الخميس، 31 أغسطس، 2017

د. وجدان الخشاب













الإغتراب والتغريب
قراءة في مسرحيات ألفريد فرج



د . وجدان الخشاب



المحتويات
المقدمة

التمهيد
1-46
أولاً : الاغتراب والتغريب لغة
2-5
ثانياً : الاغتراب والتغريب اصطلاحاً
5-20
ثالثاً : برتولد بريخت والمسرح التجريبي الحديث
21-33
رابعاً : ألفريد فرج والمسرح العربي الحديث
34-46
الفصل الأول : المحتوى الفكري والايديولوجي للاغتراب في مسرحيات ألفريد فرج
47-108
المبحث الأول : الأنواع الاغترابية
48-70
المبحث الثاني : الاغتراب ( الدوافع والوظائف )
71-90
المبحث الثالث : ايديولوجيا الاغتراب ( مضامين ومعان )
91-108
الفصل الثاني : المؤثِّر التغريبي في مسرحيات ألفريد فرج
109-161
المبحث الأول : استلهام التأريخ أو التأرخة بوصفها مؤثِّراً تغريبياً في النص المسرحي
111-133
المبحث الثاني : حركية النص التغريبي
134-148
المبحث الثالث : النص التغريبي ومستوى الاستقبال الدلالي
149-161
الخاتمة
163-166
                                                                                          

المصادر والمراجع

173-181




المقدمة
كانت رغبتنا عميقة ومنذ زمن طويل في دراسة المسرح العربي تحديداً و الغربي إطلاقاً لما يتمتع به المسرح - بوصفه جنساً أدبياً - من قيمة جمالية أثبتت فاعليتها التعبيرية والوظيفية منذ العصور الغابرة وحتى الوقت الراهن . وكان التركيز منصباً على دراسة النص المسرحي دون العرض ، مع إدراكنا أن الثاني هو ترجمة عملية للأول بإضافة بعض الوسائل التقنية الخاصة بالفعل المسرحي المعروض والمشاهد .
وكما حددنا مجال العمل كان لابد من تحديد هويته وماهيته ، فتم إختيار المسرح التجريبي بوصفه يمثل قيمة فكرية وفنية أثبتت كفاءتها وشغلت مجالاً كان العالم بحاجة إليه ، نظراً للإفتقار والتناقض الذي أحدثه المسرح البرجوازي السائد في ذلك الوقت . واخترنا
( الإغتراب والتغريب ) بوصفه موضوعاً مهماً قابلاً للمناقشة والتحليل من جهة ، ولأنه يمثِّل سمة مهيمنة في المسرح التجريبي الحديث الذي أفاد كثيراً من طروحات بعض الفلاسفة الذين شخصوا العلاقة بين الإنسان وواقعه المفتقر إلى المعنى من جهة أخرى ، فكان هيجل وماركس وروسو وغيرهم مراجع فلسفية مهمة لهذا الموضوع الذي يمتد بجذوره إلى البذور الأولى للتشكيل الإنساني والكوني .
أمَّا المشكلة الجوهرية التي واجهت البحث فهي متمركزة في كيفية التفريق بين شقي العنوان ( الإغتراب ) و ( التغريب ) إذ قد يتبادر إلى الذهن أنَّ كليهما يعبر عن المعنى نفسه الخاص بالبعد والإنفصال ، ولكنَّ الأمر بدا لنا غير ذلك عندما طالعنا الكثير من طروحات الباحثين في هذا الموضوع ، فالمسألة لا تتعلق بالمعنى الخاص بالموضوع ، وإنما بكيفية عرض المعنى والغاية المرجوة من هذا العرض . وتبين لنا أنَّ إرتباط الإغتراب بالقيمة المضمونية أكثر من إرتباطه بالقيمة الشكلية ، بمعنى آخر أن ( الإغتراب ) هو وصف للمحتوى المتضمن لمعنى التباعد والتفارق . أما التغريب فهو يمثِّل الكيفية الشكلية التي يتمُّ
من خلالها التعبير عن المحتوى الإغترابي ، لأنَّه يمثِّل سلسلة من الوسائل الفنية والتقنية التي تعمل على صياغة الفكرة الإبعادية .
وضمن هذا التصور اشتغل ( بريخت ) الذي طوَّر الآليات الخاصة بالتعبير
عن المحتوى الإغترابي عند هيجل وماركس ، مفيداً من الطروحات الجمالية لكل من بسكاتور وستانسلافسكي وديوستفسكي ، تلك الطروحات الخاصة التي يضعها الممثل بينه وبين الجمهور
ومن خلال هذه المعطيات تعاملنا مع مسرح ألفريد فرج بوصفه ممثِّلا للمسرح التجريبي الحديث في العالم العربي ، ذلك المسرح الذي لم يكتف بالتقليد والمحاكاة وإنما حاول تطوير أدواته الجمالية ومحتوياته الفكرية بالإفادة من التراث حيناً ومن الفلكلور والقضايا القومية والاجتماعية حيناً آخر . وكان اختيارنا المنهج الذي يعتمد على التحليل الفني للمحتوى الفكري والايديولوجي للإغتراب والتغريب ، لأنَّ الفكر و والايدولوجيا هما أهم مؤثرات المسرح التجريبي الحديث الذي كانت غايته تعليمية فكرية ، تعتمد على إثارة الذهن والوجدان قصد التغيير والثورة على المنجز التقليدي . وبخصوص الجانب التطبيقي اعتمد البحث على نماذج من أحدث طبعة للنصوص المسرحية التي صدرت ضمن سلسلة (مؤلفات ألفريد فرج) وكانت هذه النصوص المختارة هي النماذج الجيدة والمشهورة والقادرة على كشف الاتجاه التجريبي لدى ألفريد فرج ، ومن ثُمَّ فإنَّ تحليلها قد أبان بشكل واضح قدرته على تمثيل مفهومات وطروحات هذا النوع من الاتجاهات المسرحية . والفكرة المنهجية تقوم أيضاً على عدم إقامة التنظير المفهومي في المستوى التطبيقي ، كي يحتفظ كل منهما باستقلاله النوعي عندما يقوم بوظيفته الكشفية والايضاحية ، وحتى يتعرَّف القاريء على المفاهيم وكذلك التطبيقات العملية بشكل واضح غير متفارق ولا مبعثر . ونعتقد بأننا وظفنا مجمل المفاهيم النظرية التي طرحناها سواء في مباحث الفصول ، أم في المباحث ، أم في التمهيد في المجال التطبيقي .
أمَّا فيما يخص الخطة المنهجية للبحث المعنون بـ ( الإغتراب والتغريب في مسرحيات ألفريد فرج ) فقد توزعت على مقدمة وتمهيد وفصلين لكل واحد منهما ثلاثة
مباحث ، فضلاً عن الخاتمة والمصادر والمراجع  ، والملحق .
في التمهيد تناولنا الإغتراب والتغريب لغة واصطلاحاً وعلى المستويين الفلسفي
والفني ، كما تمَّ التعرض لبرتولد بريخت والمسرح التجريبي الحديث ذاكرين الفروق التي يفارق بها هذا المسرح المسارح الاخرى ، فضلاً عن توضيح السمة المهيمنة فيه ألاَّ وهي ستراتيجية التغريب المقترحة من قبل بريخت . ودرسنا في محور آخر ألفريد فرج والمسرح العربي الحديث بيَّنا من خلاله دوره ومكانته الادبية ونصوصه المسرحية والأدبية الأُخرى .
 الفصل الأول المعنون بـ ( المحتوى الفكري والايديولوجي للاغتراب في مسرحيات ألفريد فرج )  اشتمل على ثلاثة مباحث : في الأول درسنا الأنواع الاغترابية التي تمظهرت في الاجتماعي والسياسي والديني والاقتصادي والثقافي ، مع تحليل لمسرحيتي
( بقبق الكسلان ) و ( سليمان الحلبي ) .
وفي المبحث الثاني درسنا الاغتراب من حيث ( الدوافع والوظائف ) ، وحللنا في ضوئهما  مسرحية ( حلاق بغداد ) .
اما في المبحث الثالث فقد درسنا ايديولوجيا الاغتراب ، وبيّنا المضامين والمعاني الخاصة بها ، وكانت مسرحية ( علي جناح التبريزي وتابعه قفة ) نموذجاً تحليلياً لهذين المستويين .
أمَّا الفصل الثاني المعنون بـ ( المؤثر التغريبي في مسرحيات ألفريد فرج ) فتضمَّن هو الآخر ثلاثة مباحث : في الأول درسنا مسألة ( استلهام التاريخ أو التأرخة بوصفها مؤثراً تغريبياً في النص المسرحي ) حيث يتم تغريب الحادثة التاريخية بوسائل الابعاد ، وحللنا تبعا لهذا المعنى مسرحية ( الزير سالم ) .
وفي الثاني تناولنا حركية النص التغريبي بوصفه بنية تتغير قوانينها الانتاجية كي تساهم في تحريك مستويات الدلالة والمعنى فيها ، وكانت مسرحية ( رسائل قاضي اشبيلية ) نموذجاً تحليلياً .
أمَّا الفصل الثالث والأخير فقد درسنا فيه النص التغريبي ومستوى الاستقبال الدلالي ، انطلاقا من العلاقة التي يقيمها القاريء مع النص المسرحي ، وكانت مسرحية ( الزيارة ) نموذجاً تحليلياً لذلك .
ثُمَّ كانت هناك الخاتمة التي تضمنت أهم ما خرج به البحث من نتائج على المستويين النظري والتطبيقي ، فضلاً عن قائمة المصادر والمراجع .
وفي الختام أُقدِّم خالص شكري وتقديري لكل الذاكرات التي اسهمت في انجاز هذا البحث على المستويين المادي والمعنوي ، ابتداءً باستاذنا د . عمر الطالب ( رحمه الله ) و د . ابراهيم جنداري جمعة و د . عبد الستار عبد الله صالح  و د . جلال جميل ( رحمه الله ) وشفاء العمري ومثري العاني .
ولدجلتي الخالد الذي طالما نهلت منه … الحب والتقدير .

 


والحمد لله رب العالمين…



أولاً : الاغتراب والتغريب لغة :
يقول صاحب اللسان تحت مادة ( غرب ) ([i]) : " الغرب والمغرب بمعنى واحد
( ابن سيده ) . الغرب خلاف الشرق والمغرب … والغروب غروب الشمس ، غربت الشمس تغرب غروبا ومغيربا " .
وهنا نستطيع أن نفهم أنَّ المحدد الأساس هو ( الاختلاف ) بين جهتين ومكانين متباعدين هما الشرق والغرب . والاختلاف يتحدد بالصفة كما يتحدد بالمسافة التي تفضي الى محدد آخر هو ( البعد ) أو التباعد بين المكانين ، وهذا المعنى الأخير يفسِّره القول التالي :
" والغرب الذهاب والتنحي عن الناس وقد غرب عنا يغرب غربا وأغرب وغربه وأغربه نحاه . والغربة والغرب النوى والبعد ..… "
بمعنى آخر أنَّ التركيز على ( الصفة ) يفضي إلى الاختلاف بين طرفي المقارنة ، في حين أنَّ التركيز على المسافة يفضي الى ( الغربة ) بمعنى التباعد عن المكان ، ويلاحَظ أنَّ تعدد الصيغ الصرفية يفضي هو الآخر الى تقوية المعنى وتحديد هوية الطرف المعني
بالفعل ، ومع تقلُّب الصيغ نصل الى صيغتي ( التفعيل ) و ( الإفتعال ) أي ( التغريب )
و( الإغتراب ) في النصين التاليين اللذين لا يخرجان بحال عن المعنيين المذكورين آنفا
وهما : " الاختلاف " و " البعد " .
-         " والتغريب النفي عن البلد . وغرب أي بعد ويقال أغرب عني أي تباعد … والتغرب البعد " .
-   " والاغتراب والتغرب كذلك تقول منه تغرب واغترب وقد غربه الدهر .. وغريب بعيد عن وطنه .. والاغتراب إفتعال من الغربة .. وأغرب الرجل صار غريبا ".
إذاً ما يمكن استخلاصه من هذا النصِّ اللغويِّ لمادة الاغتراب والتغريب هو ما يلي :
1- أنَّه يشير الى محددين أساسيين هما أصل المعنى لمادة ( غرب ) وهما الاختلاف والبعد ، حيث الاختلاف في الصفة أو الهوية ، والبعد في المسافة والجهة .
2- أنَّه يجمع مادة ( التغريب ) و ( الاغتراب ) و ( الغربة ) تحت مادة غرب ، ويتعامل معها جميعاً باختلاف صيغها الاشتقاقية بمعنى واحد هو الاختلاف
والبعد .
وبالرغم من أنَّ سياق مادة ( غرب ) حافل ومتنوِّع في تراث اللغة العربية إلاَّ أنَّه
لابدَّ من التنويه الى أمرين: (
[ii])
1- أنَّ كلمة ( الاغتراب ) أو ( الغربة ) تعني كما تقول معاجم اللغة العربية على اختلافها ، النزوح عن الوطن ، أو البعد والنوى ، أو الانفصال عن الآخرين ، وهو معنى اجتماعي بلا جدال ، غير أنَّ الذي لا جدال فيه كذلك هو أنَّ مثل هذا الانفصال لا يمكن أن يتمَّ دون مشاعر نفسية ، مثل الخوف أو القلق أو الحنين ، تسببه أو تصاحبه أو تنتج عنه .
2- أنَّ الانسان العربي على الرغم من أنَّه كان يحيا في كنف قبيلة ، ينتمي إليها ويتعين بها ، حتى أنه لم يكن يُعرَف إلاَّ من خلالها ، فإنَّ ذلك لم يقف حائلاً دون ظهور ألوان من التمرد أو القلق الجماعي والفردي على حد سواء ، وباختلاف الدوافع والغايات وتباين الطابع العام.
أمَّا في دائرة المعجم الغربي فإنَّ مادة الاغتراب والتغريب تنطلق من حقل الفلسفة لتستقر في دائرة الاستخدام الفكري والفني . وسوف نطالع عملياً أنَّ دائرة التصور الفلسفية الغربية أغنت ـ تماماً ـ المديات القصوى لمعاني ودلالات هذه المادة اللغوية ، خصوصاً بعد أن اتُخذَ الواقع الفعلي موضوعاً للتحليل والاستنتاج اللغوي ، فضلاً عن المدوَّنات المعرفية ذات الطابع الأدبي والفلسفي .
في البدء لابدَّ أن نشير إلى أنَّ مفردة ( Alienation ) الانكليزية هي التي تترجم الى
( الاغتراب ) ، وهي مشتقة من الصفة (
Alien ) وتعني المترادفات : غريب ، أجنبي ، وبإضافة ( to ) إليها تعني : مخالف ، أو مغاير . أمَّا الفعل ( Alienate ) فمعناه يبعد ،
أو يحول عن ، أو يفقد صداقة وترجمة (
Alienation ) الحرفية إذاً : إبعاد أو تحوّل ،
أو غربة عن المجتمع (
[iii]) .
وفي اللغات القديمة نجد أنَّ الأصل الإشتقاقي للمفردة ( Alienation ) الانكليزية هو الأصل اللاتيني ( Alienatus ) ومعناه ذلك الشيء الذي لا يمتلك ذاته ، بيد أنَّ هذا اللفظ قد اتسع استعماله ، لا سيما ابتداءً من القرن التاسع عشر ، فامتدَّ الى مجالات متعددة
متباينة ، واتخذ من ثمة معانيَ تختلف باختلاف المجال ، فقد شاع هذا اللفظ في علم النفس وفي علم الاجتماع ، وفي الاقتصاد وفي السياسية ، ومضى بعض المؤرخين يلتمس له مصادر قديمة تعود به الى الفكر اليوناني القديم ، وتتجلى فيما عُبِّر عنه عندئذ بحالة
( الجذب ) (
Ekstasis ) ، حيث يسلِّم الانسان جسمه للشعائر وما فيها من ألغاز ، أو فيما عبَّرت عنه أشعار هوميروس حين وصفت من لا قبيلة له ولا قانون ولا قلب([iv]) بالمغترب .
ينضاف الى ذلك المفردة اللاتينية ( Alienatio ) وهي اسم يستمد معناه من الفعل اللاتيني ( Alienare ) أي ينقل أو يعدل أو يسلِّم أو يبعد ، وهذا مأخوذ بدوره من مفردة
لاتينية أُخرى هي (
Alienus ) أي الانتماء إلى آخر ، وهذه الاُخرى مشتقة في نهاية الأمر من مفردة ( Alius ) التي تعني الآخر أو آخر ، ولقد وردت المفردة اللاتينية
(
Alienatio ) أو ( Abalienatio ) في كتابات ( سنيكا ) و( شيشرون ) وغيرهما من مفكري الرومان ، وكذلك نجدها لدى الكتاب باللغة اللاتينية ([v]) .
كما أنَّ مفردات ( الاغتراب ) ( الغربة ) ( التغريب ) تأتي في الانكليزية مترادفة سواء من خلال اللفظ ( Alienation ) أو اللفظ ( Entfremduny ) ، وفي هذا الأخير تعني الغربة أو التغريب أو السطو أو السلب أو الأخذ ([vi]) .
من جهة أُخرى فإنَّ مفردة ( التغريب ) في العصر الحديث وردت في كتابات هيجل وماركس وغيرهما من الفلاسفة الألمان ، ولعل أهم مفردة اشتهرت عن بريخت هي
(
Verfremduns ) وهي تترجم أيضاً بالإغراب والإبعاد ، وتقوم كلمته الالمانية مقام الكلمة الروسية ( Ostrannenie ) ، وكان العالم الجمالي الروسي فيكتور شلوفسكي قد ساقها في بحث له نشره عام 1917 ، تحت عنوان ( الفن كعملية اصطناعية ) ([vii]) .
ويرى معظم الباحثين أنَّ ( التغريب البريخيتي ) ذو علاقة متينة بالاغتراب الهيجلي الذي كان ماركس قد استعاره من هذا الفيلسوف الالماني ، فقد لجأ هيجل إلى استخدام سلسلة من المفردات الألمانية للتعبير عن جدل الاغتراب بلحظتيه أو عنصريه المتناقضين وهي
( التخارج ) و ( الاغتراب ) و ( البيع ) و ( الامتلاك ) ، على أنَّ مفردة
Entfremdung هي من أكثر المفردات تردداً و شيوعاً للتعبير عن معنى الاغتراب سواء عند هيجل أو اللاحقين له . كما استخدم ( فردريش شلر ) مفردة ( fremd ) في كتابه " رسائل في التربية الجمالية للانسان " فهو يتكلم عن الانسان حين يعاني ويكابد "حالة كونه غريباً تحت ظروف وأحوال لا إنسانية " ([viii]).
وما من شك أنَّ التوسعات اللغوية والدلالية لمفردتي الاغتراب والتغريب قد أضفت نوعاً من العمق والتنوع بالرغم من تأكيدها على القضية الجوهرية المتعلقة بمعنى المفردتين ألا وهي الاختلاف والتباعد ، إلاّ أنّ نظرية المسرحي الألماني برتولد بريخت سوف تضفي معنى باجتراحها واستخدامها لمصطلح التغريب الذي أصبح ظاهرة ذات أثر بالغ في المسرح الحديث .
وهذا التنوع يؤكد على ثراء المعنى والدلالة لهذه المفردة مما أدى الى تنوع استخدامه في الحقول المعرفية المختلفة ، ولكن تبقى مسألة مهمة في اطار الاشتقاق اللغوي العربي والغربي ألا وهي الفروقات النوعية بين الاغتراب والغربة والتغريب والتي سيحاول البحث أن يلمسها في المعنى الاصطلاحي .


ثانياً : الاغتراب والتغريب اصطلاحا :
نظراً لأننا نبحث عن المزيد من التعمق والتوسع في معاني ودلالات مادة ( غرب ) فإننا نلجأ بديهياً الى المعنى الاصطلاحي الذي يتوجب عليه أن يمدنا بأقصى ما يمكن من المعرفة عن هذا الموضوع ، مع التأكيد على أننا سوف ندرس المفهوم الاصطلاحي ضمن مستويين هما:
أولاً : مستوى المعنى الفلسفي : حيث يمثل المرجعية والخلفيات التأريخية والثقافية والمعرفية لهذين المصطلحين ، وهو مستوى لا بُدَّ منه للتعرّف على المنطلقات والتشكلات الأُولى لهما عند الفلاسفة والمفكرين .
ثانياً : مستوى المعنى الفني : حيث تمَّ التركيز على المعاني الأدبية والفنية الجمالية لمصطلحي الاغتراب والتغريب بوصفهما أساسين نعتمد عليهما في الرؤية والفهم
والتحليل .
أولا : مستوى المعنى الفلسفي :-
إنَّ مصطلح الاغتراب مصطلح واسع ومفهوم " لا يزال فيه كثير من الغموض … إذ من الصعب تعريف المفهومات الأساسية تعريفاً دقيقاً ، ومن هنا تضاربت الأقوال
والاراء "(
[ix]) .
ولقد ارتبط مصطلح الاغتراب بالبدايات الأُولى للخليقة وصولاً الى الفلسفة حتى قال والتر كوفمان " أنَّ الفلسفة تولد من رحم الاغتراب "([x]) ، فمعظم التيارات الفلسفية هي تيارات ذات رؤى اغترابية بسبب صراعها المستمر مع الآخر أو نفورها منه ، ومن ثم جدالها المستمر من أجل الحقيقة سواء أكانت مثالية أم موضوعية . والمقال نفسه ينطبق على الفلاسفة الذين كانوا مغتربين سواء عن ذواتهم أم عن مجتمعاتهم ، وسوف نحاول اختزال مفاهيمهم الاغترابية مع التركيز على مَن استوت عنده فكرة الاغتراب فكراً وسلوكاً ، فهؤلاء لنا معهم وقفة مفصّلة .
وبما أنَّ الاغتراب سمة أو علامة ملازمة للوجود الانساني فهي موجودة منذ البدايات الاولى للخليقة فقد عايش آدم ( عليه السلام ) الاغتراب بعد هبوطه مطروداً من الجنة ، ففارق حياة أزلية سرمدية ، وبدأ بحياة متناهية فرضت عليه الكفاح والعمل من أجل سدِّ حاجاته . كما نلمح الصورة الاغترابية في الملاحم القديمة والمآسي الاغريقية حيث الصراع الدائم مع المجهول أو القدر ، ذلك الصراع الذي أجج الاحساس المتوقع بالكارثة حيث الموت في نهاية المطاف . وكانت ثنائية الصراع بين الذات والمجتمع ، ثم بين هذا الأخير والطبيعة من أهم المسائل التي وتَّرت العلاقة بين الانسان وموضوعه الوجودي ، فكانت الفلسفة اليونانية صياغة حية لتوكيد هذه المفاهيم . وحتى الفكر الاسلامي وتأريخه وفلسفته لم يخل من هذا المفهوم سواء على مستوى الرؤية أو السلوك العملي ، ومن الأدلة على ذلك متصوفة
الاسلام ، حيث أنَّ ( الصوفي السالك طريق التطهر إنَّما يأمل في تجاوز واقعه الذي اغترب عنه وذلك بتجاوزه ، وبذلك الجهد من أجل اللحاق بالعالم الأمثل ، والاتصال بالله اتصال عيان ومشاهدة ، وذلك كله إنّما يؤكد محاولة الصوفي الانفصال عن واقعه ، والاقتراب من العالم العلوي الذي فارقه بعد خطيئة آدم ومعاناته الاغتراب ) (
[xi]) .
وفي الفلسفة اليونانية نستطيع أن نفهم شعور ( سقراط ) بالغربة منذ صغره ، حيث كان منبوذاً من قِبل أقرانه لكونه بشع الشكل ، وكانت عزلته الجبرية دافعاً اضافياً لمضاعفة اغترابه ، وانتهى به الحال الى الإعدام وتجرع السم ، فكان ( أول شهيد للفلسفة ) ، كما يصفه ( ول ديوارنت ) ، و كان لمبدئه الشهير ( اعرف نفسك بنفسك ) أثراً بالغاً في الفلسفة الذاتية الاصلاحية عبر النقد وكشف جهل الآخرين ، والدعوة الى حرية الفكر ، وتصحيح مسار الفلسفة ([xii]) .
أمّا ( أفلاطون ) فإنَّ محاوراته تعدُّ بمثابة محاولات لاشاعة جوٍ من التأمل الناقد والبحث عن الحقيقة ، بمعنى أنَّها محاولات فيلسوف يحاول أن يتجاوز اغترابه عن طريق معرفة الحقيقة .
ويستطيع المتأمل لنظرية المثل الافلاطونية أن " يلمح في ثناياها جذور المفهوم الديني للاغتراب باعتباره انفصالا عن الله بفعل السقوط … حيث أنَّ النفس اغتربت عن الآلهة حين سقطت في الخطيئة … ويكشف افلاطون أنَّ أساس المشاركة والانتماء هو وحدة المصلحة والعدالة الاجتماعية ، ومن ثُمَّ يكون التفاوت في الثروة والتمايز الطبقي على أساس الملكية هو علَّة الاغتراب واللا انتماء " ([xiii]) .
ثم جاء تلميذه ( ارسطو ) ليوجِّه نقداً لاذعاً لنظرية المُثل ولأساسها الديني التي حاول افلاطون تقعيدها استناداً الى جوهره ، فلقد نظر ارسطو الى الفلسفة من جهة الواقع التجريبي الحسي لها ، وعَدَّ الانسان كائناً اجتماعياً وسياسياً لأنَّه يكتسب معرفته عن الطبيعة لا من
عالم المُثل ، بل استناداً الى جدله العقلي معها . كما ناقش ارسطو الاستغلال بوصفه جوهر العمل المغترب حيث أنَّه " يقسم طريق تحقيق الثروة الى طريقين : طبيعي وصناعي ، الأول هو العمل ( جمع انتاج الطبيعة ) والثاني ( المبادلة والربا ) ، ووسيلة المبادلة هي النقود ، ولكنَّ الناس يتخذون النقود غاية ، فيصير الانتاج غاية أيضاً ، ويتحوَّل عن طبيعته باعتباره وسيلة لاشباع الحاجات الطبيعية فتضطرب الحياة الاجتماعية "(
[xiv]) . وهذه النظرة الاقتصادية الثاقبة سوف تكشف فيما بعد الطبيعة المغتربة للملكية الخاصة التي تقتل الرغبة في العمل .

كما يؤمن ارسطو بأن شرف المواطنة مع الدولة هو شرف كبير لا يدانيه شرف ، أما الذين لا يحبذون المشاركة فهم مغتربون كأنهم غرباء بلا كرامة ، وهذا ـ  كما هو معروف ـ رأي تعسّفي يحمل المواطن على الخضوع لسياسة الدولة بصرف النظر عن أنَّه اتخذ ذلك بإرادته أم لا .
وبإغفالنا للعصور الوسطى والفلسفات المعبرة عن فكرها حيث ساد مفهوم الاغتراب الديني المتعلق بفكرة الخطيئة الأُولى ، والتحام الانسان بالعالم الأرضي ، وخضوعه لمشيئة الإله أو السلطة الدينية ، وبالتالي تخلِّيه عن إرادته وحريته ، نصل الى ( ديكارت ) صاحب الكوجيتو المنطقي " أنا افكر إذن فأنا موجود " . والاغتراب في فلسفة ديكارت يمكن تحديده في عدة مجالات ([xv]) :
1-   الكوجيتو الديكارتي حيث يتضح اغتراب الأنا عن ذاته ، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الاغتراب الميتافيزيقي .
2-   الاغتراب الانطولوجي : حيث ترد الحياة الانفعالية الى آلية الارواح الحيوانية .
3- الاغتراب الوجودي : حيث تعيش الذات تجربة الانفعال في نطاق ( الأنا أفكِّر )
الديكارتي .
4- إنَّ انتفاء الهوية بين الأنا أُفكِّر والأنا موجود ، يؤدي على الفور الى اغتراب الأنا عن ذاته ، إذ أنَّه يحوِّل مجال العلاقة من مجال المحايثة حيث الاتحاد والتطابق الى مجال المفارقة حيث الاختلاف والتنافر .
وصولاً عند جماعة النقد الديني ( هيجل ، ماركس ، فرويد ، نيتشه ) نصل الى مفهوم جديد لفلسفة الاغتراب أكثر عمقاً وتوسيعاً ، ولكن قبل أن نعرض تصوراتهم سنعرض وجهة نظر ( جاك جان روسو ) صاحب كتاب ( العقد الاجتماعي ) لما لها من أهمية في هذا الموضوع .
يمكن أن نعرض تصور ( روسو ) عبر الكيفية الاتية : ([xvi])
1- يرى روسو أنَّ الاغتراب معناه التسليم أو البيع … فالانسان الذي يجعل من نفسه عبداً لآخر ، انسان لا يسلِّم نفسه ، دائما هو بالأحرى يبيع نفسه ، من أجل بقائه على الأقل . وهذا التعريف يحمل في طياته جانبين أحدهما إيجابي عندما يضَّحي الإنسان بذاته في سبيل الكل ( الوطن – الدولة ) . والثاني سلبي عندما ينظر الإنسان الى ذاته على أنَّها سلعة يطرحها للبيع في سوق الحياة ، فهذا اغتراب سلبي ، لأنَّه نوع من التشيؤ يفقد الانسان فيه ومن خلاله ذاته ووجوده الشرعي الأصيل .
2- وتحدث روسو أيضاً عن الاغتراب الذاتي كمعادل موضوعي للقضاء على الجانب السلبي للاغتراب ، عندما يحدث الانسجام والتطابق بين المظهر والجوهر ، وهذه دعوة من قبله لمعاصريه الى الوعي بالذات ، والنظر إليها على أنَّها مشكلة يجب أن تلقى العناية
والتفكير .
3- سعى روسو كما سعى غيره الى تخليص الانسان من الاحساس بالغربة عن العالم ، لكنَّ رؤيته للمجتمع من حيث أنَّه قناع أو حجاب كانت مملؤة بالغيرة والشك والخوف واللامبالاة والتكتم والخداع والكراهية ، مما جعل الذات ترتد الى العزلة كمجال حقيقي لتحققها ، فالناس صاروا غير الناس ، صاروا مغتربين عن أنفسهم ، تلك هي مشكلة الاغتراب الذاتي في نظر روسو .
4- كما حاول روسو تقديم تفسير اجتماعي للاغتراب ، من خلال استعراضه للفلاسفة والمفكرين عبر التأريخ ، فضلاً عن تحليله للمجتمعات الحديثة والعصرية ، واستنتج أنَّ العفوية والصدق السائدتين في المجتمعات القديمة تفتقر إليهما المجتمعات الحديثة التي سيطرت عليها المدنية والصناعة وحب التملك ، وشيوع الرذيلة والانحراف ، فضلاً عن توسع الرغبات والحاجات الانسانية ، ونشوء الطبقية والفروقات الاجتماعية ، وأدى هذا الى انفصال الناس عن الطبيعة واغترابهم عن ذواتهم .
5- ويخلص روسو الى تصور توفيقي ، فلكي يعلو الفرد عما  في المجتمع من شقاق
ونزاع ، ويعيش في جو السلام الروحي الذي توفِّره الدولة ، لا بدَّ أن يتنازل تنازلاً كاملاً عن كافة حقوقه وقواه ، ويسلِّمها الى الجماعة ككل ، هذا التنازل الكامل عن الحقوق الطبيعية هو أساس العَقد الاجتماعي الذي يربط بين أفراده ، وهو ما يطلق عليه روسو
اسم ( الاغتراب الكامل ) ، فتحمل دلالة الاغتراب هنا دلالة ايجابية حيث يسهم التنازل في بناء جسم الدولة السياسي .
والآن نتحوَّل الى فلاسفة النقد الديني والاجتماعي ( هيجل – ماركس )
الذين يمثلان أعمدة الفلسفة الاغترابية في العصر الحديث ، نظراً لأنَّ عصرهما كان عصر تأزُّم وتمزُّق وقلق ، فكانت طروحاتهما الفلسفية حافلة بمناقشات معمَّقة لأزمة الانسان وتناقضات عصره وفكره .
نبدأ بالفيلسوف الألماني ( هيجل ) الذي يعدُّ الاب الروحي لفلسفة الاغتراب ، تلك الفلسفة التي ارتبطت بالدين والتاريخ والاقتصاد والسياسة والاجتماع . ومن خلال كل هذه المجالات العملية نشأت مفاهيم جديدة للاغتراب متطورة الى حد ما عن سابقاتها .
وهو يرى أنَّ العالم الذي يعيش فيه الإنسان هو الى حد كبير من ابتكار أو إختراع الإنسان نفسه ، وأنَّ النظم السياسية والحضارية والاجتماعية تمثِّل الجوهر الاجتماعي الذي تمخَّض عنه هذا الدور الانساني ، فالانسان استطاع أن يديم وجود هذا الجوهر عبر
العصور (
[xvii]) ، لكنَّ السلطة الكنسية أو الدينية ومقولاتها المثالية القاهرة حرمت الإنسان من حريته الذاتية وأخضعته لقدسية مقولاتها ، فسيطرت على عقله ورسمت له طريق الخلاص بعيداً عن اختياره الحر ، ومن هنا كانت سبباً في اغترابه ، وكذلك الحال مع الدولة التي تمارس الدور نفسه ، وبذلك كفَّ الإنسان عن كونه إنساناً ، وتحوَّل الى شيء خاضع لمشيئة غيره ورغباته .
كذلك استعمل هيجل مفردة غريب  ( Fremd ) التي مهَّدت لظهور مصطلح
الاغتراب ، حيث استخدمت لوصف هذا الموجود أو الموضوع الذي ( ينقل ) إليه الإنسان أو ( يضع ) فيه أو ( يُسقِط ) عليه شيئاً من قدراته وصفاته ، وعملية النقل أو الوضع والاسقاط خارج الذات هي نفسها ( الفكرة ) الممهدة للاغتراب (
[xviii]) ، وهنا يتوَّلد ما يسمى بالجدل الميتافيزيقي الذي ينشأ في أوضاع تأريخية تتميز بالتمزِّق والشقاء والعبودية .
ويستخدم هيجل مصطلحات أُخرى بمعنى الاغتراب نحو مصطلح ( الانشطار أو الافتراق ، حيث ينبثق الوعي عن الكلية المطلقة ، ويفسِّره على أنَّه ظاهرة تاريخية تنشأ نتيجة التوسع في الثقافة ، التي هي بدورها تعبير خارجي أو تخارج ( Aeusserung ) للحياة التي تتموضع ذاتياً في موضوعات الثقافة ، وهذا هو معنى مصطلح التخارج أو التموضع لدى هيجل الذي يدل هو الآخر على معنى الاغتراب ، حيث أنَّ الروح تتخارج في أضرب الحضارة أو الثقافة المختلفة من فلسفة وفن ودين ، وهذه جميعاً هي الروح في حالة تخارج ، أي اغتراب ، عن ذاتها ([xix]) . ومن المعروف أنَّ هيجل ربط بين فكرة الاغتراب والحقيقة المطلقة ، لهذا كان الاغتراب لديه يمثل نوعاً من العلاقة الاشكالية بين الذات والعالم ، حيث يكون الإنسان مغترباً عندما لا يتعرَّف على ذاته في هذا العالم ، ويتجاوز اغترابه عندما يصبح العالم جزءاً منه . كما توصَّلَ هيجل ـ من خلال دراسته للمجتمعات الرأسمالية والاقطاعية ـ الى مفهوم ( الديالكتيك ) حيث الفكرة ونقيضها ، هذا المبدأ الذي عدَّه صيرورة الحركة التأريخية التي لا بدَّ أن تتغير باستمرار كي تدوم الحياة بوجهها الجديد .
كانت نظرته للتأريخ أو الماضي على أنَّه موضوع يقبل التفسير ضمن رؤى عصرية لا تراثية . ثم يتعرَّض هيجل لديالكتيك ( السيد ) و ( العبد ) ، السيد الذي يملك والعبد
المُباع ، حيث أنَّ العمل هو " استعباد للعامل الذي لا يتعين وجوده إلاَّ كوجود من أجل
الآخر ، فوجوده مغترب ، كما أنَّ وعيه ( متشيء ) لأنَّه لا يرتبط به كأنسان بل كشيء ، وجوده هو عمله ، ونفي عمله هو نفي وجوده . ومع ذلك فإنَّ هذا العمل المغترب هو أداة تحويل علاقة ( السيد ) بـ ( العبد ) " (
[xx]) . لقد ناقش هيجل علاقة السيد والعبد في إطار المجتمع البرجوازي ، ولكنه لم يتطرق الى العلاقات في هذا المجتمع ، بل ربطها بمستوى الوعي الذاتي الحر حيث تصبح الأشياء جزءاً من تطور هذا الوعي ، ومرآة يقرأ فيها حركته نحو التحقق الكامل ، فهو يرى الحل في الفكر المجدد . ومع ذلك فإنَّ فكرة تحقيق الإنسان في عملية العمل قد لعبت دوراً أساساً في تطوير فكرة الاغتراب لدى ماركس الذي ربط بين مفهوم العمل والإنسان بعد أن استبعد تصورات هيجل المثالية ، ونقل علاقة ( السيد )
و( العبد ) من سماء الوعي الى أرض العلاقات البرجوازية ، بالرغم من أنَّ هيجل أثبت أنَّ التناقض قائم بين المجتمع البرجوازي والحياة السياسية ، قائم بين الفرد البرجوازي المنشغل بحياته اليومية والمواطن المدرك لحقيقته الخالدة في حياة المدنية ولإرادته المماثلة لإرادة العامة ، وهذا التناقض هو الذي يولِّد ( الوعي التعس ) أو ( الاغتراب ) (
[xxi]) .
أمَّا فيما يخص ( كارل ماركس ) فقد نشأ عنده مصطلح الاغتراب انطلاقاً من تصوراته الاقتصادية والسياسية ، حيث يرى أنَّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية هي التي تولِّد الاغتراب إنطلاقاً من فائض القيمة ، فضلاً عن مفهومات أُخرى كالجدل التأريخي والمادية الجدلية ، والديالكتيك الذي طوَّره ماركس في العلاقات الاجتماعية ، كل هذه المفاهيم كانت المرتكزات الأساسية لفلسفة ماركس الوضعية . وأهمُّ ما يمكن التوكيد عليه هو أنَّ الاغتراب في هذه الفلسفة يتمركز في العلاقة القائمة بين العامل ونتاج عمله ، ومن ثُمَّ علاقته بنشاطه أي بذاته الشخصية . إنَّ التحليل الذي قدمه ماركس عن كيفية الانتقال من مرحلة الى أُخرى أو من الاقطاع الى الرأسمالية هو في الحقيقة توضيح تحليلي لمراحل تطوِّر ظاهرة الاغتراب من الجزئية الى الكلية . وسوف نبيِّن أهم ملامح هذا الاغتراب وفق الكيفية
التالية :(
[xxii])
1-  صاحَبَ الانتقال من الإقطاع الى الرأسمالية تحوّل الاغتراب السياسي الى اغتراب إقتصادي ، حيث تغيرت العلاقة بين السيد والعبد ، كما لم تعد العلاقة بين العامل والمالك علاقة ولاء سياسي وطاعة عمياء .
2-   صاغ ماركس نظريته في الاغتراب مستخدماً المصطلحات الأساسية التالية :
الإنسان ، الطبيعة ، النشاط الانتاجي أو الصناعة .
وقد صوَّر ماركس العلاقة بين الإنسان والطبيعة والصناعة في صورة علاقة جدلية ذات أبعاد ثلاثة يمكن تصوّرها كما في الشكل التالي :

 



فالإنسان لا يخلق الصناعة فقط خلال نشاطه الانتاجي ، بل يخلق ذاته أيضاً أي أنَّه نتاج ، كما أنَّه منتِج للصناعة ، وينشأ عن هذه العلاقة الجدلية نوعان من الاغتراب : الأول ذاتي ، والثاني اغتراب العمل ، وذلك من خلال تصارع العامل والمالك ، وكما في الشكل التالي
  
المالك ـــــــــــ الصناعة المغتربة ـــــ     ــــ الطبيعة المغتربة
العامل ـــــــــــ الصناعة المغتربة ـــــ      ــــ الطبيعة المغتربة

حيث ينتج عن هاتين العلاقتين علاقتي اغتراب إضافيتين هما الصناعة المغتربة والطبيعة المغتربة .
3- ويرى ماركس أنَّ الملكية الرأسمالية بأشكالها ورموزها المختلفة تؤدي الى اغتراب الإنسان العامل عن عمله لأنَّه لا يرغب فيه ، واغترابه عما ينتج لأنَّه لا يملك هذا
النتاج ، كما لا يملك أدواته ، وبالتالي فهي تؤدي الى اغتراب الناس مُلاكاً وعمّالاً عن ذواتهم ومجتمعاتهم .
4- وانطلاقاً من تصوّره الجدلي المادي للعمل ، وبأنَّ الأساس هو فائض القيمة المتأتي من القدرة على الانتاج ، فإنَّ الاستمرار بهذا الفهم يحوِّل نظر المالك الرأسمالي الى أن ينظر للعامل على أنَّه جزء مملوك له كالآلة المنتجة ، وهذا يؤدي الى نفي الطبيعة الاجتماعية لعملية العمل ، وتصبح عملية العمل المغترب نفيا لعملية العمل الاجتماعي الحر ، حيث تحولت الى عملية بين أشياء اشتراها الرأسمالي - أشياء أصبحت مملوكة له ، ومن ثُمَّ يوؤل نتاجها إليه .
5- وهنا يطرح ماركس مفهوم ( المبادلة ) الذي يؤكّده الوجود الرأسمالي المغترب ، والمحصلة هي تحوّل الانسان الى شيء مجرد ، إلى آلة تنتج سلعة لها قيمة تبادلية ، وهنا يغترب الإنسان عن ناتج عمله ، عما صنعته يداه بمجرد حصوله على النقود بوصفها وسيط للمبادلة ، وهذا بدوره يؤدي الى اغتراب النوع الإنساني عن وجوده الإنساني وكيانه النوعي ، إنَّه عملية نفي كليّ لطبيعة الإنسان ، وهذا النفي هو المرحلة الثانية في عملية جدل الاغتراب ، فكيف ومتى يتحقق نفي النفي ، أي تجاوز الإغتراب ؟ وهذا المفهوم الأخير ( نفي النفي ) بوصفه حلاً لمشكلة الاغتراب سيكون له دور فاعل في تصورات الفلاسفة والمفكرين وحتى الفنانين ومنهم بريخت .
6- ويتطرَّق ماركس الى فكرة الموت فيراها انتصاراً للنوع على الفرد ، ولهذا فإنَّ الاغتراب الذاتي - وهو جوهر الفرد - ليس مجرد تخارج الذات إذ هو يكشف عن نفسه بإسلوب عدواني من حيث أنَّ الفرد الجزئي هو الذي يعاني الموت ، وهو على الرغم من أنَّه ليس إلاَّ ذاتيته ، الاَّ أنَّه يجد نفسه مسحوقاً بواقع موضوعي ( 1 )
ولعلَّ ماركس أراد قهر الاغتراب في النهاية بتصوِّره تطوَّر المفاهيم الاشتراكية بحيث تسود العدالة الاجتماعية ، " حينما لا يعود الإنسان عبداً ونتاجاً للإنتاج " ([xxiii]) ويكون ذلك أيضاً باستئصال كل مخلفات المجتمع الرأسمالي ذلك الذي وصفه ماركس بأنَّه ( مجتمع مغترب ) . كما يرى ماركس أيضاً أنَّه بالإمكان تجاوز الاغتراب من خلال الانفصال والتمرد على ما هو قائم ، أي اللجوء الى القوة والعنف في حالة استحالة التعايش مع الآخر .
ولا بد لنا أن نتعرض بإيجاز لمسألة جدل الاغتراب في إطار العملية الجدلية الأساسية التي يحرِّكها التناقض بين رأس المال والعمل ، التي تظهر في شكلها الاجتماعي في الصراع الطبقي بين الطبقة البرجوازية وطبقة العمال هو الصراع الذي يدور طبقاً لقوانين المادية التأريخية . وتتلخص قوانين المادية في ثلاثة قوانين هي : الترابط وصراع الأضداد ، والتحوّل من التغيّر الكمي الى التغيّر الكيفي ، وقانون نفي النفي . والمادية التأريخية هي تطبيق هذه القوانين في دراسة وتحليل التكوين الاجتماعي المحدد تاريخياً … والرأسمالية تسعى لتركيم رأس المال وتؤدي - في الوقت نفسه – لتركيم الاغتراب الذي يتمثَّل في وجود طبقة البروليتاريا التي تتجسد فيها كل شروط الحياة المعاصرة في مختلف صورها
الانسانية (
[xxiv]) .
أمَّا طروحات الفلسفة الوجودية فتنطلق في تعرِّضها لمفهوم الاغتراب من نظرتها العدمية للأشياء والوجود ، فكيركجارد مثلاً يربط بين ظاهرة القلق وازدواج الطبيعة الإنسانية، ومن خلال هذه الرابطة يفسِّر قصة الخلق والسقوط ، ويرى أنَّ الدين هو الوسيلة الوحيدة لتحرير الإنسان من التأثيرات الهدّامة للظلم الاجتماعي ، كما ويفسر القلق على أنَّه نوع من التكامل والتناغم مع وجود معيَّن ، ومن ثُمَّ التحوّل الى حالة توتر وتنافر مع هذا الوجود ، ومن هنا فإنَّه يدَّعي أنَّ حالة القلق والمعاناة والاغتراب تعدُّ حالة كامنة في الوجود
الانساني (
[xxv]) .
ويرى ( هيدجر ) أنَّ مواجهة الموت تفضي الى القلق ، الأمر الذي يقود الى معرفة الإنسان لنفسه ، فوجود الإنسان يكون قد أُلقيَ به بالفعل وسط هذا الإمكان ، وبالتالي فهو يقود الى الاغتراب .
ويطرح سارتر والوجوديون عامة ، فكرة كون الاغتراب عن الذات أمر ناتج عن ظروف الحياة المعاشة ، وأنَّ هذا العالم يتسم باللامعنى والعبثية ، وهو مجرد عن المعنى والقصد ، ولأنَّ مثل هذا الشعور بالاغتراب مما لا يمكن معالجته بما أسماه الماركسيون : بالابداع الاجتماعي ، أو بالعلاج النفسي المختبري كما سمَّاه فرويد ، فإنَّ عبثية الوجود قضية لا فكاك عنها في نظر سارتر ([xxvi]) .
وتأسيساً على ما سبق يبدو أنَّ أهم ما يمكن استخلاصه من مجمل هذه الرؤى الفلسفية أنَّ مفهوم الاغتراب مقولة غير محددة المعالم ، يختلف معناها باختلاف استعمالاتها ، فالاغتراب بالمعنى الحقوقي هو " التنازل عن الملكية لصالح الآخر " وتعني في الطب الاضطراب العقلي الذي يجعل الإنسان غريباً عن ذاته ومجتمعه ونظرائه . أمَّا في الفلسفة فتشير الى غربة الإنسان عن جوهره ، وتنزله عن المقام الذي ينبغي أن يكون فيه ، وعن عدم التوافق بين الماهيَّة والوجود ، وبالتالي فالاغتراب نقص وتشويه وانزياح عن الوضع
الصحيح (
[xxvii]) .
وكذلك تضاف معانٍ أُخرى منها ( الاغتراب بمعنى الانفصال ) أو ( الاغتراب بمعنى الانتقال ) وكذلك ( الاغتراب بمعنى الموضوعية ) و ( الاغتراب بمعنى انعدام القدرة والسلطة ) و( الاغتراب المتأتي من انعدام المعنى ) ثم هناك ( الاغتراب عبر العزلة ) . حيث تُعدُّ العزلة نوعاً من الانفصال عن المجتمع وثقافته نتيجة عدم التكيف أو التعايش بين الفرد ومجتمعه ([xxviii]) .
وهنا - كما يبدو - لا بدَّ أن نضع في حساباتنا أنَّ المعنى الفلسفي يضع " الغربة والاغتراب والاستلاب " بمعنى أن لا يكون الشيء في مكانه ، أو الشخص في بيئته وموطنه ، تقول أنَّ فلاناً يعيش في غربة أو يستشعر الغربة بمعنى أنَّه والمكان الذي هو فيه متخالفان . والاغتراب افتعال الغربة " ([xxix]) . كما يترتب علينا أن نفهم أيضاً أنَّ اللفظة المستعملة في عرض المعنى الفلسفي هي ( الاغتراب ) ، وهي تنسحب بدهياً من حيث المعنى المترادف على الغربة والتغريب ، بوصفهما ينتميان الى جذر أو مصدر واحد .



هوامش البحث
([i]) لسان العرب : جمال الدين احمد بن مكرم الانصاري ، ابن منظور ، ج2 : 129-130-131-132 . ينظر العين : الفراهيدي ، 409 – 412 . والقاموس المحيط : الفيروز ابادي ، 114 .
([ii]) الاغتراب : محمود رجب ، 43 .
([iii]) ينظر قاموس اكسفورد ، انكليزي – عربي ، 18 .
([iv]) الاغتراب في الذات : حبيب الشاروني ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج10 ، ع1 ، 1979 ، 69 .
([v]) الاغتراب : محمود رجب ، 33-34 .
([vi]) الاغتراب : ريتشارد شاخت ، ت : كامل يوسف حسين ، 67 .
([vii]) مفهوم التغريب في مسرح بريخت : ابراهيم حمادة ، مجلة ( الاقلام ) ، بغداد ، ع9 ، 1977 ، 35-36.
([viii]) الاغتراب : محمود رجب ،  35 ، 100 .
([ix]) تمهيد : د.احمد ابو زيد ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج 10 ، ع1 ، 1979 ، 4 .
([x]) فلاسفة مغتربون : محمد ذنون الصائغ ، مجلة ( شؤون اجتماعية ) ، الامارات ، ع 67 ، 2000 ،  155 .
([xi]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام – دراسة معاصرة : د.عبد القادر موسى المحمدي، 64 .
([xii]) قصة الفلسفة من افلاطون الى جون ديوي : ول . ديوارنت ، ت : د. فتح الله محمد المشعشع ، 10 .
([xiii]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر : د. نبيل رمزي اسكندر ، 12 - 13-15 .
([xiv]) نفسه ، 18 ، 19 .
([xv]) الاغتراب في الذات : حبيب الشاروني ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج10 ، ع1، 1979 ، 70-72 .
([xvi]) الاغتراب : محمود رجب ، 60-61-62-64-67-85 ، والموسوعة الفلسفية العربية – الاصطلاحات والمفاهيم ، ج1 ، رئيس التحرير : معن زيادة ، 80 ، والاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 48 .
([xvii]) الاغتراب : اصطلاحا ومفهوما وواقعا : قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت، مج 10 ، ع1 ، 1979 ، 20 .
([xviii]) الاغتراب : محمود رجب ، 149 .
([xix]) نفسه ، 151 .
([xx]) الموسوعة الفلسفية العربية - ج1 ، 80 - 81 .
([xxi]) الاغتراب والوعي الكوني : مراد وهبة ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج 10 ، ع 1 ، 1979 ، 100 .
([xxii]) الموسوعة الفلسفية : عبد المنعم حنفي ، 83 ، والموسوعة الفلسفية العربية ، 84 ، الديالكتيك .
([xxiii]) الاسس الاخلاقية الماركسية : كامنكا ، 300 .
([xxiv]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 166-167 .
([xxv]) نفسه ، 279، 280 .
([xxvi]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 46 ، 47 .
([xxvii]) الموسوعة الفلسفية العربية ، مج 1 ، 79 .
([xxviii]) الاغتراب : اصطلاحا ومفهوما وواقعا : قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت، مج10 ، ع1 1979 ، 18 .
([xxix]) الموسوعة الفلسفية المختصرة : ارمسون ، ت : فؤاد كامل وآخرون ،  49 . ومعجم المصطلحات العربية في اللغة والادب : مجدي وهبة وكامل المهندس ، 21 .
ثانيا : مستوى المعنى الفني :
بناءً على ما سبق يمكننا القول أنَّ مفهوم الاغتراب ومرادفاته مفهوم راسخ في الفلسفة فهو يمسُّها في أعماقها ، وكذا هو الحال في الفن – بوصفه عملية ابداعية - في حالة اغتراب دائمة وهذا هو سر تطوره وديمومته ، فالاغتراب يطرح دائماً واقعاً جديداً عبر فعل التغيير والانحراف عن المعيار التقليدي ، حيث يمثل شكلاً متناقضاً مع واقعه واصوله في المجتمع موضوع ممارسته العملية .
وقد وجدنا أنَّ فهم العملية الفنية ينقسم على قسمين : الأول يرى في الفن عملية ابداعية فردية هدفها الامتاع والتسلية ، في حين يرى الثاني أنَّه ممارسة ابداعية جماعية تتجه إلى خدمة المجتمع ، وقد قرر كروتشه أنَّ " كل ما يجب على الفن هو تنمية المشاركة الوجدانية الاجتماعية ، وذلك بوصف الفن ظاهرة اجتماعية من الطراز الأول "([i]) . وإذا كان الفن موضوعاً اجتماعياً أو أنَّه يتخذ من المجتمع موضوعاً له ، فالاغتراب بذلك " يصيب مضمون الفن أو روح العملية الابداعية ، فيتغير قانونها ويخلق لها معايير لا تتمشى مع المكان أو الموطن الذي نبعت منه ، وهو بذلك ليس حالة عابرة ، وإنَّما انعطافة تغيِّر ملامح الفن وتستبدل – بشكل تدريجي – عناصر أصالته التي تمنحه المعنى والوجود ، ومن ذلك يأتي التعبير المغترب "([ii]) .
من جهة أُخرى يرى ( شاخت ) أنَّ المعجمية الاصطلاحية الانكليزية تقدِّم مفهوم
( يغرب ، ويغترب ) بصورة بالغة العمومية وذلك بالقول بأنَّهما " يعنيان التحويل الى ما هو غريب أو مفارق أو التحول في المشاعر أو العواطف أو جعل شخص ما كارهاً أو
معادياً "(
[iii]) ، فالتحوّل من منطق التعايش والمصالحة بفعل ظروف معينة يؤدي الى تحويل منطق العلاقة بين الذات والآخر ، أو بين الإنسان والمجتمع لتصبح غريبة وغامضة ، ومليئة بشعور مفارق للحالة المعتادة ، شعور يتسم بالكراهية والتمرد والانتقام ، هذا الشعور الذي سيجد له في الفن تمظهراً واضحاً .
وسيعرض البحث بعض الدلالات والمفاهيم الخاصة به ، ومنها :
1-     العجز والاستسلام : Powerlessness
أي شعور الفرد بأنَّ قدره ليس خاضعاً لمشيئته ، وإنَّما يخضع لعوامل خارجة عنه مثل : القدر – البخت ، أو النظم المجتمعية السائدة ([iv]).
2-  الهراء وفقدان المعنى : Meaninglessness
في هذا النوع من الاغتراب يقف المغترب حائراً أمام اختيارات متعددة تضعها الحياة إزاءه لعدم امتلاكه الثقة والمعرفة الحقيقية الكفيلتين بمساعدته على الاختيار ([v]) ،
الأمر الذي يجعله مفتقراً الى الفهم أو الادراك السوي في أي مجال من مجالات الفهم ، مثل عدم فهمه لشؤون العالم ، أو العلاقات الإنسانية المتداخلة ، وبالتالي وقوعه في عبثية الحياة (
[vi]) .
3-  التحلل من القواعد العامة المتبعة Normlessness
وهذه الدلالة تشير الى ضعف في الالتزام بالقواعد الاجتماعية المنظِّمَة للسلوك
( الأعراف ) ، ومن مظاهر هذا التحلل الشذوذ العام عما هو سائد ومألوف ، وفقدان الثقة ، والتنافس الفردي غير المنضبط (
[vii]) ، وهذا كلُّه يحيل الى وضعية المغترب بوصفه فاقداً للمعايير التي تحدد السلوك العام في بنية مجتمع ما ([viii]) .
وهذا النوع من الدلالة يحيل – حسب طروحات ماركس - الى التحولات الاقتصادية التي طرأت على المجتمع بصورة فجائية أدت الى قلق وبؤس الفرد في مجتمعه ([ix]) ، كما أنَّ فقدان المعايير الاخلاقية قد تجعل الأنسان يشعر بالعزلة ، وعدم القدرة على مواجهة الحياة الأمر الذي قد يدفع بهذا الفرد الى الانتحار ، كما يذكر دوركهايم ([x]) .
4-  الغربة الثقافية : Cultural Estrangement
وهذا النوع من الاغتراب يتحدد بشعور الفرد بالانفصال عن القيم السائدة في مجتمعه ، كما هو الحال مثلاً في قيام الثورة الطلابية ، أو الثورة الثقافية ضد المؤسسات التقليدية القائمة ([xi]) ، مما يشير بالتالي الى فقدان الروابط التي تربطه بهذه المؤسسات .
5-  العزلة الاجتماعية : Social isolation







([i]) الاسس الجمالية في النقد العربي : عز الدين اسماعيل ، 104-106 .
([ii]) الاغتراب في الفن – دراسة في الفكر الجمالي العربي المعاصر : عبد الكريم هلال خالد ، 132 .
([iii]) الاغتراب ، 65 .
([iv]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 13 .
([v]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 203 .
([vi]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 13 .
([vii]) نفسه ، 16 .
([viii]) الاغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا : د. قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، مج 10، ع 1 ، 1979، 16.
([ix]) الاغتراب  : د . احمد ابو زيد ، مجلة ( عالم الفكر ) ، مج 10 ، ع 1 ، 1979 ، 10-11 .
([x]) الاغتراب : اصطلاحا ومفهوما وواقعا : د. قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، مج 10 ، عدد 1 ، 1979 ، 16 .
([xi]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 14 . 
1-  العزلة الاجتماعية : Social isolation
ويقصَد بها الشعور بالوحدة والانفصام ، وقطع العلائق الاجتماعية ، كما يتبين ذلك في أوساط الأقليات مثلاً ([i]) ، مما يتسبب في كفِّ المغتربين عن المشاركة في المظاهر السياسية والاجتماعية ، وتخليهم عن معتقدات مجتمعهم ([ii]) .
2-  الغربة الذاتية : Estrangment self
وهذا المعنى الأخير الذي يتبناه بحثنا هذا يشكِّل أصعب المعاني على التحديد ، ويمثِّل في الوقت نفسه جوهر الاغتراب ، ومن هنا يشعر الفرد الذي يعاني هذا النوع بعدم امتلاكه لزمام ذاته ([iii]) ، وبالتالي فإنَّ أفعاله ليست ذات قيمة من وجهة نظره ، ويصاحب هذا الشعور شعور آخر يتبدى في الاحساس بعدم القناعة بأي شيء ([iv]) . ويشير اريك  فروم الى حياة المدن الكبيرة ، بوصفها مجالاً لهذه التجربة ، فيصف هذا النوع من الاغتراب بأنَّه " نمط من التجربة يرى الفرد نفسه فيها كما لو كانت غريبة عنه " ([v]) .
وهنا لا بدَّ لنا من الاشارة الى مسألة مهمة متعلقة بالفرق بين المغترب والمعتزل ، ذلك أنَّ الشعور بالاغتراب نتيجة الاستبداد والقهر والتعسف تصاحبها معاناة حادة وألم نفسي
وروحي .
أمَّا المعتزل فليس من الضروري أن يكون معانياً للغربة ، بل قد تكون العزلة
لأسباب عدةٍ ، الخوف من سلطة سياسية مثلاً أو فتنة مؤقتة . والاعتزال نوع من الانطواء المؤقت ريثما تهدأ الأحوال والأوضاع ، حيث يعود المعتزل لممارسة عمله في الحياة الاجتماعية العامة (
[vi]) .
إنَّ الاغتراب شعور بالنفور والانفصال ، وعدم التعايش ، يلزمه موقف وجودي أو ذاتي من هذا الموضوع ، وهذا الموقف قد يترجم بالهروب ، أو العزلة ، أو المقاومة العنيفة عبر التمرد .
ولا بدَّ لنا أيضاً أن نؤكد على الفرق القائم بين الاغتراب والغربة ، فالغربة مكانية أي أنَّها انفصال عن المكان ، يلزمه شعور بالعودة والتوحد من جديد ، أمَّا الاغتراب فهو انفصال زماني يلزمه التحويل والتخالف ما دامت العوائق المادية والنفسية موجودة ومؤلمة .
ونطالع من جهة أُخرى طروحات ( جوفمان ) التي تعلن تصوراً عن الاغتراب معتمداً على سياق التفاعل الاجتماعي ، ونظام التخاطب والاتصال ، فالتخاطب التلقائي هو مؤشر حقيقي لما هو موجود من اغتراب ، خصوصاً عندما يكون ميل الأفراد الى التحادث مع الآخرين حاوياً على عنصر التكلف ، وضعف الحافز ، وسطحية الشعور ، مما يجعل تفاعل الأفراد بعضهم ببعض مجرداً من العمق الفكري والعاطفي ([vii]) .
تأسيساً على ما سبق يمكننا القول انَّ بريخت يستخدم المعاني الجوهرية نفسها للاغتراب ، إلاَّ أنَّه أجرى تحويرات جوهرية تخص العملية التكنيكية وطريقة التوظيف ، نعم هو يستفيد من معنى الانفصال والتحويل والالغاء والنفي ، ولكنَّه يوظِّف مفهوم التناقض من أجل التغيير الشامل عبر الفهم والوعي لحقيقة الامور .
وطبقاً لذلك فإنَّ ثَمَّة فرقاً بين الاغتراب والتغريب من جهة طريقة التعامل والتوظيف والآليات التكنيكية ، خصوصاً أنَّ الثاني استعمله بريخت في المسرح التجريبي الذي فارق به مسرح ارسطو .
كما أنَّ التغريب هو شكلي بالدرجة الأُولى ، ومن ثُمَّ فهو ينطلق من رؤية معينة ، ولكنَّ هذه الرؤية هي نتاج فعل الآليات التقنية ، في حين أنَّ الاغتراب مضموني بالدرجة الأُولى ، لكنُّه يتوسَّل بالشكل للتعبير عن مضمونه ، فالنتيجة أولاً ثُمَّ الشكل . ونستطيع أن نقول مع بعض التحفظ أنَّ التغريب هو الشكل المناسب للتعبير عن المضامين الاغترابية .
إنَّ التغريب بكلمة أخيرة هو التعبير عن المتناقضات من أجل فهمها للوصول الى الوحدة والانسجام . وأشار لينين الى هذه المسألة ، بمقولته : " إنَّ فهم كل ما يجري في العالم كتعبير عن وحدة المتناقضات يعتبر شرطاً لفهمها ضمن حركتها الذاتية وضمن تطورها التلقائي وحياتها



([i]) نفسه ، 14  .
([ii]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 208 .
([iii]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 14 .
([iv]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 208 .
([v]) الاغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا : د. قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، مج10، ع 1 ، 1979 ، 18 .
([vi]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 67 .
([vii]) الاغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا : قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج10 ، ع1 ، 1979 ،  17 .

النابضة " ([i]) .
فالتغريب بهذا يريد أن يوصل التناقض الطبقي الى المسرح ، ليصبح المسرح صورة حقيقية وأمينة لحياة المجتمع ، في كل مرحلة من مراحل تطوِّره ، وهذا ما سعى بريخت الى توكيده وتبريزه ، دون أن يفقد المسرح فنيته وجماليته ([ii]) .
ومن هنا نجد أنَّ الضرورة الفنية تقتضي أن نتناول مفهوم التغريب عند بريخت مع وقفة قصيرة عند المسرح التجريبي الحديث الذي حاول بريخت إشاعته للتعبير عن فكره الثوري الماركسي .
ثالثاً : برتولد بريخت والمسرح التجريبي الحديث :
إنَّ الغرض الأساس من هذا المحور هو شرح مفهوم التغريب الذي شاع في اطروحة بريخت المفكر والمخرج والكاتب المسرحي الألماني المعروف ، وثم اعطاء فكرة موجزة عن مسرحه الذي بدأ تعليمياً ثُمَّ انتهى ملحمياً ، انطلاقاً من فكرته بأنَّ المسرح التعليمي يركِّز على القيمة ، أمَّا الملحمي فيركِّز على الشكل المسرحي .
يعدُّ برتولد بريخت ( 1898-1956 ) أحد المؤسسين للمسرح الجديد في القرن العشرين ، حيث أنَّه عارض المفهوم الارسطي عن الدراما الكلاسيكية ، وحاول تطويره عبر إيجاد البديل له ، وهذا البديل هو المسرح التعليمي أو الملحمي . كان بريخت ماركسياً اشتراكياً في عقيدته ونزعته الثورية نحو التغيير ، ومن هنا فإنَّ أفكار ماركس
وبعض طروحات هيجل لا بدَّ أن تكون حاضرة في فكره وأدبه المسرحي على وجه الخصوص .
لهذا كان الواقع الاجتماعي هو أساس موضوعاته الفنية ، وكان مسرحه يهدف إلى أن يكون أداة للتعليم والتوعية ، فهو من أصحاب شعار ( الفن في خدمة المجتمع ) ، معارضاً بذلك أن يكون المسرح أداة للمتعة والتسلية ، كما كان شائعاً في الدراما الارسطية التي حاولت أن تكون مطلقة في معاييرها وقواعدها ، وأن تكون صالحة لكل عصر وأوان ، عبر قاعدة الوحدات الثلاث : وحدة المكان والحدث والزمن ، والاعتماد على القصة في المسرح ، وعلى البطل القدري أو المأساوي الذي لا بدَّ أن يرتكب الخطيئة كي يمهد نفسه للسقوط ، فضلاً عن التقلب الحاسم وتبدل القدر ، فالتدخل القدري هو محور المأساة التي تتكوَّن عقدتها من سلسلة من الأحداث المترابطة القائمة على عنصر التوتر ، من بداية ووسط ونهاية ، حيث العرض في البداية ، والأزمة في الوسط ، والحل في النهاية .
ويعتمد المسرح الارسطي على عنصر ( الاندماج ) أي تفاعل الجمهور مع الممثل ، ومن المعروف أنَّ فعل المحاكاة يثير في ذات المشاهد عنصري الخوف والشفقة اللذين يعَدّان وسيلة للتطهير من الأفعال المأساوية ، ومن خلالها يحصل تفريغ للمشاعر ، وبالتالي مشاركة الممثل في تحمل أعباء مأساته .
كما يعتمد المسرح الارسطي على عنصر الايهام بالواقع ، فهو يضع مسافة بينه وبين الجمهور عبر الحائط الرابع ، فضلاً عن اعتماده عنصر التشويق ، وانتهاجه مبدأ الاحتمال المتعلِّق بالمنطق الداخلي للعمل الذي لا يكون متطابقاً مع الواقع الفعلي بل مع الواقع
المحتمل ، فالمسرح الارسطي – حسب بريخت – " يخلق عالماً من الوهم عند المشاهد يصرفه عن التفكير في القضايا السياسية والاجتماعية التي قد ينطوي عليها العرض
المسرحي ، فيكتفي المشاهد بأن يعيش تلك الساعات الحالمة بما فيها من انفعالات وتوتر وهدوء يصرفه عن النظر في امور الحياة ذاتها بعد خروجه من المسرح " (
[iii]).
إنَّ البناء المسرحي يعني كيفية خلق العلاقات الحتمية بين الأحداث بعضها البعض حتى تشكِّل في مجموعها نمطاً واحداً متسقاً ، فالبناء هو اضفاء الوحدة على الأحداث المتتالية من خلال ايجاد علاقات حتمية بينها ، وتنبع وحدة الحدث من الموضوعات ، والأفكار ، والشخصيات ، والعلاقات المنطقية ، أو السببية بين تفاصيل الأحداث ([iv]) .
قلنا أنَّ بريخت أحدث ثورة حقيقية في نظرية الدراما ، وأتى بنظرية عكسية تعارض نظرية ارسطو تماماً . وجوهر الخلاف بين ارسطو وبريخت يتلخص في جملة كارل ماركس الشهيرة ، التي تقول " لقد انحصر جهد الفلاسفة دائماً في تفسير العالم ، وذهبوا في ذلك مذاهب مختلفة ، ولكن القضية الحقيقية ليست تفسير العالم ، بل تغييره "([v]) .
وجد بريخت أنَّ النظرية الارسطية مكرَّسة لخدمة الايديولوجية السائدة في عصره ، وجعلت من الفن محاكاة للحياة ، بهدف تأكيد صحة هذه الايديولوجية التي ركَّزت على ضرورة تقديم صورة منطقية واقعية ومقنعة عن العالم ، وأكَّدت على مبدأ تعاطف المتفرج واندماجه وتوحده مع هذه الصورة ، ثم أتت بفكرة التطهير التي تعني تطهير المتفرج من نزعة الثورة على الأوضاع الاجتماعية ، والأُطر العقائدية مهما كانت ظالمة أو فاسدة .
وطبقاً لهذه المعطيات قدَّم بريخت جدولاً قارن به مسرحه مع المسرح الدرامي الارسطي ، وسنعرض هذا الجدول كما يلي ([vi])
ت
المسرح الدرامي الارسطي
المسرح الملحمي
1
يعتمد على الحبكة
يعتمد على السرد
2
يستغرق المتفرج داخل الحدث الدرامي على خشبة المسرح
يحوِّل المتفرج الى مراقب للحدث
3
يستهلك قدرة الإنسان على الفعل
يثير قدرة الإنسان على الفعل
4
يثير أحاسيس المتفرج ومشاعره
يدفع المتفرج الى اتخاذ قرارات إزاء ما يحدث والحكم عليه
5
يقدِّم للمتفرج تجربة يعيشها وجدانياً
يقدِّم للمتفرج صورة للعالم يتاملها عقلياً
6
يسعى الى تحقيق انخراط المتفرج وتورِّطه في الأحداث
يسعى الى مواجهة المتفرج بالأحداث مواجهة موضوعية .
7
يوظِّف الايحاء والتلميح .
يوظِّف المناقشة والجدل ومقارعة الحجة بالحجة .
8
يثير المشاعر الغريزية لدى المشاهد ، ويلعب عليها خفية بنعومة.
يخرج المشاعر الغريزية الى النور ، ويدفع المشاهد الى ادراكها بوعيه .
9
يشعر المتفرج فيه أنَّه في خضمِّ الأحداث ، وجزء من التجربة الإنسانية المطروحة .
يقف المتفرج فيه خارج الأحداث ويدرسها .
10
مفهوم الإنسان لا يخضع فيه للمناقشة والتفسير ، فالإنسان في كل زمان ومكان لا يتغير .
الإنسان يصبح فيه موضوع بحث وتمحيص ، فالإنسان قابل للتغيُّر والتحول ، وقادر على إحداث التغيير ، وليس فكرة مطلقة أو مفهوماً مطلقاً .
11
التركيز فيه على النهاية التي تقوم عليها الأحداث .
التركيز فيه على مسار الأحداث ، وعلى الأحداث نفسها .
12
كل مشهد يولِّد المشهد الذي يليه ويتولد من سابقه .
كل مشهد يستقل بنفسه وبدلالته عن المشاهد الأُخرى .
13
الحدث ينمو في خط صاعد مترابط .
العرض يعتمد على تكنيك المونتاج ، والقطع والوصل ويتطور في شكل منحنيات .
14
الحدث يتطوَّر وفق منطق الحتمية الدرامية
الأحداث تتوالى بما يشبه القفزات .
15
يفترض أنَّ الانسان كيان ثابت أو نقطة ثابتة
يفترض أنَّ الإنسان عملية مستمرة ومتحولة
16
يفترض أنَّ الفكر يتحكَّم في الوجود ، ويحدد طبيعته ، ويقرر مساره .
يفترض أنَّ الوجود الاجتماعي يتحكَّم في الفكر ويحدد طبيعته وتوجهاته .
17
مسرح يتوجه الى الاحساس ويخاطبه .
مسرح يتوجه الى العقل ويخاطب الوعي .



([i]) نفسه ، 331 .
([ii]) تشريح الدراما : مارتن اسلن ، ت : يوسف عبد المسيح ، 13 .
([iii]) من فنون الادب – المسرحية : عبد القادر القط ، 15 .
([iv]) مبادئ علم الدراما : د. سمير سرحان ، 47 - 54 - 55 .
([v]) الاورجانون الصغير – نظرية برتولد بريخت في المسرح الملحمي : برتولد بريخت، 10 - 11 .
([vi]) نفسه ، 13-14-15 .
18
الممثل فيه يتقمص دوره تماما ، ويندمج ويخاطب عواطف المتفرج .
الممثل يؤدي دوره من الخارج – أي دون تقمّص – ويخاطب عقل المتفرج ، فهو أقرب الى الراوي المشاهد الذي يجسِّد حدثاً شاهده .
19
الديكور فيه يسعى الى الايهام بالواقع .
الديكور فيه يشير الى الأماكن بصورة رمزية تعارض الايهام .
20
الموسيقى تعمِّق الحالة الشعورية ، وتكثِّفها لتحقق اندماج المتفرج في الأحداث .
الموسيقى تعارض الحالة الشعورية وتكسرها ، وقد تعلِّق عليها تعليقاً ساخراً ، وبذلك تمنع الاندماج .

وكما هو واضح فإنَّ معطيات هذا الجدول الذي قدَّمه بريخت تظهِر الفروق بين مسرحه التجريبي الملحمي التعليمي وبين مسرح ارسطو الدرامي ، فبريخت لم يعارض المسرح الدرامي الارسطي فحسب ، بل عارض أيضاً الدراما البرجوازية وأنظمتها الايديولوجية ([i]) ، فهو يرى أنَّ المسرح البرجوازي لا يستهدف إلاَّ عرض ما يكرِّسه ضمن النظام الاجتماعي القائم ، ويحافظ على استمراريته من خلال هذا النظام ، إذ لا يمكن للمرء أن يناقش كل تجديد لا يهدد الوظيفة الاجتماعية لهذا الجهاز التي لا تتعدى التسلية المسائية ، كما أنَّه رفض الاوبرا المسيطرة ، ورفض معها كل فن يتحول تحت الظروف القائمة الى أداة مجرَّدة للتسلية لتلبية الحاجات البرجوازية المطبخية التي تسعى الى نشر الدغدغة العاطفية والوهم . ووجد أنَّ خير وسيلة لاسقاط السلطة البرجوازية هي نشر الوعي السياسي والاجتماعي من خلال المسرح الذي يترتب عليه أنَّ يؤدي وظيفة تربوية وتعليمية ، حيث تعمل هذه الأخيرة على تحريض الجماهير وتفعيل دورها ثورياً ، وخلق نموذج درامي جديد يتناسب مع المتطلبات الجديدة ([ii]) .
أشار بريخت الى أنَّ التجديد المسرحي بدأ مع المسرح الطبيعي الذي نشأ بتأثير حركة العمال الاوربية على المسرح ، ولكنَّه وجد أنَّ هذه التجربة الطبيعية التي مثَّلها ( ابسن ) في روائعه المشهورة ، قادت الى دراما سلبية وأبطال سلبيين ، ففي الدراما الطبيعية لم يكن الناس هم الذين يصنعون الظروف ، مثلما في الواقع ، إنَّما الظروف هي التي تصنع الناس .
إنَّ بريخت بوصفه داعياً اشتراكياً رفض المسلَّمات الدينية والقدرية الحتمية ، ولجأ الى منطق الواقعية التفصيلية لانتاج شخصية متناقضة متعددة المستويات ، قادرة على القيام بأدوار متعددة ، وأقنعة متنوعة ، وتعتمد الحركة والفعل الايمائي للتعبير عن منطقها الحركي والثوري ، الأمر الذي دفعه الى معالجة موضوعات كانت مهملة ومهمَّشة خصوصاً الطبقة العمالية ومشاكلها ومآسيها المتعلقة بالأرض المملوكة والفقر والجهل ، وبمعنى موجز يمكن تحديد موقع بريخت بوصفه واحداً من الكتاب المتمردين الذي اخترقوا الارث البرجوازي ، وجهدوا في سبيل تعرية المفاهيم التي آمنت بها هذه الطبقة ، لتضعها في محنة حقيقية عبر المواجهة والكشف ، الأمر الذي دفع ببريخت الى الانطلاق الى الشارع والريف لكي يغطي أحداثاً مطمورة بفعل الظلم السياسي والطبقي ، ومن هنا أيضاً رؤيته في انتقاء شخصياته المسرحية التي تتشكل من البسطاء والمعدمين وهمومهم ، لتحل محل الأبطال الاسطوريين وغير الاسطوريين في المسرحيات الكلاسيكية ([iii]) ، وهذا ما تعلن عنه مسرحياته ( جاليلو ، الام كوراج ، دائرة الطباشير القوقازية ، الاستثناء والقاعدة ، طبول في الليل ، اوبرا القروش الثلاثة … ) التي رفضت مفهوم البطل ، وفكرة البطولة ذاتها بصرف النظر عن ادعاءاتها في تجاوز التأريخ الحقيقي ، وفي تعاليها على التناقضات والصراعات التي تحكم عالمنا ، فبدلاً من أن يكون البطل شخصية استثنائية حرة ، صانعة للعالم ، يتحول الى اداة لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة التي جعلت منه بطلاً ، فالبطل – حسب بريخت – ينفي وجود الانسان ، ويعمل على انكاره ([iv]).
وكانت لغة مسرحياته محلية تعبِّر عن الطابع العام المتداول في الشارع الجماهيري ، وذلك أنَّ المشاهد والأفكار غالباً ما تفقد حرارتها عندما تحشر في لغة المسرح الرسمية
المتقنة . والحديث بالنبرة المحلية أو باللهجة الدارجة غالباً ما يجعل المرء يعبِّر بحرِّية عن نفسه ، وتظهر النبرات الصوتية غير المتوقعة وغير المألوفة ، فضلاً عن الطريقة الاسلوبية المباشرة التقريرية التي تستخدم الجوقة ( الكورس ) ، وعرض الصور المتحركة بوصفها وسائل للتعليق والشرح ، وهذه الصفات الفنية هي التي منحت نصوصه المسرحية صفة الملحمية .
إنَّ المسرح الملحمي بوصفه مصطلحاً يعود الى ارسطو، ويعني في طروحاته سلسلة الأحداث التي تقدَّم بغضِّ النظر عن موافقتها للأعراف المسرحية من عدمها ، وقد استخدِم في



([i]) الاغتراب في المسرح المعاصر من خلال مسرح برتولد برشت : منى سعد ابو سنة ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج 10 ، ع1 ، 1979 ، 159 .
([ii]) مسرح التغيير – مقالات في منهج بريخت الفني : قيس الزبيدي ،  ص26-27-28 .
([iii]) معالم الدراما ، 64 .
([iv]) قراءة بريشت : برنار دورت ، 145 .
إنَّ مسرح بريخت بذلك هو مسرح أقرب ما يكون الى المسرح الشعبي الجماهيري ، المعتمد على الحوار البسيط والروح التلقائية ، ودخلت في تركيبه أنواع عديدة من الفنون مثل الشعر والزجل والنثر البعيد عن الفصحى ، فضلاً عن الرقص والاغنية والاداء الموسيقي الشعبي ، وهو يهدف الى التعليم والتوجيه اضافة الى التسلية([i]).
وعموماً فإنَّ الرؤية التطويرية للمسرح البريختي لم تولد من فراغ كما أشرنا سابقاً ، فهو لا شك قد تأثر بمن قبله خصوصاً المسرح الطليعي الذي ظهر في القرن الثامن عشر في كل من المانيا وروسيا ، والمستند على القواعد الدرامية التي حرَّرها كلٌّ من ( ليسننغ )
( وغوته ) وكذلك ( ثيسبس ) الذي كان أول من فصل الممثل عن الجوقة ، فضلاً عن تأثّره بأفكار الروسي ( فسيفولد ميرخولد ) الذي وضع مفهوم ( الاسلوب الغروتسكي ) وهو اسلوب مؤسَس على التناقض بين الشكل والمضمون ، ويعدُّ وسيلة فنية تنمو خارج المألوف والعادي في الحياة ، ويؤدي ـ بوصفه عنصراً خارجياً ـ تلك العناصر التي تخاطب المشاعر ، كالموسيقى والرقص والحركة والايماء ، وهو أيضاً يشكِّل وحدة المتناقضات ، ويساعدنا على وعي وادراك المفارقات الموجودة في حياتنا([ii]) ، وهذا يفسِّر لنا جوهر مسرح بريخت حيث أنَّ التناقض الخلقي هو أساس مسرحه ، فهو ينبعث خلال مسرحياته من الصراع بين الغايات والوسائل ، بين النوايا والنتائج ، بين الفرد والدنيا ، فالعميل الشيوعي الذي يسلك مسلك القوة حتى يكون رحيماً ، أُمنا الشجاعة التي تنكر فعلاً لتنفذ آخر ، ازداك الذي بلغ من الفساد درجة لا يمكن بعدها إفساده ، بونتيلا الذي لا يكون سمحاً إلاَّ عندما يسكر ، جاليلو الذي يستطيع بفضل خديعته واحتقاره للمبادئ تحقيق بحوثه ، ثم تنتهي الى لا شيء لخروجه عن جادة الحق هذه هي أنماط بريخت وشخصياته ([iii]) .
والشخصية الأُخرى التي تأثّر بها بريخت تأثراً عميقاً هي ( بيسكاتور ) وهو مخرج ألماني حوَّل مسرحه بين ( 1927 – 1929 ) الى مخبر لتجاربه الاخراجية ، واصطدم منذ بداية عمله بواقع ندرة أو لنقل انعدام وجود المسرحيات المنطلقة من موقف اشتراكي حاسم ، فحاول التعويض عن هذا النقص باستخدام الوسائل السينمائية والفانوس السحري وغير ذلك من الادوات الخارجة عن نطاق العمل الدرامي في حد ذاته ، وذلك لتوضيح الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للحدث ([iv]) .
لقد أسس بيسكاتور ( المسرح البروليتاري ) مع ( هرمان شوللر ) في مارس 1919 ، ونشر كتابه ( المسرح السياسي ) في عام 1929 ، وأورد في برنامج ( المسرح
البروليتاري ) ما يلي ( لقد نفينا كلمة فن نهائيا من برنامجنا فمسرحياتنا هي بيانات نحاول بها التدخل في الاحداث المعاصرة ، وأن تقتحم معمعان الفعل السياسي ) ، وجاء في البرنامج نفسه أيضاً أنَّهم يخضعون النزعة الفنية للهدف الثوري ، أي للدعاية لفكرة الصراع بين الطبقات … إنَّه مسرح يؤدي وظيفة الدعاية والتعليم ، وتَفهُّم محنة الانسان المستغَل والمقهور والمغترب ، وهذا الفهم لابدَّ  له أن يكون مشروطاً بيقظة الوعي ، حيث يصبح حتماً على الإنسان أن يعي القوانين الحقيقية التي تسيِّر حياته ، وهي ليست ثابتة أو مطلقة ، كما يحاول الفكر البرجوازي إظهارها لاولئك الذين يترددون أو لا يبالون بالامور السياسية ، أو مَن لم يفطنوا بعد الى أنَّ الفن البورجوازي لا يتناسب مع دولة البروليتاريا ([v]) .
وتأثر بريخت أيضاً بطريقة ( ستانيسلافسكي ) في التمثيل ، فمنه تعلَّم الجوهر الشعري للمسرحية ، والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع ، ومسرح النجوم ، والتركيز على الخط الرئيسي دون التفاصيل ، والالتزام بمراعاة الصدق وتجسيد الواقع المتناقض والتفكير في التطور المقبل للفن . كما يمكن أن يقال أيضاً أنَّ بريخت استوحى أفكاره من كُتَّاب المسرحيات التعليمية من مجموعة نو ( NO ) اليابانية من تأليف زيامي ، وكذلك من مسرحيات ألَّفها اليسوعيون المضادون لحركة الاصلاح في عهده .


ستراتيجية التغريب البريختية :
كثرت الدراسات الفلسفية والجمالية حول هذا المؤثر التقني الذي استخدمه بريخت في مسرحه ، ولا بدَّ أن نشير أولاً الى أنَّه حينما يدور الحديث عن الطروحات الفلسفية لكل من
( روسو ) و ( هيجل ) و ( ماركس ) فإنَّه غالباً ما يتمُّ الحديث عن ( الاغتراب )
و( التغريب ) بمعنى واحد ، و في الدراسات الأدبية  يستخدم مصطلح 
( التغريب ) . وما من شك في أنَّ الفصل في اطار الفهم الاصطلاحي لكلا المصطلحين



([i]) نفسه ، 151 .
([ii]) مسرح ميرخولد وبريخت : كاترين بليزايتون ، 13 - 91 .
([iii]) الدراما في القرن العشرين : بامبر جاسكوين ، 145 .
([iv]) مسرح التغيير – مقالات في منهج بريخت الفني ، 22 .
([v]) قناع البريختية – دراسة في المسرح الملحمي من جذوره الكلاسيكية الى فروعه العصرية : احمد عثمان ، مجلة ( فصول ) ، مصر ، مج2 ، ع3 ، 1982 ، 78 . 

مطلوب ، سيما أنَّ بريخت طوَّرَ المفهومات الاغترابية الفلسفية عندما أدخلها الى حقل الأدب والفن ، وأضاف ستراتيجيات كثيرة جعلت من  ( التغريب ) مصطلحاً قائماً بذاته ، فآل
( التغريب ) الى تقنية شكلية محضة وظيفتها التغيير . أمَّا الاغتراب فهو مصطلح قيمي أكثر منه تقنية شكلية .
وطبقاً لهذا الفهم يشير ( اريك بنتلي ) الى أنَّ ( التغريب ) هو " تقنية تتناول الأحداث الاجتماعية الإنسانية المطلوب تصويرها وتسميتها على اعتبارها شيئا يدعو للتفسير والايضاح لا مجرد أمر طبيعي مألوف ، الغرض من هذا التأثير هو السماح للمتفرج أن يلجأ الى النقد بشكل بنَّاء من وجهة نظر اجتماعية " ([i]) .
وهذا التعريف يقارب تماماً تعريف بريخت للتغريب حيث يقول " ان تغريب حادثة ما أو شخصية ما يعني اولاً وببساطة نزع البدهي والمعروف والواضح عن هذه الحادثة او الشخصية وبالتالي اثارة الاندهاش والفضول حولها "([ii]) ، وبعبارة أُخرى فالتغريب يُلخَّص بعبارة ( جعل المألوف غريبا ) ([iii]) ، وهو عندما يصبح غريباً فإنَّه يثير الرغبة والتفكير في ذاكرة الذي يراه في تحويله عن معناه أو تغييره ، وهو جوهر المقصد البريختي ، إنَّه يهدف من خلال هذا المؤثر الى اشراك الجمهور في العملية المسرحية([iv]) ، وبالتالي الثورية على مستوى الواقع الاجتماعي ، الامر الذي دفع بريخت الى النظر الى التغريب بوصفه " ظاهرة
حياتية "(
[v]) ، قابلة للحصول ليس في المسرح فقط ، بل في جوانب عدة من حياة الإنسان وتفصيلاتها اليومية ، وبالتالي فهو سيضع هذه التفصيلات موضع المناقشة والتحليل لمعرفة ظواهرها وبواطنها ، ثم محاولة تغييرها .
والمعروف أنَّ التغريب لم يكن من اختراع بريخت تماماً ، بل كانت له جذور قوية ، ولكنه كان يتمُّ بأشكال تقليدية حاول بريخت تطويرها واشاعتها في مسرحه الملحمي ، ويؤكد معظم الباحثين على أنَّ مفهوم التغريب تمَّ طرحه في اطار دراسات الشكلانيين الروس وخصوصاً الناقد الروسي ( فيكتور شكلوفسكي ) اذ يشير " ان العملية الفنية هي عملية التغريب … " في أعمال تولستوي يتم انجاز سيرورة التغريب بالوسيلة الاتية : فالمؤلف بدلاً من تسمية الاشياء باسمائها ، يصفها لنا كما لو كنا نراها للمرة الاولى .. ويرى ( جون
ويليت ) أنَّ صيغة التغريب هي ترجمة لمصطلح شكلوفسكي
Priemostranne  وسيلة لجعل الشيء غريباً ، وأنَّ هذا المصطلح دخل ضمن مفردات بريخت في ربيع سنة 1935 بعد مشاهدته لتمثيل فرقة الممثل ( مي لان – فانج ) الذي كتب عنه مقالته ( تأثيرات التغريب في التمثيل الصيني ) ، يشير فيها الى أنَّ الصينيين كانوا - ومنذ زمن بعيد - يستخدمون تقنيات التغريب ، كالرموز ، والاقنعة ، والمبالغة في الحركات ، وتغيير المنظر أثناء
العرض ، وتصرف الممثل كما لو كان يعلم أنَّ الجمهور يراقبه ، ويضيف إشارته الى أنَّ جعل الأحداث تبدو غريبة للجمهور يمكن مشاهدته من خلال الاشكال البدائية في العروض المسرحية والصورية في المعارض الشعبية القديمة ، فالطريقة التي يتكلم بها المهرجون ، والطريقة التي رُسمت بها البانورامات ، كلاهما يجسدان فعلاً ( تغريبيا )([vi]) .
إنَّ التغريب يمثل كسراً للإيهام المسرحي الارسطي ، وهذه المسألة الأخيرة ليست وليدة مسرح بريخت فحسب ، بل لها جذور قديمة يمكن ايجازها على الوجه التالي ([vii]) :
أولاً : في مطلع عصر النهضة احتفظ المسرح الانكليزي غير الايهامي في البداية بعلاقته الوطيدة والمباشرة مع المسرح الطقوسي ذي الاصول الرمزية ، فمسرحيات
( الاسرار ) تسبق وتبشِّر بمبدأ الالتحام بين خشبة المسرح وجمهور المتفرجين .
ثانياً : يتميز المسرح الاليزابيثي بقدرته على خلط الاسلوب الطقوسي بالاسلوب الواقعي ، والتراجيدي بالكوميدي ، وكان هذا العامل وراء القفزات الشكسبيرية في داخل المسرحية الواحدة من اسلوب الى آخر، ونشأت عن هذا الاسلوب فكرة ( الوعي متعدد
الجوانب ) .
ان الزج بالجمهور الى خشبة المسرح ، والمسرحية داخل المسرحية هما سمة بارزة في المسرح الاليزابيثي واليعقوبي ، وهما وسيلتان ناجحتان لتضييق المسافة الجمالية .
ثالثاً : مسرح بيسكاتور وستانيسلافسكي وميرخولد ، كلّها تمثل مسارح تسجيلية تعليمية ، عملت على كسر الايهام المسرحي ، باستخدام الوسائل السينمائية المستحدثة ، وبسرد الحقائق التاريخية التسجيلية ، وتقديم أحداث متباعدة زمنياً تُعرَض في الوقت نفسه واستخدام الفانوس السحري لعرض صور فوتوغرافية للشخصيات الحقيقية ، وتزويد المشاهدين بمعلومات وعناوين مكتوبة على لافتات تشرح أجزاء الحبكة .
أمَّا فيما يخص وسائل التغريب في النصِّ المسرحيِّ ، فإنّنا سوف نقتصر على الوسائل الخاصة بالنص المسرحي دون العرض ، بوصفنا نشتغل على النص دون العرض ، ويبدو لنا أننا ذكرنا العديد من الوسائل الخاصة بالعرض في ما سبق من صفحات ، وعذرنا في ذلك ايماننا بأنَّ نص العرض إنَّما يعتمد أولاً على نصّ المؤلف، وهذه الوسائل هي([viii]) :
أولاً : الاستعانة بالتراث لاستلهام مادة النصِّ المسرحيِّ ، فاستخدام البعد التاريخي في تصوير



([i]) نظرية المسرح الحديث : تقديم وتحرير : اريك بنتلي ، 82 .
([ii]) مسرح التغيير ، 192 .
([iii]) مفهوم التغريب في مسرح بريخت : د. ابراهيم حمادة ، مجلة ( الاقلام ) ، العراق ، ع9 ، 1977 ، 37.
([iv]) المكان الخالي : بيتر بروك ، 76 .
([v]) نظرية المسرح الملحمي ، 67 . وينظر : التغريب وانفتاح النص في قص ما بعد الحداثة : د. شجاع العاني ، مجلة ( الموقف الثقافي ) ، بغداد ، ع14 ، 1998 ، 85.
([vi]) اشكالية التغريب والتلقي في فلسفة المسرح الملحمي : رياض موسى سكران ، مجلة
( الموقف الثقافي ) ، بغداد ، ع31 ، 2001 ، 67 .
([vii]) قناع البريختية – دراسة في المسرح الملحمي من جذوره الكلاسيكية الى فروعه العصرية : احمد عثمان ، مجلة ( فصول ) ، مصر ، مج2 ، ع3 ، 1982 ، 73- 75 -78 .
([viii]) الاتجاه الملحمي في مسرح ألفريد فرج : رانيا فتح الله ، 16-23 .
الأحداث يجعل المشاهد – منذ البداية – منفصلاً عنها ، فتتاح له فرصة الفرجة
بهدوء ، وبطريقة تسمح له بنقد الماضي ، إنَّه نوع من الاغتراب من أجل الاقتراب ، حيث يقدِّم الحدث الواقعي على أنَّه تأريخي أو تراثي ، وبذلك يتحقق عامل التبعيد أو التغريب ، وناقش بريخت هذه المسالة على وفق مفهوم سمّاه " التأرخة " حيث انَّ
" التغريب يعني التأرخة : يعني رسم الحوادث والأشخاص كشيء تاريخي ، كشيء سالف ، والشيء نفسه يمكن أن يحصل مع المعاصرين أيضاً يمكن أن ترسم مواقفهم كشيء مرتبط بالزمان التأريخي السالف "([i]) .
ويناقش بريخت التاريخ في اطار ماركسي يتبنى اسلوب المادية الديالكتيكية ، وهو اسلوب يدرس المجتمع عبر تناقضاته الداخلية ، وذلك من خلال سعي الاسلوب نفسه لفهم المجتمع عبر تطوّره ، وأنَّ كل شيء بالنسبة لهذا الاسلوب موجود بالقدر الذي يتغير فيه المجتمع ، وبالتالي يتناقض مع نفسه . كما أنَّه يناقش التأريخ في اطار المادية التأريخية التي تُحدِث قوانين تطوِّر المجتمع بمعنى " ان التأريخ من صنع الإنسان وان التأريخ هو تطوّر الوعي من الاغتراب الى تحرر الإنسان من الاغتراب عن طريق نشاطه فالتأريخ بوصفه هدفاً هو تطوير الوعي ومجاوزة الواقع ، وليس مجرد وصف أحداث ولكنّه اكتشاف علاقات ، وهذا يعني تدخّل العقل الإنساني والعامل الذاتي في تأويل الحدث التأريخي "([ii]) .
 إنَّ المنهج التأريخي يفرض على الممثل أن يصوِّر كلَّ حادثة بطابعها التأريخي ، والحادثة التأريخية حادثة عابرة لا تتكرر ، وترتبط بعصر محدد .. ان التطور المتواصل يجعلنا غرباء بالنسبة لتصرفات اسلافنا ([iii]) .
ثانياً : البناء الفني للأحداث يقوم على مشاهد منفصلة في شكل لوحات تعكس كل واحدة منها فكرة ، وتصب في النهاية في البناء الشامل للنصِّ المسرحيِّ ، وهي تخضع لمبدأ وحدة المتناقضات .
ثالثاً : تشغل الأحداث مساحة زمنية كبيرة ، لأنَّ اتساع رقعة الأحداث يساعد على تكوين خلفية اجتماعية مترامية الأبعاد ، فتعطي صورة كلّية وشاملة للقضية المطروحة ، إذ أنَّ الوسط الاجتماعي هو البطل الحقيقي والمحرِّك للصراع في المسرح الملحمي .
رابعاً : وجود الراوي الذي يخبر الجمهور بخلفية الأحداث ويعطيه فكرة عنها منذ البداية ، لكي يحميه من الترقب والقلق الذي يسيطر على مشاهد المسرح الدرامي ، بالاضافة الى تدخّله من وقت لآخر أثناء الحدث ليعلن أو ينقد لمنع تعاقب الأحداث وراء
بعضها ، وحتى يثار النقاش في الفواصل بين الحوادث . ومن الممكن أن يقوم بدور الراوي شخصية من شخصيات المسرحية ليؤدي وظيفة تقديم بعض المعلومات ، أو التعليق على الأحداث ، وفي الغالب يقتصر دور الراوي على الظهور في بداية المسرحية .
خامساً : وجود الكورس الذي يشارك في الأحداث وفي تطوير بعض المواقف ، ويناقش بعض القضايا المطروحة في النصِّ المسرحيِّ الأمر الذي يساعد على كسر الايهام عن طريق قطع سير الحدث سواء بالتمهيد أو التعليق أو النقد . إنَّ وجود الكورس - الشخصيات التي عاشت الأحداث في الوقت نفسه - يحقق الجدل بين الصالة والعرض.
سادساً : استخدام الاغاني ، حيث تعمل على تلخيص الأحداث ، أو التعليق عليها ، أو التمهيد للأحداث اللاحقة . وقد تقوم بتبعيد المشاهد عن الحدث بغرض الاقتراب بصورة ايجابية ، وتساعده في توضيح الأشياء التي ربما قد تغيب عنه أثناء متابعته للحدث .
سابعاً : الشخصيات المسرحية التي توجِّه حديثها للمشاهدين ، لحرصها الشديد على تأكيد عدم الاندماج ، حيث تخاطب الجمهور مباشرة .
ثامناً : اللغة : حيث يبدو التناقض بين اللغة والشخصية الناطقة بها ، فيتسم الحوار بالجدلية والتصادم الفكري بين الشخصيات ، كما أنَّ الحوار الملحمي يتسم بالهدوء والموضوعية ، بعيداً عن الانفعال من أجل الحفاظ على عملية عدم الاندماج .
تاسعاً : القناع : وهو وسيلة تغريبية ، ويستخدم ليمثِّل شخصيات ثانوية أو شخصيات شريرة ، وهو جزء مكمِّل للمسرحية ، ويعمل مستقلاً عن العناصر الأُخرى ، ويعلِّق على بعض الأحداث ويتنبأ بأُخرى .
وعموماً فإنَّ معظم التطويرات التقنية التي أجراها بريخت على مفهوم ( التغريب ) استعارها من الفلسفة ، ومن الفن كالرسم والتصوير والموسيقى ، فقد كان معجباً بفاغنر ، فضلاً عن السينما حيث كان متأثراً بطريقة ( شارلي شابلن ) في التمثيل الايمائي الصامت ، تلك الطريقة التي وظَّفها بريخت بإلحاح في مسرحه .
حاول مسرح بريخت أن يمازج بين الكلمة والموسيقى والصورة والحركة الايمائية في محاولة لخلق مايسمى بـ ( تداخل الفنون أو الاجناس الفنية ) وكانت طريقته محاولة جريئة لتطوير الدراما المسرحية عبر توثيق مؤثر التغريب والمفهوم الملحمي ، بوصفه وسيلة تنشيط للموقف الثوري عند المتفرج والقاريء تجاه العالم الذي يسعى بريخت الى تغييره بفهمه أولاً ، وبمحاولة تجاوزه ثانياً ، واعادة تركيبه من جديد ثالثاً ، وهي في نهاية المطاف محاولة لزحزحة المسرح الرأسمالي التجاري ، وايجاد مسرح مُعادٍ للرأسمالية ذي صفة فكرية
أعمق ، عبر التعليم لا المتعة فحسب ، فكأنَّ بريخت قد تبنَّى شعار زميله الأكبر ( جورج كايزر ) : الرأس أقوى من القلب (
[iv]) .
رابعاً : ألفريد فرج والمسرح العربي الحديث :
ألفريد فرج كاتب مسرحي ، مصري ، معاصر ، ولد في الاسكندرية عام ( 1929 ) ، وتخرَّج من كليّة الاداب قسم اللغة الانكليزية ، مارس التدريس في المدارس الثانوية من عام 1949 ، الى عام 1955 ، الى جانب عمله في الصحافة ، حيث كان يكتب مقالاته في صحف ( آخر ساعة ، الغد ، الجيل ، روز اليوسف ، وجريدة الاهرام وكذلك جريدة الجمهورية ) التي نقلت وجهة نظره وافكاره وتجاربه في الحياة والفن والثقافة وتخصيصاً المسرح .
وهو كاتب كبير ، ومثقف عتيد ، قدم للأدب العربي نتاجا منوَّعا ، تضمَّن :
النصوص المسرحية :
1-   صوت مصر : ( فصل واحد ) كتبها سنة 1956 وصدرت عن وزارة الثقافة ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ( سلسلة في المعركة ) ، د. ت ، وأُنتجت لأول مرة بالمسرح القومي بالقاهرة ، 1956 .
2-         بالاجماع + واحد : ( فصل واحد ) صدرت عن وزارة الثقافة ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ( سلسلة في المعركة ) ، د. ت.
3-   الفخ : ( فصل واحد ) صدرت عن وزارة الثقافة ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ( سلسلة في المعركة ) ، د. ت ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح الحديث بالقاهرة ، 1965 .
4-   بقبق الكسلان : صدرت عن وزارة الثقافة ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر
( سلسلة في المعركة ) ، د. ت ، وأُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 1 ) 1988 ، وأُنتجت لأول مرَّة لتلفزيون القاهرة ، 1966 .
5-   سقوط فرعون : نُشرت لأول مرَّة سنة 1957 ، واعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 6 ) 1989 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح القومي بالقاهرة ، 1957 .
6-   حلاق بغداد : صدرت مطبوعة سنة 1963 ، ثم أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 1 ) 1988 ، وأُنتجت لأول مرة بالمسرح القومي بالقاهرة 1964 .
7-   سليمان الحلبي : صدرت ضمن سلسلة روايات الهلال ، دار الهلال ، مصر ،
1965 ، وأعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 2 ) 1989 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح القومي بالقاهرة ، 1965  .
8-   الزير سالم : صدرت عن وزارة الثقافة ، دار الكاتب العربي ( سلسلة مسرحيات عربية ) مصر ، 1967 ، ثُمَّ أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 2 ) 1989 ،  وأُنتجت لأول مرة بالمسرح القومي بالقاهرة ، 1967  .
9-   النار والزيتون : نشرت سنة 1967 ، ثم أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 6 ) 1989 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح القومي بالقاهرة 1970 .
10-  علي جناح التبريزي وتابعه قفه : صدرت ضمن سلسلة ( مسرحيات عربية ) دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، مصر ، 1968 ، ثم أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 1 ) 1988 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح الكوميدي بالقاهرة ، 1969 . وعُرضت على مسرح الجامعة الامريكية بعنوان ( اثنين في قفة ) ([v]) .
11-  عسكر وحرامية : ( كوميديا من ثلاثة فصول ) صدرت عن الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ( سلسلة مسرحيات عربية ) مصر ، 1971 ، ثُمَّ أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 4 ) 1988 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح الكوميدي بالقاهرة ، 1966 .
12-  رسائل قاضي اشبيلية : صدرت عن دار الرشيد للنشر ، ( سلسلة القصة
والمسرحية – 140 ) بغداد ، 1981 ، وأعيد نشرها ضمن (مؤلفات ألفريد فرج – 3) 1989 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح المتجوِّل بالقاهرة ، 1987 .
13-    العقرب : صدرت عن دار الرشيد للنشر ، ( سلسلة القصة والمسرحية – 140 ) بغداد، 1981 .
14-  الشاهد : صدرت عن دار الرشيد للنشر ، ( سلسلة القصة والمسرحية – 140 )
بغداد ، 1981 .
15-  الزيارة : صدرت ضمن كتاب ( اقنعة القلق – مسرحيات قصيرة ) دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 1984 ، وأُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 4 ) 1988 ، وأُنتجت لأول مرَّة بتلفزيون القاهرة ، 1970  .
16-    العين السحرية : ( فصل واحد ) صدرت ضمن كتاب ( اقنعة القلق – مسرحيات قصيرة ) دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 1984 ، وأُنتجت للتلفزيون المصري ، 1991 .
دائرة التبن المصرية : ( فصل واحد ) صدرت ضمن كتاب ( اقنعة القلق – مسرحيات



([i]) مسرح التغيير ، 38 .
([ii]) الاغتراب في المسرح المعاصر من خلال مسرح برتولد برشت : منى سعد ابو سنة : مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج10 ، ع1 ، 1979 ، 64 .
([iii]) نظرية المسرح الملحمي ، 169 .
([iv]) الحياة في الدرامة : اريك بنتلي ، 146 .
([v]) عندما تقدم الجامعة الامريكية التراث العربي القديم اثنين في قفة تحفة ألفريد فرج علي جناح التبريزي من خلال الشباب : آمال بكير ، جريدة ( الاهرام ) ، مصر ، 14 فبراير،  السنة 126 ، ع 42302 ، 2003 .

1-   دائرة التبن المصرية : ( فصل واحد ) صدرت ضمن كتاب ( اقنعة القلق – مسرحيات قصيرة ) دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 1984 .
2-   الغريب : ( فصل واحد ) صدرت ضمن كتاب ( اقنعة القلق – مسرحيات قصيرة ) دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 1984 ، وأُنتجت لأول مرَّة لتلفزيون الجمهورية العربية السورية ، 1975 .
3-   زواج ( جواز ) على ورقة طلاق : ( مسرحية اجتماعية ) صدرت عن دار الهلال ، مصر ، 1988 ، وأُنتجت لأول مرَّة بالمسرح الحديث بالقاهرة 1973 .
4-         الحان على اوتار عربية : ( مسرحية سياسية استعراضية ) صدرت عن دار الهلال ، مصر ، 1988 .
5-        الحب لعبة .
6-         اغنياء فقراء ظرفاء : انتجت بالفرقة النموذجية لمسرح الهيئة العامة لقصور الثقافة .
7-   رحمة وامير الغابة المسحورة : ( للاطفال ) نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 3  ) 1989 ، وأُنتجت لأول مرَّ ة عام 1989 .
8-   الشخص : ( فصل واحد ) نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 3 )  1989 ، وأُنتجت لأول مرة في مهرجان المسرح التجريبي بالقاهرة 1989 .
9-   عودة الارض : نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 3 )  1989 ، وأُنتجت لأول مرَّة على مسرح المؤتمرات بالقاهرة ، 1989 .
10-    واعروبتاه : ( مسرحية تاريخية استعراضية موسيقية في جزئين ) .([i])
11-    غراميات عطوة ابو مطوة : أُنتجت لأول مرَّة بالمسرح القومي بالقاهرة ، 1993 .
12-    دائرة الوهم : أُنتجت لأول مرة في مهرجان القاهرة التجريبي ، 1998 .
13-    الطيب والشرير والجميلة : نُشرت ضمن ( روايات الهلال – 584 ) دار الهلال ، مصر ، 1994 .
14-    المشوار الاخير : أ نتجت لأول مرة في جامعة نيويورك ، وجامعة فيلادلفيا بالانجليزية سنة 1999 .
15-    باب السر : قُدِّمت لأول مرِّة في مسرح الطليعة .
16-    ثورة الحجارة : عرضتها الفرقة القومية في الاسكندرية ([ii]) .
17-    العرب : أُنتجت في المسرح القومي ، بغداد ، 1982 ([iii]) .
18-  وتنبت الزهور .
الروايات :
1- حكايات الزمن الضائع في قرية مصرية : صدرت عن دار المستقبل العربي ، مصر ، 1983 ، وأُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 7 ) 1989 .
2-   ايام وليالي السندباد ، نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 9 )    19 .
القصص القصيرة :
1-ليالي عربية : نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 9 )    19 .
2-مجموعة قصص قصيرة : نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج ) 1989 .
كتب تضم مقالاته :
1-   دليل المتفرج الذكي الى المسرح : نُشرت في الدوريات ، ثُمَّ أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 8 ) 1989  .
2-   الملاحة في بحار صعبة : نُشرت في الدوريات ، ثُمَّ أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 8 ) 1989  .
3- دائرة الضوء ، نُشرت في الدوريات ، ثُمَّ أعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج –
10 ) 1989  .
4-   اضواء المسرح الغربي : نُشرت في الدوريات .
5-   حكايات فنية : نُشرت في الدوريات .
6- احاديث وراء الكواليس : نُشرت في الدوريات ، ثُمَّ أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 12 ) 1990  .
7- شرق وغرب - خواطر من هنا وهناك : نُشرت في الدوريات ، ثم أُعيد نشرها ضمن
( مؤلفات ألفريد فرج – 12 ) 1990 .
8-   صور أدبية : نُشرت في الدوريات ، ثم أُعيد نشرها ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج – 10 ) 1989  .



([i]) من مقتنيات دائرة المكتبة الوطنية ، بغداد ، برقم 6846 ، مطبوعة على الالة الكاتبة .
([ii]) ثورة الحجارة : مسرحية عن نضال الشعب الفلسطيني : ( د . أ )  جريدة ( الاهرام )، مصر ، 15 يناير ، السنة 125 ، ع 41678  ، 2001 .
([iii]) ألفريد فرج وواقعنا الثقافي : فؤاد بدوي ، جريدة ( الاهرام )  ، مصر ، 6 يوليو ، السنة 123 ، ع 41119 ، 1999 .
1- تأملات في الثقافة : صدر عن دار الرشيد للنشر ( سلسلة دراسات – 297 ) بغداد ، 1982 ، ثُمَّ أُعيد نشره ضمن ( مؤلفات ألفريد فرج ) .
كَتبَ تمثيلية اذاعية واحدة ، بعنوان : مي زيادة ، نُشرت ضمن ( مؤلفات ألفريد
فرج – 11 ) 1990 .
بدأ ألفريد فرج مسيرته بكتابة الشعر ، فالقصة القصيرة فالرواية ، ثم استقرَّ به الحال في المسرح ، وهو يرى أنَّ الفنان حر في الابداع باللغة التي يختارها .. ويقول أيضاً ، أنَّه خرج من معطف توفيق الحكيم ، كما أنَّه اشتغل في اتجاه تطويع اللغة العربية حتى تستطيع أن تعبِّر عن الكوميديا ([i]) .
اهتمَّ ألفريد بتبنيه للمسرح الملحمي واستلهامه لأفكار برتولد بريخت بما ينسجم مع خصوصيات العقل العربي ، والبيئة العربية ، وتابعه في هذا الاتجاه كل من نجيب سرور ، وعبد الرحمن الشرقاوي ، ومحمود دياب ، ويسري الجندي ، ونبيل بدران . كما استلهمت أعماله التاريخ والتراث العربي والاسلامي ، وهذا ما نجده في شخصياته ومسرحياته ( الزير سالم ، وحلاق بغداد ، وعلي جناح التبريزي وتابعه قفة ) . واستلهم التأريخ الحديث كما في مسرحيته ( سليمان الحلبي ) .
كُتبت عن ألفريد الكثير من المقالات والكتب والرسائل الجامعية ، ومؤخراً أعدت الباحثة ( دينا احمد امين ) بحثاً بعنوان ( شاعرية الاقنعة المسرحية في مسرحيات
ألفريد فرج ) وهي ميتا دراما ، ( اتجاه يهتم بما وراء الدراما وأشكالها الفنية ) وناقشته في جامعة بنسلفانيا الامريكية ، ونالت عليه درجة الدكتوراه([ii]) .
اعتمد ألفريد على متابعة رسالة المسرح العربي الثوري الذي يعبِّر عن هموم الإنسان والوطن ، ففي سوريا قاوم مسرح ابو خليل القباني الاحتلال التركي ، في حين قام المسرح الشعبي المجهول في مصر على يد ( خيال الظل ) و ( الاراجوز ) بمحاربة حكم المماليك وتعريته وكسر حاجز الخوف منه .
في عام 1920 وقف المسرح المصري مع قضية فلسطين وقدَّم مسرحية ( السلطان صلاح الدين ) لفرح انطوان ، بعد هذا تبنّى المسرح قضية الوطن والعدالة بشكل مباشر أو غير مباشر ، هذا الى جانب المسرح الاجتماعي النقدي الذي لعب في ساحته علي الكسار والريحاني ، ثم حركة ترجمة ونشر وتمصير المسرحيات العالمية([iii]) التي تناولت القضايا الإنسانية .
وكان لثورة يوليو 1952 ، دور فعَّال في الاهتمام بالثقافة ومساهمتها بالانتاج ودعم البنى التحتية لصناعات الابداع فيما سُميَّ بالنهضة في مجال المسرح والسينما والكتاب والتذوق الثقافي.
ونظراً لتأثّر ألفريد بثورة يوليو واتجاهها الاشتراكي ، وأهدافها الثورية في التغيير ، فقد وجد فيها أرضاً خصبة لتوليد أفكاره التي كانت محبطة في العهود البائدة حيث سيطر الاقطاع والملكية الفاسدة .
من هنا كانت غاية ألفريد كما يقول : " اننا لكي نقيم مسرحا حيا لا بد وان نعكس روح الجدل التي تنطوي عليها الحياة نفسها حيث ان المسرح جعل لكي يوقظ الحاسة الرياضية في العقل الانساني .. وارى انه على متفرجينا الذين اعتادوا ان يستسلموا لمسرح تخديري ومواقف بسيطة جاهزة وشديدة الوضوح ، لأنها شديدة التسطيح ، ، ان يتدربوا من جديد على محاولة استخلاص الحقيقة من فوق المنصة ، وان يعملوا اذهانهم لكي يفهموا بعقل جدلي التناقض الموجود في الحياة وان يميزوه "([iv]) ، وهذا ما يشير الى أنَّ طبيعة موضوعات مسرحياته كانت تتسم بالثورية ، والتعليمية ، ونقد عيوب المجتمع ، والتعبير عن قضايا الامة المصيرية ، تخصيصاً قضية فلسطين ، وهي ذات المواضيع التي طرحها رواد المسرح الملحمي والتعليمي .
ولعلَّ أهم فكرة أراد ألفريد التعبير عنها هي فكرة ( العدل ) كما يؤكد ذلك نفسه بقوله
" فإنَّ محور مسرحي وركيزته هي : فكرة العدل ، اطروحة العدل ، العدل الدولي العدل الاجتماعي ، والعدل الاقتصادي ، أي فكرة العدل بصورة عامة "([v]) .
تأثر ألفريد أولاً بتوفيق الحكيم ، فبرناردشو ، فبريخت ، ثُمَّ المسرح الشعبي عند الكسار ،



([i]) ألفريد فرج وواقعنا الثقافي : فؤاد بدوي ، جريدة ( الاهرام ) ، مصر ، ع (41119)، 1999 ، 1 – 2 .
([ii]) دكتوراه عن مسرح ألفريد فرج بجامعة في امريكا : ( د . أ ) جريدة ( الاهرام ) ، مصر ، ع 41368 ، 2000 .
([iii]) بصدور السلاسل ( روائع المسرح العالمي ) و ( من ادب المسرح ) و ( مسرحيات عالمية ) و ( مكتبة الفنون الدرامية ) .
([iv]) الاتجاه الملحمي في مسرح ألفريد فرج ، 62 .
([v]) ألفريد فرج . اسئلة الواقع – اسئلة المسرح : حوار ماجد السامرائي ، مجلة ( الرافد ) ، الشارقة 2000 ، ع33 ، 75 .
والمسيري , وحمام العطار ، والريحاني ، فهو يرى أنَّ توفيق الحكيم هو أول مسرحي نقل المسرح من التقليد والميلودراما والفارس المبتذل والاستعراضي الخاوي الى مجال الادب الصحيح ، الذي ينطوي على فكرة و ( على جدل ) وهي نقلة خطيرة ، لقد حسَّن جورج ابيض في المسرح ، لكن الحكيم نقله نقلة كبيرة ، كما يؤكد ألفريد([i]) .
لا شك أنَّ النقلة الكبيرة في المسرح المصري حصلت بعد ثورة يوليو بسبب ترجمة المسرحيات الاجنبية ، بخاصة المسرحيات ذات الطابع التجريبي مثل مسرحيات بريخت ، ومسرحيات العبث واللامعقول لصوموئيل بيكت ، ويوجين يونسكو ، ومسرحيات بيتر فايس التسجيلية ، كذلك ترجمة مسرحيات تشيكوف ، وجوركي ، وكثيراً من المسرحيات الاسيوية والافريقية ([ii]) ، فضلاً عن ارسال البعثات الى الخارج ، حيث عاد أصحابها وهم يحملون أفكاراً جديدة عملوا على تطبيقها ، يضاف الى ذلك افتتاح مسرح الجيب الذي لعب دوراً كبيراً في عرض المسرحيات التجريبية .
وفي متابعتنا للنصوص المسرحية لكُتَّاب مصر استطعنا أن نرصد المسائل التالية : 
1-في البدء لا بدَّ لنا من الاشارة الى أنَّ المسرحي الكبير يوسف ادريس كانت له دعوة مشهورة سماها ( نحو مسرح مصري ) ركَّز فيها على البحث عن شكل مسرحي جديد يمنح المسرح المصري تميّزاً ، حيث الموضوع المسرحي المصري لا بدَّ أن يجد له شكلاً مسرحياً نابعاً منه ومتلائماً معه ، بحيث يستطيع ابرازه وتقديمه الى أوسع مدى ، ويضرب لذلك مثلا بـ ( مسرح السامر ) ذلك المسرح الذي عرفه الريف المصري قديماً ، ويطرح توفيق الحكيم في كتابه ( قالبنا المسرحي ) رؤيته لضرورة عودة كُتّاب المسرح الى ما قبل مسرح السامر ، بتوظيف الحكواتية والمقلدين والمداحين ، والاعتماد على تراثنا الشعبي من روايات الاغاني ، وقصص الجاحظ ، ومقامات الهمذاني والحريري ، لتحقيق القالب المسرحي المتسم بطابع عربي أصيل ([iii]) .
2-لجأ الكثير من كُتّاب المسرح الشعبي الى استخدام الموروث الشعبي مثل نجيب سرور وألفريد فرج في استلهامهما لقصص ( ألف ليلة وليلة ) ، ورشاد رشدي في توظيفه
لـ ( خيال الظل ) في احدى مسرحياته ، فهؤلاء جميعا اعتمدوا على الشكل الملحمي الذي يوظِّف الاساليب التغريبية .
3-عالج الكُتّاب المسرحيون موضوعات تخص قضايا شعبهم بصورة مباشرة ، وخلقوا شخصيات تمثِّل المصريين فكرياً واجتماعياً ، كما استخدموا في الحوار لغة تعكس الروح المصرية وإن أفادوا من الاساليب الغربية للتعبير عن احتياجات الشعب المصري وآماله  .
شهدت النصوص المسرحية العربية تطورات تصنيفية منذ مطلع الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين ، بعضها سياسي - تأريخي ، والآخر سياسي - اجتماعي ، ثم مسرحيات توفيق الحكيم الذهنية ، إلاّ  أنَّ ما يؤشّر على هذا النتاج معالجته لموضوعات تمثِّل مظاهراً من اليوميات الحياتية للمصريين ، رغم أنَّها لم تعكس وعياً عميقاً للهموم والمشكلات المعاصرة لهؤلاء ، الأمر الذي يؤشِّر بالتالي فشلها – الى حد ما – في استقطاب الجمهور ، ولنا في ذلك أمثلة من نصوص : عزيز اباظة ، ومحمود تيمور ، وعلي احمد
باكثير .
ولعلَّ النقاد متفقين على أنَّ مسرحية ( نعمان عاشور ) ، 1918 ( الناس اللي تحت ) تُعدُّ بداية لمرحلة جديدة في تاريخ الدراما المصرية ، وهي كما يصفها جلال العشري :
" مع ( الناس اللي تحت ) انطلقت شرارة المسرح المصري الجديد ، اللغة الفصحى اُستبدلت بها اللغة العامية ، الحوار الذهني الخالص اُستبدل به الحوار الدموي المليء بالعفوية
والحرارة ، والشخصيات المُتحَفية المستدعاة من جوف التأريخ اُستبدلت بها شخصيات واقعية نصادفها كل يوم في عرض الطريق . والعقدة الدرامية التي تقتضيها تقاليد المسرح اُستبدلت بها المشكلة الاجتماعية النابعة أصلا من ظروف الحياة " . كما ظهرت مسرحيات أُخرى اجتماعية الطابع تنسجم مع الخط الملتزم بسياسة مصر الاشتراكية الجديدة كما هو واضح في مسرحيات ألفريد فرج ونعمان عاشور ، أمَّا مسرحيات يوسف ادريس فطرحت مشكلات اجتماعية تقليدية مثل ( ملك القطن وجمهورية فرحات ) ([iv]) .
تميَّز مسرح الستينات في مصر بتوظيف شكل درامي تجريبي هو ( التراجيكوميدي ) وهو شكل يمزج بين المأساوي والمضحك في تجربة صراع واحد ، يتولَّد من خلال السخرية والتهكم والتناقض عند المقابلة بين شيئين متنافرين . ويُعدُّ مسرح عاشور ، وسعد الدين
وهبة ، وعلي سالم مؤشراً لهذا النوع من التوظيف المسرحي ، وهذا التوظيف ناتج عن التأثر بمسرح اللامعقول والعبث الذي ساد في مسرح اوربا بعد الحرب العالمية الثانية حيث سادت مفاهيم اللامعنى واللامبالاة والعبثية والعدمية .
أمَّا التأثير الآخر فتمثل بالمسرح التسجيلي الذي نما وتطوَّر في المانيا في أوائل الستينات ، وهو يقوم على توثيق حادثة ما ، أو أنَّه معالجة ابداعية لحقائق الواقع كما يؤكد مستخدمه الأول ( جون جريرسون ) وهو مسرح يوظِّف التقارير الحقيقية كالتسجيلات ، والوثائق والرسائل ، والاحصائيات ، وتقارير الاسواق وبيانات الحكومة ، والخطب ، والمقابلات الشخصية ، ويبتعد عن الخيال ، وخير مثل لهذا المسرح مسرحية ( النار
والزيتون ) لألفريد التي عُرضت عام 1970 ، وهي مسرحية تستخدم العربية الفصحى ، لكنَّها تستخدم العامية الفلسطينية في حوار الشخصيات الفلسطينية ([v]) .
نعود الى مسألة استلهام التراث في المسرح العربي وعند ألفريد تخصيصاً ، فالمعروف أنَّ السير الشعبية سيرة بني هلال مثلاً وغيرها من الحكايات ذات الطابع الشعبي ، فضلاً عن خيال الظل ، ومسرح الدمى ، أو العرائس التي تحرِّكها الأسلاك ، ومسرحيات عرائس اليد أو القراقوز ، ومسرحيات أُخرى ، يضاف اليها ( مسرح السامر ) أو ( الفصل المضحك ) الذي اشتهر في قرى مصر ، ويمثِّل نوعاً ارتجالياً كوميدياً يماثل الى حدٍ ما كوميديا ( ديلارتي ) الايطالية ، والاورطة اونيو التركية ، حيث يستخدم الممثل حريته التامة في الحوار
والمحاكاة ، والاحساس بالمشاركة بينه وبين الجمهور ، والحبكة الدرامية فيها مستمدة من الحياة اليومية في الطرقات ، فضلاً عن الحكواتي الذي نجده ممثَّلاً بشكل واضح في مسرح سعد الله ونوس ، كل هذه الأشكال هي نوع من الاحتفالية الشعبية ، أو الفرجة المسرحية الشعبية ، التي نجدها  في أعمال المغربي ( عبد الكريم برشيد ) حيث تتمُّ المداخلة بين التراث والمعاصرة كما



([i]) حوار مع ألفريد فرج حول قضايا الفن والمسرح : مهدي الحسيني وكمال رمزي ، مجلة ( المسرح والسينما ) ، مصر ، ع 50 ، 1968 ، 10.
([ii]) الاتجاه الملحمي في مسرح ألفريد فرج ، 40 .
([iii]) قالبنا المسرحي : توفيق الحكيم ، 15 .
([iv]) الدراما التجريبية في مصر 1960-1970 والتأثير الغربي عليها : حياة جاسم محمد ، 12 ، 16 ، 18.
([v]) نفسه ، 33 ، 205 .
في مسرحيات ( ابن الرومي في مدن الصفيح ) و ( عنترة في المرايا المكسرة ) و ( قراقوش )([i]).
إنَّ أهم مسألتين تقرِّب الاحتفالية الشعبية من المسرح الملحمي هما : كسر الايهام والابهار ، والربط بين مادة الماضي والحاضر برؤية تُظهِر أثر الحاضر في التراث .
وكان لألف ليلة وليلة تأثير واضح في المسرح العربي إذ تأثر بها معظم كُتّاب
الدراما ، لا سيما ألفريد فرج سواء من حيث المضمون أو التكنيك ، ويفسِّر ألفريد جمالية هذه القصص الشعبية بمقولته : " ألف ليلة وليلة من ناحية الشكل أقرب الى الأرابيسك ، فيها من فن الزخرف العربي جوهره ، فهي قصص متداخلة وأحيانا متماثلة ولكن تكرارها يضفي عليها جمالية مجددة ، وقد أسرتني بجوهرها التشكيلي وحاولت استلهام ذلك الشكل الفني
البديع "(
[ii]) .
وشرح ألفريد رؤيته وموقفه من استلهام التراث العربي والإسلامي وقيم الطريقة التي تمَّ التعامل من خلالها مع المكتسبات القومية ، وسوف نحاول أن نوجز رأيه في ختام هذا المحور لكي نكون قد قدَّمنا تصوراً موجزاً عنه وعن المسرح العربي الحديث ،حيث يقول([iii]):
1-لقد طرح جيلنا قضية استلهام التراث وألف ليلة وليلة في اطار جديد ، وكان ذلك في الستينات - حين كتبتُ ( حلاق بغداد ) – متبنياً فكرة الاستقلال القومي الذي بدأتْ شرارته بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 ، و طُرحتْ قضية الهوية القومية للمسرح العربي والثقافة العربية ، فكان لزاماً على كلِّ فنان أن يضع أجوبة حاسمة لهذه القضية .
2-وإذاً طُرحتْ قضية استلهام التراث في المسرح ضمن قضايا وحلول تثبيت الهوية القومية للفنون ، وتأصيل هذه الفنون من التراث ، والاهتمام بالمسرح العربي بوصفه تطورا طبيعيا للقصة العربية وأشكالها المختلفة ، لهذا تواصل المسرح مع التراث تواصلاً ذا مغزى سياسي وحضاري وقومي .
3-إنَّ اتجاهي الى التراث القومي كان ينطلق من تصوري أنَّ المسرح هو ظاهرة قومية عربية ، وأنَّ المسرح لن يحقق النجاح إلَّا على صعيد التكامل القطري في اطار الامة الواحدة والتراث الواحد ، فالمسرح العربي اتجه الى الملحمية بتأثير التراث وتخصيصاً
(  الف ليلة وليلة ) ، فهو أقرب الى سرد الحكايات منه الى تركيز الموقف .
وأنا أسعى للجماليات الشعبية ، فعمدتُ الى الاصول والمنابع الشعبية لفنوننا التعبيرية والاستعراضية السالفة تثبيتاً للأصالة والتميّز وللهوية الوطنية لفننا الحديث .
4-إنَّ الماضي والتراث كانا سلاحي الحركة الثقافية في معركة الحرية ، وكان بعث التراث إّنما هو ثبيت للشخصية القومية وللروح الاستقلالية ضد المحاولات الاستعمارية
( لتدويل ) العقل العربي ، فاستُخدِم التراث بوصفه اطاراً مسرحياً ، أو اسلوباً لابتداع الامثولة لتحليل الواقع … وما هذا  إلاّ انتقاء من التراث وموقف من التراث ، وموقف ينطوي على قصد واضح لاعادة صياغة الحياة عن طريق اعادة صياغة التراث ، وهو بالضرورة موقف نقدي وجدلي .
كان اعجاب ألفريد بالتراث منطلقاً أيضاً من رؤيته للفن الحديث الذي اختزل الاداة الفنية ، وعمَّق الرؤية الادبية والفكرية ، حينما نظر الى الماضي على أنَّه شيء عابر لكنَّه مدهش في لحظته الزمنية الحالية ، وهذا هو التغريب . ووجد ألفريد بغيته في التعبير عن غايته الفنية في طروحات بريخت الذي وصفه بأنَّه الفنان الاشتراكي العملاق وصاحب أعظم مسرح في العصر الحديث .
إنَّ الدراما في أبسط تعريفاتها التعميمية هي مجموعة من الشخصيات تعيش مجموعة من العلاقات وتتجسد علاقاتها وأبعادها في عدد من المواقف والأحداث وتعبِّر عن نفسها موضوعياً بالحوار المتبادل فيما بينها بهدف التعبير عن قضية أو مشكلة
لتوصيل رؤية المؤلف لهذه القضية أو تلك المشكلة (
[iv]) .
بمعنى آخر ، فالدراما توصيل حقائق مواقف ذات بعد صراعي أو جدلي يقوم على التأزُّم والاشكال الفكري الذي تحرِّكه القضية ، أو المبدأ ، أو الايديولوجية التي يحاول المؤلف تعبئتها في المحتوى النصي لمسرحه .
وبما أننا نتحدَّث عن المسرح الملحمي ، فذاك يعني أننا نتحدث عن الفكر بوصفه هدفاً الغاية منه اقناع المتلقي بجدوى قيمته في التصحيح والتغيير الاجتماعي والسياسي ، والى هذا المعنى أشار الناقد الماركسي " مايرهولد " بقوله " الفكر يأتي أولاً .. والمسرحية البارزة تتميز عن غيرها في الدرجة الاولى ، بعمق أفكارها أي أنَّها جدلية دونما شك .. إنَّها تحاول أن " تقنع " الجمهور " ([v]) .



([i]) المسرح والتراث العربي : د. سمير سرحان ، 17 ، 22 ، 25 ، 38  .
([ii]) مؤلفات ألفريد فرج – 12 ، 70 .
([iii]) نفسه ، 70 ، 66 ، 67 ، 104 ، 105 .
([iv]) الدراما المصرية بين الاصل الشعبي والشكل الشعبي : سامي خشبة ، مجلة ( المسرح والسينما ) ، مصر ، ع 53-54 ، 1968 ، 46 .
([v]) الحياة في الدرامة ، 150 .
وإننا إذ نتحدَّث عن هذا الفكر بوصفه ثابتاً عقلياً ، نتحدَّث أيضاً عن مجالات ممارسة هذا الفكر ونعني به المجال الايديولوجي ، حيث تتحول الأفكار من مجال المفكَّر به الى مجال المعمول به انطلاقاً من أنَّ الايديولوجية هي " نسق من الافكار والمعتقدات لجماعة من
الناس ، أو حزب من الأحزاب ، أو أُمة من الأُمم في حالة تفاعل وفعل مع الجماهير تنعكس على تصرفاتها وسلوكها " أي أنَّ الايديولوجية هي" حركية ، فكرية ، هادفة ، فاعلية ، ايجابية في البنية الاجتماعية (
[i]) " .
ويمكن تقسيمها الى ثلاث مجموعات هي : ايديولوجيات تقدمية ، وايديولوجيات
رجعية ، وايديولوجيات مصالحة ، وهذه الأخيرة هي أساس حركية الوسط الانتهازي في كل مجتمع وهي التي أفرزت الفكر المغترب عن الاغتراب " .([ii])
ما نودُّ التوكيد عليه هو أننا سوف نحاول استخلاص المحتوى الفكري والايديولوجي من مسرح التغيير الثوري عند ألفريد فرج وعبر مراحل ثلاث ، حيثُ تبدأ الأُولى بالأنواع الاغترابية ، والثانية بالدوافع والوظائف ، والثالثة بمضامين ومعاني الاغتراب ، بمعنى أننا سوف نزواج بين الداخل والخارج كي نتوفر على الرؤية الفلسفية التي يحاول المؤلف توظيفها في نصه المسرحي.


الفصل الاول
المبحث الأول
 الأنواع الاغترابية
إنَّ الأنواع الاغترابية كثيرة ، ولكنها متداخلة ، ولا تمتلك استقلالاً ذاتياً بل هو استقلال نسبي يحدده الباحث فيما إذا أراد الاقتصار على جانب محدد ، وحصر ثيماته في مجال معين أو في سياق ما . ومشكل الترابط والتنوع الاغترابي يتأتى من الموضوعة الاغترابية
ذاتها ، وهذه الموضوعة تتمثَّل في "الإنسان" الذي يمكن وصفه بكتلة من التناقضات والتماثلات بحسب الظرف الذي يعيشه ، والمؤثِّر النفسي الذي يحرِّكه ، والمجال الفكري الذي يوجهه ، ولأنَّ الإنسان في صورة من معانيه هو نتاج عصره فهو يتلوَّن تبعاً للصيغة أو النموذج الفلسفي لعصره ، فيكون تبعاً لذلك متعدد الأبعاد والمعاني ، ويرى ماركس أنَّ الانسان مغترب في حياته بكاملها ، فهو مغترب في الدين مثلما قال فيورباخ ، ومغترب سياسياً في الدولة التي تسلبه حقوقه  وحريته ، وهو مغترب اقتصادياً في السوق والنقد بالاضافة الى علاقات الانتاج . ([iii])
ولقد طالعنا المفاهيم الفلسفية عن الاغتراب ، فوجدنا أنَّ الفلسفة هي الأُخرى مغتربة عن عصرها ، وتبعاً لذلك الفلاسفة الذين يمثلونها ، لنأخذ مثلاً ( الاغتراب الديني ) الذي تمثَّل بفكرة الخطيئة الاولى عند آدم وهبوطه الى الارض مبتعداً عن فضائه العلوي الفاضل الى الأرض الشريرة ، فضلاً عن مفاهيم أُخرى ساهمت في تدعيم الاغتراب الديني كالسقوط ، والعقاب ، والقوة الالهية ، وتصوير الأديان لضعف الانسان وعجزه أمام قدرة الله سبحانه وتعالى .
ويرى ( فيورباخ )  أنَّ الاغتراب أساساً هو الاغتراب الديني ، وهو الأصل لأي نوع من الأنواع الاغترابية ، حيث أدى الدين الى تحويل الأنا الى الآخر ، أي تحويل الإنسان الى الله سبحانه وتعالى ، تماماً مثلما حدث بالنسبة الى المسيحية ، ولمجرد مواجهة الانسان لأية حالة عجز أو ضعف تجعله يلجأ الى حماية الله سبحانه وتعالى ، فيستغيث بالدين لتجاوز تلك الحالة ، ([iv]) ويتحقق الاغتراب هنا بمجرد استشعار الإنسان أنَّه مسلوب الارادة ، وبأنَّه عاجز عن حماية نفسه ، فليجأ الى الدين متصوراً أنَّ الحماية تكمن فيه بمجرد استدعائه في حالات المحنة العصيبة .
إنَّ الفكر الديني يتصوَّر الإنسان كتلة مركبة من قوتين هما الروح والجسد ، وهما يشكِّلان أصل الإنسان وطبيعته ،  لأنَّهما يشكِّلان ثنائية تعمل على تفعيل التوتر والصراع في الوجود الإنساني ، وهما في هذه الحالة يبدوان غريبين عن بعضهما لأنَّ رغباتهما متعارضة ، وغالباً ما يكون الإنسان ضحية هذا التجاذب الخلافي ذي الصفة الحتمية .
ولعلَّ الفكر الإسلامي حاول أن يتوسط لتخفيف حدِّة الصراع الثنائي بين الروح
والجسد ، وايجاد مفهوم للاغتراب ينسجم مع منظومته التوسطية ، ومن هنا فالاغتراب بالمعنى الاسلامي اغتراب عن الحياة الاجتماعية الزائفة الجارفة ، واغتراب عن النظام الاجتماعي غير العادل ، فالغرباء قاوموا الحياة ومغرياتها بطريقة ايجابية وسلبية ، فقهروا السلطتين : سلطة الحكّام ، وسلطة النفس بترويضها على الطاعات والمجاهدات واعتزال
الناس . ([v])
وهناك نوع آخر من الاغتراب هو " الاغتراب الاجتماعي " حيثُ يتمثّل بانفصال الإنسان عن مجتمعه ، وانزوائه مكانياً أو وجودياً بعيداً عن خط التعايش أو التصادم مع المجتمع . وربط ماركس بين الاغتراب الاجتماعي والاقتصادي وعدَّ الثاني سبباً في إنتاج الأول ، ووجد ضمن هذا الفهم أنَّ الإنسان يغترب في أربع نواحٍ هي : ([vi])
أولاً : إنَّ العامل يقوم بأعمال لا يرغب فيها ، وفُرضَت عليه فرضاً بحكم النظام
الرأسمالي ، فالعامل منفصل هنا عن رغبته الطبيعية في العمل .
ثانيا : اغتراب العامل عن نتاج عمله أو عن انتاجه ، فهو لا يملك ما ينتجه ، وإنَّما يذهب الى ربِّ العمل الذي يعطيه أجراً زهيداً ، وهنا يكون نشاط العامل غريباً وقسريا عنه ، فهو لا ينتمي اليه .
ثالثاً : اغتراب العامل عن تقسيم العمل ، فهو لا يختار زملاءه في العمل ، ولا يرتبط بهم بعلاقات طبيعية ولا مهنية ولا اجتماعية ، بل أنَّها علاقات تعسفية وهو مرغم على التعايش معها في حين أنّضها لا تتناسب مع رغبته .
رابعاً : اغترابه عن أدوات الإنتاج ، حيثُ يخضع لأدوات انتاجية ليست ملكاً له ، بل لغيره ، ويعامل كواحدة من تلك الأدوات ، فهو أسير لها .
أمَّا جوهر الاغتراب الاجتماعي فيتمثّل في أمرين ، هما :
الأول : جمود المفهوم الفكري الاجتماعي في مقابل تطوّر العقل الانساني .
الثاني : انجراف البيئة الاجتماعية الى مفهومات منحرفة عن سياقات التعامل العرفي
والتقليدي ، مما يحدث فجوة بين الذات والمجتمع ، هذه الفجوة تتعاظم كلما كان الصراع مؤججاً للموقف التناقضي بين المبدئية والموقف الالتزامي ، وبين الرجعية أو الشذوذ الانتكاسي ، ذلك أنَّ غياب المعيار يهدم الثقة ويعزز القلق في ذات الفرد ، الذي تصبح أهدافه وتطلعاته في منأى عن اهتمام مجتمعه ، مما يقصيه عن القيام بأي مشاركة اجتماعية .
هناك أيضاً " الاغتراب الوجودي " المتمثِّل بفقدان الاحساس بقيمة الحياة وعدميتها ، لشيوع مفاهيم البؤس واللامبالاة ، واللاثقة ، والعبث ،  فحرية الانسان وكرامته تغتال حالما يؤول حالها الى الفناء ، والى هذا يشير ( كامي )  بقوله " يرفض الانسان العالم من غير قبول ضرورة التملص منه والواقع ان الناس يتعلقون بالعالم ، وغالبيتهم العظمى لا تريد التخلي
عنه ، وبدلاً من الرغبة في نسيانه ، انهم يتعذبون من عدم تمكنهم من امتلاكه امتلاكاً كاملاً ، ذلك انهم يعيشون غرباء بالقياس الى العالم منفيين عن وطنهم نفسه " . ([vii])
وعند كيركجارد ينشأ الاغتراب الوجودي من خلال ثنائية المتناهي واللا متناهي ، فالجسد من الناحية الوجودية هو طريقنا في المشاركة في العالم ، إنَّه في وقت واحد البؤرة التي ننظر منها الى العالم وننظمه وفقاً لاهتماماتنا ومصالحنا ، وهو كذلك المركز الذي ينعكس عليه العالم ، ولكن المشكل أنَّ الجسد يتوارى وهو في أوج ألقه الوجودي ، إنَّ أزمة الفرد الموجود تنشأ من كونه مركّباً من الزماني والابدي وقائماً في قلب الوجود ([viii])
وحديث الوجودية المغتربة عن أزمة الإنسان وحالته هو بمثابة تعبير عن حالة نفسية مسحوقة تتصف بالضياع والهجر واليأس والنضال بلا طائل ، وهو انسان يصل الى العدمية.([ix])
والعدمية تمثَّل في مفهوم نيتشه حالة انتقالية " فالمرء لا يعيش فيها إلاَّ من أجل الغد وأمَّا اليوم الذي بعده فيحوطه الغموض ويكتنفه الاشكال ، وليس في أي مكان أساس متين أو ايمان مؤكد أنَّها مرحلة انحطاط عبر المرور بالعدم . ([x])
ومن هنا يغدو الاغتراب ضرباً من ضروب الوجود الزائف " الذي يسقط فيه الانسان سقوطاً يفقد معه حريته مناط انسانيته وجوهر وجوده ، ومن هنا كانت الحرية عند الوجوديين مرتبطة بالاغتراب ارتباطاً وثيقاً ، فهي لا تكون ولا تكشف عن معدنها الحقيقي إلاَّ من خلال عملية قهر الاغتراب المستمرة . ([xi])
من جهة أُخرى نستطيع أن نشخِّص نوعاً آخر من الاغتراب يسمى " الاغتراب الثقافي والحضاري " وهو ناشئ من اغتراب الفرد عن ثقافته المجتمعية والجماهيرية لعدم التوافق بينهما . ويؤكد " نيتلر " أنَّ الانسان المغترب عن الثقافة الجماهيرية قد تمَّ تغريبه عن مجتمعه والثقافة التي يعيشها ودفعه الى اتخاذ موقف غير ودي منها . ([xii])
ويضيف " علي شريعتي " أنَّ " الاغتراب الثقافي " هو " أسوأ أنواع الاغتراب " حيث يفصل الأُمة عن شخصيتها " وعندما يرى المفكر نفسه خواء ، فاقد الاصالة ، لاجذور له ، معطوباً في شخصيته ، فلا مفر من أن يقرِّبَ نفسه عن وعي أو غير وعي من الاوربي الذي تبدّل أمام عينيه في هذه الحالة الى اصالة انسانية مطلقة .([xiii])
إنَّ جوهر القضية هنا هو انفصال المثقف عن هويته وقوميته حالما يتم تهميشه واذابته في مستنقع اللامبالاة ، أو يتضاعف احساسه بالخواء والعجز ، عندما يتراجع فكره أمام قوة الفكر العقلاني الأدبي ، لهذا لا يجد المثقف بداً من الانخراط في تجربة الآخر مسلِّماً له نفسه وعقله ، ومؤكداً على تفوقه بلا أدنى منافس أو مكافئ .
ينضاف الى ما ذكرنا من أنواع الاغتراب نوع آخر يتمثّل بـ " الاغتراب السياسي " حيث تكون الدولة أو السلطة عائقاً أمام تطلعات الفرد وآماله وهنا يمثِّل الاغتراب " رد فعل إزاء عدم القدرة النسبي المدرك على التأثير ، أو التحكّم في مصير الفرد الاجتماعي ، كما يتضمن اللامبالاة كاستجابة للعجز السياسي ، وكذلك الارتياب العام في الزعماء السياسيين الذين يقبضون على زمام السلطة ([xiv]) . ومعلوم أنَّ السلطة في سعيها المحموم لحماية كيانها ومنطقها المعرفي تعمل على احتواء الواقع واذابة الفرد فيه ، فهو لا يمتلك كياناً مستقلاً يسمح له بابداء موقف معارض ، كما لا يمتلك وعياً يتيح له فهم آليات اللعبة السلطوية ، ونظراً لكمون نشاط الفرد وتحييده في مستويات دنيا غير مؤثِّرة فإنَّه يفارق معرفة السلطة محاولاً تدميرها ، أو فضحها وتعرية تناقضاتها الفكرية .
وهناك أيضاً " الاغتراب الكوني والميتافيزيقي أو الانطلوجي " الذي يمثّل نظرة شمولية تجتاح فكر الفرد ووجدانه ، لتعبِّر عن رؤيته القلقة إزاء المصير الكوني ، والحقيقة الأُولى والأسئلة الخالدة .
وقد ساد هذا المفهوم ـ كما أشرنا آنفاً ـ في فلسفة هيجل حيث الانفصام بين الفرد بوصفه ذاتا ، وبوصفه موضوعاً ، وكذلك في فلسفة شللر ، وفخته ، وكانت ، وشوبنهور ، غيرهم زد على ذلك سؤال الفرد عن مصيره كيف أتى ؟ ولماذا ؟ وإلى أين ؟ .
هذه الأسئلة التي يحاول الإنسان أن يطمئن الى أجوبتها ، لكنَّه - وبسبب محدودية اداركه - يبرر عجزه عن الفهم والادراك بالاغتراب ، والدخول في مجال الانفكاك عن أسر الأسئلة الانطلوجية .
يبقى لنا نوع آخر من أنواع الاغتراب ، وهو نوع خطير ومعقد وغامض ، ألا وهو
( الاغتراب الذاتي أو النفسي ) وهو يتمثَّل بانفصال الإنسان عن ذاته ، وعدم ارتياحه وقلقه من بؤسه ومصيره ومن اركامات الذاكرة التعيسة ، حيث لا أمل في الوصول الى حل مناسب للحياة في حدها المعتدل . ومعلوم أنَّ ديكارت عندما حرر الكوجيتو الخاص بفلسفته
العقلانية ،  قرر أنَّ الكوجيتو هو الدليل الحدسي لاثبات وجود النفس ، يخرج من الشك ويفعل الشك ذاته ، من حيث أنَّ الشك تفكير ( أنا أُفكِّر إذن أنا موجود ) ([xv]) ، فيكون الشك دليل للوصول الى حقيقة الذات ، وهذا لا يحصل الا بالانفصال والاغتراب عنها ، كي يتم النظر اليها على أنَّها آخر أي ( موضوع قابل للمعرفة ) .
والاغتراب الذاتي يرتبط بوعي الفرد بحياته ومجتمعه ، فضلاً عن ادراكه لحقيقة التناقض الطبقي وصراع الارادات ، الذي ينتجه المجتمع البرجوازي والرأسمالي ، ولكنَّ المشكل في إطار هذا النوع أنَّ الفرد كلَّما أراد أن يعي ذاته وجد نفسه مسحوقاً بواقع موضوعي يعاكس ارادته وحريته ، وهذه الاحسساسات الخانقة التي يكونها الفرد في داخله ستجعله في نهاية المطاف موشكاً على التخلي عن ذاته لحساب الآخر المتفوق عليه .
وكما يرى ( اريك فروم ) من خلال حديثه عن " تكوين الشخصية " أنَّ الاغتراب هو نمط من التجربة يرى الفرد نفسه فيها كما لو كانت غريبة عنه ، فالفرد يصبح إذا جاز
التعبير ، منفصلاً عن نفسه .([xvi]) ويحصل هذا بسبب تناقضات المجتمع ووصول الفرد الى الذروة في تحمّل ما يحدث من انتهاكات أخلاقية وإنسانية يحدثها الآخرون دون أن يشعروا بقدرة الآخر على استيعاب ما يحدث ، حتى أنَّ العمل يصبح ضرباً من الاستهلاك السريع الذي لا يسد الحاجة أمام تصاعد وتيرة الانتاج الاستهلاكي المستمرة .
وعموماً فإنَّ أنواع الاغتراب عديدة لا مجال لحصرها مادام الاغتراب موضوعاً عالمياً يدخل في تفصيلات الحياة العامة والخاصة ، فهناك مثلاً ( الاغتراب الزماني ) الذي نلمحه عند ( اوغسطين ) حيث التوجه الى الماضي والمرجعية التقليدية إذا كان الحاضر غير أخلاقي أو لا يحمل مفاهيم قيمية .
ثُمَّ أنَّ الموسوعة الفلسفية تضيف نوعاً آخر هو ( الاغتراب الايديولوجي ) الذي يقوم على مستوى الوعي ، حيث لا يرى الإنسان الأشياء في وجودها الموضوعي بل يراها انطلاقاً من وهمه الذاتي ، المحدود ، فالوعي ليس إلاَّ الكائن الواعي في تحديده المادي ، وعندما تكون هذه التحديدات موسومة بالاضطهاد وبالاستغلال ، فإنَّ الوعي المرتبط بها لا يمكن أن يكون إلا وعيا مغترباً . ([xvii])
إنَّ الفن - والمسرح تخصيصاً - قادر على توظيف هذه الأنواع الاغترابية واختزالها في أبنية واقعية تعبِّر عن حقيقة الإنسان ومجتمعه سعياً منه الى التأثير وتحريك مكامن الوعي الفردي والجماعي ودفعها نحو التغيير .

كما أنَّ الفن قد يكون دافعاً لتجاوز المحنة الاغترابية ، ذلك أنَّ غربة الفنان المتمثِّلة في نتاجه الفني المغترب تصبح دافعاً له لتأكيد ذاته دون اعتبار العنصر الموضوعي ، فيفقد الفن معناه في هذا الاغتراب المتزايد في وعي الفنان المغترب عن واقعه . ([xviii])
أمَّا ألفريد فرج فله مفهومه عن الغربة والاغتراب وأنواعهما ، سنبينها فيما يلي ([xix]) :
1- يرى ألفريد أنَّ الاغتراب حالة تدفع المصريين للغربة ، وتهوِّن عليهم قرار السفر ، وتسوِّغ لهم التباطؤ في اتخاذ قرار العودة .
2-  كما يرى أنَّ الاغتراب الثقافي هو الاحساس بالانخلاع والانفصام عن القيم الراسخة في
المجتمع ، وينطوي على خطر الخروج على المجتمع نفسه بالارهاب ، أو بالانحلال ، أو بالفساد ، أو بالتمرد العام والانتفاض والشغب .
3-  أمَّا الاغتراب الشخصي فهو أصعب حالات الاغتراب في تعريفه ، وأقواها في ضغطه النفسي ، ويتمثَّل في إدراك المرء أنَّه فقد الاتصال بذاته وبنفسه ، ولم يعد يفهم أو يقر ما يفعله أو ما يقوم به مما يخالف ضميره وينبو عما يقره منطقه ، وهي حالة تصيب الموظفين الذين تضطرهم ظروفهم الى التأقلم في ظروف صعبة أو غير مقبولة ، أو الجهر بما لا يعتقدون أو يؤمنون به .
ومن هذا المنطلق يرى ألفريد أنَّ المسرح هو فكري بالأساس ، والموضوعة الاجتماعية هي أساسه الفنّي ، فهو ليس مسرحاً تجريدياً شأن مسرح التجريد عند بيكت ،
ويونسكو . والعنصر المميز للمسرح الفكري  هو أنَّ ما يشغل الشخصيات ليس موضوعاً عاطفياً أو نزاعاً مادياً بقدر ماهو قضية فكرية ، وهذا ما نجده في مسرح ابسن ، وبيراندللو ، وبرناردشو ، وجيرودو ، وستريندبرج ، وسارتر ، وكامي ، وشكسبير الى حد ما في
هاملت .
 إنَّ كل مسرح محترم لا بُدَّ أن يكون أساسه فكرياً ، فحتى مسرح تشيكوف وهو يعرض الحياة على المسرح بل وفي قصصه .. فإنَّ فكره الاجتماعي والفلسفي والانساني هو العصارة الخفية التي تجري داخل أعماله وأشخاصه ([xx]) .
ويضيف ألفريد موضِّحاً رؤيته الفكرية المنطلقة من كون المسرح أخلاقي بالضرورة وأنَّ هذه الاخلاق اجتماعية ، وأنَّ السياسة فرع من الأخلاق ، وعلى هذا الأساس يُعرَّف المسرح : فناً أخلاقياً وسياسياً ينشد كل ما هو اجتماعي ، ويعبِّر عن التطلعات الاجتماعية والسياسية ، ويجد بالضرورة سياقاً من الأفكار وأنماط السلوك الاجتماعي ويندد بأضدادها . أمَّا القيم الفكرية التي تمَّ توظيفها في المسرح فهي : العدل ، الحرية ،  التضامن الاجتماعي ، استخلاص الارادة



([i]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 168 – 169 .
([ii]) نفسه ، 168-169 .
([iii]) الاغتراب والوعي الكوني : مراد وهبة ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، ، مج 10 ، ع1 ، 1979 ، 104.
([iv]) الاغتراب في الفن ، 144-145 .
([v]) الاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 34 .
([vi]) الاغتراب في الفن ، 149-150 ، والاغتراب وازمة الانسان المعاصر ، 150 وما بعدها .
([vii]) مسرح اللامعقول وقضايا اخرى : يوسف عبد المسيح ثروت ، 9 .
([viii]) الوجودية : جون ماكوري ، 136 .
([ix]) الفلسفة والانسان : حسام الدين الالوسي : 64 .
([x]) الانسان والاغتراب في فلسفة نتيشه : هجران عبد الاله احمد الصالحي 60 .
([xi]) الاغتراب : محمود رجب ، 20 .
([xii]) الاغتراب ، شاخت ، 237 .
([xiii]) الاغتراب في الفن ، 213 .
([xiv]) الاغتراب : شاخت ، 226-227  .
([xv]) الاغتراب في الذات : حبيب الشاروني ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج 10،
ع 1 ، 1979 ، 70.
([xvi]) الاغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا : قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت، مج 10 ، ع1  ، 1979 ، 18 .
([xvii]) الموسوعة الفلسفية العربية – ج1، 84 .
([xviii]) الاغتراب في الفن ، 171 .
([xix]) مؤلفات ألفريد فرج ، 12 ، 299-298 .
([xx]) مؤلفات ألفريد فرج  (8) 266-267 .
الوطنية وتثبيت الهوية الوطنية القومية ، العمل والانتاج والمسؤولية الاجتماعية ، تكريم العقل ، الأصالة مع التحديث ، وهذا مانجده متمثلا في نصوصه المسرحية
( حلاق بغداد ، سليمان الحلبي ، عسكر وحرامية ، الزير سالم ، النار والزيتون ، علي جناح التبريزي وتابعه قفه ، زواج على ورقة طلاق ) .
ففي كل مسرحية من هذه المسرحيات نطالع شخصيات مغتربة تثور على واقعها الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي .
وسوف نحاول أن نحلل مسرحية ( بقبق الكسلان ) بوصفها نموذجاً للأنواع
الاغترابية .
مسرحية ( بقبق الكسلان ) نموذجاً تحليلياً
وهي من حكايات ( الف ليلة وليلة ) من حيث أصلها التكويني ، وفي بداية المسرحية اشارة تعريفية للمؤلف تلقي الضوء على شخصية ( بقبق الكسلان ) تقول : ( بقبق شاب حالم بائع متجول رقيق الحال يحمل قفصاً به ثلاثة اباريق من البلور الملون " ([i]) وهذه الاشارة الوصفية تكشف لنا بشكل سريع عن المنحى الشكلي والنفسي لهذه الشخصية التي تبدو بسيطة متداخلة ، تمارس عملاً تقليدياً يناقض منحاها الفكري والتأملي ، وطبقاً لهذا التناقض سنعاين المفارقة الثقافية والسلوكية لهذه الشخصية .
تبدأ المسرحية بمدخل وصفي يصور لنا الحالة العملية المؤلمة للشخصية المسرحية
( بقبق ) ، الذي يدخل حاملا معه قفصه الحاوي لثلاثة اباريق بلورية ملونة ، وهو يترنح في جو القيلولة ، وهذه الصورة العملية ستكرس واقعاً نفسيا ًمحوريا مأساوياً يتكشف لنا عبر المنولوج التالي :
اه . تعبنا من الركل والصفع والشتم والجري وراء رزق عسير ان لي ان استريح . هنا : ه..ها . سأنام القيلولة . كما في قصور الامراء … ياولد ! الفساقي ترش ماء معطرا . ولا بأس من التدليك اللذيذ بايدي الجواري الحسان بالمسحوق المرطب . هنا وهنا .. ( يغني ) اراك عصي الدمع شيمتك الصبر . (صوته يرتفع ) اما للهوى نهي عليك .. ([ii]) .
إنَّ هذا الاستهلال المنولوجي يشير بوضوح الى معاناة الشخصية واضطرابها وتناقضها في منطقها ، حيث السلوك الحركي للأفعال الجسدية يعاكس تماماً الأقوال المُتفوَّه
بها .
كذلك الحلم بالنعيم بوصفه جزءاً من التعويض عن المشقة الحياتية ، فضلاً عن الاستشهاد الشعري الذي يوحي بالتحسر واللوعة والتحمل اللامنطقي المضاد للعاطفة
الانسانية ، هذه الاشياء كلها تعمل بشكل مضاد لتهيئ الشخصية للانفصام عن ذاتها ، وتحقير مصيرها وحالها الذي هو افراز عن واقع بائس مدمر يقود الى العدمية ، معنى ذلك أننا سنكون ازاء ( اغتراب ذاتي ) مؤطر بـ ( اغتراب اجتماعي ) يفسِّره تقاطع الثقافي ( الحلم ) مع الواقع العملي ( السلوك الفعلي للممارسة الحياتية ) ، ينتج عنه تباطؤ ممل وارتخاء وتنازل عن ممارسة الحياة لانتفاء المحفزات وامحاء الرغبات وانسحاقها .
وتمثِّل ( المصطبة ) مكاناً انتقالياً للشخصية من واقعها المر الى عالم أحلامها
وامنياتها ، وتبدأ بتخيُّل وضع آخر ينبني على مفارقة ، بين السياق الحالي والسياق الخيالي المطلق ، ثُمَّ أنَّه يلجأ الى استكمال حلم اليقظة بتمثيل الشخصيات المغيَّبة ( الجواري ) ، ليملأ فراغ الرغبة وليلبي عطش الجسد المنهك الملتاع .
ثم يأتيه ( صوت ) آمر مدوٍ من الخارج ليعيده الى رشده وعالمه الواقعي معلناً :
    ارجموا هذه الزوبعة
اصوات : ( مختلفة من الخارج ) اسكت ، اخرس " ([iii]) .
إنَّ هذا ( الصوت الفردي والجماعي ) يكرِّس منطق السلطة ، إنَّه القمع والاضطهاد الذي يواجهه ( بقبق ) حالما يصل صوته المعلن الى مسامع الرقيب السلطوي ، الذي يترتب عليه مصادرة الرغبة بالتفريغ النفسي والاستمتاع الذاتي ، حتى وإن كانت هذه الرغبة حلماً أو خيالاً ، فإنَّها تُقمَع خوفاً من تحويلها الى واقع عملي ، وهذا يمثِّل أيضاً اغتراباً للسلطة عن واقعها ، حيث تقع السلطة فريسة الاغتراب الذاتي أيضاً عندما لا تثق بمصداقيتها في الحكم والادارة العملية للواقع  ، إذاً لدينا منذ البداية ( اغتراب ذاتي ) يكون قاسماً مشتركاً بين السلطة والفرد ، انفصال السلطة عن واقعها ، وانفصال الفرد عن واقعه ، ثم انفصال الاثنين عن ذاتيهما ، وهذا منتهى التأزُّم والإبعاد .
كما أنَّ المؤلف يحقق انتقالة أُخرى من مستوى الحلم بالمفقود والمرتجى الخاص بالشخصية المسرحية ( بقبق ) الى الدخول في عالم الحقيقة المؤلمة التي يتشح بها الواقع ، إنَّها حقيقة ( الأثرياء ) الذين يكرِّسون الواقع الطبقي الذي يحقق بدوره ثنائية ( تحت / فوق )، هذه الصورة تعمل سياقياً لتكون بمثابة ( التبرير ) الذي يواسي به المعدمون أنفسهم لكي يوجهوا نقداً للواقع الفوقي الذي لا يعي كيفية ادارة ممتلكاته ، وبالتالي فإنَّه لا يستحقها .
لنتابع شخصية بقبق وهي تسترق النظر من خلال المشربية لتعبِّر عن اندهاشها :
" ياه الرجل عريان : مجانين هولاء الاثرياء . يملك الواحد منهم مثل هذا القصر ويقعد فيه عريان " ([iv]) .
إنَّ استراق النظر والدهشة علاقتان تثيران التفكير في أعماق ( بقبق ) ، فيتولد عنهما صراع طبقي ذو وجهين : اجتماعي واقتصادي ، منضافاً اليهما العامل النفسي الذي يتأجج كلَّما تعمَّق التفكير واستطال في نقد الإشكال الطبقي ، حيث تبدأ تخيلاته برسم صورة ذاتية تنقله من عالمه الخاوي الى عالم متخيَّل ، يحاول فيه أن يعكس منطق الاشياء ليحقق رغبة الشخصية في استعادة حريتها المفقودة التي تتبدى في صورة الاحلال الحلمي هذا :
لو اني كنت في محله كنت لبست حلة موشاة بالفضة ، فوقها حلة موشاة بالذهب ، فوقها حلة مرصعة بالياقوت ، فوقها حلة مرصعة بالماس ([v]) .
 فالأساس الجوهري في منطق بقبق الاغترابي هو التحوّل عن عالمه - حتى ولو عن طريق الحلم - الى عالم الفوق المفقود بالنسبة له ، وهي اشارة ضمنية لاغترابه عن حالته البائسة التي آل اليها بسبب طبقته الدنيا .
وتستمر الشخصية المغتربة ( بقبق ) في مراقبة ( الوضع الفوقي = الاثرياء ) من خلال المشربية التي تمثِّل مكاناً انتقالياً ينضاف الى المصطبة ، ولكنَّه أقرب الى عالم هولاء منها – مشربية البيت المجاور - معلناً حبه لهؤلاء الأثرياء في مختلف مظاهر تفصيلات يومياتهم الحياتية التقليدية ، وهو لا يكتفي بهذا الحب أو الميل للعالم الفوقي الذي لا ينتمي
اليه ، بل يتحكَّم به حلم آخر يوحي له بأنَّه ينتسب اليهم :
ان لم يكن بالدم ، او بالمصاهرة ، وبالثراء ، او الشبه .. فبالكبر والعجرفة
والغطرسة . نعم . انا متغطرس " ([vi]) .
 هذا الاعلان الايضاحي يكشف عن محاولة الشخصية تجاوز اغترابها ، أو ايجاد حل يقلل من حدة الفجوة بين الفوقي والتحتي ، والحل هو في تحقيق صورة الادماج عبر الانتماء، فالكل سواسية من جهة الاصل الأولي أو المفهوم العرفي المجتمعي ، وهي محاولة تبدو ايجابية في مظهرها لكنَّها - في الحقيقة - نزوع طبقي من وجهة نظر ( بقبق ) وهو نزوع مظهري ( الملابس ، الأكل ، الشرب ) وليس نزوعا ً جوهرياً يعبِّر عن إدراك حقيقي للوعي الطبقي الذي يفسِّر الفوارق الاجتماعية في إطار التطوّر الحتمي للحياة طبقاً للمنطق الجدلي الصراعي .
ويثير هذا الفارق الطبقي استرجاعاً يكشف لنا عن واقعين متناقضين : واقع الشخصية الحقيقي ، والآخر المتخيل ، هذا التناقض سيكون بمثابة حافز لحفر المأساة والوصول الى جذورها الأُولى ، وليكون أيضاً بمثابة تبرير يرضي غرور الشخصية في استشعار مأساتها فتبدو وكأنَّها راضية عن مصيرها في حين أنَّها تتلوى من الألم ، فاشارة الشخصية الى جذرها العائلي الذي هو ( الاب ) هو اذكاء للصراع الجدلي بين الفوق والتحت :
كان ابي شحاذاً بالنهار وسكيراً بالليل ([vii]) .
وبعد موت الأب أورث أولاده السبعة ( 700 درهم ) ، كان نصيب بقبق منها
( 100 درهم ) .
اذاً ما وصل اليه بقبق من انحدار في أسفل السلّم الاجتماعي لم يكن مفاجئاً ولا
منطقياً ، بل يأتي متضامناً مع التطوّر الطبيعي للجذر الانتمائي وافرازاته التعيسة ، هذه الافرازات لا تتيح في نهاية المطاف سوى " وعيا تعيساً " كما عبَّر عنه هيجل ، يتمثّل بالايحاءات الموهومة التي تتحرك من خارج المجال التاريخي لسلَّم التطوّر الاجتماعي .
لم يكن بقبق اذاً سوى ضحية ظروف حتمية كرَّست واقعاً مماثلاً لمأساة الماضي ، والشخصية تخدع ذاتها عندما تحاول التفكير بواقع آخر مغاير لجذورها الأُولى ، ولكنَّ التغيير مطلوب ، واستغلال الفرص عبر السعي الجدي قد تغير من واقع الحال في حالة كون الوعي يتغير ويتحرك نحو الضفة الاخرى ، هذا بالضبط ما فكَّر به ( بقبق ) من خلال فكرته في الاشتغال بالتجارة بوصفها " مهنة ابناء الملوك والامراء ".([viii]) وحدد مجال اشتغاله هذا بالبلور الملوَّن الفاخر كما يفعل الشهبندر نفسه ، وهذه محاولة للتطابق مع المنزلة العليا ، والمجال العملي الحيوي ذي المظهر البراق ، ولما لا يكون التطابق ممكناً مادامت المسألة مجرّد حلم ، ففي الحلم كل شئ ممكن وقابل للتحقق الخيالي ، والطريق الموصل الى هذه المنزلة المفتَقَر إليها يبدأ بالخطوة الأُولى ( البلور الملون ) ثلاثة أباريق يحدد مواصفاتها " الازرق الثمين تحفة من اصفهان … الاصفر النفيس يصلح لتكتز فيه عطورها بلقيس ملكة سبأ ، والاحمر منقطع النظير يصلح فدية لملك الصين فيفك اسره ." ([ix])
نلاحظ هنا أنَّ التنوّع المكاني يكشف عن مدى الاغتراب الذي تعانيه الشخصية المقبورة في أمكنة ضيقة لا تحوي سوى الفقراء الذين لا يجدون لهم مكاناً في تصوّر الشخصية التي تعلن صراحة أنَّها " لا تحب الفقراء " ([x]) فمجال عملها لا يسمح لها بالتعامل مع ماهو دون ، بل مع الفوق ومن خلاله يتحقق الثراء ، ومن ثُمَّ تجاوز محنة التعب
والمشقة ، وهي دعوة صريحة لتجاوز حدود المألوف في مسألة العمل اليومي الذي يمارسه الفقراء ، الذين لا تسمح لهم وضعيتهم بالعبور عبر الطفرات الواسعة .
ذلك أنَّ الهبوط والانتكاس سيكون هو النتيجة المحتومة لهكذا نوع من الممارسات اللاعقلانية ، ولكنَّ الشخصية متأزِّمة ومنفصمة عن ذاتها ومستواها الطبقي ، وهي تحاول تجاوز محنتها عبر العمل السهل المريح الذي لا يكلِّفها مشقة لا يرجى منها نفعاً ، وبالرغم من أنَّ هذا الاعلان التجاري رفيع المنزلة يُعدُّ مبادرة مبالغ فيها من قبل الشخصية فهو يقابل بالرفض والطرد من السوق الكبير لسببين :



([i]) مؤلفات ألفريد فرج (1) ، النص المسرحي ، 205 .
([ii]) نفسه ، 205 .
([iii]) نفسه ، 205 .
([iv]) نفسه ، 206 .
([v]) نفسه ، 206 .
([vi]) نفسه ، 206 .
([vii]) نفسه ، 206 .
([viii]) نفسه ، 206
([ix]) نفسه ، 207
([x]) نفسه ، 208

الأول : أنَّ الشخصية تأنف من عرض بضاعتها على الفقراء ، وهذا يمثِّل احتقاراً للطبقة التي تنتمي إليها .
الثاني : أنَّ الطبقة الثرية تأنف هي الأُخرى أن يشاركها من هو دون مستواها في المنزلة ، فيحاول هذا الأخير تسلُّق درجات السلَّم الطبقي صعوداً ، وهو غير مهيأ له لا وعياً ولا قدرةً .
فالمحاولة إذاً تبقى محاولة للانسلاخ الطبقي المظهري ، فبقبق يحب القصور والجسد وحياة الدعة والمسامرة عبر الغناء والرقص ، وهو يحب هذه المتع والرغبات لأنَّها سبيله في الانقطاع عن العمل الشاق الذي لا يحبِّذ الخوض فيه لأنَّه مرهق ومتأزِّم بفعل العامل الطبقي ، وكذلك بفعل القدر الذي ألجاه وأوصله إلى هذه المأساة الاجتماعية ، فبدا كأنَّه يتحدى المنطق تعبيراً عن تمرّده وعدم رضاه .
ولكنَّه على كل حال يفقد قدرته على الصمود ، لأنَّ الصوت أو الأصوات التي تتجسس على محاولاته للتغيير تحمل كلماتها نذير يحذِّره  من التجاوز فحركته مرفوضة لأنَّها متأتية من الواقع الادنى :
صوت : ارجموا هذا الخليع .
واصوات اخر : اخرس : اسكت يا مجرم : رح في داهية .. امشي ([i]) .
إنَّ هذه الأصوات الممثلة لمنطق السلطة تعمل على اقصاء مضمون الحلم للشخصية وهو اقصاء مكاني وصوتي بوصفها ( أي الشخصية ) لا يحق لها التطاول على طبقتها ، وبالتالي امتلاك ما ليس لها ، فهذا وإن تحقق حتى ولو عن طريق أحلام اليقظة فإنَّه يمثِّل خرقاً للميثاق العرفي والمعيار الاجتماعي التأريخي ، وهذا المضاد السلطوي يعمِّق الشعور بالاغتراب الاجتماعي ، فيستطيل مجال الحالم الى مديات بالغة التخيُّل :
راس مالي في هذا البللور مائة درهم . سابيعه بمايتين ، ثم اشتري بالماتين بللور ابيعه باربعمائة . ولا ازال ابيع واشتري وابيع الى ان يصير معي مال كثير ، فاشتري به جميع ما يحلو لي من البضائع النفيسة والعطور الغالية والجواهر النادرة وابيعها فاربح ربحاً عظيماً جداً . وبعد ذلك اشتري داراً حسنة . والمماليك والخيل والسروج المذهبة واكل واشرب اغلى طعام وشراب .
ولا ادع مغنية في المدينة حتى اجئ بها الى بيتي واسمع اغانيها كلها واعطيها اجراً سخياً . ثم ابعث جميع الخاطبات ليخطبن لي من بنات الملوك والكبراء وبخاصة بنت الوزير ظافر بهرام نفسه ، فقد بلغني انها كاملة الحسن رائعة الجمال . فإن رضي ابوها مهرتها بالف دينار وحصل المراد . وان لم يرض ابوها اخذتها عنوة وقهراً على رغم انفه ، وهددته وسلطت عليه مماليكي يهزأون  منه في الطريق … يا راجل يا عجوز ، منخيرك قد
الكوز"([ii]) .
فبقبق - حتى في أحلام يقظته - تتساقط من لاوعيه جمل وأمثال تعبِّر عن انتمائه الطبقي ، خصوصاً في الجملة الأخيرة التي وصف بها منخار الوزير ، وهذا يؤكد استحالة تحقيق مراده لأنَّه محكوم بوعي طبقي لا يسمح له بالتجاوز ، وهو إذا مافعل ذلك فإنَّه سرعان ما يتعرى أمام الآخرين الذين لا يملكون إلاَّ فضحه وتشنيعه في أوساطهم الاجتماعية الراقية .
ويستمر الراوي ( بقبق ) في سرد وقائع أحلام يقظته  بوصفها جزءأً من التعويض عن اغترابه الاجتماعي  والاقتصادي ، فضلاً عن الايديولوجي المتمثل بمفارقة رؤيته الايديولوجية للفكر السلطوي القامع ، مع التأكيد على أنَّه ( بقبق ) يحاول أيضاً مجاوزة ايديولوجيته الطبقية التحتية للوصول الى ايديولوجية الطبقة العليا لا لتأييدها أو تمثيلها وإنَّما لتعريتها ونقدها وتدمير منطقها البرجوازي .
إنَّها لعبة تبادل الأدوار وتبادل الأمكنة ، تتكرر من حين لآخر لتؤكد المنطق ذاته ، فابنة الوزير تعلن أنَّها جاريته وطوع أمره ، إلاَّ أنَّ رد فعله سيغير واقع الحلم ويطرد الراوي خارجه ، فهو يرفسها رفسة أُولى ،ويؤدي حركة ( رَفسَ الهواء بقوة ) ([iii]) .
ورفسة ثانية على الأرض ، ويكرر الحركة فإذا به يرفس القفص ، فتطايرت أباريق البلور وتحطمت ، ويتحقق هنا انفصال شخصية الراوي ( بقبق ) عن الشخصيات المغيَّبة التي أدى أدوارها ، حيث كانت صيحتاه ( ياداهيتي ) الأُولى والثانية بصوت نسائي رفيع ، أمَّا الأخيرة  فقد غلظ صوته فيها ، هنا يتناثر الحلم لتظهر الصورة الواقعية المريرة التي ستكشف اغتراب الراوي ( بقبق ) وتعيده ( الأصوات ) الى وعيه الطبقي المتلائم معه ، هذه الأصوات التي تصفه بالزنديق وتطالبه بالصمت الدائم .
 بعد ذلك يتعمَّق المشهد الدرامي بظهور ( الكورس ) على المنصة بعد أن كان أصواتاً
يسمعها ( بقبق ) :
الكورس : الملعون : اخرس يابن ( كذا ) النائحة .. امشي من هنا ([iv]) .
ويستمر الحوار الكاشف عن الموقف الدرامي بين الشخصية المنهزمة المنتكسة والكورس المحطم للآمال .
البوابون والخدم : من هشم اباريقك ؟ من فعل بك هذا ؟
بقبق : هشمتها عجرفتي وغطرستي وقلة تواضعي وقسوتي على عروستي واهانتي لامها وتطاولي على الوزير ظافر بهرام نفسه! يا داهيتي " ([v]) .
في مقابل هذا البوح الاستسلامي العاجز الذي يبديه بقبق يطلُّ صاحب الصوت الآمر :
اذبحوه بشظايا اباريقه ! ([vi])
وهذا الإعلان الاخير يوصل الانفصال بين العالمين الى ذروته ، ويعزز ثنائية الإبعاد بين عالمين متضادين مغتربين في ذاتيهما وفي علاقتهما مع الآخر : عالم الفقر وعالم الثراء ،
عالم الضعف وعالم القوة ، عالم الفرد وعالم السلطة . يفسر ذلك كلُّه العامل الطبقي الذي يحدد مجال المعنى لكلي العالمين ، فالخدمة والطاعة من نصيب العالم الأول ، والقوَّة والسلطة وتحصيل المتع والرغبات من نصيب العالم الثاني .
وهذا الاحساس بالفارق النوعي بين العالمين يشكِّل اغتراباً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وايديولوجياً في الآن ذاته في شخصية بقبق والآخرين ، ويبدو الموقف وكأنَّه خارج المجال  الانساني متمثلاً بفشل الشخصية ( بقبق ) في ايجاد علاقة تواصل مع العالم الفوقي عبر رحلته الحلمية ، وكذلك انفصاله عن ذاته فهو شخصية ضعيفة الارادة والقدرة والانجاز .
ولهذا تتخذ من الحلم وسيلة للهرب من المواجهة الشرسة مع الواقع ، وهي تعتقد
( واهمة ) أنَّها بفعلها هذا تحقق نوعاً من التوازن النفسي للخروج من اغترابها الذاتي .
ولقد جاء اختيار ألفريد لأباريق البلور موفقاً ، فهذه الأباريق هي مفتاح باب الحلم – الثراء ، إلاَّ أنَّه باب هش بفعل شفافية البلور ورقته وسرعة انكساره ، وهذا بدوره انعكس على الشخصية التي كانت مضطربة وقلقة ومتناقضة على مستوى القول والفعل .
مسرحية ( سليمان الحلبي ) أُنموذجاً تحليلياً :
في هذه المسرحية سنعاين عن قرب شخصية " سليمان الحلبي " ، وهو فتى من حلب ، وفد الى القاهرة طلباً للعلم في الازهر، ولمدة ثلاث سنوات ، وبعد أن اطلع على الوضع العام الذي لا يبشِّر بخير، عزم على الرجوع بعد أن وضع نصب عينيه هدفاً قومياً ووطنياً لا بُدَّ من تحقيقه كي ترتفع راية العدل ولو على حساب القانون ، هذا الهدف هو قتل الجنرال كليبر القائد الفرنسي .
يصف الراوي " سليمان الحلبي " قائلاً :
في العشرين من عمره ، عصبي . ذكي . فصيح . ويبدو اصغر سنا مما هو في الحقيقة ، صوته يبدأ خافتا ثم يتصاعد كأنه يقترب من بعيد([vii]) .
ويصفه مؤلف المسرحية ألفريد قائلاً :
سليمان الحلبي تعاوده اغماءات كثيرة ، وتأملاته كبيرة وثقيلة على جسده ، جسد سليمان الحلبي ضعيف ، شخصيته اتصورها ضعيفة . اتصور انساناً حزيناً ليس له شهية الطعام ولديه شهية المرح ([viii]).
يكشف لنا هذا الوصف المزدوج عن شخصية تكتنفها تناقضات جمَّة سببها عدم قدرته على تحمّل ما يحدث في الواقع .
إنَّ المشكل الواقعي المتمثِّل بالاستعمار ، واستسلام الواقع له بشكل أو بآخر سواء من قبل العامة من الشعب([ix]) ، أو من قبل الفئة المشيخية في الازهر التي لا تحبذ قتال المستعمر حقنا للدماء ، كل هذا جعله يعيش " اغتراباً سياسياً واجتماعياً " في آن واحد ، وربما تصاعدت حدَّة هذين الاغترابين لتوصله الى مستوى " الاغتراب الوجودي " سيما أنَّ الواقع يريد أن يثبت حتمية الاستسلام والعجز بذريعة انعدام القدرة والارادة ، فكان لا بُدَّ لسليمان الحلبي أن يتعاظم على دوره الواقعي ليرقي الى مستوى الرمز التأريخي ، فكان التحدي هو الاداة الوحيدة لمجاوزة اغترابه ثلاثي الأبعاد ، وسليمان يؤكد تحديه من خلال مقاله الصارم الموجَّه الى القائد الفرنسي كليبر :
سليمان : ان كان اسمك ريتشارد وانت قلب الاسد كما سموك فاعلم باني انا صلاح الدين . ولا تعتقد يا ملك الانجليز بأن ارض المسيح عليه السلام قد باركت روحك او اكسبتك حصانة ما . اني اقول لك ياايها الطامع في حصاد ما بذرنا من الزيتون الاخضر … مكانك ! الويل لك ان كنت اتيتنا حاجا كما زعموك فالق سلاحك ، تقدم في سلام . وان كنت اتيتنا غازياً كما يبدو من ركابك فتقدم وحدك الى صلاح الدين ونازلني رجلا لرجل وسيفاً لسيف ، واحقن دماء رجالك وتابعيك "([x]) .
إنَّ الشخصية هنا عازمة على المجابهة لأنَّ اغترابها ينخرها من الداخل فلا تستطيع أن تلعب دور المستسلم الذي يمثِّله القانون ، ورغم أنَّ هذا الجسد ضعيف إلاَّ أنَّه يحمل آمالاً واحلاماً كبيرة ، فضلاً عن عقل كبير وفكر عظيم مغاير تماماً لواقعه الاجتماعي والديني ، كما  أنَّه يؤمن بأحقية الهدف وقيمة النضال الشريف ، هذا الهدف عميق في قيمته إنَّه " قتل الجنرال كليبر " رمز الظلم والطغيان ، دون أن يفكر بصعوبة تحقيق هذا الهدف وتبعاته عليه أو على الآخرين .
حاول سليمان الحلبي أن يجد حلولاً قانونية لتحقيق هدفه عندما استفتى مشيخة الازهر التي لم تسمح له بالقتل ، مما اضطره أن يفتي لنفسه ، معتقداً أنَّ اطروحة العدل فوق اطروحة القانون الجائرة . ومن هنا كانت شخصية الحلبي الحالمة والقوية شخصية واعية حرة مناضلة ومغيَّرة للواقع .
وتمَّت تهيئة شخصية سليمان فكرياً ونفسياً لتحقيق هذا الغرض الوطني والقومي ، حيثُ كان عصبي المزاج ولا يستقر على حال([xi]) ، حركي ، يشعر كأنَّه مطارَد ، يطارده الخوف ، وهذا يفسِّر سلوكه الجنوني مع زملائه ، ولكن رغم جنونه ومزاجه المتقلب فإنَّ الهدف الذي بدأ حلماً صار حقيقة في نهاية المطاف .
فلنتابع حديث سليمان مع صاحبه محمود  لنتفحص حقيقة هذا الحلم الذي غيَّر مسار التأريخ([xii]) .
محمود : اذا صرت قاضياً فاحكم بالعدل يا سيدنا .
سليمان : حلمت انني احكم في قضية كبيرة .
محمود : طفل تتنازعه امرأتان ؟
سليمان : هاها … بل رايت في منامي اني انزل درجاً خفياً .. وفي قاعة لم ار في حياتي ابهى منها وقف رجال ونساء كثيرون في ازياء غريبة .. اثرياء ! ما اجملهم ! .. الثريات المعلقة .. السجاجيد السخية .. والزينات .. ابهى من قصر السلطان نفسه ..
محمود : وانت ؟ اكنت القاضي ام المتهم ؟
سليمان : القاضي . وامامي المتهم طويل عريض المنكبين يقف وسط سجانيه
الكثيرين ، وله هيبة . من تظنه ؟ خمن ؟
محمود : باشا او مملوك ؟
سليمان : كليبر .. بلحه ودمه .
محمود : المتهم ؟ ! ( يضحك ) وحكمت عليه ؟
سليمان : شهر علي عينيه ، عينا قائد رجال .. مفتوحان جاسرتان . ولكني قرأت فيهما بوضوح اقراراً بالذنب .
محمود : أي ذنب ؟ ما كان ذنبه ؟
سليمان : وامام كل هولاء الرجال والنساء في ملابس الافراح الفاخرة والشاذة .. حكمت عليه
محمود : بالسجن ؟ بالاعدام ؟
سليمان : أي سجن يسعه ، واي مشنقة تحمله ؟ !
محمود : بماذا حكمت عليه ؟
سليمان : بأن يبكي([xiii]) ..



([i]) نفسه ، 209 .
([ii]) نفسه ، 210 .
([iii]) نفسه ، 214 .
([iv]) نفسه ، 215 .
([v]) نفسه ، 215 .
([vi]) نفسه ، 215 .
([vii]) مؤلفات ألفريد فرج (2) ، 30 .
([viii]) نفسه ، 31 .
([ix]) خصوصية المسرح العربي – دراسة : خالد محي الدين البرادعي ، 340 .
([x]) النص السرحي ، 16 .
([xi]) سليمان الحلبي بين الفن والتأريخ : نسيم مجلى ، مجلة ( المسرح ) ، مصر ، عدد 67 ، نوفمبر 1969.
([xii]) النص المسرحي : 31-32 .
([xiii]) نفسه ، 37-38 . 

إذأً هدف تغيير الواقع بدأ حلماً ثُمَّ تحوَّل الى حقيقة ، والحلم هو وسيلة المغتربين لتجاوز محنتهم واشكالاتهم النفسية والاجتماعية ، ولكنَّ الجديد في هذا المنطق الواقعي أنَّ الحلم لم يبقَ حلماً ، أو مجرد وسيلة لتبرير العجز النفسي والثوري ، بل تحوَّل الى واقع تمثَّل بحادثة القتل المعروفة ، وهذه الحادثة التي تمثِّل الفعل الثوري الجرئ هي بمثابة رد حاسم على الأدوات الثورية التقليدية المهادنة التي كان يمارسها المجاهدون والازهريون . وهذه الأداة الثورية لسليمان الحلبي كانت وليدة معاناة التفكر بمصير هذه الأُمة المبتلاة بساستها العاجزين الذين يفضلِّون الهزيمة على الحرب والثورة ، وهذا ما أكدَّه سليمان لصديقه الازهري ( محمد ) الذي نصحه بالتروي واستخدام منطق الحكمة والقانون :
سليمان : وهزيمة امة كريمة .. ما قولك .. ان نلبس العار وناكل الندم وتنبش عقولنا افكار خطرة وعيون شريرة ترصد الواحد كثعابين ارسلتها السحرة الى مائدة طعامه فتصده عن الاكل والى عمله فتذهله عنه ، والى فراشه فتزرعه بالشوك وعندئذ تفتح ابواب
الجحيم ! الجحيم يصبح نظام الحياة ويصبح نبض الدم في العروق : اركع وادفع ! قدم رجولتك للمهانة واطفالك لانياب الجوع وعنق جارك للمشنقة ! قدم قدم : واركع وادفع ! وعش لتملأ عينيك بالتراب وحلقك بالحجارة . عش لتتحول بفعل الساحر الفرنسي الاسود من رجل الى كلب . واذا بلغ بك الغيظ وقطعتك الحسرات ..
لاتتأوه . واضرب الحائط الذي تختار وتشاء بالراس او بالقدم ما تشاء ، وانبش القمامة ما تشاء ، واسجد لغير الخالق ما تشاء : وارق ماء الوجه او ماء العينيين ما تشاء فقد منحك كليبر ساري عسكر الفرنسيين امان الحياة " (
[i]) .
إنَّ المشكل الذي يحياه سليمان كما هو واضح من هذا النص المأساوي هو إحساس شديد بالمرارة والانسحاق بفعل سلطة المستعمر الغاشمة التي تسحق إرادة الشعب المحتل ، فهو احساس بالدونية والاستلاب وعدم القدرة على انجاز فعل ثوري يوازي فعل المستعمر ويتجاوزه ، ويحقق القوّة للشعب المغلوب على أمره .
سليمان الحلبي إذاً رجل باحث عن العدل الكامل الرافض لانصاف الحلول ، والمهادنات بذريعة تطبيق القانون وحقن دماء الابرياء ([ii]) ، ولهذا نصَّب نفسه قاضياً ، بوصفه باحثاً عن الحرية التي يفتقدها الآخرون ، وهو أيضاً يريد المعرفة الكاملة الموصلة الى الفعل ، لأنَّه لا يستطيع تحمّل الظلم أو الدعوة الى ازاحته دون فعل حركي ثوري مؤثِّر يحقق الامال لهذه الملايين المسحوقة .
ما من شك أنَّه آمن بضرورة العقل والفعل الواعي ، لذلك - بعد أن استطلع أحوال البلاد والعباد من خلال جولاته فيها - لم يستطع أن يتصوَّر أو ينتظر الخطط الطويلة التي أعدَّها الثوَّار والمجاهدون ، ومن هنا كان فردياً في رؤيته ، عميقاً في فكره ، صريحاً في دعوته لاستئصال الشر عبر الفعل الذاتي المعبِّر عن آمال عريضة لشرائح المجتمع المغتربة هي الأُخرى ، فكان رمزاً للعدالة والحقيقة ، وليكون معبِّراً عن نوع من أنواع المجاهدين الذين لا يرضخون لقوّة القول ، بل يباشرون الفعل متى ما سنحت الفرصة ([iii]) .
لقد رفض سلبية الصراع ، ونقله الى نوع من الايجابية التي عدَّلت من مستوى
اغترابه ، وطرحت عن كاهله أعباء الصبر والتحمّل غير المجدية ، خصوصاً عندما تصوّر أنَّ الموت أهون من حياة الذل أي ( الاغتراب ) .
ولعل ( الاغتراب المكاني ) هو الآخر ساهم في تعجيل الفعل الثوري المتمثل بالقتل ، هذا الاغتراب الذي عبَّر عنه سليمان موجِّهاً الخطاب الى مدينة القاهرة :
سليمان : هذا مكان مرتفع خرب جداً . استطيع ان ارى منه القاهرة كلها . ياه ! ما اعظمها وما اتعسها ! وطني ومنبت افكاري وامالي والقلب النابض لاولاد العرب . على اني كرهتك بالقاهرة ، وغثيت منك ، لم يعد يعنيني امرك ! بضعة كتب احببتها ذات يوم هنا ثم تقوضت حروفها في انقاضك ! الحروف تقول : " الحق اغلب ! ؟ " بينما يتمرغ الحق في ترابك . ويتعفن في تلال القمامة من حولك ! .. وتستكثرين الثمن ! ان كان يتعين على بعضك ان يكون ثمناً لبعضك . فمن النذالة ان تشترى الحياة بالشرف ، ولا تشترى الشرف بالحياة ! الرحمة ! فاني مع ذلك غير متاكد . اين اليقين ؟! انطق بلساني بينما ابليس هو الذي يتكلم في فمي !! " ([iv])
ولعلَّ المقاطع الأخيرة من هذا المنولوج الاغترابي توضِّح اغترابه الوجودي الذي أوصله إليه تناقض المنطق القانوني المبرر لشرعية المهادنة والاستسلام ([v]) ، فأخذ يلتمس اليقين في المطلق حيث العدالة التي لا بُدَّ أن تتحقق على يد الافراد إذا عجز القانون عن تحقيقها، هذه هي الاطروحة الجوهرية للمستوى الفكري والايديولوجي لهذه المسرحية التي أرادت أن تؤكد أنَّ التغيير والتحوّل لا يحدثان ما لم تتغير الافكار والرؤى التقليدية البالية المخدرة ، ويعوَّض عنها بالمنطق الثوري الحاسم الذي يبذر بذور الحرية المعبَّر عنها بقول سليمان للبنت :
سليمان : لا تضحكي وانت غير سعيدة ! لا تاكلي بغير شهية ! لا تلاطفي من
تكرهين ! لا تتكلمي وانت خرساء ! لا تخلعي ملابسك وانت غير محبة ! ذلك ما اريده لك . خادمة او غير خادمة . . ان تكوني حرة ! (
[vi]) .
وقد يتبادر الى الذهن سؤال حيوي بخصوص شخصية " سليمان الحلبي " فهل كان سليمان هاملت آخر ؟ والجواب بالتاكيد يكون بالنفي ، لأنَّ سليمان لم يقم بالفعل بدافع الانتقام المحض لاحد ذويه ، ([vii]) وإنَّما أقدم على الفعل بدافع الحرية والخلاص ، وتحقيق مفهوم جديد للعدالة لم يعرفه التأريخ من قبل ، ينضاف الى ذلك أنَّ " هاملت كان الممثل الامثل لشلل الارادة بينما سليمان الحلبي كان المثل الاكمل للارادة المشحوذة " ([viii]) .
إنَّه لم يتحرَّك بدافع العاطفة ، وإنَّما حرَّكه عقله ، وأملى عليه واجبه الوطني والقومي القيام بذلك الفعل ، بل كان العقل هو تحقيق طهارة سليمان وتحريره من اغترابه الذي كاد يقضي



([i]) نفسه ، 67-68 .
([ii]) سليمان الحلبي بين التاريخ والفن المسرحي : محمد عطية رمضان ، مجلة (المسرح)، مصر ، ع 27 ، مارس ، 1966 ، 124 .
([iii]) الثورة والادب : لويس عوض ، 1967 ، 378 .
([iv]) النص المسرحي ، 111-112 .
([v]) سليمان الحلبي بين الفن والتأريخ : نسيم مجلى ، مجلة ( المسرح ) ، ع 67 ، نوفمبر، 1969 ، 62 . والتأريخ والتأليف المسرحي في سوريا ومصر : د. احمد زياد محبك ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج 16 ، ع 4 ، 1986 ، 245 .
([vi]) النص المسرحي ، 138 .
([vii]) الوجه والقناع في مسرحنا العربي المعاصر : محمود امين العالم ، 236 .
([viii]) الثورة والادب ، 378 .
عليه ، وكما أكدَّ هو نفسه " لقد استخرت الله ، وفكرت ولما فكرت تطهرت "([i]) .
وعندما يسأله الكورس في المسرحية " بعقلك او بحدسك والهام السماء ؟ "
يجيب سليمان :
" السماء الهمتني أن افكر ، ولكني فكرت بعقلي المحض " ([ii]) .
إذاً سليمان كان مؤمناً وفي الوقت ذاته كان متحرراً من سلطة التقليد والجمود والرضوخ ، لأنَّ عقله كان وسيلة لتحقيق غايته وهي " العدالة " ، وثقافته هي التي ألهمته الحركة ، ومن ثُمَّ تصحيح الوضع الخاطئ ، أوصلته الى طريق المعرفة الذي أكَّده منذ وصوله الى الازهر ( لكونه طالب علم ) وهذا الهدف بدوره أوصله الى الفعل الواعي الموصل الى الحقيقة .
لقد ثار عقله بدافع اغترابه الطويل الذي مزَّقه ، ولم يعد بوسعه إلاَّ أن يترجم ثورة عقله كي تكون فعلاً ثورياً يقدمه للآخرين كي يختطوا السبيل ذاته .
وبالرغم من وضوح هدف سليمان ، لكنَّه كان شخصية زاخرة بالتناقضات ، متعددة الاقنعة كأنَّه يؤكد الحقيقة بأوجهها المتعددة المتضادة ، والتي تمثِّل في نهاية المطاف رؤيا عصرية للواقع العالمي ، واقع عصرنا الجديد الزاخر بالتناقضات ، فلا بُدَّ أن تكون الشخصية من حيث فكرها ووعيها موازية لهذه التطورات الحضارية كي يكون فعلها عميقاً ومؤثِّراً ومعبِّراً عن اصالة انتمائها التأريخي ، ومعبِّرا في نهاية المطاف عن ايديولوجيتها الثورية التي بدأت تباشيرها تلوح في الافق ، ولعل هذه الاثارة الأخيرة هي ما أراد المؤلف التوكيد عليه من خلال توظيفه لهذه الشخصية الدراماتيكية .
واذاً فاغتراب الشخصية بأنواعه التي شخصناها لم يكن سلبياً فيوقع الشخصية في براثن الهروب والعزلة والتقوقع حول الذات ، والانفصام عنها ، بالعكس فإنَّ الشخصية استطاعت أن تتجاوز اغترابها ، وأن تفلت من أسر تناقضاتها ، لتتوحد مع فعلها التأريخي ، ومع تطلعات الآخر ، فحققت بذلك حريتها وأضفت على مسار التأريخ قيمة جدلية حركية تنهض من جديد ، ومعه ينهض الآخرون الذين وجدوا لهم دافعا ومعان جديدة يناضلون من أجلها ، ويركلون تبعاً لذلك الفعل الاستسلامي المحض .
المبحث الثاني
الاغتراب ( الدوافع والوظائف ) :
إنَّ الحديث عن الاغتراب لا بُدَّ أن يشمل بداهة دواعيه وحوافزه وأسبابه التي تدفعه الى التبلور شكلياً ومضمونياً على مستوى القول الأدبي ، وتلك الدوافع وهاتيك الأسباب عندما تنتظم في مسار النص فإنَّها تبرز لنا الوظيفة أو السمة المميزة للفعل الاغترابي ، الذي تقوم به الشخصية المسرحية أو البطل المسرحي ، والوظيفة تمثِّل القيمة الأدبية للشكل الاغترابي ، وهي بطبيعة الحال عامل محفز لتوليد المعنى الاغترابي .
 والدافع والوظيفة الاغترابية يرتبطان بالشعور والمواقف الممهدة لتمظهر الفعل الاغترابي الذي عادة ما يكون بدافع افرازات الحياة واشكالات العصر والوجود ، وتراكمات الاحساس النفسي من مواقف مؤلمة وذكريات حادة ومتأزمة ، ولعلَّ أهم العناصر أو الدوافع المؤسسة للفعل الاغترابي تتمركز فيما يلي([iii]):
1-العامل السياسي : وما ينجم عنه من صراعات ونزاعات وما يتولَّد عنهما من مؤثِّرات نفسية تتعلق بالظلم والقهر والتعسف ، هذه الافرازات تعمل على اختلال موازين القيم والاخلاق ، وهي وإن سادت في المجتمع فإنَّها تكشف عن تناقضات وتعارضات الواقع المعاش ومطاليبه من جهة والمبادئ والقيم من جهة أُخرى .
وهنا ينشأ الاغتراب نتيجة الشعور بالانقياد والخضوع لسلطة استبدادية تفرض عليه الطاعة العمياء ، مما يؤدي الى الغاء الشخصية الحقيقية للفرد ، نتيجة الاهمال وعدم المشاركة في صنع القرار في مجريات الحياة العامة للمجتمع .
وبذلك تدخل الشخصية في عملية اغتراب ذاتي أي أنَّ الشخصية تغترب عن ذاتها وعن المجتمع وتصبح أداة بيد السلطة ، ومثل هذا الانقياد الاعمى من شأنه أن يثير في الإنسان شعورا بالقهر يحوِّله الى شيء جامد فاقد لوجوده وحريته .
2-العامل النفسي : وهو افراز للعوامل السياسية وحركة المجتمع المتناقضة ، مما يؤدي الى توليد ظروف نفسية ، وصراعات عقلية ، وانفعالات سلبية ، نتيجة الاحساس بالعجز والوهن وعدم المشاركة في صنع الارادة الحرة . ومن ثم تبدأ حياة القلق ، والحيرة ، والشعور بالذنب ، وتأنيب الضمير ، إنَّها شخصيات قلقة اتخذت من الحزن ، وايلام النفس وتعذيب الجسد ونفي الذات فلسفة لها في الحياة ، وهي تعكس ملامح شخصية مصابة بصراعات وجدانية مريرة تعبِّر عن القلق والاحباط والعزلة عن المجتمع .
3-العامل المادي : الذي يؤدي الى التفاوت الطبقي ، ومن ثم احلال الفساد الاخلاقي محل الاصلاح ، ما يؤدي بالشخصية المغتربة الى التأزُّم والتحسُّر وحب الانتقام أو يؤدي بها الى الفقر والزهد والعزلة .
ونستطيع أن نضيف الى هذه العوامل ( او الدوافع ) الاغترابية عامل آخر هو " العامل الاجتماعي ، والاقتصادي" ، خصوصا أنَّ الإنسان أصبح في المجتمعات الصناعية الحديثة مجرد شيء أو آلة جعلته يشعر بزيف الحياة وعقمها ، وما يلحظه في علاقات الأفراد بعضهم ببعض من سطحية واستغلال ولا إنسانية . وبعبارة أخرى فإنَّ الانسان في العصر الحديث أصبح منفصلاً انفصالاً حاداً لم يسبق له مثيل ، سواء عن الطبيعة أو المجتمع ، أو الدولة ، أو حتى عن نفسه وأفعاله  .. وغير ذلك من الاسماء التي تطلق على كيانات هي بالنسبة إليه  " آخر" لا سبيل الى التواصل معه ، لم يعد قادراً على مدِّ الجسور والاتصال بالآخر المختلف عنه والمتعدد ([iv]) .
إنَّ المشكل الجوهري في اطار العامل الاجتماعي يكمن في كونه موصل الى العبودية وانسحاق ذات الإنسان لتلبية رغبة الآخر بالانتفاع والتملك ، فالمغترب يفقد حريته وفي الوقت ذاته يدفع ضريبة فقدانه هذه بأن يصبح عبداً لآخر ، فالمقصود بالحرية " امتلاك الإنسان لذاته امتلاكاً تاماً واعياً ، أو كما يقول هيجل : أن يكون الإنسان واحداً مع نفسه ، أو بتعبير ماركس البسيط : أن يكون الانسان في داره .
وأمَّا الاغتراب فعلى النقيض من ذلك حيثُ الانفصال بين الانسان من جهة ، وذاته وأفعاله والآخرين من جهة أُخرى ، انفصالاً لا تبدو معه هذه الأمور كلها غريبة عنه وعدواً له أي أن يكون خارج نفسه ، بمعنى عدم امتلاك الانسان لذاته وضياعها واستلابها ، على نحوٍ يؤدي الى الوقوع في العبودية بصنوفها المختلفة . ([v])
ويرى " روسو" أنَّ اللامساواة بين الناس هي السبب في اغترابهم الذاتي " ([vi]) ، وسبب ذلك هو التفاوت في الملكية نتيجة لتطور وسائل الانتاج التي تدرُّ أرباحاً كبيرة ، في حين أنَّ الذين يعملون وينتجون لا يملكون سوى أجرهم الذي يأخذونه ثمناً لحرّيتهم ، وتنعكس هذه اللامساواة على العلاقات الاجتماعية حيث تؤول إلى التفتت والبرود والانكماش ، وتفقد أهم صفة فيهها ألا وهي التلاحم والارتباط المصيري .
لقد أصبحت المجتمعات قائمة على التناقض بين حاجات الفرد وامكاناته من ناحية ، ومن ثُمَّ على فقدان المعايير الأخلاقية من ناحية أُخرى ، مما جعل الإنسان يشعر بالعزلة وعدم القدرة على مواجهة الحياة . وعد ذلك عاملاً مباشراً لانتشار ظاهرة كالانتحار مثلا كما يذكر " دور كايم نفسه " .
 فأخذ الاغتراب في المجتمعات الحديثة يمتزج مع كل مظاهر العنف والتحرر الجنسي " ويعد نتيجة لها ([vii]) . وما من شك أنَّ الانتحار هو صورة من صور الضعف الانساني ، ضعف تكامل الجماعة والروابط الاجتماعية ، يصاحبه انهيار المعايير الاجتماعية الناجم عن التغيرات الهائلة والمفاجئة التي تميّز بها مجتمعنا الحديث([viii]) .
ولعلَّ من شأن المجتمعات الحديثة ذات الطبيعة الآلية والعقلانية أن تحدث المفارقة في تصورات أفرادها ، فالإنسان لم يعد يستطيع الاعتماد على المجتمع القائم ، ولهذا يجب ان تكون لديه القوة ليحمل في ذاته هذا العبء الثقيل ، وهما لا بُدَّ أن تظهر قوة الإنسان التي لا تقهر . إنَّ العزلة الأبية والحزن العالمي هما على التحديد مظهرا المضمون الاجتماعي للعالم الداخلي لدى الإنسان الفرد .. وما دام مجتمع الاغتراب موجوداً فإنَّ من المحتم أن تكون موجودة تلك الحلقة المسحورة التي انحشرت فيها صورة عن نوع المفارقة الرومانسية ([ix]) ، حيث التعارض بين عالم الفرد الداخلي والخارجي ، لنأخذ مثلا الروائي الفرنسي "ألبير كامو" الذي صوَّر في روايته



([i]) النص المسرحي ، 139 .
([ii]) نفسه ، 140 .
([iii]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 54-55 .
([iv]) الاغتراب : محمود رجب ، 7-8 .
([v]) نفسه ، 112-113.
([vi]) نفسه ، 79.
([vii]) الاغتراب في الفن ، 154.
([viii]) الموضوعية في العلوم الإنسانية : صلاح قنسوه ، 99-100.
([ix]) الوعي والفن : غيورغي غاتشف ، 220-239 .
 " الغريب" مشكلة الشاب الفرنسي الجزائري " ميرسو" الذي يعمل في احدى الوظائف الكتابية، ويعيش مثل غيره من ابناء طبقته في شقته التي يطهو فيها طعامه بنفسه ، ويلتقي فيها بفتاته في نهاية الأسبوع ، ويرتاد مثل غيره دور السينما ، لكنه مع ذلك يجد صعوبة في فهم المجتمع الذي يعيش فيه ، إذ كان يفتقر الى كثير من الصفات التي يجب أن يتمتع بها أي شخص عادي لكي يتقبله المجتمع ويتعامل معه ، كانت تنقصه القدرة على مسايرة الآخرين أي على ( النفاق الاجتماعي ) وعلى التنازل عن مشاعره وارائه الصادقة الأمينة ، وكان يبدي رأيه الصريح الموضوعي ( البارد ) في مشكلات الحياة والموت والجنس ، وبذلك كان يعاني من الاغتراب عن المجتمع الذي يعيش فيه ، وعن الناس الذين يتصل بهم في حياته اليومية .
وهذه الحالة ذاتها ترددت بصورة مختلفة في نتاج الكثير من مشاهير الكتاب من أمثال " بكيت " و " وانسكو " و " جينيه " بطريقة أصبح الاغتراب يبدو معها كما لو كان نوعاً من الوباء الاجتماعي الذي يهدد المجتمع الحديث . ([i])
وعموماً فإنَّ الباحثين مختلفون حول الأسباب الجوهرية للاغتراب ، وسوف نحاول أن نعرض آراءهم كما يلي : ([ii])
1- يرى بعضهم أنَّ الاغتراب يحدث بسبب عوامل اجتماعية ، فهو يحصل عندما يُفتقد التواصل بين الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه ، ويشترط " كاوفمان" أن تكون الضوابط الاجتماعية عادلة نافعة و نابعة من صميم المجتمع ، غير مسيَّرة من قِبل عوامل خارجية ، وحيث يرى أنَّ الضوابط تكون نافعة عندما يُعتَرف بأنَّها تمثل وصفاً عادلاً ، أمَّا إذا استندت هذه الضوابط والمقاييس الى القوّة والعرف فقط فليس من الواقع أن يسود السلام والانسجام في الجتمع ، ويجاري ماركس كاوفمان في موقفه هذا وهو يتحدث عن أنانية إنسان المجتمع الحديث بقوله : الانسان في المجتمع المدني إنسان أناني يُنظَر إليه باعتباره جوهراً فرداً منعزلاً ومنكفئاً على ذاته . ويرى أن هذه الأنانية ليست ناتجة عن عوامل بايولوجية في الانسان ، وانما هي من افرازات النظام الرأسمالي لذا فهو يدعو الى محاربة النظام السائد المستغل .
2-ويرى فريق آخر من الباحثين أنَّ أسباب الاغتراب ذاتية ، فاريك فروم يلقي المسؤولية على ذات الفرد ، فاغتراب المرء عن ذاته شيء يمكن أن تُلقى مسؤوليته على كاهله . ويعزو فرويد مصدر الاغتراب الى اللاشعور الذي يحرِّك الانسان ، فليس هناك دور للعوامل الخارجية والاجتماعية .
3-ويلقي هيدجر سبب الاغتراب على ذات الانسان الذي زيَّف وجوده الاصيل من خلال عدم تفكيره في الموت ، والذي جرَّه الى رفض فرديته والعيش بلا أصالة .
بينما يرى فريق آخر أنَّ الاغتراب حالة أبدية خارجة عن العوامل الاجتماعية أو الذاتية  أمَّا بخصوص الوظيفة ، فإنَّ الفعل الاغترابي في حالة سلبيته لا بُدَّ أن ينتج وظائف سلبية تهدد كيانه وربما تلغيه ، من هذه الوظائف ، الوظيفة الانعكاسية ، أي الارتداد إلى الذات والانكفاء حولها هروباً من مواجهة الآخر ، وهنا يبقى الفعل الاغترابي داخل حدود الكيان النفسي مهزوزاً محدود الامكانات والقدرات ، ثم هناك الوظيفة الانفصالية ، أي جعل فجوة بين الذات والآخر ، مما يؤدي الى انعدام التواصل وتوقف أداة التفاهم ، ومن ثم توقف الحياة بمعناها الاجتماعي والانساني .
ينضاف الى ذلك وظيفة الإبعاد أو الوظيفة الإبعادية ، حيث يتمُّ ابقاء كل الحواجز المؤدية الى الارتباط بالآخر من خلال عملية الابعاد الطوعي أو القسري لكل ما من شأنه أن يديم عرى التلاحم مع المجتمع أو مع السلطة أو مع الوجود الإنساني برمَّته . هذا فيما يخص الوظائف المترشحة عن الاغتراب بمعناه السلبي ، أمَّا إذا كان ايجابياً حين ما يكون حافزاً لتجاوز انتكاسات الذات ومرضها فإنَّه يولِّد الوظائف التالية :
أولاً : الوظيفة الثورية : وتتمثَّل بعملية التغيير والاصلاح ، فالذات الثورية لا ترضى برؤية المأساة وهي تتفاقم ، وإنَّما تحاول تجاوزها للوصول الى الصورة الايجابية للمجتمع البائس
ثانياً : الوظيفة الايدلوجية : بمعنى توظيف الفكر بوصفه سلاحاً في اصلاح المجتمع
وتثويره ، من خلال رفع مستوى وعيه ، وتوجيهه نحو عوامل الضعف والانحلال كي ينتقدها ويتخلص منها ، وبالتالي يتطهر منها .



([i]) تمهيد : احمد ابو زيد ، مجلة ( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج 10 ، ع 1 ، 1979، 1-4 .
([ii]) الاغتراب : شاخت ، 153 ، وحول الاغتراب الكافكاوي : ابراهيم محمود ، مجلة
( عالم الفكر ) ، الكويت ، مج5 ، ع 2 ، 1979 ، 82-84 ، والاغتراب : اصطلاحا ومفهوما واوقعا : قيس النوري ، مجلة ( عالم الفكر ) ، مج10 ، ع1 ، 1979 ، 250.
ثالثاً : الوظيفة الادماجية أو التواصلية : من خلال محاولة الفرد الاغترابي الانخراط في قاع واقعه للتعرف على أمراضه وسلبياته ومستويات المعاناة العميقة فيه ، ومن ثم محاولة التحرك مع الآخر بصورة التحامية كي يقوى على  تجاوز وضعه ومقاومة اعدائه المستغلين ، ولعلَّ " ألفريد فرج " كان مدركاً لهذه الدوافع وتلك الوظائف ، سيما أنَّه عاش في قاع المجتمع ونبع من جزيئاته اليومية ، وساهم كما ساهم غيره في تطوير الاطروحة الفكرية والنقدية لهذا المجتمع ، وهو ذاته كان فريسة التطورات التأريخية التي أحدثت تغييرا واضحاً في مستوى ادراكه لأحداث الواقع ، وهاهو يقول عن فنه المسرحي الذي واكب التغيير الايدلوجي بمجيء ثورة يوليو 1956 " فمثلاً المسرحية قبل الأخيرة التي قدَّمتها في القاهرة .. كانت " غراميات عطوة أبو مطوة " وهي مسرحية تقتبس فكرتها من " اوبرا الثلاثة قروش" لبريخت ، ولكنَّها تناقش أزمة الثلاثينات في مصر ، الأزمة الاقتصادية ، وهي بذلك تناقش نفسية الناس والحالة الاجتماعية والروابط الاجتماعية في حالة الأزمة الاقتصادية ، هذه المسرحية التي نجحت نجاحاً كبيراً لأنَّ اطروحتها الأساسية قائمة على فكرة : " إن الأزمة الاقتصادية تثمر الفساد ، والفساد يزيد من حدة الأزمة " حيث الحلقة الخبيثة المفزعة ، وهي قضية الانفتاح ورواسبه وآثاره السلبية " ([i]) .
إنَّ حافز ألفريد لإنتاج الفن الاغترابي لم يكن شكلياً محضاً ، بل كان اجتماعياً هادفاً ملتزماً بقضايا الأمة المصيرية ، وهو يرى أنَّ لكل فنان إلهامه الخاص بمعنى حافزه
الخاص ، وليس بالضرورة أن يكون الحافز عند الفنان هو الذيوع الجماهيري ، لكن ربَّما يكون هذا الحافز هو فكرة يريد المؤلف أن يصل إليها ويوصلها للمجتمع . ومن هنا فإنَّ المسرح تعبير عن احتياج اجتماعي ، وطريقة توظيف تقوم بين الأفكار والجدل الايديولوجي ، للتعبير عن الجوانب الفكرية والسياسية والاجتماعية ([ii]) ، وهذا هو بالضبط ما أراد أن يطبِّقه في مسرحه الملحمي .
 وسنقوم الآن بتحليل إحدى مسرحياته المشهورة ألا وهي ، " حلاق بغداد " بوصفها أنموذجاً تتجلى فيه الدوافع والوظائف الاغترابية :

 


مسرحية ( حلاق بغداد ) انموذجاً تحليلياً  :
يشير المؤلف الى أنَّها كوميديا خيالية في حكايتين : ( يوسف وياسمينة ) و( زينة النساء ) ، ولنبدأ أولاً مع ( يوسف وياسمينة ) :
يستهل المؤلف الذي يحدد مكان المسرحية " صباح يوم جمعة من أيام بغداد
الخيالية " ([iii]) بوصف شخصية يوسف من خلال الارشادات فيقول :
" شاب في الثامنة عشرة من عمره وان كان ملبسه يوهمك أن اكبر من ذلك سنا
بكثير " ([iv]) .
وأنَّه يقف بمفرده في مواجهة هذا العالم ، ثم يُعرِّف بمكانته الاجتماعية بوصفه يوسف الموصلي ابن شبندر تجار الموصل ، ويعلن هذا الأخير بعد أن يأخذ دور الراوي :
ولي قصة لو كتبت بالابر على آفاق البصر صارت عبرة لمن يعتبر([v]) .
ثم يستكمل حديثه مسترجعاً أحداثاً قديمة بأنَّ والده أراد تدريبه على كيفية العمل التجاري لاكسابه الخبرة من خلال تجربة السفر ، فأوفده الى بغداد مع أثواب موصلية ،
- موضوع تجارة الاب -  ومع السفر سوف تبدأ تجربة الاغتراب حيثُ يقول الراوي :
فلما أتيت سوق المدينة العظيمة . لأول مرة مغتربا في حياتي – سألت عن دكانة الشيخ كبير تجار الاقمشة كما كان أبي قد أوصاني ([vi]) .
وهذا المقطع الاسترجاعي يوضح مشكل الاغتراب أو بالاحرى الغربة المكانية ، التي تولدت بفعل الأمر الأبوي القسري بالسفر طمعاً في اكتساب خبرة التجارة .
وفيما يوسف في ظل الشيخ تبدأ أولى نبضات قصته :
 فبينما نحن نتجاذب الحديث إذ وقع بصري على وجه ما رأيت في حياتي اجمل منه ، وسمعت صوتا ما رن في اذني أعذب منه([vii]) .
الشيخ وصبيانه أجملوا في كرم ضيفهم لمكانته الاجتماعية ، ولكنَّ الضيف التاع فؤاده من أول نظرة نظرها ، وتملَّكه حب عميق . ولما اكتشف الشيخ هذا الاحساس بادر معلناً لضيفه عن شخصية المرأة قائلاً :
نصيحتي لك ان ترحل في الحال ، فهذه ياسمينة بنت قاضي بغداد ، ولا سبيل لك إليها أبداً ، وقد أعد ابنته ليزوجها من الوزير تقربا وزلفى ، ولا حول ولا قوة الا بالله ([viii]) .
وهذا العائق الاجتماعي سوف يضاعف الفعل الاغترابي ليوصله الى أقصاه متمثلاً بتعرّف يوسف على ياسمينة ، وتعميق أواصر الحب بينهما ، ولكنَّه حبٌّ سري خوفاً من بطش السلطة ، ثم يتخذ يوسف قراراً مصيرياً كي ينهي مشكل اغترابه ، وهذا القرار يتمثَّل بموتهما معاً بواسطة " السم " تأكيداً منه على تحدّيه للوضع الرافض للحرية والتواصل بين الأحبة بعيداً عن شرنقات السلطة ودسائسها ، وكي لا يكون الحب ضحية العلاقات الاجتماعية والسياسية الظالمة
كان من افرازات اغتراب يوسف أن مارس الوظيفة الانفصالية عن المجتمع  ، سيما عند تستره بلحية زائفة واسم مستعار ، وعمامة كحجر الرحى وزنها رطل ، وأجَّر داراً بعيدة كي يضمن دخوله وخروجه عند لقاء حبيبته دون أن يشعر بهما أحد ، وهنا بالذات يبدو
يوسف مغتربا عن ذاته تماماً ، فهو خائف من خطر الانكشاف ، ومغترباً عن مجتمعه بهذه الدار البعيدة التي توفر لهما مجالاً للاعتزال .
إنَّ الخوف من افتضاح الأمر سيلازم يوسف ويشكِّل عبئاً نفسياً ثقيلاً ينوء بحمله ، خصوصاً أنَّه يعرف النساء ومدى فضولهن ، واهتمامهن البالغ في جمع الأخبار من هنا وهناك . وكان خوفه يتعاظم يوما بعد يوم من القاضي وصاحب الشرطة والوزير والخليفة ، فكلهم يمثلون السلطة التي يهرب من مواجهتها لإحساسه بالقهر والضعف إزاءها ، وخوفاً من المواجهة ، هو نوع من الاغتراب السلبي يبقي حب يوسف لياسمينة محكوماً بالخوف
والترقب ، من إعلان زواجهما السري ، ولا سيما وقد انضاف الى قائمة الرقباء " الفضولي " الحمّال الذي يبيع الملابس ، وينتقل من بيت لآخر ، وله علاقات مع النساء مما يجعل امكان كشف سر يوسف وحبيبته أمراً ممكناً ، لكنَّ يوسف يهدده بالموت في حالة كشف حكايته ، ولعلَّ اركامات الأزمة الاغترابية جعلته يتحلى بالشجاعة في بعض المواقف الدرامية .
من هذه  المواقف إعلانه لعدة تهديدات منها : القتل ، قطع اللسان ، وأخيراً يلجأ يوسف إلى  حبس الفضولي في دولاب ، ويبدأ باقناعه بحلاقة ذقنه ، مما أتاح الفرصة للفضولي ( بوصفه حلّاقاً سابقاً ) إلى ممارسة عمله بادئاً بيوسف ، ولكنَّ فضوله يدفعه إلى محاولة اكتشاف ما يبدو عليه الوضع الاجتماعي في هذا الحيز .
ويجلس يوسف للحلاقة ، فتدور بينهما مواجهة صريحة تكشف عن كونهما يكرهان الفضول ، واعترف الفضولي بأنَّه سبب مشاكله ، ومع إعلان الاعتراف إلاّ أنَّ
الفضول يبقى طبيعة متأصلة في تكوينه الشخصي(
[ix]) ، وهاجساً لا يفارقه ، لإكتشاف كل ما حوله ، وهذا ما جعل الآخرين ينفرون ويتوجسون منه مما ولَّد في نفسه إحساساً بالانفصال والإبعاد يحاول جاهداً تلافيه من خلال الانخراط في الممارسة الاجتماعية عبر فضوله الدائم .
حاول الفضولي جاهداً معرفة سر يوسف الذي لازم الإنكار بالرغم من سؤال الفضولي المستمر :



([i]) ألفريد فرج ، أسئلة الواقع – اسئلة المسرح : ( حوار ) ماجد السامرائي ، مجلة
( الرافد ) ، الشارقة ، ع 33 ، 2000، 75 .
([ii]) حوار مع ألفريد فرج حول قضايا الفن والمسرح : مهدي الحسيني وكمال رمزي ، مجلة ( السينما والمسرح ) ع50 ، فبراير ، 1968 ، 10-11 .
([iii]) مؤلفات ألفريد فرج – 1 ، النص المسرحي ،  12 .

([v]) نفسه ، 13.
([vi]) نفسه ، 13 .
([vii]) نفسه ، 13 .
([viii]) النص المسرحي ، 14 .
([ix]) لغة المسرح عند ألفريد فرج ، 48 .
أبو الفضول : الله : مسافر .. لا تسافر .. صارحني يا سيد يوسف ، أنا خدامك ، أخدمك . رجل محنك .. خمسون سنة الطش في هذا العالم .. اسألني . اسألني امال ، اسألني أنا .. ما يخيفك ؟ لن انزل من هنا حيا ([i]) .
لكنَّ هذه التنازلات لا تزيد يوسف إلاَّ تشتتاً وضياعاً واغتراباً لأنَّه استشعر أنَّ الكل يحاولون خداعه وإيقاعه :
يوسف ( تائها ) وغد حقير .
أبو الفضول ( فزعا ) . أنا يا سيدي ؟
يوسف أنت وكلكم . الناس الحياة مريرة . العصر مذنب ([ii]) ..
وهذا بدوره يشكِّل علامة تضاف إلى علامات اغترابه الاجتماعي ، وعدم قدرته على التكيُّف مع الوضع العام ، حتى أبو الفضول ذاته كان يحمل في أعماقه بذور الاغتراب السياسي والاجتماعي ، فهو إنسان مسحوق اجتماعياً ، ومنبوذ ، لهذا كانت رؤيته تجاه السلطة سلبية فهاهو يصف القاضي قائلاً :
أبو الفضول : سمين كبقجة الشرور ، وصولي ، قذر ، دنيء ، لحاس أعتاب الحكام
والوزراء ([iii])
ولعلَّنا لو عُدنا إلى خلفية الحدث للتعرُّف على دافع الفضولي لنقد القاضي والسخرية منه ، لاكتشفنا أنَّ الفضولي الحلَّاق أحدث جرحاً في وجه القاضي أوصله إلى تلقي الضرب من الشرطة ، ثم المحاكمة ، فالسجن ، وأخيراً سُحبتْ منه رخصة الحلاقة . هذه العوائق أو المؤثرات النفسية لا بُدَّ أن تحدث في شخص أبي الفضول حقداً على القاضي ، ومن ثُمَّ على السلطة بوصفه ممثلاً لها .
وتتقادم الأحداث ، بين الفضولي ومحاولته معرفة السر ، وبين كتمان يوسف لهذا السر حتى وداع ياسمينة إلاَّ أنَّ الفضولي نصحه بأن القاضي سيعرف سره مما زاد من اغترابه وخوفه :
 يوسف : لقد رأينا ما يكفينا ليوم واحد ، ما أحمقني ، ما الذي يدعوني لترتيب
البيت ؟ العالم كله فوضى . أن ننسحب عنه خير ( كذا ) من أن نحاول عبثا إعادة
تنظيمه " ([iv])
إذاً يوسف يقرر الانسحاب من الحياة الاجتماعية ، بسبب  فوضويته وخوائه ، وانتقاض أسسه ، وأمور أخرى يوضحها قوله :
يوسف : لقد عافت نفسي معايشة الناس . ابتذلوا حياتنا ، ودنسوا أشياءنا ، كرهت الغدر والظلم والسوقية والرياء . العالم ركام قذر ! الأنهار تجري في كل أرض ، ونحن نجف من الظمأ ! الشمس تشرق كل يوم ، ونحن نتخبط طول حياتنا في الظلام !"([v]) 
في المقطع الأول والذي يليه مهَّد يوسف لنفسه ممارسة الوظيفة الانفصالية والابعادية ، في الأُولى اعتزل المجتمع هو وحبيبته ياسمينة في هذا البيت البعيد عن أنظار الرقباء ، وفي الثانية أبعدَ الفضولي بوصفه عائقاً خوفاً من أن يكشف أمرهما فيعرف بهما القاضي والوزير ، فتكون نهايتهما .
ويبقى اغتراب يوسف وحبيبته سلبياً لأنهما اختارا الموت بتجرع السم مسلكا لمفارقة الآخرين خوفا من المواجهة. وتحدث المفاجأة غير المتوقعة عندما يحاول الفضولي اتخاذ موقف إيجابي كي يتجاوز اغترابه السلبي المتأتي من قهر السلطة ، واحتقار المجتمع له ، مقسماً بأن يدافع عن الحبيبين بحياته فيما لو تطلب الأمر ذلك ، لكنَّه هنا يصطدم بجارية ياسمينة التي كانت هي والفضولي يرقبان الحبيبين في الغرفة ، وما أن يقترب الفضولي من الشباك حتى يصرخ :
قتلوه - قتلوهما . النجدة .
وتؤدي هذه الحركة المسرحية دورها في انكشاف المخبوء ، ففتح الشباك والصراخ تزامن مع مرور موكب الخليفة في طريقه إلى الجامع ، فيدخل هو ووزيره والقاضي والسياف مسرور إلى بيت يوسف ، لكنَّ المفارقة أنَّ هولاء عندما دخلوا اتهموا الفضولي والجارية بعلاقة سوء بينهما . وتبدأ محاكمتهما بوصفهما مذنبين ، إلاَّ أنَّ الوزير يُغيِّر مسار الحدث مُذكِّراً بأنَّهما كانا يستنجدان ويصرخان ، فيمتدحه الخليفة مشجعا ، مما دفع الوزير لطرح اكتشافه :
الوزير : أخشى أن نجد جسدين لا جسدا واحدا .
ورغم محاولة كل منهما نفي وجود آخرين في البيت ، إلاَّ أنَّ الوزير يتابع كشف المعلومات :
الوزير : الرجل أسمه يوسف ، وهو ابن شهبندر تجار الموصل كما ذكرت المرأة وذكر الرجل . أما عشيقته فلا أطيق أن أذكر اسمها يا مولاي ، فأن مصيبتي بها لا تقل فداحة عن مصيبة أبيها ([vi]) .
كما أعلن القاضي عن حنقه وغضبه وعظم مصيبته واصفاً ما جرى بأنَّه عار يستحق أعظم العقوبات ، لقد شرب يوسف وياسمين السم ولكنَّهما لم يموتا بعد ، وعندما علق الوزير على فعلهما بأنَّه عمل شنيع . وهنا يأتيه رد يوسف :
أشنع من أن يتزوج شيخ في الستين بابنة السبعة ( كذا ) عشرة ؟([vii]) .
حين يطلب الخليفة طبيباً ، يتدخل الفضولي مرة أُخرى ليكون عاملاً فاعلاً في إنقاذهما متسائلاً :
أبو الفضول : أتزوجهما لو نجيا ؟([viii]) .
وتعلن الأطراف الثلاثة موافقتها ، هذه الموافقة التي تمثِّل ضماناً لأبي الفضول للاعتراف بسرقته السم ، مما يمهد ليوسف لاتهامه بأنَّه حلّاق السوء ، الخليفة من جهته تأمَّل هذا الإشكال الاجتماعي ووجَّه نصيحته ليوسف قائلاً :
وأنت يا يوسف .. لقد عرفت بغداد شبانا  أقل منك يأسا ، وهولاء لا ينتحرون ، بل يطمحون لإصلاح هذا العالم ([ix])  .
لاشك أنَّ هذه النصيحة هي تعليمية في جوهرها ، مما دعا يوسف إلى شكر الخليفة واصفاً إيَّاه بالعدل والسماحة ، لكنَّ القاضي لفت انتباه الخليفة إلى أنَّ المُشكل الخطير يتعلَّق الآن بالفضولي لا بيوسف ، قائلا :
القاضي : لقد دبرت كل شيء يا مولاي ، وأنا نزلت عند رغبتك ، ولكن بقي شيء ، هذا الولد الحلاق فضولي جدا ، ارتكب من الحوادث والمخالفات ما ينوء رجل واحد بحمله . ولكن كل ما ارتكبه يهون بالنسبة لما سيرتكب . فو الله أني لأراه قاطعا بغداد بالطول
والعرض يلوك سيرتي ويحكي حكاية ابنتي ويسيء إلى شرفي وسمعتي . فأن فضوله
لا ينفع معه حد ([x]).
القاضي هو الآخر يقع ضحية الفعل الاغترابي بعد أن وقع في المشكل الاجتماعي ، مما دعاه إلى ممارسة الوظيفة الابعادية وذلك بإبعاد الفضولي عن مسرح الأحداث ، لكنَّ الفضولي يدافع عن وجوده كاشفاً للخليفة زيف القاضي وألاعيبه :
أبو الفضول : فما رأيك أنت يا سيدي القاضي في دار القضاء ، التي لا تدع لي سبيلا إلى ذقن زبون إلا إذا دفعت الرسم وحصلت على الاذن ، واستخدمت رخصة ؟!.([xi])
في الحكاية الثانية ( زينة النساء ) يظهر أبو الفضول شخصية رئيسة يستهل الحكاية راوياً ومُلخصاً ، كاشفاً عن عمق مأساته واغترابه خصوصا بعد قيام القاضي بسحب رخصته في الحلاقة ، وكذلك في الحمالة ، مما دفع به إلى ممارسة الشحاذة لإطعام عائلته ، مُذكِّراً المتلقي لكسب تعاطفه بإنقاذه حياة يوسف وياسمينة ومع ذلك كوفئ بالبغض والإقصاء
والأبعاد ، رغم أنَّ هدفه هو الخير والفضيلة .
وهذا الإشكال المؤلم يوصله إلى اتخاذ قرار مغاير تماماً لطبيعته ورؤيته ، بأن أخذ عهداً على نفسه بألاَّ يمد يد المساعدة لأحد يستغيث ، فيبدأ بفرض عزلة قسرية على نفسه رداً على جزائه غير العادل ، مردداً :
سأضع عصابة على عيني لا أرى ، وأسد أذني بالخرق لا اسمع ، وأروض فمي لا ينطق([xii]).
فهو هنا يمارس وظيفة الانفصال بالعزلة ، والإبعاد ، بإيقاف رسائل التواصل مع العالم الخارجي كي يتقي شروره .
نتحول بعد ذلك إلى الإرشادات المسرحية حيث يقرر المؤلف أنَّ النص المسرحي يتخذ من دار زينة مكاناً لأحداثه ، تشاركها الوجدانية جاريتها جلنار ، ويقدِّم شخصية " زينة " بوصفها :
أكمل نموذج للجمال العربي ولسحر وفتنة الأنوثة العربية الناضجة ، وهي ارملة في قمة الشباب لا تخلو من مكر ([xiii]) .
ولنستمع إليها راوية وملخصة أزمتها وصراعها :
زينة : أنا التي لبست خير الثياب ، وتحليت بأغلى الحلي أنا التي تزوجت أحسن الرجال ، وسكنت أرقى الأحياء ..أهون ، أذل ، حتى لا أستطيع أن أدفع عن بيتي ذئبا
مغيرا ! لا املك من جسدي ومن روحي شيئا ! الموت عندي اهون من استقبال أمين سر المحكمة . سأفضحه الفاسق . كيف يجرؤ ! سأصرخ وألم الجيران . سأقول " أمسكوا حرامي ! " حتى تتزاحم الناس علينا من الشبابيك ومن الباب لتضبطه متهجما على بيتي(
[xiv]):
 وتحاول جاريتها إقناعها موضحة رغبة أمين سر المحكمة فيها ، ولكنها تدافع وتعلن أنها ستتقدم بشكواها إلى القاضي ، أو الوزير ، أو الخليفة نفسه ، إلاَّ أنَّ جاريتها تذكِّرها بحقيقة ماثلة :
جلنار : الله وحده سيصدقنا ، لأنه يرى ، أما الحكومة فتصدق بعضها ([xv]) .
وهنا تبدو زينة شخصية مغتربة تماماً عن واقعها ، ودافع اغترابها مادي لأنَّها لا تملك ما يعينها على المطالبة بتركة زوجها من الشهبندر ، فهي مغتربة اقتصادياً، ولأنَّها تدافع عن شرفها ضد سلطوية أمين سر المحكمة ، ولا تجد من يساندها في هذا المجال فهي مغتربة سياسياً واجتماعياً ، ولكنَّها رغما عن ذلك لا ترضخ لإغترابها وتحاول تجاوزه بإبعاد العائق :
زينة : لن أدع احدا يبتذلني . إذا دخل أمين سر المحكمة الآن سأقتله أو أقتل نفسي : سيان عندي ([xvi])‑.
وتشاء الأقدار أن يطرق الفضولي بابها ، والعصابة على عينيه ، والخرق في أذنيه ، وعلى ظهره خرج عظيم الجحيم فارغ وهو يدرك تماماً قرار انسحابه عن المشاركة الاجتماعية ، ولكن هل يستطيع الفضولي تحمُّل عواقب فراره هذا وهو أمام حدث عظيم ولا بُدَّ من مساعدة إنقاذية ؟ .
وعندما يدخل الدار تصفه ( جلنار ) بالأعمى ، فلا يصبر بل يردها قائلا :
ابو الفضول : لست أعمى . إنما اعصب نذرا . نذرت الا أرى الناس بعد أن كرهت
أحوالهم . ووالله اني بعصابتي أحد منك بصرا ([xvii]) .
ولمَّا يطَّلع الفضولي على قصتها ومصابها لا يستطيع الصمود ويعاود فضوله سائلاً عن الرجل ومنصبه ، وثروته ، وحجمه ، ورسمه ، وذنبه ، وعلاقته بها .
هكذا بدأ أبو الفضول المناورة بين فضوله الذي يحرِّك ذاكرته فتلقي بالأسئلة التي تحاول أن تستكشف ، وبين قراره الذي ربما بدا كبيراً ، فيتابع ممارسة دور الشحاذ الذي يدفع بفضوله بعيداً ، لكنَّ زينة تجهز عليه وتقدِّم له الدافع للفضول بأن تحاول إشراكه في أزمتها مستجلبة عطفه بدموعها واستغاثتها :
زينة : أيرضى الله ؟ أيرضيك ؟ لم يعد في العالم رجل عنده المروءة ليغيث امرأة ضائعة ، أو الشهامة ليتصدى لرجل فاسق .. آه ! ([xviii]) .
وتعرض عليه الزواج تأكيداً في كسبه لصالحها ، فتستبد به الفكرة مؤكِّداً بأنه سيقتل مَن  يحاول اغتصاب مَن ستكون زوجته .



([i])  النص المسرحي ، 54 .
([ii])  نفسه ، 60 .
([iii])  نفسه ، 60 .
([iv]) نفسه ، 77.
([v]) نفسه ، 81.
([vi]) نفسه ، 86 .
([vii]) نفسه ، 87 .
([viii]) نفسه ، 89 .
([ix]) نفسه ، 91 .
([x]) نفسه ،  92 .
([xi]) نفسه ،  93 .
([xii]) نفسه ، 100 .
([xiii]) نفسه ، 103 .
([xiv]) نفسه ، 104 .
([xv]) نفسه ، 105 .
([xvi]) نفسه ، 108 .
([xvii]) نفسه ، 112 .
([xviii]) نفسه ، 121.
يحاول اغتصاب مَن ستكون زوجته .
ولكنَّ المُشكل يبقى معقداً ، بل يزداد سوءاً ، فحين عرف أمين سر المحكمة عند دخوله دار زينة بأنَّها ستصبح زوجة للشحاذ فرح بذلك ، لأنَّ هذا الزواج سيسهِّل مهمته ، فبدلاً من دخوله على امرأة وحيدة مما يثير شكوكاً فإنَّه سيدخل على امرأة متزوجة ، وتصوُّره الخبيث هذا دفع زينة إلى رفض فكرة الزواج برمتها .
أمين سر المحكمة فيما بعد يعلن عن نفسه بوصفه عائقاً يحقق اغتراب زينة لأنَّه يقف حاجزاً بينها وبين المجتمع ، فهو يسلب حريتها إرضاء لشهواته وهذا هو أحد مؤشرات الدوافع الاغترابية لزينة عن السلطة والمجتمع .
أمين السر : ( …. ) دعيني إذن أعرفك بنفسي . أنا .. أنا الحافظ عبد الحفيظ أمين سر محكمة بغداد يعرف أعدائي قبل أصدقائي صرامتي وطبعي الذي لا يلين . لا أريد شيئا إلا نلته .. لا اقبل عطية أو هدية ، وإنما اخذ ما يتراءى لي قوة واقتدارا . أستطيع أن شئت أن اكف أذاي عنك ، وان شئت دمرتك([i]) .
وهو بهذا الإعلان يكشف عن حقيقة سلطوية بالغة الخطورة بوصفه مستغلاً لوظيفته في تحقيق نزواته ورغباته متى شاء ، حتى وإن تعارضت مع القيم المجتمعية والمعايير القانونية ، بعيداً تماماً عن العدل الذي يفترض منه تحقيقه .
وعندما تحاوره زينة في قضية إعادة حقها في التركة من شهبندر التجار يرفض تماماً مواجهة الشهبندر مؤكداً منطق السلطة الاستغلالي :
أمين السر : ( ….. ) هل يستطيع هذا القوي الغني العظيم الجبار أن يؤذيك أنت ؟
أبدا . لأنك لا تملكين شيئا أما أنا ، فما أسهل أن يؤذيني ، لأن عندي ما أخشى عليه ، وليس عندك ما تخشين عليه ([ii]) .
إذاً القوي لا يصارع الفقير لأنَّه متأكد  من تفوّقه عليه ، ولكنَّه يصارع القوي مثله إذا ما حاول تجاوزه .
وهنا تضطر ( زينة ) إلى كشف المستور الذي يحكم الواقع الاجتماعي من فوق دون أن يعي هذا الأخير حقيقة :
أنسرق هكذا علانية ؟! أيكون المنطق والعقل وظواهر الأمور مجرد أعوان في عصابة الشهبندر ؟! ماذا جرى للدنيا ؟ ([iii]) .
  إنَّ العدل واحد من المظاهر الاجتماعية التي يبحث عنها الفرد في مجتمع ينتمي
إليه ، إلاَّ أنَّ زينة لا تجده لأن سلطة الاقتصاد ( المال ) أقوى من القيم ( العدل ) فهو تبعاً لذلك ضائع ، وهي بطبيعة الحال والآخرون ضحية لهذا المنطق الأعوج ومغتربون .
أبو الفضول من جهته بوصفه مُكلَّفاً بإنقاذ المغتربين والبؤساء حاول أن يجد حيلة يوقع بها أمين سر المحكمة وشهبندر التجار ، فالثاني هو الوحيد القادر على القضاء على الأول ، وينجح فعلا في مهمته بعد أن جمع بينهما سوية في بيت زينة مقنِعاً كلاهما بجدوى الحصول على المرأة . وتحصل زينة على وعد من شهبندر التجار بشهادة الفضولي بإعادة ورثها من زوجها ( ألف دينار ) إليها .
وعندما علم الخليفة بحقيقة الأمر دعا إلى إنصاف زينة ، لكن وزيره كالعادة يحاول بذر بذور الشك والخليفة يقاطعه ، ويؤكد له أنَّ العدل لا بُدَّ أن يأخذ مجراه ، القاضي من جهته حاول أن يشكك بشهادة الفضولي ، لكنَّ الخليفة أقرَّ الشهادة ، ثم اضطر إلى تنحية القاضي ، وجلس هو للحكم في هذه القضية ومنح أبا الفضول الأمان حيث كان خائفاً من انتقام أمين سر المحكمة ، وأعطاه منديلاً دليلاَّ على حمايته له .
والقضية برمتها تكشف عن سوء استغلال رجال السلطة لمراكزهم ، ونشرهم الظلم في ربوع المملكة وارتكاب الأخطاء دون رادع ، إنَّها مصيبة عظيمة ،وتسآءل الخليفة عن سبب مجيء الفضولي إلى دار زينة ، وبعد أن شرحت له أكَّد على وصف الفضولي بالتطفُّل مما دفعه للصراخ :
الحلاق : أنا ؟! أنا الفضولي ؟! .. برضاك أنا الفضولي ؟ يا ناس !يا هوه ! برضاك أنا الفضولي ؟! أنا الطفيلي ؟! ([iv]).
إنَّ شخصية الفضولي بلا شك شخصية مغتربة تماماً ، فهي تصطدم مع واقع تجمَّد في إطارات من التسلط قد أحكمت أقفالها على الحق والعدل ، فـ" الحلاق يريد التغيير من خلال مثاليته ومحاولته للتغيير رغم أنه أضعف الشخصيات في المسرحية جاها ومالا إلا أنه يكشف لنا عن جمود ذلك المجتمع القديم وسيطرته على القيم تلك السيطرة التي يوحي
المؤلف بضرورة التخلص منها لنعيش كلنا في عالم مثالي جميل ..مثل ذلك الذي ينشده
" الحلاق الفقير "([v]).
كتب ألفريد هذا النص حين كان واحداً من المثقفين اليسارين الذين دفع بهم جمال عبد الناصر إلى السجن في الفترة من 1959 م إلى 1964 م([vi]) ليس لوقوفهم ضد سلطته ، بل لبحثهم عن " العدل الغائب دوما "([vii])  بين صراعات مراكز القوى وتلاعبها بالقوانين ، واتخاذها السلطة فرصة للمكاسب الشخصية ، هذه المراكز التي تمثَّلت في هذا النص المسرحي بحكايته الأُولى والثانية بالقاضي والوزير والشهبندر وأمين سر المحكمة ، وفيما يبدو فإنَّ جمال عبد الناصر هو المعني بـ " الخليفة " .
سيحاول البحث التوقف عند بعض مفاصل هذا النص المسرحي في محاولةٍ للكشف عن صراع بعض شخصياته واغترابها ، ففي الحكاية الأُولى تاهت " شفيقة " وبدأ الفضولي يسأل عنها مشيراً " صنعت أكبر ضجيج ممكن لأوقظ أصحابها من سباتهم . اعمل إيه ؟! ([viii]) . فالضجيج الذي اصطنعه إنَّما يمثِّل علامة دالة على عدم سكوته ، بل هو في حركة تكرارية لايقاظ الرعية ، ( أصحاب البقجة ) وتكاد تبدو رغم ذلك – حسب الفضولي - بلا فائدة .
وحين يصف القاضي بأنَّه :
 سمين كبقجة الشرور، وصولي، قذر، دنيء ، لحاس أعتاب الحكام والوزاء ([ix]) .
 فهي صفات تبعد تماماَّ عن النزاهة والعدالة المفترضة فيمن يجلس على كرسي القضاء ، كما يؤشر ذلك على المسافة الفاصلة التي لا تمثِّل التقاء ( الطرفين ) بل أنَّها تؤشِّر وقوعهما على طرفي نقيض  ، فما هو إذاً مأزق الفضولي ؟ إنَّه شيء في قلبي يأكلني حتى أعرف . لا أهدأ حتى أعرف ، هذا هو المأزق الوجودي الذي يعانيه الفضولي أولاً ، وألفريد واليساريون عموماً ، ثانيا : المعرفة هي أول أبواب الخروج من الجهل والقسرية إلى فسحة الأمل بالنجاة ، وبالتالي ستوصل إلى معرفة قياس العلاقة بين السلطة ( ممثلة بالخليفة والوزير والقاضي ، أو جمال عبد الناصر ورجال الدولة ) ، والشعب كما يفترض ألفريد فهو لا يعتمد مجرد اتباع السلطة قولاً وفعلاً ليرتفع مؤشر العلاقة بينهما – ولو قليلا - بل ليرتفع بالحوار المعتمد على الصراحة والفهم ، والمشاركة في صنع القرار سوية .
في موجة الرعب التي تمكنت من تفكير الفضولي ، تظهر مؤشرات هذا الرعب واضحة تماماً من خلال تصوراته :
خال القاضي مختبئا تحت السرير . ما اخبثه . يفوته هذا الأمر لن يفوته . والوزير ؟ سيظهر فجأة . ذبحاهما ([x]).
وهذا يشير إلى أنَّ تشكل العلاقة مع رموز السلطة يتأتى بوصفه نتاجاً لمزيج متفاوت من الحب والكره ، فيتغلب الكره على الحب ، لانفصام الرابط العاطفي الحقيقي بينهما ، ورد الفعل الانفعالي المؤثِّر على تفكير الفضولي ، إنَّما يؤشِّر على موقف ابن الشعب من هذه الرموز السلطوية لكونها فشلت في تمثيل تطلعات واحتياجات أبناء الشعب. ، فيرد وصف القاضي على لسان الفضولي ( ما اخبثه ) مؤكِّداً علاقة الكره من جانبه ، ووصف القاضي له بـ ( الفضولي ) يؤكد هو الآخر أنَّ الكره متبادل بينهما ، والعلاقة العاطفية إنَّما هي في حالة انفصال ، ومن ثم فإنَّه اغتراب مشترك لكليهما .
ورغم هذا كله إلاَّ أنَّ الفضولي يبقى إيجابياً حتى النهاية في علاقته بالمجتمع ، وهذا يتبيَّن من خلال قسمه للدفاع عن يوسف وياسمينة ، دفاع المغترب عن المغترب ، وكذلك في محاولته إنقاذ زينة ، بحثاً من جانبه عن التآزر والتآلف لحل إشكالية الاغتراب الجماعي .
وتتحقق المصالحة ، ويلتقي أبو الفضول والخليفة ( أو اليساريون وعبد الناصر ) في نقطة التقاء تؤشِّر تلاحماً وتكافلاً ، من أجل نشر الحرية والعدل .
ولكنَّها محاولة تجابه دوماً بالعواقب التي تبدو من خلال اتهام القاضي والوزير للحلَّاق بأنَّه يجب أن يحاسب لأنَّه أصل كل بلاء في المجتمع ، وهذه المواجهة المستمرة بين رموز السلطة وأفراد المجتمع لا تدع سبيلاً أو مؤشِّراً على نجاح العلاقة أو إتمامها على الوجه الصحيح ، بل تزيدها تعقيداً وتدفع إلى سوء الفهم واتخاذ القرارات الخاطئة .
ولكن لا بُدَّ من المواجهة ما دامت هي السبيل الوحيد لإحداث التغيير ، ومادامت طريقاً للحرية وديمقراطية الرأي .
أمَّا في الحكاية الثانية فلا يبدو أنَّ للتغيير دور في الموقف الذي يبديه الفضولي إزاء رموز السلطة ، إلاَّ في المواجهة الصريحة مع الخليفة ، وهذا مؤشِّر سياسي على الانفتاح والانغلاق بين جمال واليساريين ، حيث عمد الأول إلى اتخاذ سياسة تضييق الخناق وسيلة للسيطرة على اليسار ، وحمله على الخضوع لشروط السلطة ، وبوصف اليسار فئة مثقفة فهي ترى أنَّها تمتلك حق توجيه النقد لأي موقع قيادي سلطوي .
وبما أنَّ الثقافة تؤشَّر في كثير من الحالات موقفاً مناقضاً لتوجهات النظام ، فإنَّها تتعرض لحملات احتواء وإزاحة باستمرار ، فإمَّا أن تكون غطاء للنظام تبرر
فكره وأيديولوجيته ، حتى وإن كانت سالبة ، وإمَّا أن يكون مصيرها العقاب الوخيم في
قاع مظلمة (
[xi]) .
إنَّ السلطة مخيفة في حالة تجاوز خطوطها الحمراء ، لهذا لا نتفاجأ بموقف الفضولي حين طالب الخليفة مُقسِماً برأسه ، وحياته الغالية ، وإيمانه العادل بأن يعطي كل رجل من رعيته منديلاً ، إحساساً منه بخطورة الموقف ، وبأنَّ انتقام رموز السلطة - في حالة كون السلطة والقانون بعيدة عن متابعة أخطائهم - سيكون قاسياً ومرعباً وفتّاكاً بأفراد الشعب ، إنَّها إشارة صريحة وساخرة إلى أنَّ الأمان مفقود في البلاد بسبب غياب الرقابة من فوق ، أو بالأحرى أن الفوق موافق مبدئياً على تصرف رموزه القيادية ، وهذه هي الطامة الكبرى .
حاول ألفريد إيجاد نوع من الخلاص سواء من تركة التقاليد القديمة ، أو من سلطة رموز الحكومة الطاغية ، بأن يزوِّج يوسف وياسمينة في الحكاية الأولى ، أو في حل إشكال زينة في الحكاية الثانية ، ولعلَّها تكون بارقة أمل في الخلاص ، وفي إجراء مصالحة من نوع جديد تؤشِّر على التغيير في المواقف والآراء .
ولا بُدَّ للبحث أيضاً من أن يؤشِّر موقف رموز السلطة من الخليفة ومن الشعب أيضاً ، أو ( جمال عبد الناصر واليسار ) ، فالخليفة في الحكاية الأُولى - وعملاً بالمشورة - يطلب رأي الوزير الذي يوجهه تلقاء مصلحته السلطوية الخاصة لا حسب ما يقتضيه منطق العدل والقانون ، لكنَّه ( الخليفة ) في الحكاية الثانية تجاوز هذا الموقف ، وأخذ يشكك في أقوال الوزير والقاضي ، متسآئلاً :
 ألسنا في بعض مملكتي .
فهو لا يقبل بأن يتجاوز أحد صلاحياته ، أو أن يسخر من رؤيته وتصوراته ، ويحرفه عن مسار تحقيق العدل ، الأمر الذي يشير الى يقظته بشكل أو بآخر فأخذ يدقق في الأمور ،  لا بل أنَّه تسلَّم زمام الأمور بعد أن نحى القاضي ، وأعطى لنفسه أحقية القضاء في قضية  زينة وشهبندر التجار وأمين سر المحكمة .
مما يؤكد  أنَّ مؤشِّر الافتراق أخذ يتسع بين الخليفة ورموز سلطته بسبب جهلهم وسوء فهمهم للأمور ، ومحاولاتهم استغلال مناصبهم لصالح رغباتهم الشخصية ، وهذا ما لا يسمح به الخليفة طبعاً بوصفه ممثلاً رئيساً للعدل والحق في مملكته .
حاول ألفريد فرج  من خلال هذه المسرحية الترميز لغياب أطروحة العدل
والحرية ، وأنَّ كل ما يحدث من تجاوزات اجتماعية وسياسية يبررها القانون ، لأنَّ رموزه يقمعون أي محاولة للتصحيح ، كي تبقى الأمور على ما هو عليه . ونظراً لأنَّ فئة ما لا ترضى بهذا التجاوز فإنَّ مصيرها المحتوم هو الاغتراب ريثما تنتبه القيادة العليا لأخطائها السياسة وقراراتها الجائرة ، حينئذ يمكن الحديث عن التغيير المطلوب إحداثه في الهيكلة العامة لبنية المجتمع السياسية والاجتماعية(
[xii]) .
ونعتقد بأنَّ الدوافع الاغترابية ، وكذلك الوظائف المتعلقة بالاغتراب في صورتيه السلبية والإيجابية قد لعبت دوراً فعَّالاً في تحريك البنية الدرامية للأحداث والمواقف ، فشخصية مثل ( يوسف ) وبدافع الظلم الاجتماعي ، والسفر حيث الغربة المكانية جعلتها مصرَّة على حبها لياسمينة حتى الموت . وشخصية الفضولي هي الأُخرى أصرَّت على فضولها مادام الوضع المجتمعي يسمح بذلك حتى يتدخل الخليفة لإيقاف نزيف الطغيان من قبل رموزه المتسلطة على رقاب البائسين . وشخصية ( زينة ) هي الأُخرى ما برحت تكافح نزوات رموز السلطة ، وتطالب بحقها حتى حصلت عليه في النهاية ، إذاً الشخصيات الرئيسة تمكنت إلى حد ما من تجاوز حلقة الانفصال إلى الاتصال من خلال المشاركة الاغترابية بينها، فكلها تآزرت من أجل التصحيح والتغيير .


المبحث الثالث
ايديولوجيا الاغتراب ( مضامين ومعان ) :
        إذا كان المستوى الفكري للاغتراب يكشف لنا عن مادة المضمون الاغترابية، فإنَّ المستوى الايديولوجي يوضح لنا الاتجاهات والأنساق الشكلية لهذه المادة من حيث دلالاتها ومقاصدها النصية ، بمعنى آخر أنَّ صيغة العمل سوف تتجه الى تحديد أنساق التوجه الفكري للمادة المدروسة ، ومن ثم تبيان المدى العمقي لها من خلال القراءة التحليلية لمجمل المكونات المساهمة في تشكيل المحتوى النصي . ولا شك أنَّ دراسة النسق الايديولوجي لا بُدَّ أن يسبقها تحديد معمق للبنية والثيمات المضمونية التي توجِّه العمل الفني.
         والنسق بمعنى من المعاني هو "عملية معقدة ثنائية ، أي أنَّها في جذورها تنبع من تمايز ظواهر معينة في جسد النص، ثم تكرارها عدداً من المرات ثم انحلال هذه الظواهر واختفائها. بهذه الصفة يكتسب النسق طبيعة جدلية "([xiii])  فالنسق بهذا المعنى هو نظام يحدد بنية النص ، ويتجسد من خلال تلاحم أجزائها وارتباطها مع بعضها بعلاقات ذات سمة مهيمنة بارزة، هذه العلاقات هي التي تعطي لفحوى الفكر معنى ذا صفة نصية ، أي أننا نستنتج المعنى والايديولوجية من النص انطلاقاً من تصورات مرجعية تدعم عملية التحليل وتحقق مصداقيتها على مستوى البنية والفكر .
فالبنية هي منظومة من العلاقات الثابتة في اطار بعض التحولات ، والفكر أداةٌ تعمل بثوابت معينة ، وإنَّ عملها ذاك لا يخترق حدود معينة كذلك هي الحدود التي تنتهي عندها التحولات والتغيرات التي تقبلها تلك الثوابت، أي التي لا تلمسها في ثباتها وتماسكها . غير أنَّ هذه الخاصية البنيوية ليست مقصورة على الفكر من حيث هو أداة ، بل أنَّ الفكر بوصفه محتوى يمكن النظر إليه كذلك بوصفه جملة من الافكار والاراء والنظريات تنتظمها عناصر ترتبط بعلاقات بنيوية ، تجعل منها أجزاءً تستقي دلالتها ووظيفتها من الكل الذي تنتمي إليه ، فالفكر بوصفه أداة هو المباديء والمفاهيم والآليات الذهنية ، والفكر بوصفه محتوى هو بنية من التصورات من الآراء والأفكار والنظريات([xiv]) ، وهذه البنى وتلك يبتغيها المؤلف أو القاص الكتابي، والقصدية هي مبدأ تكييف الكائنات والأشياء في سبيل غاية معينة وهي أيضاً السعي نحو غاية معينة بتكييف الوسائل حسب القصد المطلوب ، بحيث تتكيَّف الأجزاء جميعها حسب الكل المطلوب([xv]) . ومن خلال تشكُّل النسق والبنية والفكر - انطلاقاً من قصد مسبق - تتشكَّل الثيمة أو المادة الموضوعة للنص الأدبي ، وهذا الموضوع هو مبدأ تنظيمي محسوس ، أو ديناميكية داخلية ، أو شيء ثابت لعالم حوله يتصف بالتشكل والامتداد ، ويصف الناقد الروسي توماشفسكي الموضوع على هذه الشاكلة " ان معاني العناصر الخاصة في العمل الأدبي تشكل



([i]) نفسه ، 139 .
([ii]) نفسه ، 141 .
([iii]) نفسه ، 142.
([iv]) نفسه ،  192 .
([v]) المسرح والتراث : سمير سرحان ، 481 .
([vi]) ينظر : جمال عبد الناصر نشأة وتطور الفكر الناصري : د. بثينة عبد الرحمن التكريتي @@@.
([vii]) حلاق بغداد .. كيف يقهر أصحاب النفوذ البسطاء : آمال بكير، جريدة الأهرام ، مصر ، ع (42074) ، 2002،15.
([viii]) مؤلفات ألفريد فرج (1) حلاق بغداد ، 38 .
([ix]) النص المسرحي ، 60 .
([x]) نفسه ، 81 .
([xi]) ثورة يوليو والثقافة : ألفريد فرج ، جريدة ( الجمهورية ) ، مصر ، 15 / 3 /1995، وما تبقى من التجربة الناصرية – تطور الايديولوجية الرسمية في مصر – الديمقراطية والاشتراكية : د. علي عز الدين هلال ، مجلة ( الفكر العربي ) ، بيروت، ع4 – 5 ، 1978 ، 75 .
([xii]) الطيب والشرير والجميلة : ألفريد فرج ، 11 .
([xiii]) جدلية الخفاء والتجلي: كمال ابو ديب ،  108 .
([xiv]) أزمة الإبداع في الفكر العربي المعاصر، أزمة ثقافية. أم أزمة عقل؟: محمد عابد الجابري ، مجلة ( فصول ) ، مصر، ع 3 ، مج 4 ، 1984،  107، 108 .
([xv]) النقد الجمالي: اندريه ريشار، 63 .
توماشفسكي الموضوع على هذه الشاكلة " ان معاني العناصر الخاصة في العمل الأدبي تشكل وحدة . هذه الوحدة هي الموضوع ([i])
إنَّ الخاصية الايديولوجية في النص الإغترابي هي حصيلة موقف فكري للانسان المغترب ، وهذا الموقف يتبلور تدريجياً ليصبح حالة أو ظاهرة محسوسة تأخذ مديات وأبعاد مقصدية مخصوصة ، فتوضح بشكل عمودي أو أُفقي كلما اصبح النسق الثقافي حاضراً في أذهاننا ، وأمام ناظرينا ، وكلما طالعنا نصوصا تتراكب فيها المواقف والتوجهات الايديولوجية لتعبر عن وجهة نظر من الوجود والحياة والمجتمع.
ويُعدُّ هذا النسق الثقافي بكل بساطة مواضعة اجتماعية ، دينية ، اخلاقية .
تفرضها - في لحظة معينة من تطورها - الوضعية الاجتماعية ، والتي يقبلها - ضمنياً - المؤلف وجمهوره ، وهكذا يكون أُفق النصوص المفردة والانجازات الفردية هو ( النص الثقافي ) الذي يجعلها ممكنة ، وفي الوقت نفسه يحد من مدى تساؤلاتها . وينتج عن ذلك أنَّه لا يمكن اعتبار أي نص مغلقاً أو متوحداً ، أو مصوغاً من كتلة واحدة ، إنه منفتح على نصوص اخرى أو معرفيات اخرى يدمجها في بنيته (
[ii]) .
بمعنى آخر ان النص الاغترابي بكل ابعاده ومضامينه هو وليد ايديولوجية توجه مقاصده ومعناه وتحدد حركيته في آفاق تركيباته المختلفة ، وصياغاته المتنوعة ، وتلعب الثقافة دوراً فاعلاً في هذا التوجه ، بوصفها المخزون أو الفعل المحرك للكل المترابط بنيوياً.
وإنَّ النص الاغترابي - موضوع الدراسة - يصوغه ذهن متوقد ذو توجهات ايديولوجية معروفة تتركب من الواقعية النقدية حيناً والاشتراكية حيناً آخر ، المنطلق من جهة الموقف اليساري – للمؤلف –([iii]) المتطلع الى التغيير الجذري للواقع عبر الثورة بوصفها أداة فاعلة في عملية التطوير الذهني والاجتماعي ، فهي الوحيدة القادرة على تجاوز مخلفات الماضي العتيدة .
إنَّه نوع من التحويل الثقافي الذي يمثِّل اشكال النشاط الانساني التي يحتويها خط فكري معين ويربط بين مظاهرها المتعددة ، محققاً وحدة بين اجزائها ، وهذه الوحدة تكون أقوى ما تكون عندما تمثل الثقافة عقيدة شمولية ([iv]) .
وتأسيساً على ما سبق نستطيع أن نُعدَّ الاغتراب تعبيراً ايديولوجيا  عن موقف فكري تجاه ظاهرة معينة يستند في موقفه هذا الى الثقافة والمسلمات الاجتماعية والتأثيرات النفسية العميقة وهو تبعاً لهذا الفهم يفرز لنا سلسلة من المضامين والمعاني ، منها ([v]) :
العجز: وهو احساس الفرد بأنَّه لا يستطيع السيطرة على مصيره ، لأنَّه يتقرر بوساطة عوامل خارجية مثل القدر أو الحظ أو نظام المؤسسات ، واحساسه بأنَّ سلوكه الخاص لا يقدر على تحديد النتائج التي يسعى إليها ، وأنَّه لا يستطيع أن يفعل الكثير أمام المشكلات التي يواجهها .
فقدان الهدفية : وهو احساس عام بفقدان الهدف في الحياة ، وأنَّ شؤون العالم والعلاقات الانسانية باتت كثيراً ما تثير الاستغراب .
فقدان المعايير: وهو نقص الاسهام في العوامل الاجتماعية المحددة للسلوك المشترك لذلك يحدث انحراف واسع ، ويبرز عدم الثقة ، والتنافس الفردي غير المحدد .
التنافر الثقافي: وهو الاحساس بالانسلاخ من القيم الأساسية للمجتمع والقيم الاجتماعية
السائدة ، مثل حالة المثقفين ، وتمرد الطلبة على المؤسسات التقليدية ، وعدم الاهتمام بالثقافة السائدة .
العزلة الاجتماعية : وهي الاحساس بالوحدة والانسحاب من العلاقات الاجتماعية ، وغالباً ما يشعر الفرد بالوحدة والعزلة في هذا العالم .
ويترشح عن هذه المضامين الاغترابية مفهومات أُخرى نحو ( التشيؤ ) وهو أن يتحوَّل الانسان الى شيء ، تتمركز أحلامه حول الاشياء ، ولا يتجاوز هو السطح المادي وعالم الاشياء ، وتصبح العلاقات بين البشر مثل العلاقات بين الاشياء .
فضلاً عن مفهوم ( التوثُّن ) وهو أن ينظر للسلعة ( الشيء ) لا بِعدِّها نتاج جهد اجتماعي انساني ، وإنَّما بِعدِّها شيئاً مستقلاً عن الانسان ، وتتحكم ( الأشياء ) في المنتج
( الانسان ) بدلاً من تحكُّم المنتِج في السلع ، وفي المتجهات الاستهلاكية تصبح ذات قيمة محورية في حياة الانسان تتجاوز قيمتها الاقتصادية وغرضها الاستعمالي .
وعموماً فإنَّ هذه المعاني لا تخرج عن نطاق المعاناة الذاتية للانسان ومفهومها ، كما يظهر لنا أنَّ الحالات الاغترابية تتضح بالمعنى السلبي للانسانية ، فنلاحظ أنَّ العجز والاستسلام أو فقدان المعنى أو الغربة الثقافية والمعاني والمضامين الأُخرى موجودة لدى الانسان في كل زمان ومكان([vi]) .
وألفريد فرج - موضوع دراستنا - هو الآخر كان له اطروحته الايديولوجية التي من خلالها شكَّل نتاجه الأدبي وهذه الاطروحة تتوضح عبر المسائل التالية([vii]):
1- يعلن ألفريد في حوار معه بأنَّه ليس واقعياً نقدياً ، ولا يضع همه في التنديد بالسلبيات ، رغم أنَّه ندد بها ضمناً .
2- كما أنَّه لا يفكر في الالتزام بمذهب معين ، ولكنَّه اهتمَّ بإطلاع الناس على أفضل
ما فيهم وربما أراد بذلك أن يبين للآخرين أن الانسان - تحت اقصى الضغوط - يمكن أن يظل إنساناً .
3- يشير إلى أنَّ فكره السياسي يستند الى اطروحة اليسار العربي حيث التغيير يجب أن تصاحبه ثورة على التقاليد والاطروحات التقليدية البائدة.
4- وهو يبحث كغيره عن فكرة ( العدل المستحيل ) ، وبما أنَّ التراجيديا صراع مع قوى
عليا ، وتطرف في طبع الانسان ، فإنَّ ما يستطيع التعبير عنه هو أنَّ الانسان طموح ، ومصدر قلقه يكمن في أنَّه لا يستطيع أن يحقق - بينما هو يفهم - المطلق ، فهو يعرفه ولا يستطيع تحقيقه ، لأنَّ الكون بطبيعته لا يعطي المطلق تحت أي ظرف من الظروف ، لقد اكتشف ( اخناتون ) في مسرحية ( سقوط فرعون ) أنَّه لا يستطيع أن يحقق السلام إلاَّ بسفك الدماء ، وقد رفض هذا ، فسقط .
إنَّه يبحث عن العدل المطلق ، هذه هي المسألة التي تعنيه ، وهي من ضمن همومه ، فها هو يعلن : إننا شعب قد دفع الكثير ، ونريد مكاناً تحت الشمس ، ومع هذا ندفع ثمناً  باهظاً لهذا المكان ، ندفع ثمناً باهظاً للعدالة ، هنا تتحد أعمق مآسي العالم ، وتتحد أيضا نقطة اختلال الكون .
إنَّ فن المسرح في تصور ألفريد ليس مَعبراً للحياة في الماضي ، بل هو جسر للعبور نحو المستقبل ، ومن ثم كان حرصه على أن يكون جوهره العقل والمنطق ، وايقاعه اليقظة والتطور ، إنَّه - أي المسرح - مرادف لحملات الغزو الاجتماعي ضد الغيبة والخرافة والتواكل والطبقية المجحفة والتخلف والتراخي ، وهو سلاح للمدنية في صراعها لغزو الريف بنور المدينة ، ومن ثم تحرير الريف من قيمه المتخلفة من عصور التبعية والظلام ، دون اخلال بضرورات النهضة على أساس من الاصالة ، ونجد في ذلك جدلية دقيقة ، غير أنَّها ليست إلاَّ الصورة المنعكسة بطريقة طبيعية لما يصطرع في مجتمعنا من جدلية تنشد الاستقلال وتثبيت الهوية القومية ، وتنشد التقدم والتحديث والمدنية بالهمة ذاتها ([viii]) .
والآن نتحول الى تحليل النص المسرحي ، لنتوقف عند المؤشرات الايديولوجية التي تحكم المسار العام للمحتوى الفكري.


 

مسرحية ( علي جناح التبريزي وتابعه قفة ) أُنموذجاً تحليلياً :
استوحى الفريد فكرة هذه المسرحية من ثلاث حكايات في ( الف ليلة وليلة ) وهي ، حكاية ( المائدة الوهمية ) ، التي تصوِّر شاباً يمازح ضيفاً عابراً  ماحكه طمعاً في كرمه . وتصور الحكاية الثانية ( حكاية الجراب ) رجلاً وقع ضحية وهم عجيب بأنَّ الدنيا بأسرها تلخصت فكانت في جراب صغير خيل له وهمه أنَّه مالكه ، فيما تصور الحكاية الثالثة ( حكاية معروف الاسكافي ) فقيراً أراد أن يتجنب في غربته هوان السؤال فتظاهر بالثراء والسخاء حتى انهالت عليه الهدايا والقروض ممن طمعوا في ثرائه وفي سخائه المزعومين .
ومع أنَّ الحكايات الثلاث متباعدة من حيث مواقعها في ( ألف ليلة وليلة ) ومن حيث جوهرها ومذاقها ، فقد تصوَّر ألفريد أنَّها متجانسة في قصدها العام ، ذلك أنَّ كل بطل من أبطالها الثلاثة أملى عليه تكوينه النفسي وخياله الخاص الرغبة في ايهام النفس
والغير – باقتدار - بوجود غير الموجود في الواقع ، وهي قصة نقدية للعقل البشري (
[ix]) .
 وكما هو واضح فإنَّ أُنموذج البنية الفكرية المقترح في هذا النص المسرحي هو توصيف الجهد العقلي البشري في مساره العام عبر تقنية الايهام للتوكيد على مدى الخداع الذي يعيشه هذا العقل عندما يتعامل مع ظواهر تختزل الواقع الى مديات بسيطة ، لكنَّها
مستحيلة ، لا بل خيالية محضة ، كل ذلك من أجل تقليص الفجوة بين الرغبة الطامحة ، والأشياء المفقودة غير المتاحة ، والتي يسعى الانسان جاهداً لامتلاكها دفعا للمشقة واليأس والخوف من المجهول الذي يطارده – مثل الموت - منذراً إيَّاه بالهلاك إن هو لم يستوف نصيبه الكامل من الحياة .
ومن خلال استقراء مبسط للحكايات الثلاث التي تمثِّل الاطار المرجعي سنجد أنَّ
( نسق الوهم والخديعة ) المتعلق بمستوى ( التظاهر ) هو الذي يحكم المنطق البنيوي لهذا النص ، وهو الذي يقدح في أذهاننا فحوى الاستملاك الموهم نظراً للافتقار المعنوي والمادي الذي تعانيه الشخصيات .
إنَّ التصوير النسقي يؤكد على الأُمنية لتحقيق ما هو مفقود ومرغوب به في آن ، وهو توكيد على عناصر مؤسسة للطبيعة الانسانية ، من أجل اعطائها المعنى الواقعي الذي
تستحق ، وما يحيط بهذا الواقع من ظروف وامكانات عقلية ونفسية وانسانية موضوعية لدحض الخارقة والعجائب والسحر وكل ما هو غير خاضع للإمكان العقلي .
هذا فيما يتعلق بالإطار المرجعي للمسرحية ، أمَّا الواقع النصي للمسرحية فهو متغير نوعا ما عن مرجعه باستثناء المادة الفكرية التي استلهم جوهرها ، ومن ثم جرى توسيعها كي تطال بعض معطيات الواقع الفعلي للمسرحية .
 والمؤلف في طرحه لفكرة العدل المستحيل في المسرحية إنَّما يبحث عن التوازن بين الحفاظ على الاحلام الشعبية ومحاولة تعديل فحواها وتغييره من أجل استدراك الغائب
المفقود ، وقصده الاساس يتجه الى تحدي الواقع والثورة عليه كونه يرتكز على موروث الماضي دون أن يكون له دوراً في تحقيق ذاته كما هو الحال مع الموروث .
يتألف النص المسرحي من فصلين بينهما جزئية صغيرة أطلق عليها المؤلف تسمية
( بين الفصلين ) . في الفصل الأول نتعرَّف على عالم ( علي جناح التبريزي ) وهو أمير فقد ثروته ، وهذا العالم هو عالمه الأول ، قبل أن يتحول عبر رحلته المكانية المتبدلة الى عالم آخر مفارق للأول . إن عالمه مفارق أيضا لعالم ( معروف الاسكافي ) الذي تحول من عالم الفقر والفاقة وذل الحاجة والزوجة الى ابتداع شخصية الثري الخيالي ، وحصل في النهاية على ما يتمنى . وعلي هو ابن احد الاثرياء الكبار ، ورث عن ابيه ثروة ، بذرها دون ادراك وتوخي للعواقب ، والمسرحية تبدأ بخاتمة علي جناح التبريزي بعد أن لم يبق له سوى ساعة في قصره المنيف الفخم :
 بستان أنيق ، في أعلى المسرح شجرة ، والى اليسار جانب من قصر منيف وباب يفضي الى داخل القصر . والى اسفل اليمين باب البستان وامامه مصطبة وجزء من الحارة الكائن بها القصر بحيث نرى القادم قبل دخوله البستان . باب البستان نصف مفتوح . داخل البستان علي جناح التبريزي وخادمه صواب ، هذا الاخير كان مدركا لمجريات الامور ولم يأل جهدا في تذكير الأول بحقيقة ما يجري من مأساة :
علي : ما معنى كلامك يا صواب؟
صواب : معناه يا سيدي انه لم يبق لك في هذا القصر الا ساعة زمن ويأتي مالكه الجديد ليتسلمه .
علي: غلط ! الصحيح انه بقيت لي في القصر ساعة زمن .
صواب : كما تحب . ومعناه انه بقيت لي ساعة زمن في خدمتك حتى يأتي المالك وهو سيدي الجديد
علي : انت لم تبق لك في خدمتي الا ساعة زمن ([x]) .
ونتابع الحوار المغالط بين شخصيتين متقاطعتين فكرياً وايديولوجياً ، ففي حين يتصور الأول أنَّه من الممكن الحصول على عنصر التوازن من خلال مغادرة الواقع والالتصاق بعالم الحلم كمعادل موضوعي لما تمَّ خسرانه ، فإنَّ الثاني لا يتصور الحياة إلاَّ كما هي ، من خلال تقريرات الواقع العملي ومؤشراته الحقيقية :



([i]) الموضوعية البنيوية - دراسة في شعر السياب : عبد الكريم حسن ، 3-34.
([ii]) المقامات - السرد والانساق الثقافية : عبد الفتاح كيليطو ، 8 .
([iii]) حوار مع ألفريد فرج حول قضايا الفن والمسرح : مهدي الحسيني وكمال رمزي ، مجلة ( المسرح والسينما ) ، ع50 ، 1968 ، 13-17 .
([iv]) مسائل في الابداع والتصور: جمال عبد الملك ،  22.
([v]) الانسان والاغتراب في فلسفة نيتشه ، 31، 32، 33 ، وينظر العلمانية تحت المجهر: عبد الوهاب المسيري ،  137، 306-310، 311 .
([vi]) الاغتراب في تراث صوفية الاسلام ، 14 .
([vii]) مؤلفات ألفريد فرج ، ( 12 ) ، 106-107 .
([viii]) مؤلفات ألفريد فرج ( 12 ) ، 106 – 107 .
([ix]) مؤلفات ألفريد فرج – 2 ، احاديث وراء الكواليس – مقالات ومحاضرات ، 62-63.
([x]) مؤلفات ألفريد فرج ( 1 ) ، النص المسرحي ، 223 .

د. وجدان الخشاب Headline Animator

د. وجدان الخشاب