الخميس، 27 سبتمبر، 2012

ما رَوَتْهُ اللوحة قراءة في لوحة (بقايا فنان) لعلي جاسم


ما رَوَتْهُ اللوحة
قراءة في لوحة (بقايا فنان) لعلي جاسم
        د . وجدان الخشاب

للمرآة دورها في الواقع العياني المُعاش، فهي الأداة الكاشفة لما لا تستطيع العين الإنسانية كشفه من أجزاء الجسد، كما أنَّها تعرفُ الاخلاص والنقاء فلا تُخفي ولا تُغيّر بل تنقل ما يقع على صفحتها بوضوحٍ وبلا رتوش، من هنا كانت انطلاقة الفنان علي جاسم في بناء لوحتهِ فهو يتخذ من المرآةِ أداةً للتوصيل وإيجادِ تواصلٍ مع المتلقي في موقعها في لوحتهِ لتكشفَ ما يخفى على المتلقي، ويضعه موضع تساؤل وجدلٍ، ولكن أيَّ مرآةٍ اعتمد علي في هذهِ اللوحة؟ هنا نتوقف ونُحيل السؤال إلى اللوحة وليس إلى الفنان، فالمرآة لم تُعد هي المرآة الكاملة التي تتصفحنا يومياً، بل قطع متوالية من مرآة عمد الفنان إلى تشظيتها إلى ستة ألواحٍ ليبني عليها الأشكال، وما يلفتُ النظر في هذا التقسيم أنّهُ منتظم الشكل يفتقد ما ألفناهُ من تشظيات المرايا، بل أنَّه تشظٍ منتظمٍ هو أقرب إلى الألواح المستطيلةِ التي تتموقع على أرضية اللوحة تاركةً جزئيها العلوي والسفلي على شكل مثلثينِ متقابلين في الزاويتين العليا والسُفلى من اللوحة .
  
وانطلاقاً من فكرةٍ قارّة تقول بأنَّ الاتجاه المائل للأشياء المرسومة في لوحةٍ ما يمثِّل عدم الاستقرار والقلق ويمنح اللوحة حركيةً لأنَّه يتموقع ما بين الاتجاه الأفقي المتسم بالاستقرار والسكون، وما بين الاتجاه العمودي الذي يوحي بالثبات والقوة والتوازن، منح الفنان علي مرآته شكل مستطيلاتٍ مائلةٍ لتوحي للمتلقي بالقلق وعدم الاستقرار ولكنهُ قلق منضبط لأنَّ الفنان هنا فنان واعٍ لهذا القلق فحوّل المعاناة إلى أداة تواصلٍ تُحيل المتلقي هو الآخر إلى قلقهِ الذاتي الذي اشتغل الفنان باتجاه تحريكه وتحويله إلى موضوعٍ قابل للمناقشة لحظة التلقي.
إنَّ الوعي المتسم بالوضوح كان وراء اتجاه الفنان إلى تجزئة شكل الجسد الإنساني، وهو ليس أي جسد، بل هو جسد الفنان الذي يعيش انفعالاتهِ الفيّاضة التي لا تعرفُ حدوداً فحوّلها إلى الجسد موضوع المعاناة، فكانت النتيجةُ تشظية أُخرى، فلا يجد المتلقي جسداً كاملاً متموضعاً على ألواح المرآة، بل هو الآخر يتشظى ولا يكتمل منه جزءٌ، ولم يكتفِ الفنان بتشظية الجسد بل عمد إلى تشظية ظلالهِ هي الأُخرى، كما عمد إلى خلق تقاطعاتٍ حادة بين الجسدِ وظله، وهذا يؤشر ثراء تجربة الفنان في إنشاء لوحةٍ اعتمدَ فيها البُعد عن الانغلاق التام للشكل الذي تحددهُ خطوطه الخارجية، واتجه إلى الانغلاق الناقص وهذا ما يتضح في تجزئة اليد إلى أربعة أجزاء تتخذ مواقعها على أربعة ألواح، كما أنَّ اليد تقطع ظلها إلى نصفين، ويتكرر المشهد في أكثر من لوح، وهنا لا بُدَّ لنا من التوقف لقراءة هذا القطع المتعمد، فماذا أراد الفنان أن يؤشِّر؟ في الواقع العياني يأتي ظلُّ الأشياء كاملاً كما هي فيما عدا اختلاف الطول بسبب اشعاعات الشمس التي قد تكون عمودية أو مائلة، فتؤثر في تكوين الظل، ولكنَّ الفنان في هذهِ اللوحة تعّمد تقطيع الظلال ، وتكرارها على جانبي أجزاء الشكل الإنساني ليس لايجاد تعادلٍ بين الشكلين تقنياً فقط، بل للتأكيد على المعاناة التي تكتنف الجسد وظله، وتؤشر بالتالي معاناة الفنان منتج اللوحة، وتخرجُ أيضاً إلى حيّز طرح معاناةِ كُلِّ فنان مبدع، وتتواصل مع معاناة متلقي اللوحة وهو يقف أمامها، كما تخرج إلى الفضاء الواسع لتؤشِّر معاناة الإنسان أينما كان وهو يعيشُ صراعه الوجودي.
وهنا لا بُدَّ لنا أن نتوقف لنتسآءل مع المتلقي لماذا عمد الفنان إلى التركيز على إبراز حركة اليد وموضعتها على المرآة ؟ لأنَّ اليد هي الجزء المنتج للأشياء المادية، وحركتها ناتجة عن ايعازات الدماغ الكامن في الرأس، وبما أنَّ الرأس يتخذ مكانهُ أعلى الجسد فقد أكّدَ الفنان هذه الحقيقة بأن جعل جزءاً من الرأس يتموقع في أعلى اللوح الثاني على شكل نصف دائرةٍ تقريباً، مائلةٍ وليست عمودية مما يؤشر فكرةَ الفنان في أنَّ الرأس هو الآخر أداةُ معاناةٍ تسببت في قطعه إلى نصف واحد ظاهر، وهذا النصف مائل لشدّةِ ما يعتملُ في داخله من صراعات.
أمّا اليد فهي أداة تنفيذية للرأس ولكنها تعاني نتائج الصراع الداخلي العميق وهذا ما دفع بالفنان إلى تشظيتها أولاً، وإبراز الكفِّ ثانياً، والجروح العميقة التي أدمت أناملها ثالثاً، فالكفُّ تتموقع على الجزء الخامس من الألواح، وتبدو متقدمة على غيرها من أجزائه، كما أنَّها بدت أكثر رسوخاً بسبب ثقلها البصري، وهي كفٌّ مبتورة بخط خارجي يحدها ويحددُ في الوقتِ ذاتهِ قسوة انقطاعها عن باقي الجسد، كما أنَّ الفنان أبرز تفاصيل شكلها بحيث بدت وكأنها تحاول الإمساك بما تحتها ولكنها لا تستطيع لأنَّ الجروح أدمت أناملها وحوّلتها إلى حالةِ تشنجٍ واضحة، فهي فاقدةٌ لمرونتها لأنَّ الفنان لم يترك لها أشكالاً لتمسكَ بها، فبدت وكأنها تسقط إلى الفراغ من شدة الألم، وهنا نؤشر للفنان قدرةً واضحةً على تتبع التفاصيل الصغيرة، حيثُ بدا مسرى الدماء من الأصابع راسماً لأشكالٍ هلاميةٍ لها حافاتٌ حادةٌ حقق الفنان من خلالها انتقالةً واعيةً من الفراغ تحت الكفِّ الساقط إلى الأشكال التي ترسمها الدماء السائلة، قاصداً وبشدةٍ أنَّ كلَّ معاناةٍ تُنتج كما أنَّها  ناتجةٌ عن ألم أيضاً ، ولكنها لا تتأتى عن فراغ ولا تنتجُ فراغاً، بل هناكَ ما يُثيرها وهناكَ ما يُشكِّلُ وجودها ويعلنهُ أيضاً.
عندما تبدأ العمليةُ الإبداعيةُ بتفعيل ذاكرة الفنان باتجاه انتاج شكلٍ أولي مجرد للوحة ( أو ما تعارف الفنانون على تسميته اسكيج)، تبدأ بالمقابل حرفية الفنان الناتجة عن تجربته الإبداعية بالاشتغال هي الأُخرى، وهنا تبدو الحرفيةُ واضحة مثلاً في اعتماد الفنان على تشظية المرآة وتخالفِ ألواحها، لتؤدي إلى تخالف أجزاءِ الجسد أيضاً، كما اعتمد تقنية التخالفِ بين الأشكالِ وظلالها، وهو بهذا يُثير متلقيه، ويدفعُ بعينيه إلى محاولة اعادة ترتيب الألواح، وهنا أيضاً حرفية أُخرى حيث أنَّ المتلقي لن ينجح مهما حاول إعادة ترتيبها، وكأنّي بالفنان وقد استقى هذهِ الفكرة من لعبة إعادة ترتيب الأجزاء المبتورة لتكوين الشكل الكامل، مما يؤشر مرة مضافة قدرته على الالتقاط من البيئة، وهذا ما قالته طروحات المفكرين في مختلف الميادين المعرفية، فأي فكرةٍ أو نظرية لا تُبنى في فراغ لأنَّها لم تنطلق من فراغ ، ولكنَّ الابداع الأصيل هو الذي يحوّل ما التقطتهُ العين وخزّنته الذاكرة إلى ابداع جديد يُغاير الأصل، ويعيدُ طرحهُ بشكلٍ جدلي، وهذهِ هي بالذات رسالة الفن، الرسالةُ التي يبثها إلى متلقيه مُثيراً وجهاً آخر لحقيقةٍ ما أو موقفٍ ما أو انفعالٍ ما، وهذا كلُّهُ يُشكّلُ بالتالي عالم اللوحة.
وهنا أيضاً يمكننا التوقف لنقول أنَّ الفنان في هذهِ اللوحة استقى مقولةً اجتماعيةً تؤشِّر أنَّ
( الناس معادن) حسب ما قاله لي الفنان علي، وحوّلها إلى جزءٍ منِ فكرة اللوحة، ليكشف من خلالها عن جوهر الإنسان.. عن أعماقهِ، ومدى صلابتها في مواجهةِ واقعٍ مؤلم لكنَّ المعدن هو الآخر يتخذ من التشظي شكلاً وجودياً، ولنعيد قراءة هذا المكوّن الشكلي في هذهِ اللوحة، فماذا سنجد؟ إنَّ متابعة الشكل المعدني في هذه اللوحة تكشفُ عن تشظيته هو الآخر، ففي اللوح الأول من المرآة يتموضع جزء مدبب منه متخذاً شكل مثلث، وفي اللوح الثاني يتموضع جزء آخر يتخذ شكلاً أقربُ إلى المستطيل، وبما أنَّ الفنان اعتمد فكرة التشظية للأشكال، فقد منح كتلة المعدن في هذين اللوحين تخالفاً في المواقع ليبدو انشطارهما واضحاً، فيما توزعت أجزاءٌ أُخرى منه على الألواح (3-4-5) ، وبما أنَّ المعدن هنا كناية عن الجوهر الانساني  فإنَّ الانسان مظهراً وجوهراً يتشظى تحت ضغط الألم .
إذا حاولنا تقسيم اللوحة إلى 3 أجزاء سنتوقف في الجزء الأعلى وبالتحديد في الجزء الأسفل من الثلث الأول للوحة لنجد كتلةً تُمثِّلُ نفقاً صغيراً جداً قياساً إلى كتلة ألواح المرآة والى كتلة الجسد الإنساني، والكتلة التي تُمثِّل ظلاله ، ويكادُ يمتدُّ أمامهُ شكل طريقٍ مُشوّه ربما حاول البعض اجتيازه لكنَّ النفق كان صغيراً تماماً، فلم يصل أحدٌ منهم إلى النفق ولم يعبرهُ، وهذا ما يساعدنا على تأويل هذا النفق وكذلك الطريق بفقدان الأمل، والخيبة، والفشل في اجتياز المحنة، لأنَّها محنةٌ متكررةٌ لا تتوقف ، وليس هناك أمل في تخطيها .
إنَّ النفق بشكلهِ الخابي والمعتم والصغير يُشكِّلُ تضاداً ناجحاً مع  الكفّ، من حيث  الموقعة أولاً: فالنفق يتموقع قريباً من الزاوية العليا اليُسرى للوحة فيما تتموقع الكفُّ قريباً من الزاوية اليُمنى السُفلى لها ، ومن حيث الحجمِ ثانياً: لأنَّ حجم النفق صغيرٌ جداً قياساً إلى حجمِ الكف، ومن حيثُ الألوانِ ثالثاً: فالنفقُ يتخذ من اللون البني الكامد المتدرجِ وجوداً، فيما تتخذُ الكفُّ تدرجاتٍ من اللونِ البرتقالي وجوداً، وهذه الأمور الثلاثةُ تتآزر لتشكل دلالة الألم والمعاناة التي يعيشها الانسان ، وفي المقابل الطريقُ مسدودٌ لا مخرجَ منه إلاّ بالفن.
تتميز اللوحة الفنية بكينونتها الثنائية الأبعاد، لأنَّها مُسطَّح ذو بعدين فقط : الطول والعرض، والفنان من خلال تقنياته يبني لوحته لتؤدي خطوطها وظيفتها إلى جانب الأشكال التي تُحددها، وهنا يمكننا أن نتوقف لقراءة خطوط اللوحة المتمثلة أولاً بالحدود الخارجية لألواح المرآة، حيثُ عمد الفنان إلى إظهارها مستقيمةً ، مائلةً ، حادةً ومتوازية وتمتد لتتقاطع مع اطار اللوحة، مما يؤشر وعي الفنان بوظيفتها الأساس المتمثلة في كونها أرضية للجسد الإنساني، ولكنها لا تُعدُّ هنا أرضيةً سالبة والجسد الإنساني موجب، لأنَّ ظلال الجسد اتخذت مواقعها عليها، فكان الجسد هو الأقربُ للمتلقي ثمّ ظلالهُ ثم المرآة، واتخذ الجسد الإنساني حدوده الخارجية بخطوط منحنية فاقدة لانسيابيتها ونعومتها، فبدت أقرب إلى الخشونة والقسوة ، أمّا النفق فبدا أقرب إلى شكل قوسٍ هائم الحدود، وهذه إشارة من الفنان يبثها إلى المتلقي مُعلناً لهُ أنَّ النفق لم يؤدِ وظيفته في العبور أي عبور الجسد من ظلمة المعاناةِ إلى اشراقة الانطلاق.
وفي الزاوية اليُسرى في أقصى يسار اللوحة يبدو جزءٌ صغير من أرضيةٍ ثالثةٍ للوحة يعتمدُ اللون الأحمر الداكن المتدرج إلى الأحمر الداكن جداً تتمثلُ فيه أشكالٌ هلاميةٌ متوزعةٌ بلا انتظام وكأنها ركامٌ من أحداثٍ خفيّة أسهمت بشكل أو بآخر في إذكاءِ صراعِ الجسد مع وجودهِ ، ويؤكد هذهِ الدلالة تموقع هذهِ الأشكال في زاويةِ اللوحة السُفلى بعيداً عن الجسد.
في الجزء العلوي من اللوحة ، عمد الفنان إلى إحداث شقٍّ صغير في قماشة اللوحة ، ولكنه لم يظهر القماشة كما هي بل منحها لوناً أبيضاً نقياً ليعلن دلالة جميلة تقول أنَّ ما خفي هو الأجمل والأنقى ، ورغم كلِّ مظاهر الانغلاق في هذه اللوحة إلا أنَّ هناك جمالاً مخفيا ربَّما استطاع الانسان أن يكشف عنه إذا امتلك شجاعة الاعلان عن وجوده بتمزيق كل ما هو كائن على السطح ، أي سطح اللوحة ، ولكنه وجود صغير جداً قياساً إلى حجم اللوحة ، وفي الوقت ذاته قياساً إلى حجم الأشكال الأُخرى التي تموقعت في هذه اللوحة .
وعمد الفنان هنا إلى تقنية التلصيق ( الكولاج ) باضافة خيوط مستلة من قماشة اللوحة لاقناع المتلقي بحدوث تمزيق فعلي للقماشة أولاً ، وبثِّ روح التثوير على الألم ثانياً ، ولمنح هذا الجزء جمالية حيوية ثالثاً .  
إنَّ الأرضية الثالثة أعلنت عن كينونتها فيما تَكشَّفَ عن التمزّقٍ الصغير في قماشة اللوحة ، هذا التمزقُ اتخذ شكلاً مثلثاً توزعهُ اللون البرتقالي في الأعلى، واللون البني في الأسفل ، والفنانُ هنا قدّم ملخصاً لونياً ودلالياً تأكيدياً على اللون البرتقالي الذي هو لون الجسد ، وهو المتقدم مكانياّ أيضاً ، كما أنَّه جزء من مركز السيادة الدلالية للوحة ، ولهذا شغل الجزء العلوي من المثلث ، أمّا ظله فقد شغل الجزء السفلي من المثلث لأنَّه متأخر لونياً ودلالياً.
إنَّ هذا الشكل المُبسّط الناتج عن التمزّق قدّم دلالةً أُخرى حيث اتخذ انقلاب الجزء الممزق شكل مثلثٍ هو الآخر ليكون تكرراً للمثلثات الأُخرى: أولها المثلث المتموضع في  الزاوية اليسرى العليا، والآخر في الزاوية اليمنى السفلى للوحة ، والمثلث الثالث الناتج عن الجزء المكشوف بسبب التمزُّق، والأصل في شكل المثلث أن تكون قاعدته إلى الأسفل ورأسه إلى الأعلى ودلالته في هذه الوضعية هي الاستقرار والثبات ، أمّا الفنان علي فقد اختار التنويع في حركته ليمنح اللوحة حيويةً مضافةً بعيداً عن الجمود، كما أنَّ تكرارهُ وتكرار ألواح المرآة شكّل ايقاعاً متناغماً للكتل التي تتموقع على أرضية اللوحة.
تُشكِّل الألوان علاماتٌ دالةٌ تمنح الإنسان فرصة التعرُّف على مكوناتِ بيئتهِ وتمييزها، كما تمنحهُ أيضاً فرصة التعبير عن المشاعر والمناسبات في حيّز الواقع، فقد تبنى الإنسان غالباً وبشكل اتفاقي اللون الأسود في مناسبات الحزن واللون الأبيض في مناسبات الفرح، كما اتخذها في الشعارات والعلامات الدالةِ على مختلف أُمورهِ في واقعهِ العياني المُعاش، ومن هنا كانت انطلاقة الفنان في كيفية تنسيق الألوان لتُشكِّل نسقاً ابصارياً ينظِّم رؤية المتلقي حيث تتمظهر الألوان في منظومةٍ  يبتكرها الفنان من خلال  اختيارهِ لمواقعها ودرجاتها، فهل كان الفنان علي مدركاً لمنظومته اللونية المعتمدة في هذه اللوحة بحيث تلتقي دلالاتها مع دلالات أشكالها لتؤدي بالتالي وظيفتها الدلالية التكاملة للوحة أم تتنافر؟
في منظومته اللونية اعتمد الفنان علي اللون الأخضر المتدرج للمرآة، والمرآة في الواقع العياني تتخذ لوناً فضيّاً، إذاً هي مرآتهُ الخاصة التي لا يتشارك فيها مع غيرهِ من البشر، والأخضر هنا يعتمدُ في وجوداً تدرجياً ما بين الأخضر العشبي والتركواز (الأخضر الممزوج بالأزرق) الذي يعلن عن وجوده الصريح في منطقة الوسط في اللوحة فيصبح بذلك مركز سيادة لونية تجذب عين المتلقي ليتوقف عنده ثم ينطلقُ في جولتهِ صعوداً أو نزولاً، إنَّ موقعة اللوح التركوازي يشطر اللوحة إلى شطرين ولكنهُ انشطار جميل يمتد من الزاوية اليمنى العليا إلى ما قبل الزاوية السُفلى اليُسرى، وهذا ما منح الانشطار جماليةً وحيويةً بعيدةً عن التقليدية في شطر اللوحة إلى نصفين علوي وسفلي تبعاً لخط الأُفق، ثم يبدأ اللون الأخضر بالتدرج من العشبي إلى الأخضر الداكن والأدكن ثم يتحول إلى درجة الزيتوني هذا إذا اخترنا الاتجاه صعوداً، أما إذا اخترنا الاتجاه نزولاً فألواح المرآة هنا تتخذ التركواز الداكن جداً ثم العشبي الداكن ثم الزيتوني الداكن، وتعود إلى العشبي في الزاوية الأخيرة، تكشف هذه المنظومة اللونية خط سير فكر الفنان علي حين انجازهِ لهذهِ اللوحة، فالتركواز هو مزيج من الأخضر والأزرق، والأخضر من الألوان الباردة، والتي عُرف عنها اتفاقاً دلالات مثل الخير والسلام والأمل والمستقبل والتجدد، والأزرق هو الآخر لون بارد، أمَّا الأزرق فهو لون السماء المشرقة ، وعُرف عنه اتفاقاً أيضاً دلالات الحياة والأمل والقيم النبيلة، والفنان هنا كان يشتغل باتجاه منح المتلقي صورة شاملة ومتنوعة عن الحياة فهي حيناً جميلة مشرقة يسودها الخير والجمال وحيناً تتجه اتجاهاً سلبياً داكناً بسبب ما يشوبها من مواقف مؤلمة. وهذه الدلالات أكّدتها اختيارات الفنان علي لألوانه حيث اعتمد ألواناً ثلاثية ( لون ثانوي مع اللون الأساس الذي يجاورهُ ) فالأخضر المصفر خلطة صبغية متكونة من ثلثين أصفر مع ثلث أزرق، والأخضر المزرق هو الآخر خلطة صبغية تعتمد على ثلث من اللون الأصفر مع ثلثين من اللون الأزرق، وبهذا يكون اللون الثلاثي جامعاً لدلالات اللونين الذينِ يتكوّن منهما، هذا فيما يخصُّ ألوان ألواح المرآة ، أمَّا الجسد الإنساني فكانت تشكيلته اللونية تعتمدُ أساساً اللون البرتقالي الذي هو أول الألوان الثانوية ويتركب من اللونين الأصفر والأحمر، ويتسمُ بقلّة امتصاصهِ للضوء، وبما أنَّه لون حار فإنَّ دلالتهُ تنطلق من حرارته هذهِ، وهي القوة والحيوية والطاقة المتجددة، فهل تُشكل دلالاتُ الألوانِ تعارضاً مع دلالات الجسد الممزق؟ للإجابة عن هذا السؤال نعودُ مجدداً إلى عالم اللوحة لنكمل استكشافها، فهي تعلن أنّ الجسد منزوع الجلد، ممزق العضلات فهو عارٍ عما يحميه ، ومُستقبِل لأي أمرٍ مؤلم لأنَّه بلا جلدٍ يحميه، وإذا كان الجسدُ يتمتعُ بوجودهِ من خلال وحدتهِ وتكامل أعضائهِ، فإنَّ الجسد هنا لا وحدة له، ولا تكامل لأعضائهِ، وهو جسد يراوحُ بين مطلب العيش بقوةٍ بدلالة اللون البرتقالي المشوب بضربات فرشاةٍ من اللون الأحمر، وبين مرارة الأصفر الذي هو هنا لون المرض. أمّا الظلال التي تركها الجسد على المرآة فهي كاشفة مرة ثانية لجمالية اللوحة، لأنَّ الفنان اختار لها اللون البني الداكن، ولم يشأ اختيار اللون الأسود لأنّ الظلال في الواقع العياني سوداء، أمّا في هذه اللوحة فقد اختار الفنان اللون البني وهو من الألوان الباردة والحيادية أيضاً، ليعلن لمتلقيهِ أنَّ الظل لا يساند الجسد في معاناتهِ، مع أنَّ الفنان أضاف مسحات لونية ضئيلةٍ من الأحمر إلى الظل إلاّ أنهُ ظلَّ حيادياً لا يعرفُ الألم، وبالمقابل فإنَّ اللون البني هنا شكلَّ وجوداً جمالياً لأنَّهُ لون بارد فيه خضوع فهو متضاد تماماً مع لون الجسد الحار.

د. وجدان الخشاب Headline Animator

د. وجدان الخشاب