الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

وتستمر الحياة

وتستمر الحياة           
  قراءة للوحة {حلم واحد} للفنان التشكيلي ماهر حربي
                                               د . وجدان الخشاب

اللوحة من وجهة نظر الفنان التشكيلي ماهر حربي رحلة ممتعة تبحث عن عوامل انبنائها واكتمالها من خلال معرفية دقيقة تحفر في جذور الماضي ، تستنطقه محاورة إياه حواراً مفتوحاً.. متسائلاً .. تشاغله .. ثم تفتح له أبوابها.. التاريخ ببعده الزمني لا يزال يثير ذاكرة الفنان ماهر ، كما يثير فرشاته بمفرداته ورموزه وقصصه فمن الآثار القديمة جداً التي قد تقارب ال (8) آلاف سنة إلى معطيات القصص والأحداث والمواقف المسيحية التي خلّدها التاريخ ناقلاً إيّاها عبر استمرار زمني مفتوح ، لتكون سلسلة طويلة متماسكة تعلن عن حضورها بعد رحلة شاقة من البحث والدراسة والتفكير والتأمل وتراكم الخبرة كان النتاج مجموعة كبيرة من اللوحات المثيرة لذاكرة المتلقي ، والمثيرة أيضاً للتساؤل عن كيفية اشتغال الفنان ماهر وهو يلمُّ التاريخ ثم يضفي عليه لمسة من روح عصر النهضة ليكون النتاج لوحات تشي بخصوصية اشتغالها ، وفرادة مبدعها ؟
تتنوّع مفردات لوحات الفنان ماهر بين ما هو رمز ديني ، أو معطى طبيعي ، أو موروث غائر في الـقِــدم ، أو ما هو ماثل للعيان في الواقع من أبواب ونوافــذ وجدران وغيرها .
في مشاركاته الكثيرة { 120معرضاً ، منها 7 معارض شخصية داخل العراق وخارجه} كان تفكيره أن ينتج ما يريده هو ، أن يحيل المتلقي إلى تجربته التشكيلية ذاتها ، لا إلى لوحات المناسبات ، ولا إلى اتخاذ الفن سلعة للتجارة ، بل الفن في كينونته التي تعلن أنّه رسالة يرسلها الإنسان إلى الإنسان ليشاركه همومه ومعرفيته وتأملاته ، لذا تجد الإنسان ماثلاً في كل أيقونة رسمها ، وكل جدارية كنسية أنجزها.. وهي تحاور مشاهد تاريخية ، ومواقف دينية ، وتعلن رؤاها الفلسفية الخاصة ، ومن هذه الجداريات ما نفّذها داخل العراق ، ومنها خارجه .

 
  هذه واحدة من لوحاته تحمل اسم { حلم واحد } عرضها عام 2000 في المعرض الافتتاحي لقاعة { الساعة } للفنون في مدينة الموصل ، وكان عنوانه {صالون الخريف الأول} ، نفَّذها بالزيت على قنوجة {قماش خشن الملمس} بحجم 50-60سم.
الخطيئة الأُولى قصة ظلّت تثبت وجودها على المدى الزمني الطويل بحضوراتها المتنوعة في مختلف الأجناس الابداعية والمعرفية ، فأصبحت مثار إلهام وبحث دائماً ، تثير الباحث فيعيد سردها ومحاورتها ، مضيفاً إليها رؤاه الخاصة .
في هذه اللوحة يعيد الفنان ماهر تشكيل الحدث من جديد عبر رؤية متفردة من خلال تكوين اعتمد على أشكال وتفصيلات سأُحاول إعطاء كل شكل منها استقلالاً مؤقتاً لغرض البحث ، ثم أعود فأربط هذه الأجزاء ببعضها لإظهار دلالاتها ، وهذه الأجزاء هي :
1- الأرضية .
2- الشكل البيضوي الناقص .
3- الجسدان داخل الشكل البيضوي الناقص .
4- التفاحة التي يحملها الرجل .
5- الشجرة .
6- الشكل الزخرفي .
اشتغل الفنان باتجاه تكوين حدد فيه كتلة الرجل والمرأة داخل شكل بيضوي ناقص التكوين مما يؤشر محاولتين اعتمدهما ، الأولى منهما تحمل دلالة الكتمان والتخفي داخل الشكل البيضوي ، والثانية تحيل إلى قدرته على كشف هذه المحاولة من خلال كشف المستور داخلها بإزاحة قشرتها طولياً ، مما جعل الجسدين الإنسانيين في مواجهة المتلقي بشكل مباشر ، فالمستور إذاً أصبح مكشوفاً .
إنَّ مشهدية هذه الكتلة تكشف عن تآلفٍ حميمي بينهما ، وهذا ما يتبدّى من خلال الطريقة التي اختارها الفنان في إظهار جسديهما المتقاربين ، وكذلك علامات السكونية والاستقرار التي تشملهما ، رغم حركية المشهد المتمثلة بطريقة جلوس كل منهما ، حيث التقارب الكثيف في الجزأين العلويين لهذين الجسدين ، والتقابل الواضح الملامح للجزأين السفليين منهما ، والخطيئة تعلن عن بداية حضورها من خلال التفاحة التي يمسك بها الرجل ، ولم يقضمها بعد ، بل تؤشر حركة يده استعداده لقضمها ولتقديمها للمرأة بدليل اتجاه حركة يده نحو جهة المرأة .
يُشكِّل إضافة الوشم لجسد الرجل محاولة في انجاز أكثر من وظيفة أراد له الفنان أن يؤديها ، فهو جمالية مضافة ، وإغراء مضاعف ، وتكرار شكلي للخطوط المنحنية التي تُمثِّل لحية الرجل ، وإفادة من خاصية التصغير التي تقابل التفافات شعر كل من المرأة والرجل .
تلفت انغلاقة أجفان كل من المرأة والرجل انتباه المتلقي مُحيلة إيّاه إلى دلالة الانسحاب الكامل من المحيط الكائن حولهما ، وهو انسحاب نحو المشاعر الداخلية الكامنة والمستورة بالنسبة لهما ، وهذا يُشكِّل تضاداً كاملاً مع حقيقة أصبحت الآن واقعية بسبب انكشافها للمتلقي من خلال وقوعها في حيّز مرماه البصري .
إنَّ استمرارية الحدث { حدث الإغراء بالخطيئة } تؤكدها فكرة اختيار الفنان لشكل البيضة الناقصة التكوين لاحتجاز الجسدين داخلها ، والبيضة محمول رمزي له دلالاته في الذاكرة الجمعية البشرية من حيث الكينونة ، فهي رمز للانبعاث والتجدد الحياتي ، كما تؤشر الأمل والرجاء بالاستمرار الوجودي للكائن الحي عبر التناسل ، إذاً البيضة هي : البذرة ، الاستمرار ، التناسل ، والخطيئة هي الأُخرى مستمرة ومتناسلة ، ولن تعرف التوقف .
هنا سيطرح التساؤل نفسه باحثاً عن إجابة :
لماذا اختار الفنان ماهر كتلة البيضة الناقصة تكويناً ، ولم يجعلها كاملة ؟
في محاولتي للبحث عن إجابة لهذا التساؤل ، لا بُدَّ لي أولاً من العودة إلى الشكل الأصلي للبيضة الذي هو الشكل البيضوي الذي يحيل إلى الشكل الهندسي للدائرة ، حيث يمنح شكلها المستدير تأشيرة على حالة مستقرة {تعادل القوى} ولكن الفنان من خلال تكرارية شكلها أو تجزئته أو تركيبه يمنحها القدرة عل تأشير حالة حركية تتسم بانعدام الاستقرار ، وهذا ما سينطبق على شكل البيضة أيضاً بوصفها شكلاً مشتقاً من الدائرة ، لكن ما فعله الفنان ماهر في هذه اللوحة هو اقتطاع ثلثها الأسفل والاكتفاء بثلثيها العلوي والوسطي ، مما منح شكلها قدرة على الاستقرار ، ينضاف هذا إلى أنَّ التموضع العمودي للبيضة يمنحها استقراراً كذلك .
سأقف عند فكرة الاقتطاع هذه التي لفتت نظري ، حيث أنَّ الفنان ماهر نفــذَّ هذا الاقتطاع بانسيابية ومرونة عالية تمثّلت في الانحناء الهادئ للخطوط بعيداً عن الزوايا الحادة ، وهذا ما تجسّد أيضاً في الاقتطاع الطولي للبيضة ، فكسر قشرة البيض واقعياً يعطي خطوطاً منكسرة ومتعرجة حادّة الزوايا ، لكن الفنان ماهر اعتمد الخطوط المنحنية ذات الشكل الأقرب إلى الأملس ليتوافق مع الخطوط الأُخرى أولاً ، وليمنح دلالات اللوحة ثقلاً ثانياً .
الشجرة هي الأُخرى لها رمزيتها أيضاً ، لترابطها مع قصة {الخطيئة الأُولى} ، ولتحقيق هذه الرمزية حرمها الفنان ماهر من شكلها العام الذي تعرّفت عليه بصائرنا في الواقع العياني ، وهو الشكل العشوائي غير المنضبط بسبب انتشار الأغصان ومحمولاتها الورقية بعشوائية عالية ، لكنَّ الفنان هنا أعاد انضباط هذه العشوائية حين أحاطها بخطٍ منحنٍ حوّلها هي الأُخرى إلى أقرب ما تكون إلى البيضة شكلاً ، مؤكداً ترابطها العميق مع الشجرة أولاً ، وترابطها مع موضوعة اللوحة ثانياً ، بدلالة امتداد جذعها بشكل انسيابي لتتماهى مع حافات البيضة ، وشبه الإنحناء الذي تمظهرت به وكأنَّها تُـظِّـلُ الجسدين .
مع أنَّ الفنان ماهر منح شكل الشجرة ثقلاً كتلياً واضحاً ، إلاَّ إنَّه ثقل أخف بكثير وأقلّ مساحة من كتلة البيضة ، وهو بهذا يمنح المتلقي دلالة أراد إبرازها وهي تخفيف الاهتمام بأسباب الخطيئة ، وتركيزه على نتائجها ، ولهذا منح كتلة البيضة والجسدين مساحة احتلت نصف اللوحة الأسفل تقريباً ، وهنا سنجد تساؤلاً آخر يمثل أمامنا :
لماذا اختار الفنان ماهر النصف الأسفل من اللوحة لموضعة البيضة والجسدين ؟
يتأتى هذا الاختيار من فكرة الفنان ماهر التي تحيل إلى أنَّ الخطيئة المقصودة – التي تُشكِّل موضوعة اللوحة – إنَّما هي خطيئة أرضية ، وليس الموضوع الاساس للوحة هو الخطيئة الأُولى التي أحدثها آدم وحواء في الجنة ، بل الخطيئة التي ما زالت تتكرر في وجوهها المتنوعة الحضور عبر أحفادهما .
أمَّا الشكل الزخرفي الذي احتلَّ الجزء الأعلى من اللوحة فهو تكرار خطيّ لأشكال منحنية على شكل أنصاف أقواس متداخلة ، يمكن لنا أن نميّـز فيها كتلتين واضحتي الحضور ، تقع الأُولى في جهة يسار اللوحة ، وهي الأصغر نسبياً من حيث حجمها قياساً إلى الكتلة الواقعة في جهة يسار اللوحة ، والتي اتخذت شكلاً أكثر انفتاحاً من الأُولى .
هنا سنلاحظ أنَّ الكتلتين ليستا منفصلتين تماماً بل يجمعهما الشكل الحلزوني الذي يـمـتـد نت داخل الكتلة الأكبر ليلتف على نفسه ويتماهى مع الكتلة الأصغر ، مع ملاحظة أنَّ بدايته تقع في العمق الفراغي {البعد الثالث} للكتلة الواقعة في اليمين ، فيما يحتل المقدمة الأقرب مكانياً إلى المتلقي في جهة اليسار من اللوحة .
هنا أثارت ذاكرتي مجموعة من التساؤلات :
1-  لماذا اختار الفنان هذا الشكل الزخرفي ليضيفه إلى اللوحة ؟
2-  لماذا اتخذ هذا الشكل موضعته في أعلى اللوحة ؟
3-  لماذا اتخذ هذا الشكل موضعته بحيث يظهر الجزء الأول {الأصغر} في جهة يسار اللوحة ؟ والجزء الأكبر في جهة يمين اللوحة ؟
4-  يتركب الشكل الزخرفي من أنصاف أقواس أي إنَّها أجزاء من الدائرة ، فلماذا أضاف الفنان الشكل الحلزوني؟
يشير المسح البصري والتدقيق الذاكراتي إلى أنَّ هذا الشكل الزخرفي كان تحقيقاً وظائفياً ، فهو من حيث الشكل يمثل حالة تكرارية للخطوط المنحنية التي جسّد بها الفنان الأشكال التي اعتمدت عليها اللوحة في اكتمالها {البيضة ، الجسدان الإنسانيان ، التفاحة ، الشجرة} فبدا وكأنَّه اختزال لهذه الخطوط ، كما أنَّ هذه المشاكلة أدّت وظيفة أُخرى هي تأشير حالة التلاحم والأُلـفـة والتداخل التي قدّمها الفنان في عرضه للجسدين.
يبدو لي أنَّ اختيار الفنان ماهر حربي لموضعة الشكل الزخرفي في أعلى اللوحة هو اشغال للفراغ الناتج عن اكتمال الدلالات التي أرادها الفنان من لوحته ، أو ربّما هو تأكيد آخر لها ، ليؤشر أنَّ هذه الدلالات ستظلّ قابلة للتكرار في الواقع العياني المعاش ولن تتوقف بل إنّها تتناسل ، وهي في هذا تلتقي وتتفق مع رمز البيضة التي تحيل دلالياً إلى الاستمرار التناسلي والتجدد .
ولعل ما أثار هذا التوجه التحليلي لديَّ هو اختيار الفنان ماهر لموضعته في أعلى اللوحة ، مما سيؤشر بالتالي قدرية هذا الاستمرار ، وهذا ما يؤكده وجود خطوط شبحية التمظهر تهبط من أعلى نقطة في اللوحة والمتمثلة في الخط الفاصل لحافة الإطار الداخلي لتشتبك مع خطوط شبحية هي الأخرى من الشكل الزخرفي الأكبر لتهبط نحو الأسفل باتجاه أعلى الشجرة ، لكنها تضيع في الفراغ الواقع بينهما ، إذاً هي المقابل المتضاد تماماً مع الخطوط المتجهة للأعلى ، فالأُولى قدرية هابطة من الأعلى ، والثانية بشرية هابطة إلى الأسفل .
لنعيد المسح البصري لهذا الشكل الزخرفي والاشتغال الذاكراتي أيضاً ، فنبحث عن سبب موضعة الجزء الأصغر من الشكل الزخرفي في جهة يسار اللوحة ، والجزء الأكبر منه في جهة يمين اللوحة ؟
في التكوين الطبيعي للجسد الإنساني خلق الله سبحانه وتعالى جسد المرأة أصغر من جسد الرجل ، وكان هذا توجه الفنان أيضاً في رسم كتلة جسد المرأة أصغر من كتلة جسد الرجل ، وكان هذا توجه الفنان ايضاً في رسم كتلة جسد المرأة أصغر من كتلة جسد الرجل ، ويبدو لي أنَّ هذا هو السبب أيضاً في اختيار الفنان ماهر جهة يسار اللوحة العلوي لموضعة الجزء الأصغر ، فتكون بذلك مقابلاً وتكراراً لجسد المرأة ، والفكرة نفسها تنطبق على الكتلة الأكبر ويقابلها الشكل الزخرفي الأكبر .           
سأحاول قراءة المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان ماهر في هذه اللوحة لاستكشاف دلالاتها أولاً ، ومدى تآزرها مع دلالات اللوحة ثانياً ، ومدى اتساقها مع رؤيتي لها ثالثاً ، وبذلك سأتمكن من تشكيل الرابط الذي سيغذي شبكة الدلالات التي عاشت في ذاكرة الفنان ، وغــذّت تجربته الحياتية ، وكان ناتجها هو هذه اللوحة .
يكشف المسح البصري للألوان – كما ذكرنا – عن اعتماد الفنان ماهر في بنائه لمشهدية اللوحة على موضعة مجموعة من الكتل المتباينة في حجومها ، وفي منظومتها اللونية أيضاً ، معتمداً تقنية خاصة فيما يخص اللون والخامة ، حيث كان اللون الأحمر المتدرج إلى الوردي يُشكِّــل حضوراً أكثر من اللون التركوازي الغامق {الأخضر المزرق} ومن الأزرق الغامق والمتدرج أيضاً ، فاللون الأحمر المتدرج اتخذته كتلة البيضة والرجل والمرأة والتفاحة ، وهو لون مُـحمّـل بدلالات الحياة والاستمرار والعـنفـوان ، وهو بهذا يتفـق دلالياً مع موضوعة اللوحة ، وتتكامل الدلالة باتخاذ اللون نفسه للإطار الخارجي لهذه اللوحة .
أمـّـا اللون التركوازي فاتخذته الأرضية لتُشكِّـل تضاداً متكاملاً دلالياً ، حيث أنَّ الأخضر هو لون العطاء والتجدد والانبعاث ، وهو في الوقت ذاته لون أرضي يحيل إلى خضرة الطبيعة ، والأزرق ذلك اللون البارد الهاديء الذي يحيل إلى قيم سماوية عُليا ، إذاً قيم الأرض وقيم السماء تتلاقى وتتمازج لتحيل إلى استمرارية الحدث بوجهيه الأرضي والسماوي .
وتؤشر الشجرة التي منحها الفنان ماهر الأزرق لوناً إلى تعارضٍ مع مشهدها في الواقع العياني الذي يعلن خضرة أوراقها ، لكنها تعارضت مع هذه الحقيقة الأرضية لتحيل إلى حضور سماويّ عبر لونها الأزرق ، وهذا ما يتفق دلالياً مع قيمتها التي أشّرتها الخطيئة الأُولى .
فيما اتخذت الأشكال الحلزونية ألواناً متعددة مؤشرة دلالات قيمية متنوعة تحتملها الحياة بأوجهها ومواقفها .
والشمس كان حضورها باهتاً بلونها الأبيض الشاحب ، وبوصفها عنصراً كونياً يكمل المشهد .
تُشكِّـل أرضية اللوحة بُعداً مكانياً ومرتكزاً لا بُـدَّ من وجوده لموضعة عناصر اللوحة ، ، كما أنَّـه يمنح المتلقي فرصةً لتسليط إضاءةٍ على دلالات اللوحة التي تُـكــوِّن خلاصة تفاعل عناصرها ، وبما أنَّ موضوعة اللوحة هي { الخطيئة} المتناسلة ، وعنونة اللوحة هي { حلم واحد} ، إذاً هي الخطيئة المسموح بها ، وهي الخطيئة التي تملك وجهين :
الأول : سلبي تؤكّــده خطيئة آدم وحواء .
الثاني : ايجابي لأنّـه الطريقة الوحيدة للتناسل البشري ، أي الاستمرارية البشرية ، ولهذا اعتمد الفنان ماهر القنوجة خامة للوحة ، وهي قماشة خشنة الملمس ، لكنَّ الفنان استطاع تطويعها لقبول الألوان ، وتمثيل موضوعة اللوحة ، ولعـلَّ في هذا تأكيد آخر على وعي الفنان ماهر العميق بأنَّ الحياة لا تمتلك إلاّ الخشونة ، ولكنها خشونة قابلة للتطويع إلى حدٍ ما .
هنا سيلفتُ نظر المتلقي تعمد الفنان ماهر استلال بعض خيوط الخامة {القنوجة} الخارجية بحيث تنفلتُ بقية خيوطها إلى الخارج ، مما يؤشر دلالة مضافة على أنَّ حدث الخطيئة لم يبقَ مستوراً ، وإنّـما هو متجه إلى انكشافٍ في كل الاتجاهات لأنَّ هذه الزوائد الخيطية المتجهة إلى خارج اللوحة إنَّـما هي إشارات تواصلٍ تـبـثُّــها اللوحة وتنشر موضوعها معها .
والآن لأتوقـف عند الشكل العام لهذه اللوحة ، وهو شكل مستطيل ، ولكنَّــه ليس المستطيل المنتظم الذي يتساوى كل ضلعين متقابلين فيه ، لأنَّ الفنان ماهر أراده مستطيلاً مغايراً للقاعدة الهندسية ، مما دفع به إلى منح النصف العلوي منه شيئاً من الانتظام الهندسي ، أمّـا النصف الثاني فـتـركَ له مسافة من البروز الإنسيابي نحو الخارج تآزراً مع استدارة كتلة البيضة .
تبقى لي إشارة أخيرة تؤكـد ما سبق أن أشرتُ إليه من اعتماد الفنان ماهر في بعض لوحاته لمسة من روح عصر النهضة ، وهذه اللمسة – بتصوري – هي الإضاءة البيضاء التي تمظهرت حول جزء من البيضة والشجرة والشكل الزخرفي، وهي تحيل إلى الهالات التي كانت تُرسم حول رأس السيد المسيح {عليه السلام} وبعض الشخصيات الأُخرى للتدليل على العناية الإلهية لهذه الشخصيات.     

                                                               1/8/2014

             

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

منشورة في جريدة الزمان

وجدان الخشاب وكتاب عن المعرفة في التشكيل

Print Friendly
وجدان الخشاب وكتاب عن المعرفة في التشكيل
فرشاة ودلالات.. حوارات التشكيل والحياة
أنور عبد العزيز
هو كتاب للشاعرة القاصة الباحثة الدكتورة وجدان الخشاب.. من ستين ومائة صفحة من القطع الكبير ومن إصدارات مكتب زيد خروفة بالموصل لسنة 2012 الحوارات مع الفنان التشكيلي حازم صالح.. على الغلاف الأول ارتسمت لوحتان تشكيليتان مع صورتين شخصيتين للمؤلفة والرسام.. يمكن القول أن الهدف من تأليف هذا الكتاب بحوارياته ولوحاته الشاهدة هو ما لخصته الكاتبة بكلماتها على الغلاف الأخير وتستقر اللوحة على جدار العرض حيناً من زمن ثم تنطوي ليأخذها النسيان إلى رحابه.. تراكمات من لوحات هامت في عتمة الغياب.. من هذه العتمة أخرجتها لتستقر في كتاب التذكر.. كتاب تشرق صفحاته بحوار ولوحات آن لها أن تقرأ … ضم الكتاب ستة محاور و ملحق باللوحات ومختصر سيرة ذاتية للباحثة… المحاور هي ولادة فنان تشكيلي ، التكوين المعرفي للفنان ، اللوحة الفنية ما بين التقنية والدلالة ، ما بين التألق والانطفاء ، اللوحة الفنية ما بين التلقي والتجارة ، لوحات منتقاة… طرح المحور الأول سبعة أسئلة هي لكل مبدع أوليات تحكمت في توجهه نحو اختيار مجال إبداعي ما بغض النظر عن تجنيس إبداعه ، فكيف كانت أوليات إبداعك ؟ وهل كان للشخبطات الطفولية دورها في تشكيل منطلقك نحو الرسم ؟ وجاء الجواب سيرة ذاتية بتركيزها على مرحلة الطفولة والبيئة الفقيرة ومع أب قاسٍ وأم حانية رحيمة وميل للعزلة والتأمل الطفولي ومع حيرة الطفولة لإيجاد أجوبة على ما يراه في حياته المبكرة مع ميل للشخبطات الفنية بانطباعات الطفولة وضمن إجابته على السؤال نعرف أن الفنان من مواليد 1963… ويأتي السؤال الثاني متى بدأت القراءة وماذا كنت تقرأ ؟ ومن إجابته المستفيضة نعرف أنه كان محباً للقراءة نهماً منذ بواكير عمره للقراءة وهو كان يقرأ كل ألوان الكتابة من شعر وقصص وتراثيات مع ميل لقراءة الروايات… ويتسلسل السؤال الثالث كيف تتولد الرغبة في الرسم ، هل هي رغبة فطرية يُفطر عليها الفنان أم أنها نتاج البيئة التي تحتويه ، البيت مثلاً ؟ ويأتي جواب الفنان مدللاً على ثقافة فنية وحياتية عميقة مؤكداً على تأثير البيئة وبخصوصية البيت ومراحل التحول والانتقال من بيئة لأخرى وتأثير ذلك على الطفل فنان المستقبل..
عين الفنان
وتتوغل المحاور في أسئلتها المثيرة والمدهشة بمثل هذا السؤال أشار علماء الأنثروبولوجيا وعلماء النفس كثيراً على الترابط ما بين المشاعر المكبوتة والفن بوصف الفن متنفساً أصيلاً للتعبير عن هذه المشاعر ، فهل تجد لمشاعرك المكبوتة دوراً في توجهك نحو الرسم ؟ ويأتي الجواب لنتحدث أولاً عن المشاعر المكبوتة ، فلكل منا مشاعره المكبوتة ، ولكن السؤال الأساس هو لم تكبت المشاعر.. اليوم أصبح الالتقاء بالآخر معين لا ينضب للمشاعر المكبوتة.. كل ما يمت إلى الجمال والمشاعر الجميلة أصبح مدعاة للكبت.. الموصل مدينة الكبت.. بل هي المدينة التي تكبت الكبت.. فهل يا ترى كان جان بول سارتر مخطئاً أم مصيباً عندما قال أن الجحيم هم الآخرون … ويستمر جواب الفنان لصفحة كاملة…
عين الفنان عين لاقطة ، وذاكرته مخزن تتراصف فيه المشاهدات العينية اليومية ، متى كانت لخطة اكتشافك لمقدرة عينيك وذاكرتك على التناغم معاً لالتقاط الصور والمواقف ونقلها إلى لوحات فيما بعد ؟ ويأتي الجواب أن المراقبة ومنذ المراحل الأولى للطفولة وصعوداً هي ما جمعت كل هذا الخزين من الرؤى والانطباعات….
وسؤال آخر هل الفن وسيلة من وسائل اكتشاف الذات مبكراً ؟ وهل هو وسيلة لإعادة تشكيل الذات وتشكيل صورة الآخر في ذاكرة الفنان ؟
ويأتي جواب الفنان مسهباً بخبرات الفن والحياة وملخصه هو وسيلة لاكتشاف الذات الرسم دور في اكتشاف قدرتك على الرسم ؟ وهل كان مشجعاًَ أم أن هذا الاكتشاف بقي ذاتياً ؟ وتأتي إجابة الفنان غير تقليدية ككل إجاباته على أسئلة الفن والحياة مسهبة أيضاً وصريحة تغمرها تأثيرات الفلسفة وعلم النفس وتأثيرات واقعية الحياة مشيداً بعظمة جواد سليم منتهياً إلى القول نعم ليس لديّ أستاذ أشير إليه .. أنت خريج معهد الفنون الجميلة ، ما الدافع الذي كان وراء اختيارك للدراسة فيه ، حدثني عن تجربتك فيه ودورها في أثراء خبراتك الفنية ؟ لخص التشكيلي حازم صالح إجابته عن تجربته بثلاث مراحل اللقاء ، الانفتاح ، خوض التجربة.. ما أول قراءاتك في مجال الفن ؟ وهل تركت آثارها في تشكيل وعيك الفني وفي إنتاجك في فترة ما بعد القراءة ؟ الجواب قراءتي في مجال الفنون التشكيلية قليلة وتكاد تكون معدومة أصلاً لأن غالبية الكتب في المعهد يومذاك كانت بالإنكليزية وهي كانت عامرة بالرسم والنحت والسيراميك والكرافيك فلم نكن نرى إلا مصورات اللوحات.. ما بين الأستاذ والطالب علاقة قد تكون سطحية عميقة ، وقد تأخذ شكل توافق روحي يترك آثاره في تشكيل شخصية الطالب ؟ أي من أساتذتك في معهد الفنون ترك بصمة في مسيرة حياتك الفنية سواء كانت بصمة مؤقتة أن كانت أثراً حياً تستحضره بين حين وآخر ؟
ويأتي الجواب أعتقد أن وجود أستاذ كهذا ضرب من الخيال مشيراً إلى أن أساتذة الجيل الجديد هم أكثر صدقاً وعطاء وحرصاً من الأساتذة السابقين ولكنهم لم يشملوا بالتقدير الذي حظي به السابقون..
أول لوحة يشترك فيها الفنان بمعرض جماعي لها طعمها الخاص وتترك تأثيراتها على صفته الفنية.. ما هي أول لوحة لك ؟ وكيف كان رأي المتلقين لها ؟ وهل أسهمت في تجربتك سلباً أم إيجاباً ؟ ويجيء الجواب أن المشاهد الموصلي المختص وغير المختص يرى العمل الفني بسوء النيّة وبمحمل شخصي غالباً وبنوع من الوصاية.. لهذا السبب تجدين أن أكثر من أقتنى أعمالي هم الأجانب …
بعد أن أنهيت عرض المحور الأول .. تحسست أن ظلماً كبيراً سيقع على هذا الكتاب ، فمهما كان العرض وافراً وإيجابياً ومنقباً باحثاً عن سردياته وأسراره ووقائعه وإستذكاراته وتلويناته حياةً وتشكيلاً فلن يقدم غير النزار اليسير لقارئه..
هذا كتاب ومطبوع ثري بهيّ باحتفالات الفن والتشكيل مكتوب بلغة من الصدق والحنين والوجع الإنساني ومع البوح الحزين والشكوى من مضطربات الحياة وسخرياتها ووقائعها اللاعقلانية التي تصل حد الفانتازيا وبواقعيتها المرة وبلا واقعيتها التي قد تقترب من التصديق.. تعاونت على إبداع تأليفه قامتان شامختان
المؤلفة الأكاديمية المعروفة بإبداعها الشعري والسردي والتشكيلي الكبير الذي ربما أراه مفاجئاً لي على الأقل وهو يصور ويلون ويشكل وبخلفية ثقافية عميقة الجذور وبآفاق إنسانية كشفت عن بعض أسرارها تلك القراءات المبهرة لتراثيات الكتابة ولألوان من الإبداعيات وبخصوصية القصة والرواية والحكايات مع غرابة القول بقلة قراءاته في مجال الفنون التشكيلية…
كم أتمنى أن يحظى هذا الكتاب بقراءات كثيرة من متلقين كثيرين لينعموا بترف الأسئلة الذكية التي استطاعت الكاتبة بها أن تستثير كل مكامن ومخبوءات ذاكرة الفنان بحرائقها وأوجاعها مع تلاوين لوحاته التي غالباً ما كانت معنية ومهمومة بمرارات أحزان الكادحين ومعهم الملامح الكئيبة لمغدوري ومهمومي هذه الحياة وبأقدارها الظالمة الموجعة.. هذا الكتاب الأثير محظوظ من سيعايش نبضه وجماليات لوحاته حتى وأن قست في موضوعاتها ، فهو سيحقق لهم أهم مسألتين وهدفين من تأليف أي مطبوع المتعة والفائدة…
مع كل ما ذكرت وليس ذلك تبريراً فانا سأتواصل مع مفردات هذا العرض ، فشيء للقارئ وأن كان يسيراً خير من لا شيء ، وقد يكون عوناً لمن لا تتهيأ له فرصة الحصول على الكتاب أو المعرفة بصدوره..
تتواصل الأسئلة.. تسترسل وتتراسل متلاحقة مفعمة بحيويتها وخبرات كاتبتها في مجال التشكيل لتتلقى أجوبة مماثلة في خبرة صنعة الفن صادقة دافئة حميمة في طروحاتها بما يتعلق بمعاناة وأقدار الناس وخاصة للمهتمين منهم وممن لا يمكن وصفهم بأي هوية أو تعريف من الضائعين أو المضيعين في دنياهم…
في المحور الثاني وبعنوان التكوين المعرفي للإنسان تواجه المحاورة الفنان بأثني عشر سؤالاً هي غاية في الحساسية الفنية والثقافية.. وتجيء الإجابات عليها كنهر منهمر وبعذوبة الوعي الفني والثقافي لمشاهد اللوحة والحياة…
الاثراء المعرفي
يخضع الكثير من المبدعين لتأثير كتاب ما أو مؤلف ما لفترة تقع ما بين القصر والطول ، هل هناك مثل هذا المؤثر في حياتك ؟ أم علاقتك به بمجرد الانتهاء من قراءته ؟
للفن علاقة أثيرة وأصيلة مع العلوم المجاورة التاريخ ، الفلسفة ، علم النفس ، الدين ، السياسة ، الجمال ماذا تقرأ من هذه العلوم ؟ وهل تجدها ضرورة للفنان في الأثراء المعرفي ؟
رغم التجنيس المعروف تقليدياً شعر ، قصة ، رواية ، مسرحية.. يبقى الإبداع واحداً ، لماذا تقرأ هذه الإبداعات ؟ للمتعة أم بحثاً عن أفكار ودلالات تسهم في إنتاج لوحة جديدة ؟.. أسهمت السينما منذ بداية ظهورها بدور فعّال في تكوين المواقف ، وقد يعود أحدنا لمشاهدة فلم ما أكثر من مرة ، هل هناك فلم ترك في ذاكرتك تأثيره الواضح ، وهل حاولت استثمار هذا التأثير في لوحاتك الفنية ؟
يستفيد الكثير من المبدعين بقراءة ما كتب عن حياة الفنانين وحواراتهم ، وقد تعيش تفصيلات هذه الحياة أو الحوارات في ذاكرتهم زمناً طويلاً وتترك آثارها على إبداعاتهم الفنية ، لمن قرأت ؟ وما الأثر الذي تركته هذه القراءة على نتاجك الإبداعي ؟ هل أستوقفك الإرث الحضاري العظيم لوادي الرافدين ؟ وهل حاولت إعادة تشكيل جزء من هذا التراث في لوحاتك كما فعل الكثير من فناني العراق في إستلهام هذا التراث وإعادة منتجته ؟ وما هو موقفك الشخصي من هذا الأستلهام ؟
هل تعتمد في تكوينك المعرفي الخاص بالتشكيل على طروحات نقاد الفن
هربرت ريد أوستولينز مثلاً ، أم تعتمد المدارس الفنية وتوجهاتها ؟ وهل أنت حريص على الالتزام بمدرسة معينة أم حاولت تجريب أكثر من مدرسة في إنتاج لوحاتك ؟ من هي المدرسة الفنية أو الفنان الذي تجدك أقرب إليه تأثيراً ؟ وهل ظهر هذا التأثير في أعمالك سواء أكان فناناً عربياً أم أجنبياً ؟
هل تجد في محاولات الفنان طروحات أكثر من مدرسة فنية إبداعاً ؟ أم أنها مجرد عرض عضلات فنية ؟ متى تجد القيد حاضراً والممنوع متحكماً ، والمعلن مرفوضاً في اللوحات الفنية ، بمعنى آخر هل هناك قيود على الطروحات أم أن الحرية في الطرح لا تعرف حدوداً بل لا تعترف بها ؟
هل تؤمن بالانتماء إلى جماعة فنية تجمعها طروحات محددة ، أم تفضل الاشتغال الحر بعيداً عن التأثر والتأثير ؟ وهل تفكر بذلك الآن ؟ هل لديك دائماً لوحة جاهزة لترسم عليها أم تهيئ اللوحة لحظة البدء بالرسم ؟ وهل يشكل وجود لوحة بيضاء دافعاً لإنجازها ؟
وأنا أتواصل مع فقرات الحواريات الواضحة الصريحة أو الشائكة المستورة بمخفياتها في ذاكرتي السائل والمجيب ، بدا لي أن الباحثة السيدة وجدان الخشاب كانت تمتلك الثقة المطلقة فيمن تحاوره وبقدراته على هضم أسئلتها وتمثيلها لتستحيل أجوبة إمتلكت في عمومها إبداع الفنان وهو يجيب بتلقائية ويسر وسهولة على أعقد طروحات الأسئلة الكاشفة وأيضاً على الخبرات المكتنزة لمرسلتها أيضاً أقول هذا بدلالات كل الأسئلة في محاورها وتركيزاً على أسئلة المحور الثالث المعنون
اللوحة الفنية ما بين التقنية والدلالة وهاكم أسئلة المحور تشكل الألوان حضورها الثري في اللوحة الفنية من خلال ترابطها الدقيق مع دلالات اللوحة ، كيف تختار ألوانك ؟ هل تعتمد منهجاً محدداً في توزيع كتل اللوحة على القماشة ؟ أم أن لكل لوحة من لوحاتك توزيعها الكلي الخاص بها ؟ هل تشغلك النقطة الذهبية ؟ كيف تختارها في لوحة ما ؟ هل تعتمد آلية محددة خاصة بك في تحضير ألوان اللوحة ؟ وهل تعتمد مزجها مع مواد أخرى ؟ ماذا تختار لترسم القماشة أم ورق الرسم أم الجدار لإنجاز لوحة ، أم تعتمد على ما يتوافر منها ؟ وهل هناك علاقة بين دلالات اللوحة والمادة الخام التي تُرسم عليها ؟
استراحة المحارب
هل هناك متغيرات تخضع لها تجربتك الفنية بين لوحة وأخرى ، فيما يخص اللون تحديداً ؟ أيهما يشغلك أكثر الأشكال أم الدلالات عند إنجاز لوحة ؟
لإطار اللوحة تأثير بصري واضح على بنيتها ، هل هناك محددات تعتمدها في اختيار الإطار ؟ أم تفضل أن تكون بلا تأطير ؟ هل تؤمن بوجود رابط أصيل بين أشكال ودلالات اللوحة، أو تؤمن بأن الأشكال وما تتخذه من ألوان تغني عن الدلالات أحياناً ؟ وهل أتبعت هذه الفكرة في إنجاز بعض لوحاتك ؟ للملمس دلالة تأثيرية على المتلقين ، هل اعتمدت الملامس على اختلاف أنواعها في لوحاتك ؟ كيف تتعامل يدك مع الفرشاة ؟ الحركة هنا ملفتة للنظر ، فهل تعتمد الضربات اللونية القوية والسريعة والبارزة أم الحركة الهادئة المتبصرة ؟ عندما تنضج تجربة الفنان يتكون أسلوبه الخاص الذي يحيل المتلقي إليه حتى وأن لم يوقع لوحته ، هل تراك وصلت لهذا الأسلوب ؟ هل يشغلك حجم اللوحة ، وهل تحد عناصر اللوحة من حجمها ؟ الفراغ هو استراحة المحارب كما أنه الفاصل الزمني والمكاني ، كيف تعاملت مع الفراغ في لوحاتك ؟ هل تعد نماذجك مسبقاً أم تنتظر لحظة الانفجار كي تبدأ برسم لوحة ؟
قارئي العزيز قد تتوقف عن قراءة هذا العرض وتقول ما هذه الأسئلة المتلاحقة اللاهثة التي حتماً لها أجوبة عند الفنان ، ولكننا لا نجد لها جواباً عند عارض الكتاب ؟ مهلاً وعفواً وعذراً فلست أنانياً لأحرمك من المشهيات الفنية والثقافية الروحية اللذيذة لهذا الكتاب ولكنني وكما أسلفت يبدو لي أن هذا الكتاب ومن أمثاله عصيّ على الحصر والتلخيص ، فإذا إستطعنا عرض مئات الكتب ملخصة مفيدة لقارئها ، فأن هذه الحواريات وبشموليتها واستطراداتها تظل بمنأى عن قدرات الآخرين باختصارها لأنها عندئذ ستصل للقارئ مشوهة مبتورة غير واضحة الملامح والأهداف.. هي بانوراما حاشدة ممتلئة بخزين من الرؤى والأفكار والمشاهد والأحلام والخيالات والألوان.. أيمكن الإحاطة بمثل هذه البانوراما بصفحات قليلة شحيحة .
أبداً فأن أجوبة الفنان شملت أكثر من ثلثي الكتاب.. أيجوز مسخ جهود المبدعين بأسطر قليلة ؟ أنا عارض لهذه الحواريات ولست معلناً لها ، ولن أرتضي لنفسي صفة المعلن والإعلان مع شرف الاعتزاز بالإعلان عن مثل هذا الكتاب الإبداعي ، لذا كان كبير هدفي من هذا العرض هو أن يحظى القارئ بمتعة قراءة هذه الحواريات ، كلها غير مجتزئة أو مفككة أو مما يجعلها غير واضحة في عقل القارئ. وروحه.. وأهداف الكتاب الواعية والفن بكامل الاشتراطات الإنسانية واشتراطات نجاح اللوحة والفنان بمسعى مشاعر المحبة والحنين والتآلف والتواصل الحميم لبني البشر في كل زمان ومكان… لنظل إذا مع الأسئلة الباهرة فهي أيضاً موحية بشكل وآخر بما أجاب به الرسام لمن لا يتاح لهم قراءة الكتاب كاملاً موحداً بأدبه وفنه…
نتواصل مع الكتابة التي لا تعرف التساهل ولا التردد في طرح أسئلتها.. أعانك الله أخي الفنان حازم صالح على هذه الأسئلة التي لا تهادن ولا تمنح هدنة حتى لو كانت قصيرة.. كيف صبرت ؟ وأنت تسترجع من مخزون الذاكرة المتعبة مما تناثر هنا وهناك ومع عمر السنين والأحداث الدرامية ومع الجوع الكافر الذي لم يزل طرياً في ذاكرتك ويرفض الانطفاء.. كنت رائعاً وبهياً وصريحاً وجريئاً في حديثك عن رحلة الجوع الكئيبة.. سنوات الجوع الكالحة المرهقة التي تسبّب فيها مشعلو الحروب ومن مفرزاتها الحصار الأليم بقسوة كل المجتمع البشري وبقرارات وحشية من الأمم المتحدة.. حصارات موت وجوع خارجية ، كانت أقسى وأبشع منها شناعات وبشاعات الحصار الداخلي إذ تعاونت وتآمرت فيه حفنة تافهة من أشرار البشر من المتسيدين ظلماً وقهراً أو مع حفنة من لئام البشر ومن دهاقنة التجار الكبار والمزارعين الكبار وغلاة الاحتكاريين ومن ميتي الضمائر… أنا ورغم الحصار الثقافي الذي كنت معه أتمنى أن أضيف كتاباً جديداً لمكتبتي الشخصية ، ولكن الذي حدث أنني بعت نصف مكتبتي بثمن بخس.. تلك الكتب العزيزة التي عايشتني وآنستني لنصف قرن.. الكتب التي كانت ضوء عيني وروحي بما تحمله من استذكار أزمنة شرائها وتأليفها معي لسنين طويلة… 

غلاف كتاب فرشاة ودلالات


الخميس، 27 سبتمبر، 2012

ما رَوَتْهُ اللوحة قراءة في لوحة (بقايا فنان) لعلي جاسم


ما رَوَتْهُ اللوحة
قراءة في لوحة (بقايا فنان) لعلي جاسم
        د . وجدان الخشاب

للمرآة دورها في الواقع العياني المُعاش، فهي الأداة الكاشفة لما لا تستطيع العين الإنسانية كشفه من أجزاء الجسد، كما أنَّها تعرفُ الاخلاص والنقاء فلا تُخفي ولا تُغيّر بل تنقل ما يقع على صفحتها بوضوحٍ وبلا رتوش، من هنا كانت انطلاقة الفنان علي جاسم في بناء لوحتهِ فهو يتخذ من المرآةِ أداةً للتوصيل وإيجادِ تواصلٍ مع المتلقي في موقعها في لوحتهِ لتكشفَ ما يخفى على المتلقي، ويضعه موضع تساؤل وجدلٍ، ولكن أيَّ مرآةٍ اعتمد علي في هذهِ اللوحة؟ هنا نتوقف ونُحيل السؤال إلى اللوحة وليس إلى الفنان، فالمرآة لم تُعد هي المرآة الكاملة التي تتصفحنا يومياً، بل قطع متوالية من مرآة عمد الفنان إلى تشظيتها إلى ستة ألواحٍ ليبني عليها الأشكال، وما يلفتُ النظر في هذا التقسيم أنّهُ منتظم الشكل يفتقد ما ألفناهُ من تشظيات المرايا، بل أنَّه تشظٍ منتظمٍ هو أقرب إلى الألواح المستطيلةِ التي تتموقع على أرضية اللوحة تاركةً جزئيها العلوي والسفلي على شكل مثلثينِ متقابلين في الزاويتين العليا والسُفلى من اللوحة .
  
وانطلاقاً من فكرةٍ قارّة تقول بأنَّ الاتجاه المائل للأشياء المرسومة في لوحةٍ ما يمثِّل عدم الاستقرار والقلق ويمنح اللوحة حركيةً لأنَّه يتموقع ما بين الاتجاه الأفقي المتسم بالاستقرار والسكون، وما بين الاتجاه العمودي الذي يوحي بالثبات والقوة والتوازن، منح الفنان علي مرآته شكل مستطيلاتٍ مائلةٍ لتوحي للمتلقي بالقلق وعدم الاستقرار ولكنهُ قلق منضبط لأنَّ الفنان هنا فنان واعٍ لهذا القلق فحوّل المعاناة إلى أداة تواصلٍ تُحيل المتلقي هو الآخر إلى قلقهِ الذاتي الذي اشتغل الفنان باتجاه تحريكه وتحويله إلى موضوعٍ قابل للمناقشة لحظة التلقي.
إنَّ الوعي المتسم بالوضوح كان وراء اتجاه الفنان إلى تجزئة شكل الجسد الإنساني، وهو ليس أي جسد، بل هو جسد الفنان الذي يعيش انفعالاتهِ الفيّاضة التي لا تعرفُ حدوداً فحوّلها إلى الجسد موضوع المعاناة، فكانت النتيجةُ تشظية أُخرى، فلا يجد المتلقي جسداً كاملاً متموضعاً على ألواح المرآة، بل هو الآخر يتشظى ولا يكتمل منه جزءٌ، ولم يكتفِ الفنان بتشظية الجسد بل عمد إلى تشظية ظلالهِ هي الأُخرى، كما عمد إلى خلق تقاطعاتٍ حادة بين الجسدِ وظله، وهذا يؤشر ثراء تجربة الفنان في إنشاء لوحةٍ اعتمدَ فيها البُعد عن الانغلاق التام للشكل الذي تحددهُ خطوطه الخارجية، واتجه إلى الانغلاق الناقص وهذا ما يتضح في تجزئة اليد إلى أربعة أجزاء تتخذ مواقعها على أربعة ألواح، كما أنَّ اليد تقطع ظلها إلى نصفين، ويتكرر المشهد في أكثر من لوح، وهنا لا بُدَّ لنا من التوقف لقراءة هذا القطع المتعمد، فماذا أراد الفنان أن يؤشِّر؟ في الواقع العياني يأتي ظلُّ الأشياء كاملاً كما هي فيما عدا اختلاف الطول بسبب اشعاعات الشمس التي قد تكون عمودية أو مائلة، فتؤثر في تكوين الظل، ولكنَّ الفنان في هذهِ اللوحة تعّمد تقطيع الظلال ، وتكرارها على جانبي أجزاء الشكل الإنساني ليس لايجاد تعادلٍ بين الشكلين تقنياً فقط، بل للتأكيد على المعاناة التي تكتنف الجسد وظله، وتؤشر بالتالي معاناة الفنان منتج اللوحة، وتخرجُ أيضاً إلى حيّز طرح معاناةِ كُلِّ فنان مبدع، وتتواصل مع معاناة متلقي اللوحة وهو يقف أمامها، كما تخرج إلى الفضاء الواسع لتؤشِّر معاناة الإنسان أينما كان وهو يعيشُ صراعه الوجودي.
وهنا لا بُدَّ لنا أن نتوقف لنتسآءل مع المتلقي لماذا عمد الفنان إلى التركيز على إبراز حركة اليد وموضعتها على المرآة ؟ لأنَّ اليد هي الجزء المنتج للأشياء المادية، وحركتها ناتجة عن ايعازات الدماغ الكامن في الرأس، وبما أنَّ الرأس يتخذ مكانهُ أعلى الجسد فقد أكّدَ الفنان هذه الحقيقة بأن جعل جزءاً من الرأس يتموقع في أعلى اللوح الثاني على شكل نصف دائرةٍ تقريباً، مائلةٍ وليست عمودية مما يؤشر فكرةَ الفنان في أنَّ الرأس هو الآخر أداةُ معاناةٍ تسببت في قطعه إلى نصف واحد ظاهر، وهذا النصف مائل لشدّةِ ما يعتملُ في داخله من صراعات.
أمّا اليد فهي أداة تنفيذية للرأس ولكنها تعاني نتائج الصراع الداخلي العميق وهذا ما دفع بالفنان إلى تشظيتها أولاً، وإبراز الكفِّ ثانياً، والجروح العميقة التي أدمت أناملها ثالثاً، فالكفُّ تتموقع على الجزء الخامس من الألواح، وتبدو متقدمة على غيرها من أجزائه، كما أنَّها بدت أكثر رسوخاً بسبب ثقلها البصري، وهي كفٌّ مبتورة بخط خارجي يحدها ويحددُ في الوقتِ ذاتهِ قسوة انقطاعها عن باقي الجسد، كما أنَّ الفنان أبرز تفاصيل شكلها بحيث بدت وكأنها تحاول الإمساك بما تحتها ولكنها لا تستطيع لأنَّ الجروح أدمت أناملها وحوّلتها إلى حالةِ تشنجٍ واضحة، فهي فاقدةٌ لمرونتها لأنَّ الفنان لم يترك لها أشكالاً لتمسكَ بها، فبدت وكأنها تسقط إلى الفراغ من شدة الألم، وهنا نؤشر للفنان قدرةً واضحةً على تتبع التفاصيل الصغيرة، حيثُ بدا مسرى الدماء من الأصابع راسماً لأشكالٍ هلاميةٍ لها حافاتٌ حادةٌ حقق الفنان من خلالها انتقالةً واعيةً من الفراغ تحت الكفِّ الساقط إلى الأشكال التي ترسمها الدماء السائلة، قاصداً وبشدةٍ أنَّ كلَّ معاناةٍ تُنتج كما أنَّها  ناتجةٌ عن ألم أيضاً ، ولكنها لا تتأتى عن فراغ ولا تنتجُ فراغاً، بل هناكَ ما يُثيرها وهناكَ ما يُشكِّلُ وجودها ويعلنهُ أيضاً.
عندما تبدأ العمليةُ الإبداعيةُ بتفعيل ذاكرة الفنان باتجاه انتاج شكلٍ أولي مجرد للوحة ( أو ما تعارف الفنانون على تسميته اسكيج)، تبدأ بالمقابل حرفية الفنان الناتجة عن تجربته الإبداعية بالاشتغال هي الأُخرى، وهنا تبدو الحرفيةُ واضحة مثلاً في اعتماد الفنان على تشظية المرآة وتخالفِ ألواحها، لتؤدي إلى تخالف أجزاءِ الجسد أيضاً، كما اعتمد تقنية التخالفِ بين الأشكالِ وظلالها، وهو بهذا يُثير متلقيه، ويدفعُ بعينيه إلى محاولة اعادة ترتيب الألواح، وهنا أيضاً حرفية أُخرى حيث أنَّ المتلقي لن ينجح مهما حاول إعادة ترتيبها، وكأنّي بالفنان وقد استقى هذهِ الفكرة من لعبة إعادة ترتيب الأجزاء المبتورة لتكوين الشكل الكامل، مما يؤشر مرة مضافة قدرته على الالتقاط من البيئة، وهذا ما قالته طروحات المفكرين في مختلف الميادين المعرفية، فأي فكرةٍ أو نظرية لا تُبنى في فراغ لأنَّها لم تنطلق من فراغ ، ولكنَّ الابداع الأصيل هو الذي يحوّل ما التقطتهُ العين وخزّنته الذاكرة إلى ابداع جديد يُغاير الأصل، ويعيدُ طرحهُ بشكلٍ جدلي، وهذهِ هي بالذات رسالة الفن، الرسالةُ التي يبثها إلى متلقيه مُثيراً وجهاً آخر لحقيقةٍ ما أو موقفٍ ما أو انفعالٍ ما، وهذا كلُّهُ يُشكّلُ بالتالي عالم اللوحة.
وهنا أيضاً يمكننا التوقف لنقول أنَّ الفنان في هذهِ اللوحة استقى مقولةً اجتماعيةً تؤشِّر أنَّ
( الناس معادن) حسب ما قاله لي الفنان علي، وحوّلها إلى جزءٍ منِ فكرة اللوحة، ليكشف من خلالها عن جوهر الإنسان.. عن أعماقهِ، ومدى صلابتها في مواجهةِ واقعٍ مؤلم لكنَّ المعدن هو الآخر يتخذ من التشظي شكلاً وجودياً، ولنعيد قراءة هذا المكوّن الشكلي في هذهِ اللوحة، فماذا سنجد؟ إنَّ متابعة الشكل المعدني في هذه اللوحة تكشفُ عن تشظيته هو الآخر، ففي اللوح الأول من المرآة يتموضع جزء مدبب منه متخذاً شكل مثلث، وفي اللوح الثاني يتموضع جزء آخر يتخذ شكلاً أقربُ إلى المستطيل، وبما أنَّ الفنان اعتمد فكرة التشظية للأشكال، فقد منح كتلة المعدن في هذين اللوحين تخالفاً في المواقع ليبدو انشطارهما واضحاً، فيما توزعت أجزاءٌ أُخرى منه على الألواح (3-4-5) ، وبما أنَّ المعدن هنا كناية عن الجوهر الانساني  فإنَّ الانسان مظهراً وجوهراً يتشظى تحت ضغط الألم .
إذا حاولنا تقسيم اللوحة إلى 3 أجزاء سنتوقف في الجزء الأعلى وبالتحديد في الجزء الأسفل من الثلث الأول للوحة لنجد كتلةً تُمثِّلُ نفقاً صغيراً جداً قياساً إلى كتلة ألواح المرآة والى كتلة الجسد الإنساني، والكتلة التي تُمثِّل ظلاله ، ويكادُ يمتدُّ أمامهُ شكل طريقٍ مُشوّه ربما حاول البعض اجتيازه لكنَّ النفق كان صغيراً تماماً، فلم يصل أحدٌ منهم إلى النفق ولم يعبرهُ، وهذا ما يساعدنا على تأويل هذا النفق وكذلك الطريق بفقدان الأمل، والخيبة، والفشل في اجتياز المحنة، لأنَّها محنةٌ متكررةٌ لا تتوقف ، وليس هناك أمل في تخطيها .
إنَّ النفق بشكلهِ الخابي والمعتم والصغير يُشكِّلُ تضاداً ناجحاً مع  الكفّ، من حيث  الموقعة أولاً: فالنفق يتموقع قريباً من الزاوية العليا اليُسرى للوحة فيما تتموقع الكفُّ قريباً من الزاوية اليُمنى السُفلى لها ، ومن حيث الحجمِ ثانياً: لأنَّ حجم النفق صغيرٌ جداً قياساً إلى حجمِ الكف، ومن حيثُ الألوانِ ثالثاً: فالنفقُ يتخذ من اللون البني الكامد المتدرجِ وجوداً، فيما تتخذُ الكفُّ تدرجاتٍ من اللونِ البرتقالي وجوداً، وهذه الأمور الثلاثةُ تتآزر لتشكل دلالة الألم والمعاناة التي يعيشها الانسان ، وفي المقابل الطريقُ مسدودٌ لا مخرجَ منه إلاّ بالفن.
تتميز اللوحة الفنية بكينونتها الثنائية الأبعاد، لأنَّها مُسطَّح ذو بعدين فقط : الطول والعرض، والفنان من خلال تقنياته يبني لوحته لتؤدي خطوطها وظيفتها إلى جانب الأشكال التي تُحددها، وهنا يمكننا أن نتوقف لقراءة خطوط اللوحة المتمثلة أولاً بالحدود الخارجية لألواح المرآة، حيثُ عمد الفنان إلى إظهارها مستقيمةً ، مائلةً ، حادةً ومتوازية وتمتد لتتقاطع مع اطار اللوحة، مما يؤشر وعي الفنان بوظيفتها الأساس المتمثلة في كونها أرضية للجسد الإنساني، ولكنها لا تُعدُّ هنا أرضيةً سالبة والجسد الإنساني موجب، لأنَّ ظلال الجسد اتخذت مواقعها عليها، فكان الجسد هو الأقربُ للمتلقي ثمّ ظلالهُ ثم المرآة، واتخذ الجسد الإنساني حدوده الخارجية بخطوط منحنية فاقدة لانسيابيتها ونعومتها، فبدت أقرب إلى الخشونة والقسوة ، أمّا النفق فبدا أقرب إلى شكل قوسٍ هائم الحدود، وهذه إشارة من الفنان يبثها إلى المتلقي مُعلناً لهُ أنَّ النفق لم يؤدِ وظيفته في العبور أي عبور الجسد من ظلمة المعاناةِ إلى اشراقة الانطلاق.
وفي الزاوية اليُسرى في أقصى يسار اللوحة يبدو جزءٌ صغير من أرضيةٍ ثالثةٍ للوحة يعتمدُ اللون الأحمر الداكن المتدرج إلى الأحمر الداكن جداً تتمثلُ فيه أشكالٌ هلاميةٌ متوزعةٌ بلا انتظام وكأنها ركامٌ من أحداثٍ خفيّة أسهمت بشكل أو بآخر في إذكاءِ صراعِ الجسد مع وجودهِ ، ويؤكد هذهِ الدلالة تموقع هذهِ الأشكال في زاويةِ اللوحة السُفلى بعيداً عن الجسد.
في الجزء العلوي من اللوحة ، عمد الفنان إلى إحداث شقٍّ صغير في قماشة اللوحة ، ولكنه لم يظهر القماشة كما هي بل منحها لوناً أبيضاً نقياً ليعلن دلالة جميلة تقول أنَّ ما خفي هو الأجمل والأنقى ، ورغم كلِّ مظاهر الانغلاق في هذه اللوحة إلا أنَّ هناك جمالاً مخفيا ربَّما استطاع الانسان أن يكشف عنه إذا امتلك شجاعة الاعلان عن وجوده بتمزيق كل ما هو كائن على السطح ، أي سطح اللوحة ، ولكنه وجود صغير جداً قياساً إلى حجم اللوحة ، وفي الوقت ذاته قياساً إلى حجم الأشكال الأُخرى التي تموقعت في هذه اللوحة .
وعمد الفنان هنا إلى تقنية التلصيق ( الكولاج ) باضافة خيوط مستلة من قماشة اللوحة لاقناع المتلقي بحدوث تمزيق فعلي للقماشة أولاً ، وبثِّ روح التثوير على الألم ثانياً ، ولمنح هذا الجزء جمالية حيوية ثالثاً .  
إنَّ الأرضية الثالثة أعلنت عن كينونتها فيما تَكشَّفَ عن التمزّقٍ الصغير في قماشة اللوحة ، هذا التمزقُ اتخذ شكلاً مثلثاً توزعهُ اللون البرتقالي في الأعلى، واللون البني في الأسفل ، والفنانُ هنا قدّم ملخصاً لونياً ودلالياً تأكيدياً على اللون البرتقالي الذي هو لون الجسد ، وهو المتقدم مكانياّ أيضاً ، كما أنَّه جزء من مركز السيادة الدلالية للوحة ، ولهذا شغل الجزء العلوي من المثلث ، أمّا ظله فقد شغل الجزء السفلي من المثلث لأنَّه متأخر لونياً ودلالياً.
إنَّ هذا الشكل المُبسّط الناتج عن التمزّق قدّم دلالةً أُخرى حيث اتخذ انقلاب الجزء الممزق شكل مثلثٍ هو الآخر ليكون تكرراً للمثلثات الأُخرى: أولها المثلث المتموضع في  الزاوية اليسرى العليا، والآخر في الزاوية اليمنى السفلى للوحة ، والمثلث الثالث الناتج عن الجزء المكشوف بسبب التمزُّق، والأصل في شكل المثلث أن تكون قاعدته إلى الأسفل ورأسه إلى الأعلى ودلالته في هذه الوضعية هي الاستقرار والثبات ، أمّا الفنان علي فقد اختار التنويع في حركته ليمنح اللوحة حيويةً مضافةً بعيداً عن الجمود، كما أنَّ تكرارهُ وتكرار ألواح المرآة شكّل ايقاعاً متناغماً للكتل التي تتموقع على أرضية اللوحة.
تُشكِّل الألوان علاماتٌ دالةٌ تمنح الإنسان فرصة التعرُّف على مكوناتِ بيئتهِ وتمييزها، كما تمنحهُ أيضاً فرصة التعبير عن المشاعر والمناسبات في حيّز الواقع، فقد تبنى الإنسان غالباً وبشكل اتفاقي اللون الأسود في مناسبات الحزن واللون الأبيض في مناسبات الفرح، كما اتخذها في الشعارات والعلامات الدالةِ على مختلف أُمورهِ في واقعهِ العياني المُعاش، ومن هنا كانت انطلاقة الفنان في كيفية تنسيق الألوان لتُشكِّل نسقاً ابصارياً ينظِّم رؤية المتلقي حيث تتمظهر الألوان في منظومةٍ  يبتكرها الفنان من خلال  اختيارهِ لمواقعها ودرجاتها، فهل كان الفنان علي مدركاً لمنظومته اللونية المعتمدة في هذه اللوحة بحيث تلتقي دلالاتها مع دلالات أشكالها لتؤدي بالتالي وظيفتها الدلالية التكاملة للوحة أم تتنافر؟
في منظومته اللونية اعتمد الفنان علي اللون الأخضر المتدرج للمرآة، والمرآة في الواقع العياني تتخذ لوناً فضيّاً، إذاً هي مرآتهُ الخاصة التي لا يتشارك فيها مع غيرهِ من البشر، والأخضر هنا يعتمدُ في وجوداً تدرجياً ما بين الأخضر العشبي والتركواز (الأخضر الممزوج بالأزرق) الذي يعلن عن وجوده الصريح في منطقة الوسط في اللوحة فيصبح بذلك مركز سيادة لونية تجذب عين المتلقي ليتوقف عنده ثم ينطلقُ في جولتهِ صعوداً أو نزولاً، إنَّ موقعة اللوح التركوازي يشطر اللوحة إلى شطرين ولكنهُ انشطار جميل يمتد من الزاوية اليمنى العليا إلى ما قبل الزاوية السُفلى اليُسرى، وهذا ما منح الانشطار جماليةً وحيويةً بعيدةً عن التقليدية في شطر اللوحة إلى نصفين علوي وسفلي تبعاً لخط الأُفق، ثم يبدأ اللون الأخضر بالتدرج من العشبي إلى الأخضر الداكن والأدكن ثم يتحول إلى درجة الزيتوني هذا إذا اخترنا الاتجاه صعوداً، أما إذا اخترنا الاتجاه نزولاً فألواح المرآة هنا تتخذ التركواز الداكن جداً ثم العشبي الداكن ثم الزيتوني الداكن، وتعود إلى العشبي في الزاوية الأخيرة، تكشف هذه المنظومة اللونية خط سير فكر الفنان علي حين انجازهِ لهذهِ اللوحة، فالتركواز هو مزيج من الأخضر والأزرق، والأخضر من الألوان الباردة، والتي عُرف عنها اتفاقاً دلالات مثل الخير والسلام والأمل والمستقبل والتجدد، والأزرق هو الآخر لون بارد، أمَّا الأزرق فهو لون السماء المشرقة ، وعُرف عنه اتفاقاً أيضاً دلالات الحياة والأمل والقيم النبيلة، والفنان هنا كان يشتغل باتجاه منح المتلقي صورة شاملة ومتنوعة عن الحياة فهي حيناً جميلة مشرقة يسودها الخير والجمال وحيناً تتجه اتجاهاً سلبياً داكناً بسبب ما يشوبها من مواقف مؤلمة. وهذه الدلالات أكّدتها اختيارات الفنان علي لألوانه حيث اعتمد ألواناً ثلاثية ( لون ثانوي مع اللون الأساس الذي يجاورهُ ) فالأخضر المصفر خلطة صبغية متكونة من ثلثين أصفر مع ثلث أزرق، والأخضر المزرق هو الآخر خلطة صبغية تعتمد على ثلث من اللون الأصفر مع ثلثين من اللون الأزرق، وبهذا يكون اللون الثلاثي جامعاً لدلالات اللونين الذينِ يتكوّن منهما، هذا فيما يخصُّ ألوان ألواح المرآة ، أمَّا الجسد الإنساني فكانت تشكيلته اللونية تعتمدُ أساساً اللون البرتقالي الذي هو أول الألوان الثانوية ويتركب من اللونين الأصفر والأحمر، ويتسمُ بقلّة امتصاصهِ للضوء، وبما أنَّه لون حار فإنَّ دلالتهُ تنطلق من حرارته هذهِ، وهي القوة والحيوية والطاقة المتجددة، فهل تُشكل دلالاتُ الألوانِ تعارضاً مع دلالات الجسد الممزق؟ للإجابة عن هذا السؤال نعودُ مجدداً إلى عالم اللوحة لنكمل استكشافها، فهي تعلن أنّ الجسد منزوع الجلد، ممزق العضلات فهو عارٍ عما يحميه ، ومُستقبِل لأي أمرٍ مؤلم لأنَّه بلا جلدٍ يحميه، وإذا كان الجسدُ يتمتعُ بوجودهِ من خلال وحدتهِ وتكامل أعضائهِ، فإنَّ الجسد هنا لا وحدة له، ولا تكامل لأعضائهِ، وهو جسد يراوحُ بين مطلب العيش بقوةٍ بدلالة اللون البرتقالي المشوب بضربات فرشاةٍ من اللون الأحمر، وبين مرارة الأصفر الذي هو هنا لون المرض. أمّا الظلال التي تركها الجسد على المرآة فهي كاشفة مرة ثانية لجمالية اللوحة، لأنَّ الفنان اختار لها اللون البني الداكن، ولم يشأ اختيار اللون الأسود لأنّ الظلال في الواقع العياني سوداء، أمّا في هذه اللوحة فقد اختار الفنان اللون البني وهو من الألوان الباردة والحيادية أيضاً، ليعلن لمتلقيهِ أنَّ الظل لا يساند الجسد في معاناتهِ، مع أنَّ الفنان أضاف مسحات لونية ضئيلةٍ من الأحمر إلى الظل إلاّ أنهُ ظلَّ حيادياً لا يعرفُ الألم، وبالمقابل فإنَّ اللون البني هنا شكلَّ وجوداً جمالياً لأنَّهُ لون بارد فيه خضوع فهو متضاد تماماً مع لون الجسد الحار.

د. وجدان الخشاب Headline Animator

د. وجدان الخشاب