22 مايو, 2011

iGoogle

iGoogle

20 مايو, 2011

مسرحية البديلة


نص  مسرحية{ البديلة }
تأليف  : د . وجدان الخشاب
( ينفتح الستار والبديلة تقف في عمق المسرح أمام لوحة الإله الجالس على الكرسي وظهرها إلى الجمهور وتخاطبه  )
البديلة : انسخ لي قلباً يحتضن نبضي ، ازرع لي خلية تمرِّد في عينيَّ أو فمي ، انسخ لي عينيك ربَّما بكيتُ في عمقهما لحظة ... لعل النبوءة تغرق في عتمة سوداء 
( تجلس على ركبتيها وظهرها إلى الجمهور )
( 3 دقات طبول )
( تتقدم الكاهنة من الجانب الأيمن للمسرح إلى وسطه بكبرياء )
الكاهنة : في لوحٍ محفور بحروفٍ تقدحُ شرار النار والموت ، ظهرت نبوءة ونهض قدر ، نبوءة شؤم وقدر له مخالب وأنياب .
( تنهض البديلة وتستدير وتمشي بخطى متثاقلة حتى تقف خلف الكاهنة تماماً تلفتُ الكاهنة اليها فتبتعد عنها باتجاه يمين المسرح )
البديلة : أُريد أن أغفو عند شاطئ مغمور واستمع إلى تراتيل النهر والليل والأحجار ، أُريدُ أن أرقص في ضوء شمس النهار ، أُريد أن ألهو مع الأطفال ، أريدُ   تقاطعها الكاهنة : لكنَّ عواصف النبوءة تفور دائماً من عمق الأقدار يثقلها الغبار والدموع ، النبوءة تفور ( تتحرك حول البديلة ) تفور ( تقف بموجهتها وجانبي وجهيهما للجمهور ) وتتحقق .
تنتفض البديلة وتتراجع خطوتين وترفع رأسها إلى الأعلى لتنظر في عيني الكاهنة وهي تقول ( بحزن ) :
النبوءة ؟
الكاهنة : نعم ... النبوءة ( بتأكيد ) .
البديلة : لماذا أنا ؟
الكاهنة : لأنَّكِ أجملُ فتيات آشور ، ونينوى تمدُّ إليكِ عيونها .
البديلة : لماذا ؟
الكاهنة : لتنقذي مليكتنا سيرانا ، ملكة نينوى العظيمة ابنة الإله شمش المبجل .
البديلة : هذه النبوءة حلم أسود استيقظ من أزمنة مهجورة لينغمس في قلبي الملطخ بالسواد ، ( تحرك يديها بعصبية ) النبوءة تعبث بي ، ولساني ( تمدُّ أصابعها أمام فمها بعصبية ) يخاف أن يطلق كلماتِهِ .
( صوت طبول – تجمد البديلة في مكانها فيما تتحرك الكاهنة إلى عمق يسار المسرح لتأتي بإناء الماء ، وتتقدم إلى البديلة ) وهي تقول :
 يابديلة محشورة أنتِ في ثقب باب يئز ... يرمِّش لكِ بتاجٍ وعرشٍ وصولجان .. وأيضاً بحاشية كاذبة ستهتف لكِ حيناً ، ثم تنطوي ذكراكِ مع الأيام .
( تنتفض البديلة والطبول تقرع فتضع يديها على أُذنيها وتسقط على ركبتيها ، تتقدم الكاهنة وتبدأُ بنثر الماء بكفها على جسد البديلة ، وتقول :
هأنتِ تُدرَّبينَ للركض في وجه نبوءة ورعدٍ وصاعقةٍ تنتظر لحظة انفجارها ، وباب اللحظة ممهور ويستعدُّ لانفتاح وانغلاق .. ( تدور وتنثر الماء على جسد البديلة ، والبديلة جامدة في مكانها على الأرض ) ها أنتِ بديلة ملكتنا سيرانا التي أشرقت عليها أنوار الإله شمش ، فأضاءت نهارات نينوى ولياليها .
( تمدُّ يديها وتنهض البديلة عن الأرض )
البديلة : أشعر أني أقف على أصابع َ من دخان ، أنظرُ إليَّ ( تنظر إلى جسدها وهي تتحرك ) فأجدني أصيح في وجه نهار غريب لا يعرفني .
( تأخذ الكاهنة بيد البديلة وتدوران معاً ) وهي تقول :
ها أنتِ قامةٌ تفترع الهواء ، ها أنتِ شباب وعنفوان أخضر القسمات ، هاأنتِ تشرقين بنور شمس الحياة ...
( تترك البديلة يد الكاهنة وتنسحب إلى يسار المسرح وتقف في مقدمته وتخاطب الجمهور ( يسلط ضوء قوي عليها فقط من الأعلى ) :
-         مَن يمنح وجهي مرآة ؟  
-         مَن يمنح جسدي نسخةً أُخرى تواجه آلامي ؟
-         مَن يعلِّق دمعي عند بوابة الحياة والأفراح ؟
تنسحب البديلة وتتحرك الكاهنة لتقف في بقعة الضوء وهي تهمس : ستنفتح الأبواب  ( صوت طبول ثم يعلو صوتها ) ستنفتح الأبواب .
البديلة : أيُّ الأبواب ؟
الكاهنة : باب مقبرة تنكث الصمت والسكينة ، لتحشر الجسد الدافيء إلى برودة رملها العاري .
البديلة : ( تقول بصوت حزين وهي تتحرك ) الليل موحش هناك ، موحش يقفر من ضحكة أو بكاء .
الكاهنة : ( بصوت آمر ) افتحوا الأبواب ... افتحوا الأبواب .. صوت طبول وأصوات أقدام تتحرك بقوة .
تصرخ الكاهنة : افتحوا الأبواب ... انقذوا الملكة .. انقذوا السُلالة .
( صوت قوي ) انقذوا السلالة ... انقذوا الملكة .. عاشت الملكة
( تتقدم الكاهنة بكبرياء وتأخذ بيد البديلة وتسحبها إلى يمين المسرح والبديلة منكسة الرأس ، تنطفئ أضواء المسرح ويضاء ضوء قوي على العرش فقط والصولجان موضوع على مسند يدي العرش فتحمله الكاهنة وتُجلِس البديلة على العرش وتضع الصولجان بيد البديلة اليمنى وترفع رأسها بيدها ) وهي تقول :
آن لكِ يابديلة أن تمهري البابَ والعرشَ والحاشية ، آن لكِ أن تواجهي صحوة النبوءة ، منذورة أنتِ للعرشِ يابديلة
( صوت طبول ثم أصوات تصيح ) :
منذورة أنتِ للعرش يا بديلة .
منذورة أنتِ يا بديلة .
( تتقدم الكاهنة إلى عمق المسرح وتحمل بيديها الكأس الموضوع على الصندوق وتتجه إلى البديلة وهي جالسة على العرش ، تقدمه لها فتهز البديلة رأسها امتناعاً تدفعه إليها فتبعد البديلة رأسها تضعه الكاهنة في يد البديلة وتنسحب إلى يسار المسرح وتعود وهي تدفع أمامها التابوت وتتركه أمام العرش وتنسحب مرفوعة الرأس ) .
( تنهض البديلة وتطوف حول التابوت وتأتي أصوات : منذورة أنتِ للعرش يابديلة ، منذورة أنتِ للعرش يابديلة ، تقف البديلة عند شاهدة التابوت وتتلمسها بيديها ) وتقول :
-         مَن ينقذ جسدي من تابوت ينتظره ؟
-         أهي أنا مَن رأت الشاهدة تخفُّ إليَّ خطوها لتسب رائحة القبر في أعضائي ؟
-         أهي أنا مَن رأت الغبار ينحني ليغفو بين جثتي وشاهدتها ؟
الموت .. ( بألم ) الموت سيزحف ببطء نحو جسدي ، الموت لا مهرب من النبوءة المشؤمة الموت ( تصرخ بألم ) تشرب الكأس وتسقط بجانب الشاهدة .
( اصوات طبول ثم أصوات تصيح : منذورة أنتِ يابديلة ... منذورة أنتِ يا بديلة . 









 





  


عناصر اللوحة الفنية


أشارت الدراسات التي كُتبت عن الفن إلى عدّة تعاريف له ، منها ما أكّد على تحقيق النشاط الفنّي للمتعة واللذة ، ومنها ما اعتمد التفرقة بين المعنى الجمالي للفن الذي يكمن في جعل كلّ انتاج للجمال يقوم به إنسان واعٍ ، وكون الفن يمثِّل مجموعة من المبادئ العامة والنافعة التي توصله إلى تحقيق غايته ، فالفنّان دي لاكروا يرى أنَّ الفن نشاط مُعيَّن لأنَّه لا يمكن أن يكون ثمّة فن حيثُ لا تكون هناك صناعة ، أمَّا شارل لالو فإنَّه يقرر أنَّ الفن بالمعنى الواسع هو عملية التحوير والتغيير التي يدخلها الإنسان على مواد الطبيعة ، فهو بذلك يعيد إنتاج الواقع من خلال تفعيل الخيال الإبداعي ليعمل في اتجاه إثارة المتلقي إنفعالياً .
والفن عموماً والرسم تخصيصاً يتمثُل في كونه نزوعاً ذاتياً ووجدانياً لدى الإنسان للتعبير عن موقفه من الحياة ، فالفن لا يبدأ من فراغ ، بل ينهل من تراثٍ إنساني خصب تراكم على مرِّ السنين التي حاول فيها الإنسان أن يكوَّن تصوَّره الخاص للعالم الذي يعيش فيه ، وينفعل به تأثراً وتأثيرأ من خلال منظومة قيمية توجّه هذا الانفعال.
الرسم في مكوَّنه الجوهري تجسيد للأشكال بالخط واللون على سطح مستوٍ ، وهذا التجسيد في الوقت ذاته ينطوي على أفكار ومشاعر وانفعالات ومواقف ورؤى الفنّان ، من هنا يمكن القول أنَّ الفن يمتلك خاصيته الإبداعية من خلال المعطيات الذاتية الفردية للفنان ، وهذه المعطيات تشكِّل بالتالي ميزةً له عن غيره ، فهو يمتلك وعياً ورؤية يرى بهما ما حوله من معطيات الواقع بصورة تقع في موقع الإختلاف لا موقع الائتلاف ، مما يمنحه فرصة مضافة لتحويل هذه الرؤية إلى نتاج فنّي يخاطب الآخر بشكل جديد .
مقومات اللوحة الفنّية
تتشكَّل اللوحة الفنّية من سطحٍ مستوٍ محددٍ بإطار ، رسمت فيها يد الفنَان خطوطاً وأشكالاً وألواناً ، وضمّنها عقله قيماً ورؤى ومواقفاً ، لتتحدّث مع متلقيها بلغتي البصر والبصيرة ، وتكون بذلك منطقة لقاء بين الفنّان والآخرين ، فيشتغلوا باتجاه الكشف عن دلالاتها الظاهرة والمخفية .
والشكل أداة يتوصّل بها الفنّان إلى التعبير عن أفكاره ، فإذا كان الفنُّ تعبير عن الوجدان البشري ، فلا يمكن لهذا التعبير أن يظهر إلاَّ من خلال شكل يبدعه الفنَّان ليحقق تواصله مع المتلقي . والشكل هو الوحدة البنائية المتوِّنة من مجموعة أشكال جزئية تتفاعل معاً لتكوِّن هيكلاً كلّياً عن طريق فعل الّذاكرة والخيال المبدع للتعبير عن الدلالات التي يحملها ، وإبرازها إلى الوجود ، ويسعى الشكل لتأدية جملة وظائف حددها الناقد جيروم ستولينيز بما يلي :
1 – يضبط إدراك المتلقي ويوجهه باتجاه مُعيّن ، مما يساعد على فهم العمل الفنّي .
2 – يرتّب عناصر العمل الفنّي بشكل يسهم في إبراز قيمتها الحسيّة والتعبيرية
3 – يندمج مع المعاني التي تطرحها اللوحة الفنية ، وهو ملازم لها على الدوام لأنَّها تظهر حال ظهور الشكل إلى حيّز الوجود .
4 - للشكل قيمة جمالية كامنة ، يساعد التنظيم على ظهورها .

 


 

الطبيعة العامة للشكل في اللوحة الفنية
للشكل مظهر عام يبني اختلافه على رؤية الفنّان ، كما يبنيه على طروحات المدرسة التي ينتمي إليها أحياناً ، وكل شكل تتمظهر به اللوحة يعتمد رؤية جمالية تعمل باتجاه إيصال أفكار مُعيّنة إلى متلقيها ، كما تعمل باتجاه نقل الإحاسيس التي تجتاحه إزاء روح العصر الذي يعيش فيه ، كما أنَّ للشكل قدرته الخاصة على تأشير مدى إفادة الفنّان من قدراته الخيالية ، وتفعيل هذه القدرات في إنجاز لوحته .

 

الشكل من إعداد الباحثة


وكل شكل بسيطاً كان أو معقداً يمكن رسمه وتكوينه في حالات متعددة هي :
1 – المربّع : يمكن إظهار بأشكال مختلفة ومركّبة ، ولكنّها تتموقع في خانة التربيع ، كما يمكن تحريكه وإعادة تنظيمه تفكيكاً وتجزيئاً ، وهذا ينطبق على الشكل المستطيل كذلك .
2 – المثلّث : يمكن للمثلث أن يؤشِّر حالة الاستقرار التام إذا كان رأسه إلى الأعلى ، وقاعدته مستقرة على الأرض ، ويمكن إخراجه من حالته المستقرة هذه للايحاء بحركته حين يعمل الفنّان على تجزئته أو تركيبه من خلال إضافات مختلفة ، أو إعطائه شكلاً مقلوباً للأعلى ، أو إلى أحد الجانبين .
3 – الدائرة : يمنح شكلها المستدير تأشيرةً على حالة مستقرة ، ولكنَّ الفنّان ومن خلال تكرارية شكلها أو تجزئته أو تركيبه يمنحها القدرة على تأشير حالة حركية أو غير مستقرة .
إنَّ الشكل بوصفه واحداً من مقومات اللوحة الفنية لا يمكن للوحة أن تكتفي به ، لأنَّ الفنان كثيراً ما يعمد إلى إخفاء أفكاره أو مواقفه خلف هذا الشكل ، ليمنح اللوحة دلالات حاصرته وتفاعلت في ذاكرته فترة إلى أن توصّل إلى نقلها في عمل فني .
وكثيراً ما يكون الاتفاق على دلالة واحدة للعمل الفني مهمة صعبة على المتلقي ، سواء كان المتلقي ناقداً عارفاً ومتفاعلاً ايجابياً مع الأعمال الفنية أو كان متلقياً هاوياً لهذه الأعمال ، فالمثيرات التي تمنحها الأعمال قد يكون لها ردّ فعل ذاتي وقد يكون موضوعياً ، وقد يتباعد تحليل اللوحة الواحدة بعداً كبيراً بين متلقٍ وآخر إلى أن يصلَّ حدَّ التناقض ، لأنَّ الدلالة لا تتوقف على ما يقدمّه الفنان في عمله فقط ، بل يتوقف على { كيفية تقديمه } ، والسياق الذي انتقاه لتقديم هذه الدلالات .
من هنا يبدو أنَّ مهمة المتلقي أصعب من غيره ، لأنَّ إن امتلك معرفة بالفنان تتيح له بناء تصوّر واضح عن معطيات حياة الفنّان الاجتماعية والفكرية ، وكذلك المثيرات المعرفية المحيطة به ، وطريقة تلقيه لهذه المثيرات ، ستكون له حصيلة معرفية تعينه وتوجّه تلقيه ، فيكون بذلك قد اجتاز مرحلة الإعجاب أو الانبهار المؤقت بالعمل الفني ليصل إلى رؤية عميقة وواعية لهذا العمل تتيح له استلال الدلالات المخيفة فيما وراء الشكل العام للوحة .
اللوحة إذاً لقاء خاص جداً بين فكرين الأول منتج والثاني متلقٍ وهو منتج أيضاً ، واللوحة هي منصة التلاقح بين الفكرين ، لأنها تشتغل باتجاه عملية تحويلية إقصائية حيناً وتقريبية حيناً آخر ، وهذا بالتالي سيضيف إلى اللوحة قيمة إذا كان فعلاً عملاً ناطقاً ، وربَّما يفشل العمل في تكوين هذه الأضافات وفي القيمة الناتجة عنه إن لم ينجح في تشكيل لوحة تبعد عن نقل الواقعة الاجتماعية نقلاً سطحياً ، ويفتقر إلى دلالات فاعلة فيفرز الملل ، ويدفع فكر المتلقي وذوقه إلى اللا مبالاة ، رغم أنَّ الفنّان له أسلوبه الخاص به في التعامل مع تقنيات العمل ، من هنا تتأكّد الفكرة التي صرّحت بها معطيات الفكر الإنساني الفني في أنَّ الشكل والدلالة عنصران متكاملان ولا يمكن الفريق بينهما إلاَّ لضرورة البحث لإعطاء كل منهما حقاً واضحاً في التحليل .
عناصرُ اللوحة الفنية
أشارت الدراسات في مجال الفن إلى أنَّ انتقاء الفنّان لعنصر دون آخر ونقله إلى اللوحة كان هو المحفِّز الأساس لنشوء الاختلافات في الأساليب التعبيرية التي اعتمدها الفنّانون في انتاج أعمالهم ، ومن مفرزات هذا التوجه كان ظهور المدارس والتيارات الفنّية التي اعتمد كل منها إلى انتقاء وتفضيل عنصر أو أكثر من عناصر اللوحة، وتكرارية هذا العنصر ، مع ترك فاصل للتنويع والاختلاف ، ليكون بالتالي علامة دالة على هذا التيار أو تلك المدرسة .
وهذه العناصر هي :
1 – الخطوط ، أشكالها وأبعادها .
2 – الظل والضوء .
3 – الألوان .
4 – الكتلة والفراغ .
أولاً : الخطوط ، أشكالها وأبعادها
يعتمد المفهوم الحديث للنقطة على فكرة أنَّ الخط هو { تلاصق نقاط مع بعضها } ، فالنقاط تتجاور وتتلاصق لتتخذ مساراً مرئياً محدداً هو الخط ، فالنقطة هي المكوِّن الأساس للخط ، والخط بالنتيجة هو المكوِّن الأساس لأي
الابعاد في لوحة عاصفة:
يتشكل البُعد في اللوحة الفنية من خطوط ثلاثة تُسهم معاً في منحها قيمة تشكيلية تُعطي البناء انسجاماً واضحاً، وهذه الابعاد هي:
البعد الاول: الخط الافقي: ان تأريخ الرسم يكشف ان الفنانين بشكلٍ عام حاولوا ان يقسموا المساحة المتاحة للوحة إلى نسب اولية، وغالباً ما عمدوا إلى تجنب الوضع الافقي في منتصف مساحة اللوحة، لان مكانه يحدد اشياء كثيرة ابسطها انه يقسم اللوحة إلى قسمين مثل الارض والسماء، وهنا كان لا بدّ للفنانين من الانتباه إلى النسبة الذهبية، لان معظم الاعمال الخالدة سواء في الرسم أو العمارة تخضع لهذه النسبة.
البعد الثاني: الخط العمودي (الرأسي) الذي يتعامد من الخط الافقي، ويمنح المتلقي احساساً بالقوة الصاعدة، ويجعله يشعر بالحياة والنمو الذي نلمسه في النباتات، وبالتالي فهو يمنح احساساً بالشموخ اكثر من الخط الافقي الذي يرتبط دائماً بالسكون والراحة والنوم والموت.
البعد الثالث: وهي الخطوط التي تميل إلى داخل الصورة لتعبّر عن تلاشي الحجوم، اي العمق، وللبُعد الثالث وظيفة مهمة هي تحديد امور ثلاثة هي: المسافة، الحجم، الزمن، وهذه بدورها تُشكل عاملاً مساعداً في تأدية الخداع البصري، لانها تؤشر التدرجات التالية:
1- من المرتفع إلى المنخفض.
2- من القوي إلى الضعيف.
3- من العنيف إلى الهادئ.
4- من الصُلب إلى الهشّ.
وهذه التدرجات بالتالي تُعطي للوحة غناها وتنوع دلالاتها، وعلاقاتها القائمة في اللوحة.
ان قراءة الخطوط في لوحة (عاصفة) تكشف عن اعتماد الفنان إسماعيل الخطوط الثلاثة في لوحتهِ، فالخطين العمودي والافقي يظهران واضحين في تحديد الشكل المستطيل للعمارات الا انها لا يظهران بمظهر صارم، بل اعتمد الفنان تدرجاً لونياً للوصول إلى اظهارهما، وخصوصاً في الجهة الابعد عن العاصفة، حيث اعتمد ضربات فرشاة واضحة تحدد زاوية التقاء الخطين، كما انهما اشرا ارتفاع هذه العمارات عن الارض باتجاه السماء، والعمارات بوصفها بينية قارّة وثابتة ساعد الخطان الافقي والعامودي على اظهار هذا الثبات والقوة، رغم ظهورها بمظهر المفرّغ من دلالاته.

 
الجزء الثاني
 والعاصفةُ تتحدّثُ أحياناً
قراءة في لوحة { عاصفة } للفنان اسماعيل حمو
د. وجدان الخشاب


أمَّا البُعد الثالث فكان له دوراً واعياً في أدائه لمجموعة من الوظائف، أهمها:
1- الزمن: اشتغل الفنان في اتجاه تحديد زمن {العاصفة } نهاراً، وهذا التحديد الزمني ينكشف من خلال استبعاد الفنان للون الأسود الذي من دلالاته تحديد زمن الواقعة ليلاً، أو نهاراً ينقلب إلى ليل، ما يكشف بالتالي عن زمنها الذي يكاد يقارب منتصف النهار، وهذا ما سنتحدث عنه أثناء حديثنا عن المُكونّ اللوني للوحة.
2- الحجم: تكشف قراءة اللوحة عن ثلاثة حجوم أساس شغلت مساحة اللوحة، الأول هو العاصفة، والثاني هي العمارات الثلاث، والثالث هو الشمس.
العاصفة تشغل غالبية مساحة اللوحة، فهي تمدّ وجودها المتحرك في النصف الأسفل من اللوحة بوضوح شديد ، فلو حاولنا تقسيم اللوحة الى أربعة أنصاف متساوية لتبيَّن لنا أنّ العاصفة تشغل غالبية مساحة اللوحة ، فهي تمدُّ وجودها المتحرك في النصف الأسفل من اللوحة بوضوح شديد حيث يتشكل مركزها ، أمَّا أطرافها فتأثيراتها فتكاد تشغل خلفية اللوحة بأكملها، وهذا التركيز على العاصفة يكشف عن كونها الهاجس الذي اشتغل الفنان باتجاه نقله من ذاكرته الى عيانية المشهد.
وتشكل العمارات النسبة الثانية من مساحة اللوحة، متخذة من النصف الأعلى الأيمن موقعاً لها، لكنها لا تظهر كاملة، بل ما يظهر منها هو الجزء العلوي فقط، وبالنوعية نفسها أي أنَّها ضائعة الملامح، لا يؤشر هويتها غير الخطوط التي تحدد مساحاتها الخارجية، كما أنَّ اتصافها بالميلان يمنح المتلقي فرصة لتأويل هذا الميلان بالوقوع تحت سلسلة العاصفة، فلا هي صلبة بحيث تصمد أمام العاصفة، فتؤشر بالتالي قوة مقصودة، ولا هي مستقيمة لتؤكد حضورها بكامل ثقلها من خلال تفصيلات ملامحها.
أمَّا الشمس فهي الشكل الأقل حضوراً في مساحة اللوحة، وتقبع في الزاوية اليسرى في أعلى اللوحة، كما أنَّها بدت خاملة كامدة، لا يؤشر حضورها غير موقعها، وضربة الفرشاة بالأصفر، مما حوَّلها هي الأُخرى الى حضورٍ شبحي.
3- المسافة : تختصر لوحة (عاصفة) شأنها شأن كل عملٍ فنيٍ المسافات، وتحجزها في حيّزها الضيق لتلمَّ أشكالاً متنوعة تمتد على مسافات واسعة في حضورها الواقعي العياني، إلاَّ أنَّها تفقدها هذا الامتداد حين تتحول الى عالم الفن، فالمسافات قد تصل حد الالغاء أحياناً ولا يؤشر حضورها إلاَّ البُعد الثالث (العمق)، والذي ينجزه الفنان بحركة فرشاته ليصنع خطوطاً وألواناً تشير الى هذه المسافات الملغاة، فتكون مرشداً يوجّه بصر المتلقي لتأشير حضورها، وبالتالي فهي تشتغل في اتجاه تكوين خداع بصري للمتلقي يوهمه به الفنان لإيجاد نوع من التواصل والإقناع بين عناصر الفن الثلاثة: الفنان، اللوحة، المتلقي.
فالعمارات الثلاث تبدو في اللوحة بشكل متوالية لا يبدو منها غير وجهها الأمامي فقط، ولكن اسماعيل استطاع تأشير شئ من البُعد المختصر بين مواقعها باعتماد اللون البرتقالي الشاحب في الجزء الواقع خلف العمارة الأُولى، واللون الأقرب الى الرمادي خلف العمارة الثانية، وهذا ما سيدفع المتلقي الى الاحساس بالعمق الفراغي، أي بالمسافة التي تفصل بين العمارات الثلاث.
الظل والضوء:
تُشكل لوحة (عاصفة) أرضية مفتوحة لصراع مأزوم في ذاكرة الفنان، هذا الصراع المتمثل في الشمس كونها عنصراً ضوئياً نهارياً يكشف تفاصيل الأشياء كبيرةً كانت أم صغيرة، إذا كانت مواجهة لهذا العنصر، ويمنح الأشياء التي تقع في الجهة المعاكسة عتمةً تتيح لها الاختفاء وتضييع تفاصيلها لكونها بعيدة عن الضوء الكاشف، وبالمقابل يسمح للأشياء المُضاءة بها لاسقاط ظلها بوضوح، لكن الشمس في لوحة عاصفة بدت مجردة تماماً عن وظيفتها عن وظيفتها الواقعية، فأصبحت بلا ضوءٍ ولا ظل لأنَّها أقرب الآن الى عنصرٍ مريضٍ عاجزٍ عن أداء وظيفته الأساس، مما دفع بفرشاة الفنان الى أن تلوّنه باللون الأصفر المشع في الجزء الأسفل، وإبعاده عن الكروما (التشبع) في غالبية شكلهِ، مما أعطاه انفصالاً واضحاً عن كونه قيمة ضوئية عالية، وبمقابل هذا كان للفنان رؤيته الخاصة في امكانية تعدد مساقط الضوء في اللوحة، فشئٌ من الضوء يأتي من الأمام المواجه للوحة، وجزء آخر بدا وكأنه يأتي من الجهة اليمنى، لكن مساقطه ظلت تتركز في ثلثي اللوحة العلويين ليكشف تفاصيل حركة العاصفة الحلزونية، وبالتالي هو أشبه بالاشارة المعلنة للمتلقي للتدليل على مركز السيادة في هذه اللوحة.
والظل في اللوحة يتشكل من الجهة الغامقة من لون الحجم، ثم تُضاء بالأبيض تدريجياً وباتجاه معاكس حتى يصبح اللون غامقاً في الجهة المعاكسة للضوء.
إنَّ قدرة الفنان على موقعه التظليل والتنوير من خلال حركة اللون يمنحان اللوحة قدرتها على التعبير عن الأدوار التي تؤديها عناصرها، وتكسبها دفقاً من الدلالات، وفي لوحة (عاصفة) تبدو قيمة التظليل والتنوير متأرجحة بين القاتم والشاحب، واللون البنفسجي هنا يناوب في سلم القيم بين السواد والبياض، فالثلث الأسفل من اللوحة يتمايز خصوصاً في زاويته اليمنى بحضورٍ غامق يقل فيه الضوء مما يجعله قريباً من السواد، فيما ينتشر البنفسجي الفاتح (غير المشبع) في الثلث الأعلى والأوسط حتى يصل قريباً من الأبيض غير المشبع ، أمَّا الإضاءة الوسطى، أي الإضاءة التي تتموقع بين منطقتي التظليل والتنوير، فهي أكثر حضوراً في حركة العاصفة الحلزونية لتؤشر ديمومتها وحركيتها المتوالية التي لا تنوي التوقف.
الألوان:
اعتمد الفنان اسماعيل في بنيته اللونية للوحة (عاصفة) مجموعة من الألوان التي نشرت وجودها على سطح اللوحة انطلاقاً من دلالتها الأساس التي هي عاصفة تحاول الغاء الكثير من تفصيلات الموجودات التي تمر بها، وما لم تُلغِه تحوّله الى بقايا وهمٍ بوجوده ، وكان للون البنفسجي بتدرجاته حضورٌ طاغٍ في هذه اللوحة ،والبنفسجي واحد من مكونات ألوان الطيف الشمسي السبعة، كما أنَّه لون ثانوي في دائرة الالوان. ويشكِّل تضاده مع اللون الأخضر من خلال ظهوره بدرجة التشبُّع الناقصة حيث عمد الفنان في هذه اللوحة إلى خلطه بألوان محايدة { الأبيض أو الأسود أو الرمادي } .
وفي دلالاته المعنوية يرمز الى كل ما هو جميل في حياة الانسان، فهو يشير الى العاطفة الرقيقة والخيال أيضاً. واعتمد الفنان اللون الأخضر (بدرجة التركواز) وهو من الألوان الباردة، وله دلالات منها الخير والسلام والامل والمستقبل.
أمَّا اللون الأصفر فهو لون يرتبط بالشمس، فإذا كان قوياً فهو رمز للفرح والتفاؤل والحيوية وشفافية النفس، أمَّا إذا كان داكناً فإنَّه يصبح مُعبّراً عن عواطف غير مستقرة وغير سعيدة.
واللون البرتقالي هو أحد ألوان الطيف الشمسي، كما أنَّه أحد الألوان الحارّة، ولهُ دلالته على القوة والطاقة والحيوية.
والآن لنحاول قراءة توزيع هذه الألوان على قماشة اللوحة، وربط هذا التوزيع بالدلالات التي حاول الفنان بثّها واعلانها في لوحته (عاصفة)، فاللون البنفسجي ينتشر في أكثر أجزاء اللوحة ويبدأ حركته من الثلث الأسفل ، فالزاوية اليسرى تمثل ما هو خاج حركة العاصفة، ولكنه لم ينجُ من تأثيراتها، فبدا اللون البنفجسي متراوحاً بين أن يكون شاحباً أو غامقاً بقسوة واضحة، ولكن تشوبه ضربات فرشاةٍ بدرجات فاتحة من البنفسجي المتدرج والتركواز والأصفر، وهذا يؤشر محاولة الفنان اخفاء الأرض التي تشكل نقطة الانطلاق في موضعة العمارات الثلاث.
وهذا الاخفاء المتعمد إنَّما هو محاولة واعية من الفنان للتركيز على مُعطى آخر للوحة هو العاصفة، التي تأخذ شكلها الحلزوني من خلال ألوانها البنفسجية المتدرجة الى أن تصل قريباً من الأبيض، مع تداخل لوني التركواز والأصفر، إنَّ هذا الجمع بين هذه الألوان إنَّما يحيلُ على دلالات منها كون العاصفة الواقعية العيانية إنَّما تأخذ غالباً اللون الرمادي أو الأصفر، لكن عاصفة اللوحة هنا اتخذت منحى آخر في مُكوِّنها اللوني، وهذا ما سنتوقف عنده في قراءتنا للبنية العميقة لهذه اللوحة، والتي ستكشف لنا دلالاتها.
الدلالات:
تكمن دلالات هذه اللوحة فيما وراء عنوانها وألوانها وأشكالها المنتقاة المتموضعة على سطحها، فإذا توقفنا عند دلالات كل لون فيها سنجد أنَّ اللون البنفسجي يرتبط بحدّة الادراك والحساسية النفسية كما يرتبط بالمثالية، إلاَّ انه لون مثير للأسى أيضاً، أمَّا اللون الأصفر فهو مرتبط بالتحفز والتهيؤ للنشاط، لكنه أيضاً يشير الى افتقاد التماسك والتخطيط، فيما يرتبط التركواز (الأخضر) بمعاني الدفاع والمحافظة على النفس، فهو أقرب الى السلبية منه الى الايجابية، وفيما يخص شكل العمارات فإنَّ الفنان عمد الى اخفاء معالمها وخاصة الأجزاء السفلى التي تربطها بالأرض، مما سيمنحها فرصة النهوض والامتداد الى الأعلى، والشمس هي الأُخرى بدت سلبية تفتقد اشراقها الذي هو معلمها الأساس.
وهنا لا بُدَّ من الاشارة الى غياب الدالات الانسانية بوصفها مُكوِّنات وجودية، هذا التغييب الذي تعمده الفنان اسماعيل إنَّما يمنح اللوحة بُعداً ذهنياً يؤشر على أنَّ العاصفة حادثة في ذاكرة الفنان وفي نفسه، ويمكننا تأويل شكل العمارات الثلاث بإخراجها من وجود واقعي الى وجود آخر يتمثل في منظومة قيم مثالية مؤرّقة للفنان، تجتاح بوجودها ذاكرته وهي قيم عليا وسامية وجميلة أيضاً ترتبط بالسماء التي تحاول العمارات أن ترتفع اليها، إلاَّ أنَّها في الوقت ذاته تقف بين التحقق واللا تحقق، بين التقدم والتحفز وبين الاستسلام، وبدا الفنان وكأن العالم الخارجي لا يعنيه إلاَّ بقدر محدود يساعده على انتقاء رموزه واعادة انتاجها في لوحته، وهذا ما جعله يشتغل باتجاه اقصاء الكثير من معطيات الواقع العياني وتحويل القليل منها الى رموزٍ تعمل على تفعيل وعيه وذاكرته، لتنتج صراعاً مأزوماً قلقاً يتخلل ثنايا نفسه وروحه وقيم وجوده الانسانية.

 


 

15 يونيو, 2010

صور قديمة لمدينة الموصل

اليوم حبيت انشر لكم صور قديمة جدا لمدينة الموصل حصلت عليها من احد الاصدقاء






03 يونيو, 2010

أحزان جلالته

( جلالته )
يتكوَّر في فراغ يدور هائماً ليطلق روائح نبراته في ليالٍ ونهارات تظل تنزف عرقها ... لتنعم بدفءٍ مؤقت الحضور ينشر هذياناته ... ثمَّ ينصرف
مسرعاً ... فتعود نبراته باحثة عن دفءٍ ... لا يدفىء ... فتأرق ( جلالته ) ... وهو ينزف ألق أيامه واشراقاتها ليدفع الى كونه نظاماً وانسجاماً .. كما تدّعي اعلاناته ...
في صمت حضوره ... عيناه وحدها تمتلك الكلام ... تؤشر وجودها بحروف تراصفت في ذاكرته من زمن ، لتعلن جملة تنقلها المسافة بين كون
( جلالته ) .. والكون الآخر ... . كون ( مُعلَّق ) في رهبة استماع :
... أنا أحيا من أجلكِ ...
يكرر الهواء الساكن المُفاجأ :
... أنا أحيا من أجلكِ ...
ال ( مُعلّق ) يتسمع لحروف ( جلالته ) التي تصطف ... تشرِّع الأبواب .. تومض بأحلام .. والأحلام هواجس جوَّابة تدور في أركان جسده المغلق ... ثمَّ تطفو أمام عينه المغلقة بفعل نومٍ يقلق تاريخها وأزمنتها المنقولة عبر مكان لا يعرف حدود وجوده ... لكنَّها ـ هي الأحلام ـ مَن يُلقي بظلاله على الأشياء والأجساد ... وغالباً على الذاكرات التي تشتعل بألقٍ يتجوَّل ... ألق ( جلالته ) المسفوح في غرفة مظلمة وهاتف يوصل المسافات ... يكوِّرها لتلقط الوهج الملهوف ... ذاك الوهج الذي أراد له أن ينهض لينهض العالم معه ...
فينهض ... يرقى الى الذروة خطوة ...
خطوة ...
خطوة ...
ثمَّ يتصفَّر ...
وأنتَ ... يا ( مُعلَّق ) ... على مشجب من ظلام وضلال ... وتحلم أن تُزوَّل الى بقعة من عالم لم يفتح كوّاته بعد ... تحنُّ الى المشجب ... وترنو الى تعليقك المباح منتظراً ايقاعاً هامساً لحام هائم بلا أجنحة ... فربما ـ بالصدفة تماماً ـ يدفع جواباً الى فوهة سؤالك المُعلَّق هو الآخر .....
السؤال يتلبس بالصمت ... يتلحَّف بالندم ... وينتظر عند حافة زمن مغلق حين ينفتح .. يتقاطر لحظة ...
لحظة ...
لحظة ...
لكنَّه يسأم أخيراً ...
يسأم تماماً ...
فتنزلق مجساته المطبقة غصباً لتهجس عالمكَ المفروش بالأنياب والمخالب ... والعيون التي تدَّعي ... والوجوه التي تتقنع بجلد يتصلب ويتحفز ليرد السؤال خاوياً بلا جواب ... المشجب يترقب ... يعلن احتجاجاً لاهفاً .. وأنتَ ..
أنتَ ... يا ( مُعلَّق ) ترقب ولا تعلِّق ... لأنَّ السؤال ظلَّ مُعلِناً عن حضور روائحه ... والساعة تقرع أجراسها بدقات تُراكِمُ الساعات الأخيرات من ليلٍ موصلي ... الموصل تغرق في دفقة برد ومطر ... تنطفئ مولدات الكهرباء ... فينفتح الفضاء لاستقبال الزائر المائي المتناثر على الرؤوس العارية ... تلتم الأصابع ... فتشتبك أحلام الدفء وهواجس ليل مطير تملأ عنفوانه نبرات كاظم الساهر : أخاف أن ..
تمطر الدنيا ..
ولستَ معي ..
الآن ...
الآن ... يا ( مُعلَّق ) يرنو المشجب الى حروفك المتدفقة التي طالما تساءلت :
لماذا ... أحيا ... ؟ ... ؟





13 أبريل, 2010

قاف


قاف
ها أنت تُلملم أوراق خريف ذابل وأنين شجرٍ عرَّته أنامل الخريف الموحشة ... تراودك رغبة احتضان شرابك المعتَّق ... تنفتح شرايينك لابتلاع آخر قطرات الزجاجة الفارغة علَّها تلمُّ أعصابك في فجر لاهث ... تدور بقاياك بوجه أزرق وعينين مرعوبتين .. لا تدمعان .. تنقبض أصابعك فتقطر منها الدماء ... دماء ترمي اليك بندائها الأزلي :
قاف ... قاف ...
يسقط جسدك في ظلِّ حائط منسي بلا ملامح .. تمرُّ قوافل الأزمنة وظلال الجبال .. تنهض الصحراء من سأمها ليقذفك رملها العاري بنداء يتوحش حتى تقطر عيناك
قاف ... قاف ...
محفورة هي رموزك على وجه جبلٍ موجود ومتواجدٍ معاً... غائب ومتغيب معاً .. لكنه حين يفتح ثغرة تطلق نبراتها تعويذة تتساقط مطراً ونيازكاً وبقايا اخدود عتيق .. يظلُّ يصرخ :
قاف ... قاف ...
قابيل .. قاتل .. قاتل
تصمت الريح .. يثور الغبار .. يبتلع عينيكَ فتزحف باحثة عن ومضة طوفان .. لكنَّها تسقط في بئر العتمة .. تستيقظ الشاهدة .. ينتفض القبر .. ينادي:
هابيل .. ياهابيل
آنَ لكَ أن تغافل الأكفان ..
آنَ لك أن تقتل الصمت الغائم في موجة بكاء ..
آنَ لك أن تفتح مساحةً للضوء لينهمر كثيفاً ومريراً..
هابيل .. يا هابيل ..
آنَ لصوتكَ أن يدفع بالصهيل عبر الصمت المطوَّق بغبارٍ ودخان لينفتح أفق للغبار .. ويغفو الدخان مباعداً ما بين جفنيه .. صارخاً :
يا قاف ...
قابيل .. قاتل ..
بدايات الخريف تزحف .. تمزِّق جفنيك نسماته آسنة ومغبرة معاً.. تخترق ثقوب جسدك أول شعاعات الشمس لتومض إليك بصوتها المعبَّق بالعماء:
يا قاف ..
أما مِن بذرة في بستانك الخريفي تنتظر ارتواءً تباعدت أزمانه ؟
أما مَن يروِّي العطش الساكن في جسدك ..وأصابعك تذرع أزقة تمتلئ بعفونة مهيبةٍ تجول وتزكم ؟
أما مَن يُسقِط أحزانكَ عند ظلال شوارع أظلمتها الخطيئة والدماء ؟
أما مَن يمنح قلبك المتعرِّق ظل شجرة .. ويغسل وجهك من دمائي وغباري ؟
أنا هابيل في ظلِّ شاهدةٍ وأنت تموج في وهج الدخان والشكوك .. تمتد الأرض تحت عينيك بأفقيةٍ لا تعرف الاستدارة ولا الانحناء .. يحتضنها الماء ليمنع رملها من الضياع .. لكنَّه الرمل لا يكفُّ عن الانسراب ليغتسل في طهر الماء .. وقدماكَ تخوضان في الرمل وحين تصلان الى حافة الماء تهرب أمواجه لئلا تغسل خطيئة تلبستْ جسدكَ الهائل .. فيما تطلُّ السماء موحشة ونائية معاً .. وتقطر .. ليظل غبار الخطيئة يملأ عينيك وذاكرتك ..
مَن يفتح السديم ليطلع منه النقاء مسوداً كبقايا احتراق تعلَّمَ ارتياد
الهواء .. تعلَّمَ اصطياد جذور الشجر العالقة عند أعمدة سماء تترافع مرات ومرات .. وأنت كبقايا احترق تبدو ... غائماً في موجة ضياع .. والسديم يصرخ :
قاف .. قابيل .. قاتل ..
ينفتح فمك لينثر الغبار صارخاً :
ياهابيل ..
ظلك مرسوم على كفي وعينيَّ .. وبيني وبينك الطوفان والقرابين والضَلال والأخطاء ..
يتردد الصدى :
ظلك مرسوم على كفي وعينيَّ .. وبيني وبينك الطوفان والقرابين الضَلال والأخطاء ..
تصمت الريح .. يهدأ الغبار .. فتنهض الأكفان لتركض في شمس نهارٍ باكٍ ومبكٍ معاً .. ترمي بشعاعٍ تشابكت في ظل هدأته اهتزازات شجرٍ مورق ... فتنفتح المسافات وينهمر الماء طهراً وعذوبةً ونقاء يعلن :
العصف آتٍ والغيث تعلنه قطرة ...
فربما تغتسل به أصابع الأخطاء ...

06 أبريل, 2010

نبشاً لارقامهم


الرقم ـ 1 ـ
مطر
مطر
مطر
السيَّاب يتوارى بعيداً عن مطرٍ ينكأ جراحه التي غرست أشجارها في قلبه أو ... قدميه ... الأشجار تفرُّ من رذاذ المطر / ترتدي عباءة من ذعر / المطر يحيلها رماداً ... رماداً / اسطورة المطر أرَّقت الشجرة / أرَّقت السيَّاب في ندائه :
مطر
مطر
مطر
نداء / هذيان عصبٍ محمومٍ يتوهَّج بالحرف وصفحة ورقةٍ صقيلةٍ وأصابع امرأة تمزِّق الجراح التي لا تندمل / أصابع تنثر الحروف والخيالات والنخيل والقمر / تعود لتختفي في عمق جرحه النازف ... ويثور السيَّاب / ينبش ركام لغته / يبعثر روائح قانون العَروض / يعانق دخان الحروف والأفعال والبحور / لتنهض القصيدة من رماد الحريق فتحرق الأصابع والقلوب ... يا ...سي .. ياب ... الآن ... لا فرق / بين ( هو ) و( السيَّاب ) ...
والرحيل يستعد دائماً لخلط أوراق الحضور / الرحيل هاجسنا ... يتدفق / الرحيل أرض بوار لها أنياب وأظفار / الرحيل دم ٌ يُراق على صفحة قلبه النائي ( قلبه هو ) السلوخ الجلد منذُ أول هبوط له في قفار الارض وحتى عودته الى ظلِّها العميق ...
ـ والآن ؟
الآن ... في اللعبة / لا فرق بين المحارة والصَدَفَة ...
أو .. ربما .. فرق ..
الصَدَفَة التي ترقص على حافة عصب محارتها / تنغمر المحارة في لهفةٍ تحنُّ لنداءآتٍ جوَّالةٍ في عالمها المسوَّر بالكتمان والعتمة ...
كهف الصَدَفَة وطوق التكتم والصمت الماثل في سقف المحارة وجوانبها / لتغفو الصَدَفَة ...
ـ هل تغفو الصَدَفَة ؟
هل ؟ ؟ تغفو ...
لكن :
مَن يرصد عصبها النازف ؟
مَن يسمي أعصابها الملفوفة بصمت نهارها الليلي ؟
مَن يمدُّ حافات أنامله لينبش غفوتها الشفافة ؟
ها أنتَ ...
هاهو الآخر ...
مَن منكما الصَدَفَة ؟
مَن ينبش عصب الآخر ويحوِّله الى لمعانٍ تتناقله الأصابع ؟
أمس ... أمس فقط ... انتقل عالمك ـ المحاري أو الصدفي ـ لا فرق ـ الى وجود ممكن ... ها أنتَ تقف عند حافة الابتداء ... ابتداء في دائرية الزمان ... ابتداء في أُفقية المكان ... أو ربما هو ابتداء نقطة محبوسة في غيمة توقفت في فراغ / ترنو الى اعادة ربطها بجذرها القديم / وتمدُّ عصبها الى مسارها البدئي الجديد لكنها ...
تقطر
تقطر
لتدفع
المطر
المطر
المطر
عالمكَ ظلَّ يحلم بالمطر ... ولكن
لا مطر ...
لا مطر ...
الرقم ـ 2 ـ
أنتَ تقف على قدم واحدة / العالم يقف على عكازة واحدة / ويضطرب لاصطفاق الريح بالريح / الريح التي تطير وتنتحب / العالم بأنيابه الصدئة / جموحه / كوابيسه / راياته ... رايات القراصنة التي رفرفت بجمجمة وعظمتين ترتكز احداهما على عصبٍ نافر من الاخرى ...وتسبح بتوالٍ مُدرَّبٍ على القتل في بحار من قسوة جوَّالة / طيور البحر الحائرة / المردة / وجه البحر / جبال / وديان / أشجار هرمة / طرق / أميرات / حُفاة / أوراق / نجوم / خبز وتفاحة / كلُّها تقيم على مداخل البحور / توغل في عمقها / تغتسل بزخة مطر مفاجئة دافئة / ثم تنسرب الى حافة البحر الاخرى لتركن الى حكيم معتوه نسيه العالم وقتاً ما ... ويحلم ـ هو الحكيم ـ بأن يغيَّر العالم ؟
أنتَ تقف على قدم واحدة / تتحطم تتقولب في نقطة مؤثرة على خارطةٍ ما ... موجة دافئة من أشعة شمس تدفع بظلكَ المضخَّم الى جانب واحد / طرق تدخل اليها منسحباً من عالمكَ ، موغلاً في عالمها الذي يدور ويلتهم كدوامةٍ في نفق مهجور ... تائه عن زمانه ... عن مكانه / قنوات من الشوك والصخور والجماجم وبضعة من حلم خافت / حفر صغيرة تشعُّ بماء الربيع وتسبح في وهجها أحلام طفل وابتسامة ربيع ينهمر ليودِّع ...
ينحني العالم أمام صخرة ناتئة من سفح جبلٍ تطاول ترابه / تطاولت صخوره لتشرب ماء غيمة شاردة / العالم بدا الآن موحشاً . . . متجلداً ... خابياً ... وأنتَ أليف مغلوب تدفع ببصركَ عبر وادٍ يتقعر ويُظلِم رؤاكَ ... يحترق / ليرمي اليكَ ما يشبه النداء المشع : إلحقْ به بروتيوس * فالظهيرة تبدأ للتو ... بروتيوس وجسده يغادر البحر ليغفو بين صخور الشاطئ وادعاً كعشِّ عصفور اختبأ بين أغصان تنفرش بضخامة ظل / يغفو برتيوس وتغفو معه النبوءة ... تغفو اللحظات القادمات ...
اِحلم ْ أن تمسك به أصابعكَ وتنطِّقَهُ ... نبوءة إثر نبوءة ستنطلق مصوِّتة ...
إلحقْ به ... الظهيرة تبدأ للتوِّ ... تنسحب الصخور بلا ظل ... ويحكُّ بروتيوس نبوءآته ... أحزانه ... جسده ... عائداً الى البحر الغارق في عتمة هدوء وصمت محشوٍّ بالعواصف
اِجلسْ الى حافة صمته ... أو عواصفه حتى ظهيرة قادمة ... قد يطفو بروتيوس فيها / فتمدّ أنيابك / أظافرك / مخالبك لتستجدي النبوءة التي أشرقت في ذهنه / ليعلنَ عن رقيم طيني اختزنته ذاكرته :
أراها مخالب رماحٍ ملمّعة / تمدُّ رغبتها في لقاء دمائه التي ستهبُّ على الرمال/ دماء
أسد تستفز مخالبه دماء تحدِّقُ في بؤرة عينيه / يقفز مشحوناً / يصطدم بالهواء
ورغبات النبال والرماح التي ينهال حقدها وطعنها / ينتصب الأسد / ينهال الحقد /
المخلب يقطر ألماً / العين تخبو / الأرض تغرق بالدم الحار ... الرماح تلهث دماً
ونصراً ... الأسد يتكوم في ضجة دمائه .
عند حافة النبوءة ارتمت عيناكَ ... لتبكي ... العالم يفقد عكازته ... وأنتَ تقف على حافة أناملكَ ...
الرقم ـ 3ـ
القمر في ليلة من لياليه قبل سقوطه في حوض ماء / صرَّحَ :
اِنسخْ لي قلباً يحتضن نبضي / اِزرعْ لي خلية تمردٍ في عينيَّ أو فمي / انسخْ لي عينيكَ ... ربما بكيتُ في عمقهما لحظة ... ثمَّ ... أتمردُ وأعودُ فارتكب أخطائي ...
الماء بارد ...
القمر ...غادر مبتلاً لينكسر في زاويةٍ ما / نظرة عينيه صمتٌ مشدود الى سطور لوحٍ صلصالي محفور بحروف تقدحُ شرار النار والموت / سطور تلمُّ الموت من أزمنة مهجورةٍ وتقذف به الى ازدحام لحظة تمتدُّ بين النظرة
والذاكرة ... هناك حين تركن النبوءة وقدرها الذي ينغمس في خصلات أعصابنا/ في أظافر أسناننا / في مخالب أفواهنا / ثم يركن القدر عند شاطئٍ مغمور يستمع لتراتيل النهر والليل والأحجار ... لكنَّها عواصفه تفور دائماً من عمق نهر يثقلها الغبار والدمع / هذا القدر وعواصفه التي تخترم أعصاب نباتات ربيعية / تعبث بزوايا شوارع مسكونة بهمس المارة وصراخ السيارات / تجترح امتدادات السقوف الملطخة بالسواد ... ثمَّ تخيّم مرّة مضافة عند حافة لسانٍ قَبَعَ في فمٍ مُعلَّقٍ بين الهدأة والفوران ... لسان يخاف أن يبتلع النبوءة ...فيعلنها :


يا بديل ...
محشور أنتَ في ثقب باب يئزُّ ... يرمِّش لكَ بتاج ومقعد أثريٍّ وصولجان
مُذهَّب ... وأيضاً بحاشية كاذبة ...
يا بديل ...
ها أنتَ تُدرَّبُ لتركض في وجه نبوءة ورعدٍ وصاعقة تنتظر لحظة انفجارها / باب اللحظة ممهور بانغلاقٍ وفتح يعربدان / وأنت محشور وتتسقف بحلم عرش وتاجٍ وصولجان ...
ويتأخر الحلم ...
وأنتَ تقف على أصابع من دخان تبعثرَ على وجه أرضٍ جرداء ... تنظرُ
اليكَ ... أنتَ / منبوشاً / صائحاً في وجه نهار غريب / منبوشاً / لكنَّك ... لا تزال قامة تفترع الهواء / لكَ عين صامتة ترقبُ / وعين تشرد في هدوءِ بكاء / لكَ ذاكرة صخَّابة تسأل الوجوه :
مَن يمنح وجهي مرآة ؟
مَن يمنح جسدي نسخة اُخرى تواجه وجعي ؟
مَن يعلِّق وجعي عند بوابة حلم يتجرَّد من البكاء ؟
مهجور ... أنتَ .. يابديل ...
مهجور مهجور تنكفئ ثمَّ تتسرب عيناكَ الى نهار يملؤه الظل / تهرب أصابعكَ من حلم مغلق الى باب ظننته مفتوحاً ...
ـ أي باب ؟
ـ وتسأل أي باب ؟ باب مقبرة متعفن ينكث الصمت / يحشر الأجساد الدافئة الى برودة صدر أُمٍ حنون / الليل موحش يقفر من ضحكة أو بكاء / والأجساد الراعشة تخنقها هواجس غير معلنة / المقبرة تنتظر لتقاتل ... لوح الصلصال يصرخ / تلتمُّ الآلهة / توقد نار الوشايات والهذيان والأسئلة ... تعلن حالة انذار :
السُلالة ...
انقذوا السُلالة...
الحاشية تهدر :
السُلالة ...
انقذوا السُلالة ...
يتجزأ الصوت ليتصدى ويمتدّ / يلتمُّ ويهدر :
آن لكَ يابديل أن تمهر الباب والعرش والحاشية
يستدير البديل ليراه ـ الصوت ـ منحرفاً الى اُّذنيه / يهرب منه / يتشتت الصوت ... يتجمع ... يلوب البديل لكنَّ الصوت يحرق منحدر النظرة وليس الأُذن... ليتسآءل :
هل أُغافل صحوة النبوءة ؟
هل أهربُ من صراخات ألسنةِ الآلهة التي تدفع بحروف حارقة الى فسحة الفراغ لتكوِّن رؤيا الزمن الدائر على عجلات من نار ...
تدفعها ويهبط الحرف صائحاً :
اطمروا الملك في غياهب الأرض لتحفظوا حياته
ادفعوا البديل الى فم الصاعقة ليتلقى شؤمها ... عصفها ... حرائقها ...
منذور ... للعرش / يابديل / أنتَ رجل ظليُّ في شمس العرش والنبوءة / والملك رجل شمسي في الظل حتى تلقف الصاعقةُ البديل ... لأنَّه ... منذور لنبوءة تنسب الى جثث حجرية تنام واقفة ...
تتلوى النبوءة وتصرخ :
منذور ...
منذور ...
والبديل تائه تعصف به الأسئلة :
أهو أنا مَن رأى الشاهدة تخفُّ اليَّ خطوها ... لتسكب رائحة القبر في أعضائي؟
أهو أنا مَن رأى الغبار ينحني ليغفو بين جثتي وشاهدتها ؟
عيناي ... أصابعي تتبعثر ... تقرفص في هامش لوح الصلصال ... تتهجى انحرافات الخطوط علَّها تطوِّح بألغاز الحضور والغياب / غياب ملكٍ وحضور بديل / ونبوءة تدوِّي وحتف يلمع و يرصِّع الأكاليل ... والعيون / حتف يطوف ويسطِّر أحاديثاً وأحداثاً مسقوفة بالخراب / و رمح يحتلُّ الصباح وتقاطع الطرقات وبسمة الأطفال ...
وأخيراً يتدثر بيباس أرض غادرتها ألسنة اللهب ولونَّها الدخان ...
سكت القمر عن التصريح ... وانزوى في عمق حوض الماء ليشرب ...
ويبكي ...




15 / 1 / 1999
نشرت في مجلة ( المسار )
تونس ، ع 43 ، 1999

28 مارس, 2010

للمرايا نبشٌ آخر


وتبيتُ أصابع الغربان في أعشاشٍ ورقيةٍ سوداء / بدءاً توقفت قوةٌ ما تتأمل صقالة القصب الذهبي في أرضها الأسيانة ثم امتدت أنيابها – محكومةً برغبة الافتراس – تسحبُ الصقل بعد الصقل / على وجه أرضٍ لم ينحفر أثرٌ ما لتمردٍ يهممُ مأزوماً في جوفها / وحيداً ومنعزلاً ظلَّ الرملُ الموحلُ وصقالة القصب – القصب إيّاهُ – تغادرُ دون أن تلتفت ....
تهيم / تختلط / تنفردُ / وتعودُ ببياضٍ باردٍ خاملٍ / لورقٍ مبسوطٍ لخطوطٍ لا تلتقي لكنها تستقبل حبراً يقودُ أدمغةً ما لعبور خط الرؤى عبر الحرف المتراكب / حرف يتحدَّبُ أو يتقعر وربما يتوازى أو ينكسر متناحراً مع انكساراتِ عيونٍ لا ترى السماء ولا ترى الظلال المتدفقة إلى أعماق الأفق / أسراب من عيونٍ تشدُّ بعضها إلى العمق النازلِ بكلِّ سطوتها / تهوي / حيث الأنفاس تتجمَّدُ على الشفاه .. والثلجُ تراكمهُ الريحُ على مدِّ أجسادها التي بدت للحظةٍ قلاعاً محصنّةً بذرور الأعشاب / أسرابٌ تتعثرُ بالفراغ / ترسف في أغلالِ دخانٍ ينبعُ من عينيها / يمزِّقُ الحدقات ثم يمرقُ إلى الرماد... أربعاءُ الرمادِ أم سبت الرماد ؟
تخبو النار / تتوارى الجمرات / تتهامسُ وتضحك من ألقٍ كاذبٍ ثمُ تُفلٍتُ الساحرات / بلا أغلالٍ ينطلقن / يعبرن سور سليمان / يلقين ماءَهن نثاراً في تنور يفور بما تراكم في جوفهِ من دمعٍ وأفكارٍ وهواء / الرماد المبلل / يصقلنهُ / يدعكنه بالزيت وشيء من نار أنفاسهن ثم ينبشن النخاع تلو النخاع / يعبئن الرماد ولعنة الحرف في مرايا النخاع / يصقلن فراغه الأجوف بُفتاتٍ من أساطير ورغبات وشيء يشبه السراب ... ؟
يا سبت الرماد أم ... يقظة الرماد ؟
رماد أدمغةٍ عاثَ الحرف بتراكماتها وبعثرها في إشراقةِ شمسٍ ما .
على بياضٍ صقيلٍ / ليس دائماً / لمقصوصةٍ ما ، ينطرحُ الحبرُ مُطوَّقاً بسحرِ بؤرة الإعصار / يفتحها / تفيض جيوش الغربان في ظلِّ رغبةٍ قاصفةٍ ترتعدُ وترعدُ / الغربان تندفعُ .. ترصدُ تُسجِّلُ ومضةَ واقعاتٍ مُضببة هنا وخفقة تلوح هناك / لكنها تعنيهِ / هو / المفتون أبداً بجنونٍ مُقدّسٍ يلتهم صخور اتزانه الصماء / فتنبض السيوف والطرقات تحت لهيبٍ يقدح لعجلاتٍ وقلوبٍ تفرُّ بأقدام أو ربما ... بلا أقدام / تندفع الغربان بعد رشفةٍ لتستحيل عيوناً تقطر بالأخبار أو ربما أقلاماً داجنة تُحلِّقُ بدءاً من أوهامنا وتطيّرنا وانتهاءً ببصمةٍ فاحمةٍ تغادرُ أصابعها وتبقِّعُ بياض أرشيفٍ ما.
مَن يهجسُ حرقة البُراق ؟
مَن يدفعُ عينيهِ في دورةِ عجلات عرباتهِ ؟
لهُ وعليه البركات واللعنات / تنهال معاً / ومعاً تقرعُ الرؤوس / تنفضُ الخوف من معاقل الرقاب / تلقمهُ المنَّ والصُبّار من غيمةِ الهباء / بل ... مَن يلحقُ غبار الآشوريّ ؟
يلحقُ ... ؟
(71)
 
بل ... ينحني مرتجفاً / ينسحبُ لينطوي لاهثاً بهمهماتٍ تجرُّ الهمهمات مثلما كان سرب الأنفاس يعلنها حيناً ويتعلَّب بها حيناً وهو ينجرُّ أعمى وراء السنوات الأخيرات من القرن الثامن قبل الميلاد .. والآشوريُّ تجرُّ خيولَهُ النصر والأنفاسَ معاً ... مسحوقةً في ظلِّ حبالٍ مشدودة الأنفاس / وتعلو / تعلو ضحكات خيولهِ لتصلَ إلى قلبِ قرنها السادس قبل الميلاد ونبوخذ نصّر يُعلِّب الانفاسَ ذاتها بالحبال ويلفُّ عُصابة الغارِ على نقوشٍ تعلن لهُ :
منذور وهجُ عينيكَ وأصابعك لحروفٍ تُشهِدُ رمالَ الصحراءِ على زوابعها وطوفانها.
(73)
 
بهدوءٍ مرسومٍ تخفتُ موجةٌ – حرفٌ سقط في الوهم النهريّ سهواً – وتنزلق من عرضِ المسارِ المحكومِ بدقائقهِ وثوانيهِ لتكركر هامسةً مع حافةٍ تترقب هي الاخرى / عينا الموجة تتألقان من تشفٍ آخر بغرابٍ التهمت عتمةِ مدوِّناتهِ سمكة ما / فراغات مرئية ما زالت مفتوحةً لتحمِّعِ شتاتِ غربانٍ فَرّت من اغراءِ أسماكٍ – براقةٍ – لكسرِ حاجزِ الماء / لتظلَّ غرباناً يُعطِّل لمعانها مُدوَّناً يستقبلُ عرباتٍ خضراء تركن إلى فخرِ خيولها .. تغادرُ البيوت المجسمةِ بدقةِ شعاعٍ شمسيّ هابطٍ .. راكضةً عبر مئات الأميال من طوفان شمسٍ ساطِعة.
منذ الثالث قبل ميلاد الأعشاب والبنّاء صافن على سُلَّمٍ من أغصانٍ رخوةٍ ، يُرسِّمُ استقامة جدارٍ من ذكرياتِ طحالب مائعة لا تشدُّ ازرَ بعضها ... ويمرُّ غرابٌ فلتت منه رائحة السرب ... يُلوِّحُ لهُ البنّاءُ بوردةٍ ويحمدُ الله.
يندفعُ الغرابُ باحثاً عن خفقةِ جناحٍ تشبهُ طردَ الشخير إلى فراغٍ يتأهبُ/ شخيرٌ يعلو .. لكنها الصحوة – أبداً – لا تحرج لذيذ الاغفاء !
السربُ واقف في الهواء ...
[ منذ الألف السابع قبل ميلاد الفراغ]
والآن ... تستمرُّ تمارين اغفاءٍ هاديء لسرب الحروف أو مفردات النسور ... في ظلِّ سماءٍ تصفن هي الأخرى لتفكر :
هل تغفو ؟
تغفل عن رائحة طوفانٍ صالَ وتمرَّغّ ألف سنةٍ قبل احتجاب الظلام ؟
السماء في ظلِّ صفنتها تتذكَّر رائحة طوفان / الطوفان يتمرَّدُ / يندفعُ منطلقاً ... ناشراً سعادة فوران تدفعه الأرض من ثقوبها لتُغرِقَ وجهها !
أترى !
ثمَّة دائماً ما يُغرِقُ الوجه ؟
فيما السربُ – ما يشبه ريشةً تقتفي أخرى – يُعلِّمُ الهواء بعلاماتٍ تنبش الآثار وتُعرّيها / وبعثرة النسور تنتظر انفضاض الماء لتنقضَّ ...
الشمس تأتزر غيمها / داكناً / دون أن تتلفتَ ... تخلعهُ .. لينكثَ حبّاته الملّونة على أكتافنا / حبّات لا تغسل ولا تزيل مثل حبرٍ أبيض أو أسود
يخفي ... وأبداً ... لا يزيل.
طوفان !!
وإيّاهم يدفعون بالترانيم أصابعاً وكفوفاً يقطر منها الدعاء / المباخر وروائحها الصاعدة الى انوف آلهةٍ ينفسحُ المطرُ على رؤوسها ودموعها .. ومع ذلك لا تمتصُّ دعاءً ولا تدفع بهِ إلى تحققٍ .. يدور الدعاء ثم يتنافر محموماً نحو العماء.
منكوث هو المطرُ ...
محكوم عليه أن يظلَّ منكوثاً ...      
تُسرّحه الغيمة بعد انحباسٍ يتطفل دائراً في جسدها ثم يندفع عبر عينها الوحيدة إلى وجودٍ ما لم يَعُدْ يشبه بخار نقيع الزهرِ الذي اغترفته شفتاها / العسل روث نحلةٍ / المطر سائل غيمةٍ / ونحن ...
 أنا ...
 أنتَ ...
 مُخلفات أجيالٍ من أجسادٍ موبوءةٍ بالتكاثر المُدجَّن ...
 أنا : أنت / ساديّ ومتعثر ومع ذلك تستمرُّ وتفترعُ دون انقطاع !!
الغربان تترقبُ ... السربُ واقف ...
والحرف مطر ينشد مدوناتُ لفائف و أساطير تفلتُ من قيدِ صحفةٍ يؤرقها التناسخُ لتحلِّقَ وتلحق بسربٍ آخر تماماً – لم يكن أبداً سرب غربان – يحلّق في أفقٍ ماطرٍ موهوبٍ لذاكرةِ عاصفة ترمى غبارها بلا انقطاع ...
مطرٌ !
مأزوم يحوِّمُ / تتلقفهُ الأرض / تدفع بهِ إلى شرايين غافية تشمُّ رائحة الماء / تتناهضُ / تهيل تراباً / لتعلو ... دائماً يعلو مُدوَّن مقصودٌ تماماً / اسطورة حرفٍ كلَّما توغلتْ عيون زجاجية في غيابات حضورهِ زادَ نفور الحرف من صمتها مخطوف الملامحِ.

أترى !
(75)
 
الاساطيرُ / دائماً / مرايا تصوِّتُ / والمُدوَِّنْ مرايا تثرثرُ بالبكاء / وللمرايا نبشٌ آخر / أما الرؤوس إيّاها فأكواخ يتناثر طينها ... يتعالق مع طحالبَ تضطربُ لتلوِّثَ شروخاً برزَ منها ما يشبه الآذان التي ترمي ما يصطدم بها إلى عراءٍ عيونٍ صقيلةٍ لا تمتصُّ ولا ...تعكسُ ....
والمُدوَّنُ يُلوِّحُ ، أنفاسه تُشقي وتُظلُّ الخوفَ والهلعَ لذاكراتٍ تشطحها الأغلالُ وفرقعةُ همومٍ لا تنطفئ ...
غيابٌ .. منذ اللحظِة الألف قبل اصطيادِ شمسِ نهارهِ الخجلى ومازالت الكفٌّ إياها – كفُ محمود جنداري - تُلوِّحُ لنصٍ مقترِحٍ ، وآخر يدور في فوضى احتباسٍ / أصابعه تشيرُ إلى مصاطبَ تتفيأُ في شمسٍ ما ، هل نجلسُ عليها آلهةً مفعمةً بالخيبةِ لهذا الزمن المتهالكِ في مَتربةٍ ؟؟
أم نجلسُ إليها فتحيلنا بين قدميها حجراً ؟
وإيّاه يلمُّ الغيظ والفخر معاً ... ومعاً أيضاً يشدُ الدمعَ بخيطٍ من
كبرياء ... يعلقهُ أمام عينيهِ ، فينقطع خط الرؤية وتنأى المسافات / حينها يبدأُ بتوضيع الكلمات والرغبات وما بدا لهُ ثمراتٍ غافلاتٍ تنشطُ للبكاءِ وتنسحبُ بعد حينٍ بجفاءٍ يتوالدُ مثل الجرادِ ...
الجراد ...
 الجراد ...
والحصادُ مُلوَّنٌ / المناجلُ مغلّفةٌ بتأجيلاتِ موسم القطاف / قطافٌ ذهبيٌ التوقُ ... والجرادُ / كما رأيناه دائماً يتأهبُ بطلاً قبل نوايا الحصاد ...
الذات نهاراتها مركونةٌ إلى ليلٍ مذبحٍ ينزوي في عمق الغبارِ بانتظارِ قلوبٍ تدمى وتخفق دافعةً هتافها إلى مجرى مغلقٍ يجتازُ فراغَ السماء – تفتح الشمس ثقوبها وتمتص الهتافَ لتدفع الدماء الحارة شعاعاً مسبوكاً من جحيمٍ ينفتحُ على الأجساد ...
 أما سألتني مراراً :
 لِمَ الشعاعُ حارٌ ؟!
ويبيتُ السؤال مخنوقاً في ظلِّ صيفٍ ينهض قائماً وينشرُ الجمرَ والأحقادِ
لتظل الكلمات إيّاها صدى يلعن ما يقال / يلعن ... فيحترق السؤال ....
وإيّاه مرةً مضافة ...
يلتصقُ بكرسيٍّ يغفلُ تماماً عن التصاقه به ...
يدفع عروقه النافرة لتصبَ دماءها في جمودِ أخشابٍ لا تنتمي إلاّ لأشجارها / إدفع به دمكَ إلى غور عرقكَ ... فقط / لأنَّك ..
الآن ...
الآن فقط ...
 لا تبدو غراباً ..
 بل تبدو محملاً بنوايا سربِ غربانٍ ...
والغربان / من أول غرابٍ سجّلَ حضوراً في أوراق الهواء إلى آخر غرابٍ كفَّ عن الحضور واندثر في سجل الرملِ / كدّسوا المرايا ... خزّنوا في وجوهها العاكسة زفير الأشياء / تحركات الجوامد الخافتة ...
الغربان والجراد يحمِّلان الخرابَ سوءَ نواياهما ... فيستعدُّ – إيّاهُ – ليدفعَ بعتمةٍ شفافةٍ تدفن السوء وتثير غبارَ همومٍ بدت دائماً دامية ...
إيّاه .. كفٌّ تلوِّحُ للخرابِ ....
الغربان ...
طاروا ليبعثروا سواد ريشهم في اشراقةِ عقولنا / ليغرسوا لؤمَ حناجرهم في أوصالنا فنغرقُ في كوابيسَ متداخلةٍ تشتمُ بعضها .. وتغوصُ بهدوءٍ ... تغوص في عوالمنا الملفوفةٍ بعتمةٍ شفافةٍ تطوفُ بها .. فتركنُ إلى تلالٍ رمليةٍ تفزعها أنفاس عاصفةٍ فتفرُّ في كلِّ اتجاه .. مثل خيولٍ مُجفَّلةٍ تسجلُّ بصمةَ حوافرها وملامح وجهها في كهوفٍ تختبئُ بعيداً عن شعاعٍ هائمٍ لشمس نهار ...
أشتات ...
أشتات ...
من غربانٍ سوداء / بيضاء / مُلوَّنةٍ تشكِّلُ منظومةً من أصدافٍ باليةٍ ومرجانٍ مُحطَّمٍ ترامى على هامشٍ حاشيةٍ تالفةٍ لمُدوَّنٍ ما ...

د. وجدان الخشاب Headline Animator