السبت، 21 فبراير، 2015

الكاهنة تؤشر

الكاهنة تُؤشِّرُ     { قصة }
                                                             د. وجدان الخشاب
                                                                    العراق     

الكاهنة تفتح نهارها مع انسحاب شمسٍ حمراء ... انفتاح يُمزِّقُ لحظة هبوط الظلام بتمائم وأدعيةٍ وبخور ... تضئ كهفها الذي بدا كخرائب مهجورةٍ بأنفاس شمعةٍ تتقدُ لتهبط الرؤى والأحلام أو ربما لتفرش ذاكرات تعودت الانطواء في كهفٍ جمجمةٍ ثقيلة ... فتدفع كوامنها عبر لسانها إلى ضوء الشمعة المنتظِر ... الشمعة تمتص البخور والحروف لتواصل احتراقاتها .. ثم تنفثها لتعبِّق الكهف بروائحها .. الكهف وثنيات حيطانه يُقلّبُ تاريخاً لنهارات وليالٍ أضاءتها النبوءات والأصوات اللاهثة المتسائلة .. الوجوه المغبرة ... والهموم التي تركت آثار مرورها على الأجساد .. رنا الكهف إلى الكاهنة ورنت هي باتجاه بابها تنتظر أنفاسا حائرة ... ربما تقرع الباب محمَّلة بأسئلة ومخاوف وتراكمات مستقبل ينتظر في ركن أظلمته الأيام ...
        طال انتظارها وهمس تمائمها وترانيمها يعلو .. روائح البخور والأعشاب تفور وتغفو... الكهف والشمعة يرقبان الكاهنة فيما هي في غفوة انتظار فتوقظها طرقة على الباب.. باب تعلن بقايا أخشابه عن أنينها وهي
تنفتح ... تندفع روائح البخور والانتظارات... الأفكار والذكريات ... الرعشة والترنيمة تصدم جسده مرتبك الأنفاس .. مشدودة خضرة عينيه إلى همومٍ وتواريخ تدفعه ليعبر تجويف الباب ... أنفاسه تسائل عينيه :
أما آن لها هذه الأقدار أن ... تنفتح ... ؟
        بصمتٍ مرتبكٍ تعلنه رعشة أصابعه دوران عينيه الخضراوين وهي تتسع لتستطلع المكان …… شفتاه تنطبقان وتنفتحان عن همسٍ مذعور الحروف لتكرر السؤال :
أما آن لها هذه الأقدار أن ... تنفتح ... ؟
        بحواسٍ مفتوحةٍ تتلقفه الكاهنة .. يدور لحظةً أمام عينيها ثم تتسارع الحروف على شفتيها.. تمتمات تجرُّ تمتمات .. التعاويذ تسجّل حضورها .. رائحة البخور تعود تغمض عينيها وتشبك أصابع مرتجفة تهبط أنفاس المكان في قعر السكون
        يرتعش جسده مبللاً بعرق يوشّح حضوره .. هذا الحضور المنتظِر لانطلاق نبوءةٍ تمنح لحظته المؤرقة تاريخاً ومستقبلاً تغمره ارتعاشة يرقبه الكهف .. تهمس الكاهنة بحروف أوراقها الصفراء تمد أصابعها لتمنح بؤرة النار اشتعالا آخر تتمتم .. ترسم أوفاقاً تؤشر زوايا مربعاتها توزع الحروف والدوائر توصلها بخطوط أو تفرّقها بعلامات تتلو أسماءً وترنم .. تعلو همساتها وتخفت .. همسات تلقي بظلال الرهبة على المكان .. المكان يخترقه الصمت تماماً جسده يتكوَّر في زاويته الظلماء .. والمساء في أوله .. لم يتثاءب بعد تمتد أصابع الكاهنة المعروقة لترمي إلى النار ما يؤجج روائحها   يتحدُّ حضورها وأنفاس الدخان اللاهثة التي تعلو وتنشر ظلالها على الأشياء .. يخترقه صوتها الثاقب ليعلن نبوءة دارت في أفق ذاكرتها .. ثم وجدت طريقاً إلى شفتيها :
        أراها .. شجرة زيتون وحيدة تنشر ظلها المبقّع بفجوات ضياء .. يرقبها القدر والأقدار انتظارات ولهاث لزمن لم ينهض بعد .....
        زمن ماء يعوِّم أجساداً في ثنياته ... لكنَّ سمكة وحيدة ترنو ...
 تدور .. ثم تغادر لتركن إلى ظل شجرة الزيتون بانتظار نثار الماء ....
        قدرٌ ... والأقدار دائما في انتظار ..
        انسحب جسده خارج الكهف كلمات النبوءة تنحفر على صلصال أعصابه ... شرايينه.. خضرة عينيه .. تجتاحه تساؤلات ... حروفه تهذي ... والأزمنة تمر على ذاكرته... أزمنة برّاقة .. شاسعة ... مختصرة ...
مُدوًّرة ... لكنها أحيانا كثيرة لا تلتفتُ إليه... بلهاء تعدو ... يطلق أنفاسه إلى الهواء ... يدور... ويحمل النبوءة ... يعرضها على قمر يترقب وشوارع تنفرش ... وأجساد تغفو في ظل هدوء .. يمرُّ بها على وجه الماء فتلقفه سمكة كانت ترقب أنفاس الليل وهدأة الماء ... يستقر في ثغرة ذاكرتها .. فتنسحب إلى عمق الماء لتخبئ قدراً منتظراً ... جسده محارب ينحبس في قيد رغبة .. كلما هدأت صلصة القيد تسآءل :
        أما آن لي أن أُرحّلها هذه الأزمنة من واقعها المقيد بتراتيب وأنساق لا تفكّ أسارها عنها... إلى فضاءاتٍ تفك ألغازها الأمطارُ ... ؟
        أمطاري أنا التي تناثرت على أرضي تموج بتوهجات شباب يأتلق ويرنو إلى شجرة زيتون تنفرد بظلالها التي توارفت في ظهيرة خامدة .. زيتونة تشابكت أغصانها لتدعو الشفاه الضامئة إلى الاستظلال ببردها العميق فينتشر وهج اللقاء ...
        لقاء يدندن للنهار كي يغفو ... للأنفاس كي تترحل بعيداً ... للصمت كي يُقيم احتفالاً... اللقاء ...
        هكذا هو دائما ... ينقش شارات تتقاطع عند مفترق السنوات ... ومفترق النهارات... ثم يستلقي على الأرضٍ هشةٍ لينام خاشعاً لقمرٍ يهزأُ بالنهارات المكسوّة بأشعة شمسٍ وضجة عرق الأجساد .... .
        تغفو خضرة عينيه ... توقظ الكاهنة النبوءة ... ترسِّلُها شعاعاً إلى ذاكرةِ جسده فتمنحها وضوحاً وصفاء ... نبوءة توقظ أشياء خفية لها حفيف يضئ غوافي ذاكرتهِ ... ينعش فورة الدماء في شرايينهِ الفتية ... فتبدأ بإيقاد لحظة كانت تغفو في هدوء حلم ... لكنها الآن تراود خضرة عينيه لتؤشّر رنو سمكةٍ تصعد من عمق كثافة مياهٍ باردة إلى وجه الماء .. تجول في عالمها المائي ... ترصدُ خفاياه بعينين زجاجيتين وهو يضجّ بأجسادِ أسماكٍ
باردة ... أسماك تعيش انتظاراتها لهبوط أيام دافئة ... فتصعد لترمي بيوضاً صاخبة عند حافةِ النهرِ .. ثم تفلت عائمة لتُغرِق وجودها في أعماقه المعشبة الغبراء ... .
        جولات ... وجولات ووجه الماء يُشرق بوهج شعاع ساطع ... تطاولت عينا السمكة إليه ... صدمها وهج أخضر يخترق الماء ... شدّها إلى وجه الماء ... عَوّمت متسائلة عن هذا الوهج ... وأحلامها تستيقظ ....
        بهدوء خافت مَدَّ الجسدُ عينيه الخضراوين لتفتحا أبواب الرمل وروائح الليل المخضل بالعشب والوحل والنجوم عَلَّ النبوءة تنبع من العالم المائي الذي تُطل عليه ... فوجئت السمكة بعوالم تُشِّعُ خضرة تنهالُ ... شفاه تقطر ... أحلاما ونبوءات تستيقظ من مكامن غائرة في ذاكرتها لتعاود حضورها الآن ... حوار ... وحوار ... ليالٍ ونهارات ... والكلمات لا تنحرف عن الرسوِّ في أركان جسدها ... ركناً ركنا ... حتى ثارت السمكة على عالمها ... ارتمت على الرمل ... امتصت حرارته وروائحه ... غباره بدأ يغزو ماء جسدها ... يجفف ذاكرتها ليزرع فيها روائح الشمس والشوارع ... والسقوف ... روائح الأحلام المضيئة ... مَدَّ الجسد أصابعه ليُمسِّدَ جسدها فتناثرت القشور ... قشرةً ... قشرةً ... قشرة ... تطاولت الزعانف لتستحيل أصابع وكفوفاً وحناناً ... مَدَّ أصابعه مرةً مضافة ... فتناثر زجاج عينيها .. انطبق جفناها على أرض الحلم ... حلم من عالم أخضر يُشرِقُ بلا أغلال ... . فيما النهر يضيع بين التثاؤب والملل ... يرقص أحياناً مع أوراق شجرية جافة ... مع أعواد كانت أغصاناً مورقة ومؤرَّقة بخضرتها ... لكنها الآن تندفع بقوَّتهِ التي لا تعرف القهر أو التوقف... الآن يرفس السنوات وشعاع الشمس .. يرقبُ أصابع صغيرة عارية لطفولةِ أسماكٍ تجوبُ ثناياهُ فتوقظ حرائق طفولته ... يستذكرُ سمكةً حبسها أعواماً في جوفه المظلم لكنها الآن تعوم وتزهو بعبق الرمل ... ودفئه فتغفو ويغفو العالم المائي ....
        في ضحى نهارٍ شمسي أيقظ النهر فرحٌ خفي ... فاندفع يعبر
الأنابيب ... يجتاز مساحات الرمل ليستلقي نثاراً على جسد السمكة وهي تخبئُ ارتباكها ونشوةَ ألقها المتوهج المسكون بخضرة طافحة ... خضرة باركت عالمها الذي أصبح الآن رملياً ... يترحَّلُ إلى فضاءات تتبادل العتمة والضياء ... الفرح والألم ... التوهج والإنطفاء ... ثم تعدو لتبارك نشوتها بوهج نثاره المتقافز عبر أنبوبٍ ينفتح ... فتعدو قطراته المعبقّة بروائح المطر حيناً وروائح النهار أحياناً ... الأجساد ونثار الماء والنبوءة التي بدت الآن مثل شمسٍ تسطع في ظهيرةٍ حادة ....
        الكاهنة لملمت بخورها ... أحجارها ... كتيباتها المصفرّة .. روائح النهرِ .. رؤاه... رؤاها ... خبأتها في دولابٍ لم تعرف الشمس طريقاً لكشف خباياه ... أقفلته لعل ذاكرتها تفرغَ تماماً ... فينتهي ليلها النهاري بنداءٍ مدوٍّ يخترق الفضاءات ترددهُ السمكة مع (فانون) :
أترى ؟
أصبحت الثورة ضرورية وممكنة في عالمٍ (ي) بات يعي أنّه ليس أمامه ما يخسره غير أغلالهِ


منشوراتي


الأربعاء، 18 فبراير، 2015

منشوراتي


البوصلة والفخاخ

البوصلة والفخاخ   { نص }
                                                                      د. وجدان الخشاب
                                                                          العراق

.... الآن فقط أطفأت العيون مشاهدها ، فتراكمت أفعالها كوماً كما يبدو ، لتنشئ مشاهد أُخرى لم تدخل في تأريخ هذه العيون المحسومة هي وأكوامها معاً / أمَّا الستائر ... تلك التي كانت تحكم العزلة بانسدال ثقيل ، كان لها أيضاً ضوء خافت مرير ، بشع ومشّع معاً ، يتكوّم خاشعاً لتراتيل عرّافه / لتراتيل مختزنة في ذاكرات ساومت عليها ومعها العصور ،  لتعبر إلى لسانه الذي يخافت بها خوف الضوء نفسه ، وكأنَّه هو الستارة ذاتها / أمّا السرداب فكان كرة بلهاء تهوي في فضاء أبله ، يتلطخ بعفونة عصر هنا ، وآخر هناك ، وآخر هاهنا ، فتدور عينا شيخوخته ، تلاحق دورتها وصورها { احسميها وقوّلي مشاهدها } لتصعد التراتيل بنكهة قوَّتها الفريدة في أن تظلَّ حارّة في ظلِّ هذه السقوف والجدران ... ثُمَّ تعاود لتلاحق ومضة عينين وخفقة شفتين .
... الآن فقط ... أطفأت مشاهدها ...
الستارة واهنة كالعادة ومثقلة بتلك الحبكات ابتداءً من حبكة حياكتها وحتى حبكة الذي يجري خلفها / أمَّا هي فتنتظر الزوايا لتختضَّ وترمي ظلال أمانها على جسد قطةٍ ما تدفع مواءها وأمان صغيرها إلى أُذنين هاربتين / بينما الفانوس يتخافت بهدوئه المعتاد وتخفت معه الأنفاس { بل قولي أكداس من الأنفاس } ليتها توقف بعض هذه المشاهد ... توقف مدَّ حروفها إلى قلب عرَّافها هذا ... وتدفع أعرافه إلى مساءٍ قد يبدو مزرّقاً فيما بعد ...
فلِمَ لا تكفُّ هذه القطة عن هذا المواء البشع بنعومته وخبثه ، وقد انسحبت القشعريرة والبرد كل إلى مركنه !
لكنَّ المعنيَّ بالغناء لا يغنّي إلاّ بعد هذا المطفأ الذي لم يعُد بريئاً تماماً ، وهو يستعد لينصب فخاخاً من قلق عصرٍ غُرز فيه عنوة ، ليصبح مثل قفل يبحث عن خزانته ... هذا القفل الذي يخفق في المزاليج ولا يُعثر له على صوت ، حتى يتوقف تماماً عند مفترق الطريق ، ليختزل لحظات سوداء تتأرجح بين كفيّ إحكامٍ هائل القوَّة ... فيهبط / دائماً يهبط في ظلام المزاليج الذي لا ظلام سواه / يهبط تحرسه العيون ومشاهدها التي تتحوَّل إلى ما يُشبه افتراساً مُعلناً ومتفقاً عليه ، لا لشئ إلاَّ ليلمِّع آثاره الدامية أو ليضئ دموية آثاره ...
الآن ... الآن  فقط ، أطفأت العيون مشاهدها ، والبوصلة تراوح بين انحناءٍ وانفراج يدفع بها إلى نفاذٍ عنيف في عالم بدا لثوانٍ مهتزاً تماماً / يهجر العصر المارُّ امتداده وينحسر في عتمة يمزِّقها قوس مروره هابطاً بنفاذ مطلق العنان لصقالة المظهر التي تتفيأ أنصالها وتفتتُ كلَّ شئ إلى أعراف أو أُصول تعرفها جيداً ... ولا تمدُّ لها كفّاً / لا تمدُّ لها عيناً ، لتكشف أبراجاً يحرسها العزَّل والقتلى وبنات آوى / لا تمدّ له اصبعاً ولساناً لتدفع بهما إلى قلب هذا الرماد ....
الآن فقط يهبط هذا الذي يبدو ظلاماً وخوفاً ... يهبط في فرن يقظٍ ، نزيله الوحيد هو هذا معدني الأهداب الذي
يتقاسم الضوء والحرق مع الفرن / الهدوء والسيولة / العيون التي ترى إليهما ... هو والفرن ... تقاسمهما الرماد والحدادون / الآن يرى المسارب مفتوحة على السماء ....
يرى التراتيل تتهارب من بين الأصابع والشفاه إلى دروب لمَّحت بخصوبة في وقت ما / والآن ... دموع المرتِّل تعابث الطريق / تهجر الضوء وتنثني لترقد هناك / الأصابع والشفاه وترتيلةٌ أُخرى يختضُّ بها فرنه ...
لا حبر ولا أصابع تلملم سكون الرعشة وهلوسة الكلام ... { أي كلام } ؟
ألسنة وآذان تنهار رعباً من هذا الكلام / من كبرياء بحجم هذا البكاء / ولا تكفُّ القطة عن دموعها ولمعان عينيها ... لا تكفُّ عن المواء ....
الآن ... الآن فقط ....

دخان وعتمة ... أكداس من مشاعل وبقايا أحزمة من غبار / الآن فقط تُطلق العيون مشاهدها لترى إلى غضبٍ يرتِّله العرّاف في خيمة لعينين مطفأتين تبدآن الآن { أيضاً ؟ } بالانفراج عن سماءات ترتِّل لتبصم بنكهة هذه التراتيل مشهداً تسنده الأعراف والعرّافون .

الجمعة، 13 فبراير، 2015

قاف

قاف
                                                                        د. وجدان الخشاب
                                                                            العراق


ها أنت تُلملم أوراق خريف ذابل وأنين شجرٍ عرَّته أنامل الخريف
الموحشة ... تراودك رغبة احتضان شرابك المعتَّق ... تنفتح شرايينك لابتلاع آخر قطرات الزجاجة الفارغة علَّها تلمُّ أعصابك في فجر لاهث ... تدور بقاياك بوجه أزرق وعينين مرعوبتين .. لا تدمعان .. تنقبض أصابعك فتقطر منها الدماء ... دماء ترمي اليك بندائها الأزلي :
قاف ... قاف ...
 يسقط جسدك في ظلِّ حائط منسي بلا ملامح .. تمرُّ قوافل الأزمنة وظلال الجبال .. تنهض الصحراء من سأمها ليقذفك رملها العاري بنداء يتوحش حتى تقطر عيناك
 قاف ... قاف ...
محفورة هي رموزك على وجه جبلٍ موجود ومتواجدٍ معاً... غائب ومتغيب معاً .. لكنه حين يفتح ثغرة تطلق نبراتها تعويذة تتساقط مطراً ونيازكاً وبقايا اخدود عتيق .. يظلُّ يصرخ :
قاف ... قاف ...
قابيل .. قاتل .. قاتل
تصمت الريح .. يثور الغبار .. يبتلع عينيكَ فتزحف باحثة عن ومضة طوفان .. لكنَّها تسقط في بئر العتمة .. تستيقظ الشاهدة .. ينتفض القبر .. ينادي:
هابيل .. ياهابيل
آنَ لكَ أن تغافل الأكفان ..
آنَ لك أن تقتل الصمت الغائم في موجة بكاء ..
آنَ لك أن تفتح مساحةً للضوء لينهمر كثيفاً ومريراً..
هابيل .. يا هابيل ..
آنَ لصوتكَ أن يدفع بالصهيل عبر الصمت المطوَّق بغبارٍ ودخان لينفتح أفق للغبار .. ويغفو الدخان مباعداً ما بين جفنيه .. صارخاً :
يا قاف ...
قابيل .. قاتل ..
بدايات الخريف تزحف .. تمزِّق جفنيك نسماته آسنة ومغبرة معاً.. تخترق ثقوب جسدك أول شعاعات الشمس لتومض إليك بصوتها المعبَّق بالعماء:
يا قاف ..
أما مِن بذرة في بستانك الخريفي تنتظر ارتواءً تباعدت أزمانه ؟
أما مَن يروِّي العطش الساكن في جسدك ..وأصابعك تذرع أزقة تمتلئ بعفونة مهيبةٍ تجول وتزكم ؟
أما مَن يُسقِط أحزانكَ عند ظلال شوارع أظلمتها الخطيئة والدماء ؟
أما مَن يمنح قلبك المتعرِّق ظل شجرة .. ويغسل وجهك من دمائي وغباري ؟
أنا هابيل في ظلِّ شاهدةٍ وأنت تموج في وهج الدخان والشكوك .. تمتد الأرض تحت عينيك بأفقيةٍ لا تعرف الاستدارة ولا الانحناء .. يحتضنها الماء ليمنع رملها من الضياع .. لكنَّه الرمل لا يكفُّ عن الانسراب ليغتسل في طهر الماء .. وقدماكَ تخوضان في الرمل وحين تصلان الى حافة الماء تهرب أمواجه لئلا تغسل خطيئة تلبستْ جسدكَ الهائل .. فيما تطلُّ السماء موحشة ونائية معاً .. وتقطر .. ليظل غبار الخطيئة يملأ عينيك وذاكرتك ..
مَن يفتح السديم ليطلع منه النقاء مسوداً كبقايا احتراق تعلَّمَ ارتياد
الهواء .. تعلَّمَ اصطياد جذور الشجر العالقة عند أعمدة سماء تترافع مرات ومرات .. وأنت كبقايا احترق تبدو ... غائماً في موجة ضياع .. والسديم يصرخ :
قاف .. قابيل .. قاتل ..
ينفتح فمك لينثر الغبار صارخاً :
يا هابيل ..
ظلك مرسوم على كفي وعينيَّ .. وبيني وبينك الطوفان والقرابين والضَلال والأخطاء ..
 يتردد الصدى :
ظلك مرسوم على كفي وعينيَّ .. وبيني وبينك الطوفان والقرابين الضَلال والأخطاء ..
تصمت الريح .. يهدأ الغبار .. فتنهض الأكفان لتركض في شمس نهارٍ باكٍ ومبكٍ معاً .. ترمي بشعاعٍ تشابكت في ظل هدأته اهتزازات شجرٍ مورق ... فتنفتح المسافات وينهمر الماء طهراً وعذوبةً ونقاء يعلن :
 العصف آتٍ والغيث تعلنه قطرة ...
 فربما تغتسل به أصابع الأخطاء ...

منشوراتي


أحافير ذئب يموء

أحافير ذئبٍ يموء  { قصة }

                                                                        د. وجدان الخشاب
ارتمى محترقاً ..
الدخان والالام سحائب تتبادل اعتصار هذا الجسد ، وترمي به إلى قاع أجوف / اسقطي وتناثري واخفيها هذه الأنفاس المضببة ...
دائماً تبدو مضببة ...
أيّتها الالام اوقفي مدَّ لهب يدفع بإشارته إلى شمس تشعل قمم الأجساد وامتداداتها / تتقدم ببطء وثقل لاكتساح أدمغة مضغوطة متدغلة / ترمي – هي الشمس – بنداء أولي ، ولكن ... هاتين العينين لم تتعودا الرنوَّ إليه  ، بل يبدو أنَّهما لم تعودا محشوتين بذاك الفضول للنفاذ إليها أو الاصطدام بإشعاعها / قاسية تلك الهرة وهي تسحل لصغارها فأراً يختلج / تسفحه لتلك الأعين الملوَّنة بصعقة من مخالبها / تعوث الأنياب بعدها تفتياً وتدميراً / لم تعُد صراخاته تعني – فقط هي التي تعني – افتراسات مصطفة ضدي ! هل أبدو مثل مذعوراً مثل الفأر في قصة العراك ؟
ها أنتَ مضغوطاً مرّة أُخرى ... تدفّـقْ ....
تدفَّـق إذن أو انقرضْ !!
الأجساد حشد مسفوح على أرضيات تصطبغ بأدران الأقدام التي تعلن حفاءها ، فيشعلها الحفاء دافعاً ضجيج تعبها وعرقها إلى صمت مُقفل تماماً / لكنَّ نبراتي أبداً لم تلتصق بما يصدر عن هذه الأجساد ، وما انتمتْ إليها  
/ نبراتي دائماً مُجنّحة ...
تدور ، تداور ... لكنَّها تعود إلى ما يشبه جسداً لي لتعلن انتماءً مؤكداً ... له !
أين الإضاءة التي تمنح العين صلابة أُخرى ؟
أين الإضاءة التي تحرق الظلال والأصوات الساكنة والمغادرة معاً ؟
الإضاءة الهاربة تنزاح بعيداً عن أجساد خاوية تنكمش في غياهب حزن يتحرك ما بين ألسنتها ودمعها / الدمع يهبط في عتمة سنوات ظلّت تتراكم / السنوات ... هل كانت مفتوحة لاقتناص أثرٍ ما ؟ الآثار بلهاء ... تزحف صوب الرماد / الرماد بلسم لعيونٍ محمومة ، أرّخَ لها نومها وصحوتها / وأرَّخ له احتراقاً يغلفه الدخان / أنفاس الذبابة تفترس الهواء .. لا .. بل تعبُّه لتدفع إلى النور ملايين الأفراد الذين يعلنون انتهاء صيف آخر / يرسل الشتاء رائحةً تبشِّر بانطلاق مُجلَّدٍ جارفاً بافتراس أبله كل ذي حرارة ...
صيف أم شتاء ؟
قمر أم شمس تتشتى ؟
متى يكتمل القمر ؟
نداء أولي آخر / أصوات بحّاء ترتفع إلى فراغ ممتد / أصوات تشبه عواءً ما يرتدي الآن ثوب مواء ..
يموء ...
يموء ...
عند اكتمال القمر ... يموء ... وتموء أيام أُرِّختْ له في سجل افتراسات تُمزِّق وتفتتُ / أين هي تلك الأيام ؟
أكداس ، أكداس من مكاسب ومخاسر ، تحضر ثمَّ تنطفئ أضواء ذاكرته .. بل هي صخرة ذاكرته التي عشعش الهرم في ثناياها ، وصبغها بزرقة انطواءٍ هرول عبر الشرايين والألياف ليتموضع داخل عينيه ، فيحوِّل  وهج تحديقها الليلي إلى بلاهة / بلاهة عاشبة حلوب .
ذئب أم حلوب ؟
والبلاهة ذاتها والسنوات عتمة تتراكم كما يتراكم عشب الربيع ، فيخفي ملامح الأرض الجرداء ، أمّا القمر فهو سطح مضاء آخر / يتوسّع / يتكامل ببياض شاحب تمنّاه سواداً يلفُّ ويعيد تشكيل افتراسات له تتأرجح في ما يشبه ذاكرته / وحين أحسَّ أنَّ القمر يدفع بضيائه إلى وجوده بدا منخولاً تماماً / أصابعه تناثرت مخالبها / الضباب يقبع في الفراغ الممتد بين عينيه والكون / كل ما يمر عبر ذاكرته هو نتوءآت تبسط سطوتها الصارمة وتثقِّب جسده بالملح والوحشة معاً ...
 ذاكرة مجنونة ...
وخزة أُخرى ويهبُّ من غفوة تنساب على ما يسمى جسده / أريج دماء تخفق في مكان قريب ، تُعلن عنها شهوة قضمٍ لعشب طري ... فرائس ، فرائس ولا إقدام .. بل لا أقدام تحمل الأنياب إلى وليمة الدماء التي تهتف ...
الغبار ورائحة الزحام /
الأجساد النابضة /
الدماء المتراكضة داخل جلود ليس لها فطور تمرُّ الأنياب عبرها لتغرق في عبير طراوة تقطر وتدفع لمهزلة تُسمَّى لذة الإفتراس .
ذئب أم كومة ذئب ؟
عيناه تتلصصان دامعة خافرة / تقبع في زاوية مظلمة لعالم مضئ / تنتظر بقايا تعافها أنياب ما / وحين لا تجد ترفع عيناً خاملة لسماءٍ بدت أمامه مشطورة للحظة لتمرَّ عبرها توسلاته المتهالكة ... تذكَّر الأحكام التي تساقطت والتقطها متورطاً ... ذلك الحصان التائه في الملكوت / حصان يشبهه تماماً / التقطها متورطاً في لحظة غفلة لتجعله يركض ساعات مضاعفة / يحتضن لسعة سياطٍ تُظلِم عينيه ، حتى إذا اشتعل العطش أطفأه
بماءٍ عكّرته قدماه ، لسعة سياط تبدو أقرب لأحكام تجور ... وتجور حتى تخوض في عكرة طغيان مُعلن .
هل تنفتح الأيام فتشرق من جديد ؟
هل تلتقط التوسلات مثلما تلتقط الأجسام الخضراء اشعاعات الشمس ؟ فتنبسط على جذع ينتصب ويظلُّ يتطاول ناشرها – سطوحه الخضراء – تحت سماء تدفع بشمسها وأمطارها إلى المطابخ الورقية التي تزفر بخارها حاراً يدفئ الأدعية ويدفعها صوب سماءٍ ما !!
توسُّلٌ آخر يمدُّ أنامله الخريفية لذاكرته التي أضحت الآن خرافة / ولا تنوي منحه مطراً ولا رعداً يبلل الجسد ويدفع إلى الأنياب يقظة لارتشاف دماء حلوب أو غزال ، دماء معكرة بخوف وفزع .
هواجس كل ما بقي هواجس !
هواجس ممسوخة تتصاعد نحو سماء حين رفعت أصبع القدر تقاذف الضرام المقدَّس ليحرقها / هواجسه / افتراساته / تحديقاتها الليلية / روائح ما بعد المطر / الضرائح الصارمة السكون / الدود الأعمى / البراقع البيضاء لأيدٍ متثعبنة ماكرة / الدماء الخافقة الزرقاء . . .
ارتجاف
ارتجاف
خافت تماماً يخترقه ليتزامن مع عراءٍ – كان الصوت يحتجزه – لكنَّه الآن ينفلت من مكامنه زاحفاً بجنون نحو ذئبٍ يرتجف ويتأرجح ...
الذئب ... الآن
يموء
يموء
مواء قطط جرباء تنفق عند حافة عالمها الأخرس ....

                                                                                          

منشوراتي


د. وجدان الخشاب Headline Animator

د. وجدان الخشاب