت على الكثير من الخواطر والمحاولات الشعرية أما التأثر والتأثير فعمليتان مطلقتان تماماً لن تجد لهما قالباً محدداً ولكن بالتأكيد الحرف المقروء يفتح الذهن باتجاه ما ينضاف الى نتاج الذات ويزيد تراكماتها.

·        ما هي معاناتك؟

-       الهم الحقيقي يبدأ مع وهج الإضاءة الأولى للنص ليظل مرافقا للكلمة والمعنى حتى لحظة الانطفاء.

·        لماذا كانت كتاباتك القصة القصيرة؟

-       النص القصصي هو أنا.. وأنا النص القصصي إن كان قصيرا أو طويلا ما يعنيني حقا هو تدفق نبع الذات الى الذات أولا.. ومن ثم للآخر.

·        بماذا تمتاز القصص التي تكتبيها؟

-       ميزتها تكمن في قدرتها على الإفلات من قيد المقدمة والمضمون والخاتمة فهي نص حديث تماما ينطرح بلا مقدمات ولا أقفال، فالمخيلة تعمل فيه على مداها.

·        هل تقرأين الكتب ومن هم الكتاب المفضلين لديك؟

-       قراءاتي لا تحدها نمطية معينة فتجدني أقرأ القصة والفكر والفلسفة والتاريخ القديم والشعر. أُفضل كولن ولسن – كافكا – جيمس جويس – محمود جنداري – ثامر معيوف.

·        ومن الشعر ماذا تقرأين؟

-       دائما أجد لذة قراءة الشعر اكثر مجالا من لذة قراءاتي الأخرى، أقرأ رؤى وليم بليك – يباب اليوت – رومانسية شللي – ورياح التغيير ادونيس – ورعد فاضل الذي منح الشعر لذة الجموح في افـق يشرد هو الآخر بلا اسرجة.

·        هل تم نشر القصص في الصحف وما هي آخر قصة نشرت لك؟

-       تم نشر القصص في معظم الصحف العراقية وآخر قصة هي (الذي يترجل مرة في السنة) وقد نشرت في جريدة بابل.

·        واتحاد الادباء ماذا قدم لك؟

-       قدم لي الكثير الكثير منها أمسية وفرص للنشر وهوية اتحاد الادباء.

·        لو طلب منك كتابة قصة لتحويلها الى دراما تلفزيونية؟

-       سينتصب غابرييل غارسيا ماركيز امامي بقوله.. لن استطيع إعطاء نصي لقاصٍ آخر ويقصد المخرج طبعا.

·        ما هي معاناتك بين عملك كمدرسة وقاصة..؟

-       معاناة هائلة اكابدها يوميا بين متطلبات التدريس بجد حقيقي وبين رغبتي للتفرغ التام لقراءاتي وكتاباتي. ذهني مشغول دائما وافكر جديا بالتوقف عن التدريس لأمنح ذاتي فرصتها في العطاء الادبي.

·        كلمة أخيرة..؟

-       ركن قصي ومكتبتي واوراقي وقلمي أعنيه قلمي.

 

·       نُشِرَ الحوار في جريدة الحدباء / الموصل، العدد 709، الثلاثاء 9/1/ 1996.

د. وجدان الخشاب Headline Animator

د. وجدان الخشاب