د. وجدان الخشاب (أديبة وناقدة تشكيليةعراقية)
رمليات مدورة، وقيعة وثلاث عواصف، الاغتراب والتغريب في نصوص مسرحيات ألفريد فرج، تقنيات القصة القصيرة، فرشاة ودلالات، سِفر تشكيلي، للمرايا نبش آخر، قصص من نينوى، واللون يسرد الحكايا، وقالت شهرزاد، ترانيم، ملامح على الرمال، شموس، مسارات من عطر،أشتاق بيبونها،رائحة الأزرق، رقصة الألوان، وتأمل الإنسان، النفق تكفيه شمعة، والزهر إن غرَّد، سأتبع شمسها، خُطى الأمواج، حافياً أقبّل ترابها، قلوب في ظل أزرق، نصوص وامضة
د.وجدان الخشاب
أديبة وناقدة تشكيلية عراقية
2026/08/25
المحور الأول: حوار مع الفنان عباس الطائي
س1/ النقطة أصل الحرف أو الكلمة، كيف تعاملت معها في لوحاتك، هل تمنحها عناية خاصة أم تعاملها مثل بقية الحروف؟
ج/ النقطة في بعض لوحاتي تأخذ حيّـزاً مهماً، على سبيل المثال: أنجزتُ لوحة خطيّـة نصها جزء من الآية القرآنية الكريمة (لا إله إلاّ أنت سبحانك) وضعت نقطة حرف الباء في كلمة (سبحانك) بشكل يلفت النظر حيث كان حجمها أكبر من بقية النقاط ، واخترت لها موقعاً خاصاً، وظلاً ساقطاً على خلفية اللوحة فأصبحت بذلك ركيزة أساسية في اللوحة.
-
س2/ كيف تنظر الى أنواع الخطوط، وأيّـها أقرب الى نفسك؟
ج/ كل الخطوط محببة الى نفسي، ودائماً أُشبهها بأولادي، فكل ولد منهم له محبة خاصة، ومكانة خاصة أيضاً في قلبي، وكلهم مقربون مني، ولكنّـي أميل ميلاً خاصاً لخط الثلث لأنّـه سيّـد الموقف، ويحتاج الى تنسيق عالٍ وجهد كبير لكي تتم اللوحة الخطية التي أكتبها به، أمّـا خط النسخ فهو الخط الذي يكون سندي في كتابة آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والمعاملات، وخط جلي الديواني اكتب به لإنجاز العمل السريع لأنّـه قريب الى نفسي، وتغلب عليه المسائل الفنية التي هي من صميم عملي، فقد كنتُ رساماً قبل أن أكون خطاطاً، ولا ننسى بأنَّ الخط هو فن التصوير كما أشار الناقد الأجنبي باول، ويأخذ الخط الكوفي المجال الكبير في إنجاز اللوحة الخطية وتخصيصاً في كتابة الأسماء الشخصية وعناوين الكتب، وهكذا يكون لكل خط استعماله الأفضل.
ولا بُـدَّ لي من الإشارة الى أنَّ الكلمة المفتاحية في النص هي التي تمنحني فـرصة اختيار نوع الخط الذي يناسبها أكثر من غيره.
س 3/ هل تدرس مساحات ارتكاز الحروف قبل إنجاز لوحة خطية أم أثناء الإنجاز؟
ج/ إنَّ توزيع المساحات على اللوحة الخطية شيء ضروري فـقبل البدء بالعمل اشتغل المُسوّدات، وأُحدد لكل كتلة مكانها الخاص بها، بحيث يحدث التوازن في اللوحة، وأُغـيّـر فيها حتى أجد أنَّ هذه الكتل قد أخذت قرارها بشكل مدروس تماماً، فأي كتلة في اللوحة الخطيّـة لا بُـدَّ أن تقابلها كتلة أُخرى لكي يتحقق التوازن بينهما.
والدراسة الأولية لتوزيع الكتل هي الخطوة الأُولى التي تقود الى نجاح اللوحة مبدئياً لأنّـها من أساسيات بدء إنجازها، وهنا لا بُـدَّ لي من الإشارة الى ما كتبه الصحفي عبد الوهاب النعيمي (رحمه الله) في مقالته: (وعباس مبدعاً في توزيع الكتل، أعطى لكل شيء في فضاء لوحته الخطية حق الإبداع، من حيث توزيع الكتل أو من حيث اختيار نوع الخط).
س5/ من خلال تراكم الخبرة، ونتيجة للممارسة الدائمة يلجأ الخطاط الى تقنية الانتقاء: خطوط محددة، ألوان معينة، دلالات خاصة، هل مررتَ بهذه التجربة أم لا زلت تجد أنَّ كل الخطوط تشتغل في اللوحة؟
ج/ الانتقاء ضرورة في إنجاز اللوحة الخطية، فهو يساعد في تحديد المساحة، ونوعية الخط، فهما مترابطان لأنَّ نوعية الخط هي التي تحدد المساحة التي يشغلها، فمثلاً عند اختياري كتابة خط الثلث بشكل دائري أو مستطيل أو مربع ومن خلال تجربتي الخطية الطويلة وجدتُ أنَّ المساحة هي بداية كل لوحة، فالمساحة ونوعية الخط يشتغلان معاً لتحقيق خاصية الانسجام، وهي أول الكتل في اللوحة، يتبعها التكوين أي توزيع الكتل على المساحة، ويتبعها اللون والاخراج، فاللوحة الخطية هي الثمرة الناضجة أي أنَّ اجتماع الخط والتكوين والتقنية المعاصرة هي التي تُنتج اللوحة.
س6/ نقطة البداية في أي عمل فني تنشأ من توفر شحنة انفعالية، تعمل في اتجاه تشغيل الصور الذهنية في ذاكرة الفنان باستمرار الى أن يتحقق التوافق النفسي، فيبدأ باشتغال اللوحة، أو قد يفشل في تحقيق التوافق، فيشعر بالتوتر الى ما يقرب من الانهيار العصبي، هل سبق لك أن عانيتَ من هذه الحالة؟
ج/ عـند البدء بإنجاز لوحة ما أبدأُ بالتفكير في كيفية صياغة اللوحة: أولاً: اختيار النص الذي سأخطّه، ثم تحديد شكل النص، ثم تحديد نوعية الخط الملائم لهذا النص، بحيث أُوظف الحركة داخل اللوحة بشكل انسيابي، فأُوزّع المساحات بحيث تتحقق خاصية التوازن ثم أُوزّع الكتل عليها توزيعاً منتظماً، ثم أبدأ بكتابة الحروف بعد الدراسة العميقة لهذه المرحلة، وهي تحتاج الى سكيجات (مُسوّدات) عديدة، الى أن يتحقق الاستقرار، وهذا ما يتطلّـب وقتاً وتفكيراً مُـضنياً، وفي بعض الحالات تتكون الفكرة وتنضج في ذاكرتي بشكل مباشر دون مُسوَّدات، فأبدأ بالعمل على اللوحة.
في اشتغالي باللوحات الخطية على مدى سنوات، لا أتذكر أنني بدأتُ بلوحة وتركتها دون أن أُكملها، بل على العكس من ذلك حيث أشعر بإصرار يتحكّم بي ويدفعني الى تجاوز هذه المرحلة الصعبة، ولا يرتاح بالي الى أن أُحقق ما أُريد وهو إنجاز اللوحة كاملة، مع ملاحظة أنَّ الحالة النفسية ضرورية للبدء بالعمل، ولا أُباشر بعملي إلاّ عندما تكون حالتي النفسية هادئة ومستقرة.
إنَّ وظيفتي التدريسية في معهد الفنون الجميلة أضافت لي خبرة كبيرة من خلال تعليم ومتابعة ومعالجة لوحات طلبة قسم الخط والزخرفة على مدى سنوات طويلة.
س7/ يشعر بعض الفنانين على اختلاف مجالاتهم الإبداعية أحياناً بشيء من الحيرة والتردد قد يدفعهم الى التوقف عن العطاء، هل سبق لك أن توقفت؟ ومتى؟ وما حصدت من هذه التجربة سواء على الصعيد الشخصي أو على الصعيد الفني؟
ج/ مررت بهذه التجربة، وأحياناً أتوقف عن العمل، وليس التوقف عن العطاء، فبمجرّد أن أجد أنَّ العمل الذي أُفكّر في إنجازه فيه بعض الصعوبة، أتحوّل الى عمل آخر لأنَّ ذهني وتجربتي في مشوراي الفني الطويل منحاني زخماً من الأفكار التي لا تنتهي، وقاعدة أقولها دائماً: ليس كل خطاط لديه استعداد فني، فهناك خطاط نُسمّيه (خطاطاً عادياً)، وهناك خطاط (فنان) يستطيع من خلال مشواره الفني تفعيل عمله بشكل مدروس، فإذا نظرتِ الى لوحاتي ستجدين بصمة فنية تميز معـظمها عن لوحات الخطاطين الآخرين، لأنَّ الخبرة التراكمية مفتاح لكل عمل أقوم به، وما حصدته من هذه التجربة منحت لوحاتي السحر والتميز والجمال، ودليلي في هذا أنني أقمت أكثر من (10) معارض شخصية داخل القطر وخارجه، وكلها أعمال تستحق المشاهدة، سأذكر لكِ مثالاً: أقمتُ معرضاً شخصياً في قاعة الرواق في بغداد عام 1992، وكتب عـنّـي عشرات المشاهدين، ومن زوار المعرض فنانة وأُختها، أتعرفين ماذا كان رد فعلها على لوحات المعرض؟ دُهشت لما شاهدته من أعمال فنية قبل أن تكون خطية، وقالت: لم أُشاهد كما كان يدور في مخيلتي الأبيض والأسود، تقصد الورق الأبيض والحبر الأسود.
س8/ أشار فان جوخ الى أنَّ المبدع هو شخص يتآكل قلبه من فعل الظمأ الشديد للعمل الذي لا يستطيع القيام به فعلاً، لأنَّ من المستحيل عليه أن يتحرّك وهو سجين شيء ما.
هل سبق لك أن فشلت في إنجاز لوحة أو رفضت إنجازها بسبب شعورك أنَّـك لا تستطيع إنجازها؟
ج/ ذكرتُ لكِ أنَّ تراكم الخبرة من خلال تدريسي في معهد الفنون لأكثر من (15) عاماً، وتنقلي بين طالب وآخر، أرى أعمالهم في الخط والزخرفة، وأبدي ملاحظاتي لهم فاكتسبت خبرة تتجدد يومياً، وهذا الكمُّ من المشاهدات جعلني أذلل الصعاب أمام كل عمل فني أقوم به، فأنا بفضل الله لم أتوقف وإذا توقـفـتُ فلأجل المراجعة والإضافة الى اللوحة لا غير.
س9/ التخطيط الأولي من الخطوات المهمة التي أتصوّر أنَّ كل خطاط يعتمده، كم من التخطيطات تُـعـدُّ الى أن تصل الى القناعة بالبدء بالإنجاز؟
ج/ إنَّ تخطيط كل عمل فني يحتاج الى تخطيطات أولية، فعملي للوحة (الإجازة) من الأُستاذ يوسف ذنون استغرق منّي (60 ) تخطيطاً أعددتها بمثابرة دائمة حتى أنجزتها كاملة من حيث الخط والقواعد والشكل وتصميم المنظور أولاً، والزخارف ثانياً، والألوان ثالثاً، فأصبحت اللوحة بانوراما لأنني وضعتُ فيها كلّ خبراتي حتى قيل أنَّ هذه الإجازة أربكت إخواني الخطاطين الذين يرومون الحصول على الإجازة من بعدي، فقال أحدهم: لقد جعلت من الصعب علينا إعطاء إجازة أحسن من هذه.
وهذه الإجازة شاركت بها في مهرجان الخط الدولي الذي أُقيم في بغداد عام 1988م، ونلتُ الجائزة من بين (1800) خطاط شاركوا فيه بلوحاتهم. إذاً كل عمل فني يحتاج مُسوّدات حسب نوع الخط وصعوبة اللوحة.
س10/ اللوحة شكل ساكن يكتسب حركيته من خلال تنظيم عناصره بحيث يبدو كل ما هو ساكن متحركاً، كيف تصنع حركية لوحاتك الخطية؟
ج/ لكل جزء من اللوحة خصوصية، فالنص له خصوصيته، وهو البداية حيث اختار نوع الخط الذي ينسجم معه، فخط الثلث مثلاً له السيادة في اللوحة ويتطلب عمل مسودات كثيرة لكي تكون أوضاع الكلمات مدروسة اخراجياً من حيث التوزيع والتناغم والتوازي والفراغات، وهذه التقنيات هي التي تسهم في منح اللوحة حركيتها.
عند التنفيذ على الخامة لا بُـدَّ لي من اختيار الألوان التي تنسجم مع كلمات النص الذي سأخطّه عليها، على سبيل المثال لا الحصر عند كتابة الآية الكريمة (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) احتجتُ الى الألوان المكفهرّة الحزينة لكي تنسجم مع دلالة النص، وهكذا في كل لوحة يجب أن يتوافر الانسجام بين الدلالة والألوان، ومثال آخر، عند إنجازي للوحة (وسيعلم الذين ظلموا...) وقع اختياري الاخراجي على شكل الوادي الذي يحيط به جبلان بحيث جعلت النص يهوي في الوادي لكي ينسجم مع دلالة النص التي تشير الى أنَّ نهاية الظلم ستكون السقوط في الوادي السحيق، وهذه الطريقة أبعدت اللوحة عن السكون ومنحتها حركية لافـتة لأنَّ عين المتلقي ستنزلق مع حركة النص.
س11/ التكوين عنصر مهم من عناصر اللوحة، كيف تختار التكوين في لوحاتك؟
ج/ ذكرتُ في جوابي للسؤال السابق أنَّ النص هو الأهم لأنه الجزء الرئيس في اللوحة، وهو الذي يعلن الدلالة، مثلاً عند كتابتي للبيت الشعري (قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل...) كان اختياري لرسم شكل العين الدامعة التي يحيط بها النص، واختيار الجزء الأسفل لرسم مشهد البيوت العربية القديمة والصحراء، للدلالة على العمق التاريخي للنص الشعري، وقد ذكرتُ لكِ سابقاً أنني كنتُ رساماً قبل أن أتوجه الى الخط، فأفدتُ من قدرتي على الرسم في منح تكوين اللوحة جمالية وحركية وتآزراً دلالياً، ولهذا فإنَّ المُشاهد سيفهم اللوحة بمجـرّد أن ينظر الى تكوينها وربّـما قبل أن يقرأ النص المكتوب.
لو استطلعـتِ جميع لوحاتي ستجدين أنَّ التكوين بوصفه عنصراً أساساً من عناصر اللوحة الى جانب النص، يأخذ حيّزاً مهماً فيها حتى في أعمالي التقليدية لأنه أحد عناصر اللوحة الخطيّة الناجحة، فلوحاتي بفضل الله ليست مجـرّد خطوط تُكتب على الخامة بل هي لوحات فنية خصبة تشدُّ المُشاهد وتأخذه الى عوالم خيالية بعيدة، ولهذا كتب أحد المشاهدين لمعرضٍ من معارضي في سجل الزيارات (لوحاتك روعة في التشكيل والمدلول والعطاء).
س12/ يمارس العقل عمليات واعية، مثل: البحث، التجميع، التحليل، الانتقاء، كيف تشتغل هذه العمليات لديك؟
ج/ أنظر الى العمل الذي أُحبُّ أن أبدأ به بكل جوانبه، فالمصادر الأولية أضعها أمامي في المرحلة الأُولى، وأبحث فيها بشكلٍ مستفيض، وبعدها أبدأُ بعملية الانتقاء لاختيار النص، ثم أُحدد التكوين والألوان والإخراج، وتجتمع هذه العمليات الحيوية التي تستغرق وقتاً وجهداً ليس بالهيّـن، لأني أُعيد النظر فيها أكثر من مـرّة دراسة وتحليلاً الى أن تكتمل عناصر اللوحة، ويحدث أحياناً أن أُعيد اشتغالها مرة ثانية بعد إجراء تغييرات عليها، وكما تعرفين هناك أعمال أنتجها فنانون مشهورون ثم أعادوا اشتغالها بعد سنوات، وأجروا عليها تغييرات جديدة شملت بعض عناصرها، وأنا أيضاً أعدتُ صياغة بعض لوحاتي التي أنتجتها قبل سنوات فظهرت بشكل جديد أراه أفضل من شكلها السابق لأنَّ الفن لا يتوقف عند زاوية واحدة، والتغيير حاضر دائماً في النفس البشرية، وخاصة عند الفنان المبدع الذي يحاول الابتكار عبر خبراته وتجاربه التي تتزايد مع مرور الأيام.
س13/ كيف تتعامل مع الفراغ بوصفه عنصراً من عناصر تكوين اللوحة الخطية؟
ج/ كل لوحة تحتاج أن أنظر إليها من كل الجوانب، وخاصة الفراغ، ففي بعض الحالات أتعمد وضع فراغ فيها ليكون العمل ناجحاً، أمّـا تعاملي معه فهو يختلف من لوحة الى أُخرى، فمرة يكون الفراغ داخل التكوين، وأُخرى يكون بين الكلمة والكلمة التالية، والمتحكم هو جمالية اللوحة، على سبيل المثال لا الحصر، إذا تأملت الفراغ في هذه اللوحة ستجدين الفراغ يشكّل أرضية للكتابة وهذا ما منحها بروزاً سيشدّ بصر المتلقي الى النص خطاً وشكلاً ودلالة:
فـقـد تعمدتً اشغال الفراغ بالألوان لمنح المشاهد شعوراً بالسلام والرضا.
س14/ مَـن يشغلك أكثر الكلمة المفتاحية أم النص كاملاً؟
ج/ يشغلني في اللوحة مفتاح النص أحياناً، وأحياناً يشغلني النص كاملاً، مثلاً: عند كتابتي للفظ الجلالة (الله)
أنظر إليه بوصفه مفردة لها وزنها الخاص، فمن الواجب وضعها في قمة التكوين أو في موقع سيادي يليق بها، وليس موقعها فقط بل أمنحها لوناً واخراجاً شكلياً متميزاً، قاصداً بذلك لفت نظر المشاهد الى هذه المفردة العزيزة، ولهذا ستجدين أنّـها تأخذ مكانها اللائق بها في كثير من لوحاتي، ويشغلني النص كاملاً أيضاً لأنّـه مجموعة من المفردات التي اعتني بإخراجها بالشكل الذي يناسبها، وخير مثال على ذلك أنني أقمتُ معرضاً كاملاً عرضت فيه أكثر من (15)، لوحة لآية الكرسي، وكل لوحة لا تشبه الأُخرى من حيث الإخراج، وتمكنتُ من الإفـادة من الخامات والمعالجات من حيث التنوّع في الأساليب والقـوة في الأداء الخطي لأنَّ الخط العربي كنز تكمن فيه كل الخبرات، ولهذا وصف أحد البلغاء الخط بأنّـه صناعة جليلة لا يفهمها ذو فهم سقيم، ولا يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم.
س15/ أيّة لوحة من لوحاتك لها قصة أو موقف لا يزال يعيش في ذاكرتك؟
ج/ اللوحة التي كتبت بها الآية الكريمة ( ياأيتها النفس المطمئنة ...) هذه اللوحة عزيزة عليّ لأنها تحمل معاني كثيرة، وكتبتها حين استشهد ولدي فكانت أول الغيث، وكل لوحة كتبتها تعبِّـر عن حالتي، وفيها بصمة جديدة تختلف عن بقية أعمالي.
وتلتها أعمال أُخرى عبّـرت أيضاً عن قمّـة مأساتي مثل لوحة ( وبشّر الصابرين...) وعندما شاركت بها في أحد المعارض، كتب أحد الزوار في سجل الزيارات: (أيّـها الأُستاذ الفاضل تبقى رمزاً وقدوة نفتخر بك في الموصل الحدباء ويفتخر بك العراق).
ومأساتي هي مأساة الجميع فمن منّـا لم يفقد عزيزاً عليه؟ وكذلك لوحة (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) فاللوحات نصّاً وتشكيلاً لها قصة وحكاية ترتبط ارتباطاً روحياً بالمواقف التي مررتُ بها في حياتي، فلوحة (وعـنت الوجوه للحي القيوم) هذا النص كتبته على شكل ورقة قديمة، أمّـا بقية النص (وقد خاب من حمل ظلماً) فـقـد كتبته على الورقة نفسها ولكنه أخذ مكاناً منفصلاً عن بقية النص للتعبير عن حال الظلم، فالظالم يقع في الهاوية للدلالة على نهاية ظلمه.
س16/ هل سبق لك أن دخلت حواراً مع فنان أو ناقد، وأنجزتَ على أثر هذا الحوار لوحة؟
ج/ في معارضي التي عرضت فيها أعمالي من خلال الزائرين من خطاطين وتشكيليين ومثقفين ومحبي الخط العربي تجري بيننا حوارات متنوعة فأخرج منها بنتائج تسهم في انتاجي للوحات جديدة تضاف الى رصيدي، لأنَّ كل معرض هو حصيلة تجربة وجهد وتفكير وتخطيط ذاتي ثم تأتي الحوارات بعده فـتثري تجربتي وتولد فكرة لوحة جديدة.
قال لي د. الشمري بعد أن زار أحد معارضي ( إنَّ هناك حملة للرسالة وللحرف العربي... إنَّ قلبي اطمأنَّ على هذا الفن الأصيل، إنَّ الموصل الحدباء تنافس بغداد في الدفاع عن الحرف العربي).
ان طارق عتو (سلام عليك.. أيُّـها المبدع يوم ولدتَ، وسلام عليكَ يوم تتألق بالحرف العربي، وسلام عليك يوم تقدم معرضاً جديداً وتبقى شامخاً).
س17/ هل لديك طقوس خاصة أثناء العمل، أم تعمل في أيّ ظرفٍ كان؟
ج/ لا بُـدَّ أن تكون لي وقفة خاصة، أي تفـرّغ كامل بمعنى الكلمة ، فكل عمل فني إبداعي يستوجب الهدوء التام والطقوس الخاصة لإنجازه، فمثلاً أنني حين أخـطُّ أتخذ من ركن في غرفتي مكاناً، وأبدأ العمل بحيث يكون كل همّـي وإحساسي مركّـزاً على عملي ولهذا لا يجرؤ يّ من أفراد عائلتي وحتى الصغير منهم على الكلام معي حين يراني منشغلاً بالكتابة، أو بخـطِّ لوحة، وهذا ما يمنحني راحة نفسية أعمل من خلالها بكل هدوء.
س18/ كيف تختار ألوان لوحاتك الخطية؟
ج/ اختارها حسب المضمون، فمثلاً إن كان النص فيه حزن ومأساة اختار الألوان التي تعكس هذا الطابع، وأختار للمناجاة ألواناً تدلُّ على الخشوع والرهبة، مثلاً لوحتي هذه التي كتبتُ فيها قصيدة الإمام الشافعي (طرقت باب الرجاء) اخترتُ ألوانها بحيث تنسجم مع النص، فاللون أُوظفه تشكيلياً لأنّـه من مقومات اللوحة التي يجب أن تتكامل مع شكلها ومضمونها، وهي تمنح الحروف سراً و وسحراً جمالياً، وتسهم أيضاً في وحدة المشهد الأجمل والتشكيل والتكوين الأكمل، فالألوان تحرّك اللوحة نحو التجربة الإبداعية خطاً وتصميماً وإخراجاً، وفي هذا الصدد قال الفنان نبيل الشعار عن أحد معارضي (لقد تكـلّـم الصمت في معرضكم هذا ونطق الحرف بإيقاعه وتراقصت الأنغام كل على إيقاع خاص، وكل لوحة بألوانها وتكوينها وتشكيلها، وكل لوحة تقول وتتكلم عن نفسها: أنا عباس الطائي).
س19/ أيُّ نوع من الأحبار تستعمل؟ وهل تعـدّها بنفسك أم تفضل الأحبار المتوفرة في السوق، ولماذا؟
ج/ سابقاً كنّـا نـعـدُّ الأحبار بطريقة تقليدية ولسنوات، وحين توفرت في السوق أحبار أستطيع أن أقول أنّـها تفي بالغرض المنشود اتجهتُ الى استعمالها، ومن هنا أنصح الجيل من الشباب الراغب بالخط العربي أن يستحضر أحباره بطريقته الخاصة لأنَّ الحبر المُصنّـع يدوياً هو الأصلح.
20/ هل تفضِّل الأقلام الجاهزة أم القصبة التي تقطِّـبها بنفسكَ؟
ج/ القصبة في الخط هي سيدة الموقف، وهناك قصبات من نوع جيّـد إذا تبعه قـطّ جيد فسيكون أحد أسباب نجاح الخطاط، وقد قيل في هذا الصدد (الخط في القـطّ).
أمّـا الأقلام الجاهزة فهي أقلام لأجل السرعة أولاً، وثانياً مادة هذه الأقلام تستعمل للمُسوّدات أو لتصحيح أعمال وخطوط الدارسين، أمّـا من حيث نوعية الخط فتستعمل لكتابة خط النسخ وخط الديواني، ويكون صدر هذه الأقلام (2) ملم، وفي بعض الأحيان أكثر من ذلك.
س21/ هل تنظر الى اللوحة الخطية بوصفها موقـفاً من الحياة، من الآخر، من الذات؟ وهل تستطيع اخباري عن بعض لوحاتك التي تقع في واحدٍ من هذه المجالات؟
ج/ كل لوحاتي أو معظمها خاصة التقليدية لها قصة وحكاية، ولديّ أيضاً لوحات كثيرة تحمل طابعاً تشكيلياً، مثل هذه اللوحة:
س22/ هل فـكّـرتَ في اعتماد حرف واحد لتشكيل التكوين مثلما اعـتمد الخطاط المصري عمر النجدي على حرف الألف وأولاه عناية خاصة؟ ولماذا؟
ج/ نعم، كتبتُ حرف (ن) في الآية القرآنية الكريمة (ن والقلم وما يسطرون) بعـدّة أشكال، وكل شكل في لوحة لا يشبه شكلها أو حجمها أو موقعها في لوحة أُخرى، فالآية نفسها ولكن طريق اخراجها تختلف، وفي بعض الأحيان استعمل كلمة مكان الحرف، فمثلاً أكتب لفظ الجلالة (الله) بعرض قلم أكبر ليختلف عن بقية النص المكتوب في اللوحة، وفي الآية القرآنية الكريمة (... سبحانك إني كنت من الظالمين) كتبت كلمة (سبحانك) بقلم أكبر من بقية الآية.
س23/ في بعض اللوحات الخطـيّـة التقليدية لا يهتم الخطاط بالبُـعـد الثالث بل يعتمد على البُـعـدين الأُفـقـي والرأسي فقط، وكذلك لا يهتـمّ بالظلال ولا بالمنظور، ألا يُشكِّـل ذلك بُـعـداً عن الطبيعة والواقع، وبالمقابل اعـتمد الخطاطون على الزخارف النباتية لتزيين لوحاتهم، والنبات واحد من عناصر الطبيعة، فكّـرتُ بهذا الإشكال ولم أجد له حلاً، هل لديك حلّ؟
ج/ ابتعـد الخطاطون المسلمون الأوائل عن الرسم واعتبروه محـرَّماً عليهم، ولهذا اتجهوا الى فن بعيد عن الرسم وهو الخط العربي، وأبدعوا وتفـننوا فيه وهو فن جديد قائم بذاته ويوازي الطبيعة، وله قدسيته أيضاً.
س24/ أتصوّر أنَّ نوعية الخامة تؤثِّـر في نوع الحبر، ولكني لا أعلم هل لها تأثير في اختيار نوع الخط؟ وهل لها علاقة ترابطية أيضاً مع دلالة النص المكتوب؟
ج/ نعم، للنص تأثير على الخامة التي يُـكتب عليها فهو الذي يحددها غالباً، فإذا كان النص اعتياداً أُفـكِّـر في تحضير الورق ليخدم النص، وأنا عادةً أُعـدُّ خاماتي بنفسي، وأحياناً أكتب على الجلد إن وجدته يُظهر العمل أجمل،
وفي هذا الصدد قال أحد الزائرين لمعرض من معارضي بعد أن شاهدَ لوحة خطية جلدية (إنَّ الجلد الميت حوّلته الى حيّ ينطق ويتحرك..).
فكل الخامات التي استخدمها في أعمالي أراها ضرورية، كما أجد أنَّ التنـوّع فيها يخدم النص والخط والمُشاهد معاً. وهنا أنقل ما قاله أحد زائري معرضي عن خاماتي (ياأُستاذي تزيد روعة في عملك الفني وهي من أساسيات إبداعكَ، فالجدية في عملك الفني واضحة). وتوهم أحد زوار معـرضي الشخصي بأنَّه معـرض مشترك لمجموعة من الخطاطين، فهذا التوهّـم إن دلَّ على شيء فإنّـما يدل على أنَّ كلَّ لوحة لها خصوصيتها في تنوّع الخط والاخراج والابداع على الخامات المتنوّعة.
س25/ من خلال تجربتك الذاتية أيّ الخامات تجدها أكثر طواعية لتلقي ما سيكتب عليها، هل هي الورق، القماش، الجلد، الحجر؟
ج/ كل الخامات تحتاج الى التحضير قبل الكتابة، وأسهلها الورق، يأتي بعده الجلد، وهناك أيضاً الخشب المعاكس الذي يحتاج طلاءً بالأموشن أو البويا قبل الكتابة عليه.
س26/ أشارت المصادر التاريخية الى أنَّ أول مَن استعمل طريقة قياس أطوال الحروف وأجزائها، والفتحات الموجودة في بعضها مقارنة بعدد النقاط المربعة، وطول ضلع احداها يعادل سُمك الحرف هو الخطاط المبدع أبو علي محمد بن مقلة ، ألا زالت هذه الطريقة معتمدة الآن؟ وهل هي معتمدة في خطوط محددة أم في الخطوط كلِّها؟
ج/ يُـعـدُّ الوزير ابن مقلة المهندس الأول للخط (المنسوب) حيث اعتمد على النسب الفاضلة في قياس الحروف، فأوجد طريقة للكتابة، وسُمي بـ (المنسوب) لتناسب الخط في أشكاله الهندسية المتقـنة، وذُكرَ أنّـه تولى كتابة معاهدة الصلح بين المسلمين والروم، وأكمل ابن البواب ما بدأه ابن مقلة من جهود في كتابة الخط العربي المنسوب، واخترع غالبية أنواع الأقلام المستخدمة في كتابة الخط العربي التي أسس لها ابن مقلة، ومن أعظم أعمال ابن البواب وسبب شهرته أنّـه أكمل أُسلوب الكتابة الذي بدأه قبل قرن من الزمان الوزير ابن مقلة، علماً بأنَّ ابن البواب كان فناناً بالفطرة.
وورد في ميزان الخط عن ابن مقلة أنَّ الأُستاذ علي ابن هلال المعروف بابن البواب هو الذي أكمل الخط، وتـدرّج خطه في مدارج الكمال على مرِّ الأيام، وارتقى الخط كثيراً من بعد ابن البواب على يد المستعصمي، فنال شهرة فاق بها شهرة من سبقه، وعُـرِفَ بـ (قِبلة الخطاطين) الذين اتبعوا طريقته على مرِّ العصور.
إنَّ طريقة ابن مقلة هي الأساس في كتابة الخط العربي وفي جماليته، لأنه أجاد الحروف عن طريق هندستها بميزان الخط، وهي طريقة علمية تساعد على ضبط الحروف، وعنه انتشر الخط في مشارق الأرض ومغاربها، فهو الذي ابتكر القوانين والقواعد لكل حرف من حروف اللغة العربية، وبفضل طريقته وجهود من جاء بعده وصل الخط العربي الى درجة الكمال والتناسب في الخطوط اللينة من أساسيات الخط وجمالياته، ولا تشمل هذه الطريقة كل الخطوط وخاصة خط اليابس الكوفي الذي يخضع لقواعد تختلف عن قواعد الخطوط اللينة.
27/ من المعروف أنَّ لوحات الخط العربي تعتمد على كتابة آية قرآنية كريمة، أو حديث نبوي شريف أو قول مأثور أو حكمة، عندما تقرر اختيار أحد هذه المعطيات، هل تعيد النظر في انتاج من سبقك في كتابتها؟ وكيف تتعامل مع هذه الحالة؟
ج/ أُعيد النظر في انتاج من سبقني، ويبقى النص هو الذي أُعيده، أمّـا الاخراج فيختلف تماماً، وأكثر أعمالي هي أعمال ابداعية غير مطروقة من قبل، فكل لوحة من لوحاتي لها عالمها الخاص وتجديدها الذي لا يتوقف، وهذا ما ذكره الأُستاذ عبد الغالي عبد الرزاق عند زيارته لمعرض من معارضي حيث قال (عباس الطائي يتفـرّد بقدرته الفنية العالية على خلق حالة من التوازن بين المضمون والجانب التشكيلي، فهو يتميز عن غيره من الخطاطين في التألق والابداع واللون والتشكيل ورصانة القواعد الخطية فهي تشكل مجموعة فنية خطية ينعدم مثل هذه الاعمال الآن في هذه المدينة ويندر وجود هذا التكامل في شخصية واحدة مثل خطاطنا البارع عباس الطائي).
س28/ من خلال تجربتك الذاتية، هل تجد الخط العربي متعة أم رسالة من مرسل هو الخطاط الى مستلم هو المتلقي؟ وهل أسهمتَ في نشر هذه الرسالة؟
ج/ الخط العربي رسالة أولاً ومتعة ثانياً، ورحلتي معه امتدت على مدى أكثر من نصف قرن، فأصبح لديَّ خبرة بفضل الله، وهذه الخبرة نقلتها الى الاخوة الذين درّستهم الخط وفنونه، ومنهم الآن مَـن وصل الى مرحلة متقدمة في كتابة الخط العربي، فمنهم مَـن يدرّس هذا الخط في شتى المجالات مثل معهد الفنون الجميلة للبنات وللبنين.
ودرّستُ هذا الخط أيضاً في المعهد التقني (التكنولوجيا) وفي قسم الهندسة المعمارية، وفي كلية التربية في جامعة الموصل، كما ساهمتُ في تدريس هذا الخط على مدى سنوات طويلة لشتى شرائح المجتمع من طلبة وموظفين ومعلمين ومعلمات، فالخط وتدريسه رسالة سامية آتت أُكلها، وبسبب النشاط الكبير في تدريس وتعليم الخط العربي سُمّـيت مدينة الموصل ( مدينة الألف خطاط) وكُنّـا جميعاً نعمل بروح الفريق الواحد لتوصيل هذه الرسالة السامية خدمةً للغتنا العربية العظيمة.
س29/ الصور الذهنية لدى الخطاط ليست ثابتة ولا نهائية بفعل التغيرات التي تستجد دائماً نتيجة الممارسة والخبرة، ولهذا فهي في حركة دائمة، وقد ينتج عن هذه الحركة عدم رضا الفنان عن أعماله التي أنتجها في تاريخ سابق، هل شغلتك هذه المسألة؟
ج/ عدم الرضا حالة واردة عند كل البشر، وأنا واحد منهم، وهو دليل على طموح الإنسان نحو الأحسن، فالطموح معناه أن يطـوِّر الفنان عمله دائماً ولا يتقوقع لأنَّ الطموح حياة متجددة، والتقوقع موت مؤكّـد، وفي هذا الصدد كتب لي الفنان التشكيلي المرحوم ماهر حربي في سجل الزيارات لأحد معارضي (عهدي بك هذا التطور الدائم، ففي كل معرض تمنحنا فرحاً جديداً من الابداع والفن الرفيع... الاتجاه الى تأليف {اللوحة الخطية} بكل أبعادها هي الثمرة الناضجة في أعمالك الجديدة، واهنئك لأنك أحد الذين يحركون المياه الراكدة للفن في مدينة الأصالة الموصل الحدباء).
س30/ أين يتحقق الجمال في اللوحة الخطية من وجهة نظرك، في عناصر التكوين أم في الدلالات ، أم فيهما معاً؟
ج/ الجمال في اللوحة يأتي من عناصر اللوحة، الاخراج المدروس، واللون الذي يحمل دلالته، فكل جزء يكـمّـل الثاني ليشكلا وحدة متكاملة تمنح اللوحة الخطية جمالها اللافت لنظر المُشاهد، فمثلاً خط الثلث يمكن كتابته بعدة تشكيلات لأنَّـه يتميز بصفة المطاوعة، وهذه الصفة تسهم في منح الجمال للوحة الخطية التي تكتب به.
وفي هذا الصدد كتب الأُستاذ ماهر عبدالله العبيدي في سجل الزيارات لأحد معارضي (زرنا معرض الفنان المبدع عباس الطائي، وعكس هذا المعرض جمالية الخط العربي من خلال ترتيب الحروف بشكل أنيق ومتكامل في اللوحة ولاحظنا ما لم نلاحظه من قبل ألا وهو ادخال الفن التشكيلي ليتناغم مع الخطوط الجميلة مما أعطى اللوحة جمالية وللحرف أكثر إحساساً، فعوامل التكوين ورصانة القواعد في الخط العربي تشكل مجموعة فنية لإضافة الجمال في هذا التكامل).
وكتب الخطاط المعروف المرحوم مهدي الجبوري (في كل يوم يطلع علينا أراك قد حققت تقدماً وابداعاً في جمالية الخط العربي).
س31/ عندما تعيد انتاج لوحة خطية، هل تعيدها حرفياً، أم تعيد انتاجها من جديد؟
ج/ من الطبيعي أن أُعيد أية لوحة سبق لي أن أنجزتها سواء أكانت لوحة أكاديمية أو خطية في إطار تشكيلي، ولكني لا أعيدها حرفياً بل بإخراج جديد يختلف عن سابقتها.
س32/ أثناء انجازك للوحة ما قد يحصل أي عارض تضطر معه للتوقف عن العمل، كأن يرنّ الهاتف مثلاً، أو يأتيك ضيف، هل تعاود العمل بعد زوال العارض مباشرة، أم تحتاج الى وقت لكي تسترجع ذاتك وتكمل العمل؟
ج/ إنجازي للوحة يحتاج الى للتفرغ بشكل كامل، فأي طارىء يوقفني أحتاج بعده لبعض الوقت للرجوع الى العمل، وحسب الطارىء فلربما احتاج الى وقت قصير، وأحياناً أكثر، والوقت الذي يشغلني عنه لا أهتم به لأنَّ تفكيري منصبّ الى عملي إلاّ في الحالات الاستثنائية، ثم أعود إليه وأُجهد نفسي لكي اكمله، وأعرف أنَّ ترك اللوحة والانشغال بأُمور أُخرى ستصيب أفكاري بالخمول والكسل، ولهذا أُلزم نفسي بالمعاودة الجدية دون تراخٍ في الوصول الى الذروة وهو الإنجاز الكامل للوحة.
وقد خضتُ تجربة مأساوية مريرة، ومررت بأصعب الظروف لكنها زادتني عزماً على مواصلة العمل والابداع، والدليل أنني أقمت (10) معارض شخصياً.
س33/ هل حصل أن توقفت عن انجاز لوحة ما بسبب عدم قناعـتك بها؟ وإن حصل هل أتلفتها مباشرة أم بحثت عن سبب عدم قناعـتك بها، وحاولت إصلاح الخلل؟
ج/ كل اللوحات التي نفّـذتها من قبل (50) عاماً والى الآن لم يحصل أنني أتلفت لوحة، وإن لم تحصل قناعتي الكاملة بلوحة أُنفذّها، فإنني أُجري عليها تحويرات ومعالجات بشتى الطرق الى أن أصل الى القناعة الكاملة بها رغم الجهد المبذول، والوقت الذي تستغرقه هذه العملية.
س34/ هل هناك لوحة أو لوحات لخطاط آخر تمنيت لو تكون أنت مَن أنجزها؟ ولماذا؟
ج/ نعم، حصل هذا الموقف في عدة مناسبات، ولكنَّ التمني لا يشغل تفكيري كثيراً بل تستهويني الإفادة من هذا العمل، وأن أُضيف إليه فكرة جديدة ولكن بصياغة جديدة، وقد حدث في بعض الأوقات أنني أثناء توجيهي للطلبة يفيدني أحدهم بفكرة بعد الملاحظات التي أقدمها له. وأقول دائماً أنّ تدريسي في معهد الفنون الجميلة كان سبباً في منحي خبرة عظيمة في عملي الفني، فكل طالب عندما يقدم عملاً مهما كانت فكرته بسيطة، إلاّ انّـها تمنحني أفكاراً ورؤيا جديدة في مشواري الفني.
س35/ هل فاجأتك ذاكرتك في وقت ما بسؤال: لماذا تخط؟ ولماذا تعرض لوحاتك؟
ج/ هذا السؤال لم يخطر على بالي، لماذا؟ لأنني موقن بأنني صاحب رسالة، فهذا الفن الإلهي هو أحسن رسالة للمسلم ولغيره، لأنَّ كل اللوحات التي أنجزتها سابقاً وحالياً ومستقبلاً تصبُّ في رضا ربِّ العالمين، وكتابة الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة والحِكم والأبيات الشعرية فيها الخير والفائدة للناس أجمعين.
س36/ الموهبة قدرة نوعية تمـكّـن صاحبها من الابتكار والتجديد لأنّـها صفة راسخة في النفس الإنسانية، كما أنّـها استعداد عقلي خاص لإنجاز أعمال معينة بمهارة، هل تجد نفسك موهوباً في مجال الخط؟ ومن تضع من الخطاطين العراقيين المعاصرين في هذه الخانة؟
ج/ إنَّ التعامل مع الحرف وصياغته ليست سهلة المنال بل هي وليدة مخاض عسير، فهذه الصنعة لا يجيدها خطاط عادي بل خطاط فنان يعرف كيف يسير بعمله الإبداعي المتجدد خطوة خطوة، وموهبتي الفنية أضافت لخطي بُـعـداً رحباً للاستمرار والتجدد والعطاء، لأنَّ العلاقة بين الموهبة والتجدد علاقة صميمية لا تقبل الانفكاك، وهذا ما أكّـد عليه كل من حضر معارضي وتأمّـل لوحاتي، ودعيني هنا أذكر مثالاً مما كتبتهِ أنتِ في سجل الزيات لمعرض من معارضي (نفاجأ أحياناً حين نجد لوحة الخط التقليدية تخرج الى رحاب التشكيل دون أن يطغى أحدهما على الآخر، بل انَّ الأُستاذ عباس أعطاها روحاً معاصرة).
س37/ يشتغل الايقاع باتجاه تنظيم حركة عين المتلقي من خلال التنقل والتتبع من عنصر لآخر داخل اللوحة، كيف تتعامل مع الايقاع؟
ج/ الايقاع أو التناغم بين الحرف واللون والمساحة والضوء... عناصر تنقاد صاغرة لموهبة الفنان من حيث الألوان والتشكيل والتكوين ورصانة القواعد، وكلها بالتالي تشكل مجموعة من الايقاعات الموزونة التي تشدُّ المتلقي الى عالمها، وتجعل استجابته لها استجابة جمالية.
وفي هذا الصدد سأذكر لك رأي د. عبد الوهاب الدباغ الذي كتبه في سجل الزيارات (لقد جعلت الكلمة تتحرك وتشعر وتعبر وتبكي). وذكر أحد المشاهدين للمعرض (لا حظنا في معرضك اتجاه حديث في الخط لم نلاحظه من قبل ألا وهو ادخال الفن التشكيلي ليتناغم بايقاع منسجم مع الخطوط الجميلة مما أعـطى اللوحة جمالية.. وللحرف أكثر احساساً وتألقاً). وقال الأُستاذ عضيد طارق (فنان تشكيلي، الأشجار كثيرة ومتنوعة لكن القليل منها ما هو مثمر، هذه العبارة تنعكس على تجربة الخطاط الكبير الأستاذ عباس الطائي).
س38/ هل لديك خامات جاهزة لتكون لوحة أم تعمد الى البحث عن الخامة عندما تريد إنجاز لوحة؟
ج/ معظم لوحاتي الخطية أُحضِّرها بنفسي وجاهزة دائماً للكتابة عليها، والخامة (الورق) هو معظم خامات لوحاتي ويحتاج الى تحضير خاص باستعمال المواد اللازمة التي تجعله صالحاً ليكون أرضية للكتابة، وأحياناً أهيىء الخامة من مواد أخرى وأُجهزها كما يفعل الفنان التشكيلي بالضبط، فالخامات هي بداية الرحلة والإنجاز.
س39/ هل تعتمد قطع الجلود الجاهزة دباغياً أم تبحث عن الجلود غير المدبوغة لتعـدّها بنفسك، ثم تستعملها؟
ج/ من الطبيعي أن أبحث عن الجلود المدبوغة الجاهزة، لأنَّ الجلود غير المدبوغة تحتاج الى جهدٍ استثنائي ووقت ومواد خاصة بها، وقد جـرّبت تحضيرها بنفسي ولكني لم أجد النتائج مرضية، فتركتها واستعنت بالجلود المدبوغة الجاهزة والمتنوعة اختصاراً للوقت والجهد.
س40/ من المعروف انَّ الإجازة في الخط العربي تقـليد علمي وفنّـي، ماذا ترى أنت فيها؟
ج/ طبعاً الإجازة تقليد توارثه الخطاطون منذ زمن بعيد، ويحرصون – وأنا منهم – على نيلها، لأنّها تساوي الشهادة العلمية التي ينالها الطلبة من المعاهد والجامعات في مختلف العلوم، وهي أيضاً اعتراف صريح ببلوغ طالبها مرتبة الإجادة الخطية التي يرضى عنها أُستاذه الذي حصل عليها أيضاً من أُستاذه، وقد يعرض الأُستاذ لوحة الإجازة على أساتذة آخرين قبل الموافـقـة عليها، فيكتسب الخطاط قيمته العلمية، وحق كتابة اسمه تحت ما يخـطّـه، وحق تعليم غيره الخط العربي ومنحه إجازة أيضاً، وهي الى جانب ذلك بمثابة الحافز الذي يشجّـع الخطاط على الاستمرار والإبداع.
س41/ عُـرفَ التركيب بأنه تنظيم يتمثل بإخفاء جزء من الشكل من قِبل شكل آخر أمامه، كيف اعتمدته في لوحاتك، ولماذا؟
ج/ التركيب هو العلاقة الساطعة في تقنية الخط العربي، وقد استحوذ على معظم الاعمال الفنية التي كُتبت بشكل رئيس بخط الثلث وكذلك بقية الخطوط العربية، ومعظم أعمالي الخطية اعتمـدت على التركيب، والكتلة في تركيبها مكملة لكتلة أُخرى لا كما في الفنون التشكيلية الأُخرى، وهذا العمل يعتمد على قدرة الخطاط في توظيف الكتلة بحيث تأتي الكتلة مترابطة مع الأُخرى، والفراغات لها مكانتها ودورها بين الكتل بحيث يكون التناسق واضحاً بينهما، وكذلك التوازن بين الحروف والكلمات فيبدو الشكل الكتابي منتظماً كالحصير، وفي رأيي لا يأتي هذا العمل من خطاط اعتيادي بل من خطاط مبدع ومتمكن كما في اللوحة:
س42/ للحروف: الحاء والخاء والجيم وما أشبهها خصائص جمالية، كيف تعاملت معها في لوحاتك؟
ج/ إنَّ الحروف العربية مثل الحاء والخاء والجيم وما شابهها لها قواعدها وجمالياتها في الخطوط العربية، لكنَّ الاتجاه الفني في كتابتها يأتي من قابلية الخطاط في التصرف الحيوي بشكلها بحيث تتناسب مع الحرف الذي قبلها والذي يليها، فالمدود في هذه الحروف وغيرها من الحروف العمودية أو الأُفـقـية لا تأتي إلاّ لأجل كسر الجمود ولكن دون الاخلال بجمالية معمارية البنية الخطية المصاغة وفق الاشتراطات الفنية الخاصة بالخط العربي وأُصوله وقواعده، وذلك لأنَّ جميع الكتل الصغيرة والكبيرة في البنية الخطية مترابطة ومتناسقة بعلاقة التراص المعماري المحكم.
س43/ تتمتع وجوه حروف الهاء والعين والغين وما أشبهها بخاصية جمالية، هل تشرح لنا الكيفية التي تظهر بها في لوحاتك؟
ج/ لا تمتلك هذه الحروف فقط جماليتها الخاصة بل لكل حرف عربي جماليته الخاصة، والخطاط المتمكن يستطيع أن يجعل للحرف العربي مؤهلات إبداعية تسهم في تشكيل لوحته لأنَّ نظرة الخطاط الى الحرف نظرة شمولية، ويستطيع تحريك الحروف وصياغتها صياغة فنية بحيث تعـبِّـر عن الامكانات اللا محدودة التي يختزنها الحرف العربي في الأشكال الفنية لأنواع الخط العربي، ففي لوحتي التي كتبت فيها الحديث النبوي الشريف (إنَّ الله إذا أنعم على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثرها عليه) ستجدين لكل حرف جماليته من خلال تعاملي الفني معه.
س44/ يُشار الى تعميم الحروف العربية بخاصية عُرفت بالتنسيق، هل اعتمدتها في لوحاتك؟ وكيف؟
ج/ التعميم خاصية لعناصر اللوحة جميعها ولا تختص بحروف معينة فقط، بل تشمل أيضاً النقطة والخط والمساحة واللون والكتلة والتوازن والحركة، وحين نحلل أي إنجاز فني لا بُـدَّ أن نجده قد استوفى جميع العناصر التشكيلية الخطيّـة، والخط العربي نظام تحكمه أصول معينة وقواعد محددة، ونسب ومقاسات إلاّ ان شكل الحرف العربي هو الذي يحكم ويحدد معيارية الأداء الخطي، وهذا لا يعني جمود الأداء كما لا يسمح بعشوائية هذا الأداء في التعبير الفني.
س45/ من المعروف لدى الخطاطين أنَّ خاصية التوفيق تحفظ الاستقامة في السطور، هل هي ضرورة في اللوحة الخطية؟
ج/ إنَّ عملية الإبداع في صياغة اللوحة الخطيّـة لا تهتم بخاصية الاستقامة والسطور فقط ، بل تهتم أيضاً بخاصية التناغم التي تنظِّـم عناصر اللوحة، فالسطور أولاً وكيفية توزيعها على مساحة اللوحة، ثم التركيب والتوازن والحركة والألوان، وإذا تأملتِ في لوحتي الموسومة (وبشّر الصابرين) التي كتبتها بخط جلي الثلث ستجدين أنّـي اعتمدتُ فيها على الكتلة، لكنَّ تكملة الآية الكريمة كتبتها بخط جلي الديواني وهذا ما تطلّـبَ الاستقامة (التوفيق) أي كتابة الحروف كلها على خطٍ مستقيم.
س46/ من خلال متابعتي للوحاتك لاحظت اهتمامك بنهايات الحروف أي توفر خاصية التدقيق، أيّ الطرق تفضِّلها لتحقيق هذه الخاصية؟ ولماذا؟
ج/ هذه الخاصية نسميها أيضاً الاسترسال بالحرف العربي، وهي الكيفية التي نحدد بها نهايات الحروف وتكون إمّـا بإرسال اليد والاعتماد على سَنِّ القلم وإدارته مرة بصدر القلم أو بالاتكاء أو بالإرخاء وحسب نوعية الخط، ودراسة وضعية الحرف الذي يسبقه والحرف الذي يليه، ودراسة وضعيته إذا كان في حالة تركيب، وتساعد بعض الحروف على تحقيق هذه الخاصية مثل خط المحقق الذي يوجب على الخطاط أن يسترسل في الحروف لكي يمكن تفريقه عن خط الثلث، وكذلك في خط الديواني وجلي ديواني، وهذا ما يمكن ملاحظته في لوحتي الموسومة (يا أيتها النفس) التي كتبتها بخط جلي الديواني:
س47/ هل سبقَ لكَ أن شعرت بمزاحمة حروف في لوحتك لحروف أُخرى؟ وكيف تعالج هذه الحالة لتحقق خاصية التفريق؟
ج/ إذا شعرتُ بمزاحمة الحروف والارباك في التكوين ألجأ الى التفريق، فأنقل بعضها الى مكان تحتاجه الكتلة لتحقيق التوازن الشكلي، لأنَّ كل كتلة تحتاج الى التوزيع المدروس، والى تجويد أداء الخط القائم على دقة رسم الحروف ونسبها المعيارية من جهة، وحسن التركيب والتشكيل من جهة أُخرى، فإذا كنت أروم كتابة كلمات كثيرة أو نصٍّ طويل اختار مساحة الكتابة المناسبة لكتلتها ولمساحة اللوحة أيضاً، وهذا ما تجدينه في لوحة كتبتها بالخط الكوفي القديم، واعتمدت على توزيع الكلمات على قسمين لتحقيق التماسك والتوازن والتآلف في التكوين الخطي، ويأتي ذلك من خلال استغلال المساحة المتاحة للكتابة، وتوزيع الكتل الخطية عليها بشكل متناسق مع بعضها البعض لتحقيق ترابطها الجمالي.
س48/ أرى أنَّ خاصية التدوير (التقويس) في بعض أجزاء الحروف العربية تمنح اللوحة جمالاً وحركية، كيف تجدها أنتَ؟
ج/ التدوير هو الشكل الذي تُـكتب به الاجزاء المستديرة من الحروف أو بعضها مثل: ن، س، ص، ي، ر، ق، ل، م، ج، مثلاً حوض حرف النون يُـرسم على شكل نصف دائرة، والتدوير هو تقويس الحروف من حيث التحدّب أو التقـعّر، لأنها حروف تمتاز بالمطاطية التي تمكّن الخطاط من التصرّف في كتابتها، فيمنحها علواً أو هبوطاً حسب نوعية الخط والتكوين، وهذا بالتالي ما سيمنحها مظهراً يتميز بالليونة، ويسهم في منح اللوحة جمالاً وحركة، وهذا ما سنجده في هذه اللوحة:
س49/ كيف تتعامل مع خاصيتي الانتصاب للحروف العمودية والرشاقة للحروف اللينة؟
ج/ أتعامل مع اللوحة بشكل عام على صعيد المضامين والدلالات والايحاءات التي يوحي بها النص الذي أخطّه وتكوينه، ففي الشكل الفني الخطّي تتوفر روح سحرية، لا تتوفر في الفنون التشكيلية الأُخرى مثل الرسم والنحت قدر توفرها في المناخ الفني الخاص بالخط العربي، وذلك بسبب طواعيته الشديدة واستجابته الكبيرة للتشكيل الفني المبدع والمتجدد، ولهذا أتعامل مع الحروف بما يضفي على مظهرها انسيابية ورقّـة ورشاقة، أو قـوّة واضحة مثل الحروف التي تُـكتب منتصبة عمودياً مثل حرف الالف وحرف اللام، وكذلك الاجزاء الصاعدة على السطر مثل حرفي الطاء والكاف وهي حروف أوليها عناية خاصة في التكوين، وهذه اللوحة مثال على ذلك حيث بالغتُ بكتابة حرف الألف بالاتجاه العمودي المُـقـوّس ليحتضن النصف الأول من اللوحة، أمّـا النصف الثاني من اللوحة فقد بالغتُ فيه بكتابة حرف الباء ليحتضن هذا النصف مع محافظتي على جمالية الشكل ومناسبته لتكوين اللوحة:
المحور الثاني: قراءة تحليلية للوحات الفنان عباس الطائي
لوحة (سبحان الله بكرة وأصيلا)
الحجم: 65سم/45سم.
سنة الانجاز: 1390ه/1971م
يشير التكوين العام لهذه اللوحة الى تنوّع اختيارات الفنان عباس للكتل الخطيّـة التي ضمت مجموعة من المستطيلات الأُفقية والعمودية على شكل شرائط كتابية، وكذلك الدوائر معتمداً فيها على (14) نوعاً من أنواع من الخطوط العربية، وهي:
1/ المحقق.
2/ الطُغراء.
3/ الكوفي القديم (البسيط).
4/ جلي الثلث.
5/ جلي الديواني.
6/ النسخ.
7/ الثلث.
8/ الديواني.
9/ التعليق.
10/ الرقعة.
11/ السياقت أو السياقة.
12/ الكوفي المربع.
13/ الكوفي الفاطمي.
14/ الكوفي المورَّق.
وسأقف عند تفصيلات كل خطٍ منها.
في القسم الأعلى من اللوحة اتخذ مستطيل أُفـقـي موقعه ليخطَّ الفنان عباس كتلة البسملة في وسطه بخط المحقق، ويلاحظ المُشاهد أنّـه منح بداية حرف الباء في كلمة (بسم) امتداداً رأسياً يتباين مع الامتداد الأُفـقـي لأسنان حرف السين، ثم خطَّ حرف الميم بنهاية مرسلة الى الأسفل، والارسال من ميّـزات هذا الخط، وهذا ما جعل منه قاعدة لارتكاز الحروف الثلاثة من لفظ الجلالة تعـظيماً له وتقديساً.
ويلاحظ أيضاً أنَّ حرف الألف خُـطَّ مرتفعاً مكانياً نسبة الى بقية حروف لفظ الجلالة، وكذلك امتداده الرأسي أطول منها تمييزاً له، فضلاً عن ترويسته التي منحته مظهراً جميلاً، ومتناسباً ايقاعياً مع حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في كلمتي (الرحمن الرحيم)، أمّـا المعالجة الفنية لكلمة (الرحمن) فبدت في اختياره لحرف الراء ليكون مرتكزاً لحرف الحاء واستدارة حرف الميم، فأوجد بذلك تداخلاً متقارباً ولكنه حافظَ على انفصالهما عن بعضهما.
إنَّ التفضيل الجمالي الذي توحي به الخبرة الفنية بالخطوط تسهم بشكل أساس في تحديد اختيارات الفنان في موقعة حروف الكلمات بما يكسبها توازناً وبعداً جمالياً، وهذا ما سيجده المشاهد في معالجة الفنان عباس للامتداد الأُفقي (التنصيل) لحرف الميم وتقويسة حرف النون، فأصبحت قاعدة لخط حروف الألف واللام وزاوية حرف الحاء من كلمة (الرحيم)، فأوجد بذلك حركة متضادة وجميلة في الوقت ذاته بين أشكال الحروف الرأسية والأُفقية والتقويسة والارسال، فضلاً عن جمال خط المحقق الذي يتميز بدقّـته ورقّـته وايقاعيته.
عُـرِفَ خط الطُغراء باسم الطُـغرى أو الطُرة، وذكر الباحثون في الخط العربي أنَّ السلاطين العثمانيين استخدموه بشكل ختم يختمون به الأوامر والرسائل السلطانية فكان بذلك بمثابة التوقيع، واستخدم أيضاً في الكتابة على النقود التي يأمر السلطان العثماني بسكّـها ويُـذكر فيها اسمه أو لقبه، ثم شاع استعماله بين الخطاطين على مر العصور لجمال تكوينه.
وذكر الباحثون أيضاً أنَّ البنية التكوينية لخط الطُغراء العثمانية تنقسم على (4) أقسام محددة شكلاً، وهي أقسام لا يمتلكها أي خط آخر، فأصبحت من الأُصول والقواعد التي لا بُـدَّ للخطاط من الالتزام بها، وهذه الأقسام هي:
1/ السَرأة: وهي كرسي الطُغراء أو القسم السفلي منها، ويبدأ به النص المخطوط.
2/ بيضة الطُغراء: وهي القسم الأيسر منها، وتكون على شكل قوسين متواليين، يسمى القوس الخارجي باسم (البيضة الخارجية)، والقوس الداخلي يسمى باسم (البيضة الداخلية)، وبعد أن أُضيف الى اسم السلطان كلمة (المظفّـر) مُـدَّ حرف الراء بحيث يقطع قوسي البيضة.
3/ الطوغ: وهو القسم العلوي من الطُـغـراء، ويُطلق على الخطوط التي تنتج عن امتداد (تنصيل) حروف الألف أو اللام أو الطاء أو الظاء، أو لا تنتج عنها بل يخطّـها الفنان لإكمال الشكل الفني للطُـغُراء، ويتدلّى من كل طوغ شكل يشبه الأعلام التي تخفق في الهواء، وتسمى الواحدة منها ( زلف) وتكون متوازية وتتجه الى جهة يمين الكتلة الخطية، وللطُغراء (3) طوغات، و(3) زُلَـف غالباً.
4/ الذراع: وهو الجزء الأيمن من الكتلة، ويكون على شكل خطين متوازيين مع انحناءةٍ الى جهة اليمين، ونزول الى الأسفل.
تظهر جمالية هذا الخط واضحة في شكله العام المتوازن والمتناسق، ولهذا وقع اختيار الفنان عباس عليه ليشغل مساحة الفراغ الناتج عن توسيط جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) في المستطيل الأول العلوي، واختار جملة من جُمل تكبيرات العيد ليخطّـها في جهة اليمين منها وهي (سبحان الله بُـكرة وأصيلا)، فسَرأة أو كرسي الطغراء هي كلمة (سبحان) التي تبدأ بها التكبيرة المتعارف عليها في واقعنا العياني، وعالجها فنياً من خلال خاصيات التنصيل والرفع والخفض المكاني والتضخيم الحجمي، فأفاد من التنصيل الأُفـقـي لحرفي السين والباء لإشغال المساحة تحتهما بخط حرف الباء محققاً تضاداً جميلاً بين شكليهما، وخفض حرف النون مكانياً، وأخرجه بتقويسته الجميلة ليكون قاعدة تحتضن حرف الألف بامتداده الرأسي، أمّـا لفظ الجلالة (الله) فاختار له موقعه بحيث يستقر فوق حرفي السين والباء من كلمة (سبحان).
إنَّ هذا الموقع المرتفع كان مقصوداً تماماً لانشغال الفراغ الواقع تحت حرف الهاء من لفظ الجلالة بحرف الباء من كلمة(بكرة)، أمّـا حرف الكاف فقد اتخذ شكلاً مضخماً من خلال تكبير امتداديه القائم المائل والأفـقـي المائل أيضاً، وإخراجه بتزوية جميلة مكّنته من احتواء حرفي الصاد والياء من كلمة (أصيلاً)، وشغل حرف الراء من كلمة (بكرة) القسم الأيسر من الكتلة، وبذلك تكون خاصية التركيب الثقيل والمكثّـف قد منحت هذا الجزء من الكتلة اتزاناً وتناسقاً.
احتلَّ القوس الخارجي لبيضة الطُغراء أي (البيضة الخارجية) القسم الأيسر من الكتلة، وتبعه القوس الداخلي الأصغر منه الذي يسمّى بالبيضة الداخلية، وامتدت تقويستهما الانسيابية الرشيقة لتتراكب وتتقاطع مع امتدادات حروف الألف والجزء القائم من حرف اللام في كلمة (أصيلا)، فأنتجت بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، واستمرَّ امتدادهما بحركة اتجاهية الى جهة اليمين.
سبقت لي الإشارة الى أنَّ كلمة (المظفّـر) أُضيفت الى اسم السلطان لاحقاً، ومُـدَّ حرف الراء بحيث يقطع قوسي البيضة، وهذا ما نفَّذه الفنان عباس فمنح حرف الراء تقويسة صغيرة ألحقها بتقويسة أكبر، ثم ارسال بحركة اتجاهية نحو الأسفل برشاقة جميلة، وخطَّ فوقها شكل ألف خنجرية تراكبت وتقاطعت مع التقويسة العلوية للبيضة الداخلية، فأنتجت بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وهذا ما منح هذا الجزء من الكتلة حيوية لافتة، وإشغالاً مكانياً جميلاً يثير عين المشاهد وهي تتابع امتدادات الحروف وحركتها.
إنَّ الطوغ – كما أشرتُ – هو القسم العلوي من الطُغـراء، ونفّـذه الفنان عباس من امتدادات حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في كلمة (أصيلا) فخـطّـها متوازية مع بعضها، ومنحها طولاً زائداً مع ميلٍ بسيط الى جهة اليسار، ولكي يكتمل الشكل الفني للأطواغ كان لا بُـدَّ له من رسم الزلف، وهو الشكل الذي يشبه العَـلَم الخافـق في الهواء، فرسمه طوغاً واحداً أي أنَّـه تصرّفَ بعدده، وبدا متصلاً مع الطوغ من جهة اليمين، ومنحه تزوية ثم تقويساً رشيقاً نازلاً بحركة اتجاهية الى الأسفل ليتراكب ويتقاطع مع ذراع الطُـغـراء مُحدثاً بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية ايهامية.
يتميز الشكل العام للطُـغـراء أيضاً بوجود الذراع الذي يشغل الجزء الأيمن من الكتلة، ورسمه الفنان عباس على شكل خطين متوازيين نازلين الى الأسفل مع حركة اتجاهية منحنية الى جهة اليمين، ثم حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل بتزوية بسيطة.
في الشريط الكتابي ذاته وعلى الجهة اليسرى اختار الفنان عباس خطَّ جملة (من استعان بغير الله ذلَّ) واتبع فيها طريقة إخراج خط الطُغراء نفسها التي ذكرتُـها سابقاً، فلن أُعيد ما ذكرته منعاً للتكرار.
ويلاحظ المشاهد أنَّ خط الطُغراء في هذه اللوحة يخلو من تنقيط الحروف التي تُكتب بالنقاط لأنَّ قواعد هذا النوع من الخطوط تشير الى أنّه لا يحتاج الى التنقيط غالباً، ولا الى التشكيلات التزيينية.
في الشريط الأفـقـي الثاني اختار خط الآية القرآنية الكريمة المرقومة (5) من سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربّك فترضى) بالخط الكوفي القديم البسيط، الذي يُـعـدُ أقدم نوع من أنواع الخطوط العربية، وكُتبت به المصاحف الكريمة، ويلاحظ المُشاهد لهذا الشريط معالجة الفنان عباس للجزء القائم من حرف اللام في كلمة (لسوف)، الذي أظهره بشكل مستقيمٍ تماماً ، وهذا ما أنتج تزوية قائمة في نقطة اتصاله مع الجزء الأُفـقـي منه، واعتمد على خاصية التكرار في خطّـه لحرف الطاء والجزء القائم من حرف الكاف في كلمة (يعطيك)، وحرف الكاف أيضاً في كلمة (ربك)، فظهر هذا الشكل القائم المتكرر وكأنّـه أعمدة تربط الحروف الباقية الممتدة أُفقياً فمنح شكلها صلابة وقـوة، وعالج شكل حرف الفاء في كلمة (لسوف) من خلال منحها تنصيلاً أُفـقـياً مفتوحاً دون إغلاق.
أمّـا حرف العين في كلمة (يعطيك) فأخرجه بشكل أشبه بالزهرة من منظور جانبي، فيما عالج الجزء الأُفـقـي من حروف الطاء والكاف والضاد في الكلمات (يعطيك، ربك، فترضى) بأن خطّـها بشكل قائم، وأخرج حرف الراء في كلمتي (ربك) و(فترضى) إخراجاً فنياً فأظهر صفة التقويس فيهما، أمّـا إخراجه لحرف الألف المقصورة في كلمة (فترضى) فكان على شكل الياء الراجعة.
أسهمت المعالجات الفنية في اعطاء هذا الجزء من الكتلة ايقاعات متنوعة تمثّـلت في تعدد أشكالها، وهذا التنويع الشكلي داخل اللوحة الواحدة يمنح مُشاهدها شعوراً بالمتعة وهو ينقل بصره من جزء الى آخر، ومن أجل هذه المتعة البصرية اختار الفنان عباس الانتقال من شكل الشريط الأُفقي المستطيل الهندسي الى شكل المربع الذي يتوسطه شكل دائري خطَّ فيه جملة (سبحان لله بكرة وأصيلا).
ويلاحظ المتأمل في هذا الجزء من اللوحة أنَّ هذه الاختيارات لم تكن عشوائية بل انَّ الوعي العميق كان هو الموجِّـه لها، حيث أنَّ الشكل المربع الهندسي يوحي بالاستقرار والترتيب وذلك لتساوي خطوط محيطه وتطابق زواياه، وهذا بالتالي ما يمحنه شكلاً يتسم بالصلابة والقوة.
أمّـا الدائرة فإنّـها - حسب دراسات الباحثين في مجال الأشكال الهندسية ودلالاتها - شكل لا بداية له ولا نهاية، ولذلك حددوا لها دلالات منها أنّها تشير الى الأبدية والكمال والوحدة والانسجام، وتثير في الناظر إليها شعوراً بالراحة والطاقة لأنَّ حركتها مستمرة ولا تعرف التوقف، من هنا يبدو اختيار الفنان عباس مرتبطاً بالقيمة الدلالية للتسبيح المتكرر الذي يُشعِر الإنسان بالراحة النفسية العميقة.
إنَّ اختيار خط جلي الثلث لخط هذه الكتلة كان دافعه ما يمتلكه من تركيب ثقيل وتداخل جميل، يمكن للمشاهد أن ينفعل به جمالياً ونفسياً عندما يتابع حروفه وكلماته، فكلمة (سبحان) تميَّـزت برفع موقع حرفي الباء والسين مكانياً ليتخذ حرف الحاء موقعه تحته، فيصبح بذلك قاعدة له، ولكنه لم يخطّـه بشكل الحاء الوسطية المتعارف عليه بل بشكل الحاء الآخرية، وهذا ما يدخل في باب التنويع الإخراجي الذي يسهم في تحقيق البُـعد الجمالي للكتلة، ومنح هذا الحرف استدارة رشيقة منخفضة مكانياً، واتصل به حرف الألف بشكله القائم الصاعد بحيث يتراكب ويتقاطع مع حرف الباء من كلمة (بكرة)، وحرف الهاء من كلمة (لله) منتجاً بذلك بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية أيضاً، وتستقر نهايته تحت الامتداد الأُفـقـي المائل لحرف الكاف من كلمة (بكرة)، أمَّـا حرف النون من الكلمة ذاتها فـقـد اختار له موقعاً لافتاً بحيث تكون استدارته مركزاً لتراكب ولتقاطع الجزء القائم من حرف اللام وحرف الألف من كلمة (أصيلا)، فأحدث بذلك بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية.
واختار خاصية الرفع المكاني للفظ الجلالة فأخرجه بحيث يستقر فوق حرف الحاء من كلمة (سبحان)، فأصبح هذا الحرف قاعدة له، أمّـا حرف الألف فـقـد خطّـه معتمداً على خاصيتي التراكب والتقاطع، فنصّفَ حرف اللام الثاني من لفظ الجلالة، لينتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وكان حقّـه أن يبدو منفصلاً ولكنَّ الفنان عباس خطه متصلاً ومستقراً على الجزء المائل من حرف الحاء في كلمة (سبحان)، وأخرجه بترويسة لطيفة أضفت على شكله حيوية وجمالاً، وايحاءً بالحركة، وهي الصفات ذاتها التي تنطبق على حرف الهاء من لفظ الجلالة الذي خطّـه الفنان بتقويسة بسيطة وحركة اتجاهية صاعدة ثم نازلة ثم صاعدة، فأضفى تعدد اتجاه هذه الحركات حيوية على هذا الجزء من الكتلة.
من ميّـزات خط جلي الثلث – كما أشرتُ سابقاً- أنه يمنح الفنان حرية الحركة داخل المساحة المتاحة لخط الكتلة، فيرفع أو يخفض الكلمات أو الحروف مكانياً ليحقق خاصية التركيب الثقيل، وهذا ما يجده المشاهد حين يتتبع طريقة إخراج الفنان عباس لكلمة (بكرة) حيث رفع حرف الباء ليكون قريباً مكانياً من تزوية حرف الحاء في كلمة (سبحان) ، وخطّـه بتقويسة صغيرة شكَّـلت تضاداً مع هذه التزوية، فيما منح حرف الكاف من كلمة (بكرة) تضخيماً حجمياً واضحاً في امتداديه الصاعد المائل والأُفـقـي المائل، وفي نهايته الراجعة المائلة نزولاً.
تمنح الخطوط المنحنية شكلاً رشيقاً وانسيابيةً للحروف، وهذا ما يجده المشاهد في حرف الراء من كلمة (بكرة) والذي خطّـه مدغماً، أي انَّه ينتهي بتقويسة راجعة للأعلى، فمنح شكله تضاداً جميلاً مع الأجزاء القائمة المائلة من حروف الكاف واللام والألف والتي تراكبت وتقاطعت معه، لتنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وشكّـلت أيضاً تضاداً لافتاً مع شكل حرف التاء المربوطة (المعقودة) الذي بدأ بترويسة ثم حركة اتجاهية ملتفّـة ثم امتداد مائل الى الأعلى، وأكتمل شكله بخط النقطتين المتجاورتين.
أشرتُ سابقاً الى خاصيتي رفع وخفض الحروف مكانياً في خط جلي الثلث، والتي أفاد منها الفنان في إخراج كلمة (وأصيلا) حيث رفع حرف الواو ليبدو أعلى مكاناً ويصبح قاعدة أيضاً تستقر عليها حروف السين والباء من كلمة (سبحان)، لكنَّ نهايته الانسيابية أسهمت في تظهير البعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية من خلال خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الحاء أولاً، وحرف الصاد ثانياً للدلالة على ترابطهما، علماً بأنَّ حرف الواو كان يجب أن يُـخطّ منفصلاً وليس متصلاً، لكنَّ خاصية تعدد أشكال الحرف الواحد في خط جلي الثلث منحت الفنان عباس هذه الحرّية في تظهير هذا الحرف بالشكل الذي يراه المتأمل فيه، هذا فضلاً عن تنفيذه لخاصية التأليف، وكذلك رفع حرف الألف من كلمة (أصيلا) مكانياً ليستقـرَّ فوق امتداد حرف الواو النازل، فأصبح قاعدة له، وتراكب وتقاطع مع حرف السين من كلمة (سبحان) لينتج البعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، وخففت ترويسته اللطيفة من صلابة امتداده الرأسي.
تلعب الخبرة المكتسبة من التدريب المستمر على الخطوط من قِبل الفنان دوراً كبيراً بموقعة الحروف واتصالاتها وانفصالاتها وتراكبها وتقاطعها لتمنح شكل الكتلة جماليته وروحانيته، وترابطه مع دلالة النص المخطوط، وهذا ما سيكتشفه المتأمل في هذا الجزء من اللوحة حيث عمد الفنان عباس الى رفع كلمة (بكرة) مكانياً، وخفض كلمة (أصيلا) لدلالتهما الزمنية التسلسلية فبكرة تشير الى أول النهار وأصيلاً تشير الى آخره، كما أكّـد العلاقة الروحانية العميقة بينهما في إخراجه لحرف الصاد من كلمة (أصيلا) بشكلها البيضوي داخل تقويسة حرف (الحاء) من كلمة (سبحان)، وحقق من خلال هذا التعامل الفنيّ تكراراً جميلاً للتقويس، وهذا التراكب والتقاطع الذي حققه الفنان في أكثر من كلمة منح شكل الكتلة قوة وتماسكاً.
اعتمد الخطاطون على التشكيلات التزيينية لإشغال الفراغات البينية والمحيطية، ولمنح هيأة أو شكل الكتلة توازناً كلياً وحركية تتآزر مع الشكل الإخراجي للحروف والكلمات لتحقيق البُـعـد الجمالي للوحة الخطية، ولهذا عمد الفنان عباس الى تزيين هذا الجزء من اللوحة بالحلية التي تمثّـلت بالحركات الإعرابية والحروف الصغيرة والأشكال الصغيرة حجماً، وبقلم أقل سُمكاً من قلم الخط لكي تبرز الكلمات وتختلف عن التزيينات، فضلاً عن اسهامها في منح هذا الجزء من اللوحة شكلاً دائرياً وهمياً.
وبالقلم نفسه رسم محيط الدائرة الداخلية لهذه الكتلة، ثم أحاطها بالشكل المربع ليكون أرضية للزخرفة، واختار تزيينه بالزخرفة النباتية المُـعـدَّلة عن شكل الأغصان النباتية الطبيعية العشوائية، والتي اتخذت مواقعها في الزوايا الأربع لشكل الكتلة، واعتمد على خاصية التكرار في الوحدة الواحدة على الجانبين الأيمن والأيسر في كل زاوية، ثم تكرارها في الزوايا الباقية، واختار لها اللون الأخضر الطبيعي الربيعي أيضاً، الذي يدلُّ في بعض دلالاته الايجابية على التوازن والنماء والتجدد والحيوية، وكلّها صفات للطبيعة، فضلاً عن لمسات باللون الأبيض، لون النور الذي أضفى على شكلها إشراقاً جميلاً وحيوية تضادت مع اللون البني الغامق، وهو لون الأرض وبذلك يمنح مُشاهدها شعوراً بالأمان والاستقرار والانتماء، وهو الشعور ذاته الذي نشعر به عند التسبيح للّه تعالى، فتحققت بذلك وحدة الشكل مع دلالة النص المخطوط.
على جهتي الشكل المربع وبالمستوى ذاته اختار الفنان عباس شكلاً مستطيلاً قائماً ليخـطَّ فيه آيتين متواليتين من سورة الانعام، ففي الجهة اليمنى خطَّـ الآية الكريمة المرقومة (162) ونصّها (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، وفي الجهة اليسرى خطَّ الآية الكريمة المرقومة (163) من السورة نفسها، ونصّها (لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين)، بخط جلي الديواني، ومعتمداً على التكوين الزورقي للشكل، وهو تكوين معروف لدى الخطاطين منذ سنوات طويلة، فاستلهم بذلك تراثاً خطياً جميلاً.
ابتدأ الفنان عباس كتلة الآية الكريمة الأُولى بكلمة (قُـل) من جهة اليمين، واعتمد على خاصيتي التراكب والتقاطع فجعل من حرف اللام فيها قاعدة لحرفي الألف وبداية حرف النون من كلمة (إنَّ)، فأنتج البعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، وعالج شكل حرف الألف معالجة فنية تمثّـلت بمنحه استدارة انسيابية مائلة الى جهة اليسار ثم تنصيلاً بيضاوياً الى الجهة ذاتها، فأصبح القاعدة السُفلى للشكل الزورقي، وأغلقه بنهاية تتجه الى الأعلى قليلاً، كما تمثّـلت معالجته الفنية أيضاً بترويسته الزخرفية النباتية الصغيرة، أمّـا حرف النون فأخرجه بشكل متراكب ومتقاطع أيضاً مع حرف اللام من كلمة (قُـل) لينتج البعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، ثم يمتدّ هذا الحرف باستدارة لطيفة وشكل بيضوي تتجه نهايته الى الأعلى أيضاً ، وبذلك شكّلَ الخط الثاني للشكل الزورقي.
لتحقيق حيوية لهذه الكتلة الخطية عمد الفنان عباس الى خاصية الرفع المكاني، فرفع حرف الصاد من كلمة (صلاتي) الى الجزء العلوي من مساحة الكتلة، وأخرجها بشكل مائل قليلاً، ومنح ألفها ترويسة جميلة صغيرة في أعلاها، وميلاً خفيفاً الى جهة اليسار، ثم امتداداً بيضوياً تتجه نهايته الى الأعلى قليلاً ليكون الخط الثالث للشكل الزورقي، وهو الشكل الاخراجي نفسه الذي اعتمده في حرف الألف من الكلمة ذاتها فتحقق بذلك تكراراً وتوازناً جميلاً، ولكنه لم يمنحه امتداداً بيضوياً تأكيداً على صحة شكله الخطي، وتنفيذاً لخاصية الاتمام التي تؤكَّـد على هيأة الحرف خطّـاً، وأغلقه بالاتصال مع حرف اللام، ليحقق خاصية التأليف أيضاً، وخطَّ حرف التاء وكذلك بداية حرف الياء من الكلمة ذاتها بانحناءة لطيفة، ثم منحها الشكل البيضوي والاتجاه الى الأعلى ليكون حرف الياء هو الخط الرابع للشكل الزورقي.
يلاحظ المُشاهد هنا انَّ الفنان عباس خطَّ نقطتي حرف التاء بشكل هندسي مُربّـع متوالٍ قائم مع ميل قليلٍ الى جهة اليسار، فأنتج بذلك تناسباً لافتاً مع ميل الحروف الى الجهة ذاتها، وانطلاقاً من خاصيتي التركيب والتقاطع اتخذ الفنان من حرفي التاء والياء مكاناً لاحتضان حرف الواو، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن تظهيره لخاصية الاشباع التي تشير الى اعطاء الحرف حقه من حيث دقّـة شكله.
إنَّ الطريقة الإخراجية التي يعتمدها الفنان في إخراج الحروف والكلمات تكشف عن خبرته ومهارته الخطية، وهذا ما يجده المتأمل في هذا القسم من اللوحة، فإخراج الفنان عباس لكلمة (نسكي) تكشف عن اعتماده الطريقة ذاتها في إخراج كلمة (صلاتي) حيث أفاد من خاصية الرفع المكاني، فرفع حرف النون فوق حرف الواو، ليصبح قاعدة له، ومنح بدايته طولاً قليلاً، وخطَّ نقطته فوقه بشكلٍ دائري، أمّـا حرف السين فقد منح أسنانه شكلاً نازلاً مائلاً الى اليسار قليلاً مع تقويسة صغيرة في نهايته، وهذا ما يكشف عن قصديته في توجيه نظر المتلقي نحو التناسب الشكلي من جهة، ولتحقيق التوازن من جهة ثانية.
من ميّزات خط جلي الديواني _ حسب إشارات الباحثين فيه – أنّـه من أغنى الخطوط حركة وتنوّعاً، وهذا ما يكشف عنه اختيار الفنان لطريقة إخراج حرف الكاف من كلمة ( نسكي) حيث منحه امتداداً قائماً مائلاً الى اليسار قليلاً، ولكنَّ التحريف في خط الجزء الأُفـقـي من هذا الحرف أضفى حيوية وجمالاً ليس للحرف نفسه فقط بل للتكوين أيضاً، فالشكل الزخرفي النباتي الذي رسمه على هيأة مقطع صغير مُحوّر عن غصن نباتي جمع بين وظيفته الزخرفية ووظيفته الخطيّة حين شكّـلَ الجزء الأُفـقـي لحرف الكاف.
يُشكِّل التنوع الإخراجي واستغلال المساحة المدروس والمقنن دليلاً على وحدة التكوين، وهذا ما يجده المتأمل في معالجة حرف الواو الذي يسبق كلمة (محياي) حسب خاصية الرفع المكاني، حيث اتخذ موقعه فوق امتداد حرف السين من كلمة (نسكي)، وشكّـلَ تكراراً وتوازياً مع حرف الواو الذي سبق كلمة (نسكي)، كما أفاد من خاصية التأليف التي تشير الى التقاء الحروف غير المتصلة مع بعضها، فألَّـف نهاية حرف الواو مع الجزء القائم من حرف الكاف من كلمة (نسكي) ومع تقويسة حرف الحاء من كلمة (محياي)، وحقق أيضاً خاصيتي التركيب والتقاطع حيث استقـرَّ جزء من حرف الحاء من كلمة (محياي) فوق تقويسة حرف الواو الذي أصبح قاعدة له.
ويستمر شكل الكتلة في اتجاهه المائل قليلاً والنازل عن السطر الأُفـقـي في حرف الياء من كلمة (نسكي)، الذي اتخذت نقطته الأُولى موقعها تحت الحرف، أمّـا النقطة الثانية فكانت تحتها مع ميل قليل الى جهة اليسار، وهي الجهة ذاتها التي أمالَ إليها حرف الألف القائم مع تقويسة خفيفة في ترويسته.
إنَّ خاصية الرفع المكاني التي أفاد منها الفنان عباس في خط حروف الميم والحاء والياء والألف من كلمة (محياي)، منحته مساحة مناسبة لخط حرف الياء غير المنقوط من الكلمة ذاتها، لكنَّـه منحه تقويسة متوازنة ومتوازية مع الخطوط المكوّنة للشكل الزورقي، فأصبح بذلك الخط الرابع له.
واستغل الفراغ الواقع فوق حرفي الحاء والياء من كلمة(محياي) لخط حرف الواو، وحرف الميم الأول من كلمة (مماتي) فيه، وأفاد من تقويسته الصغيرة النازلة لخط حرف الميم الثاني، أمّـا حرف الألف فقد اختار له شكلاً مقوّساً يبدأ بحركة اتجاهية نحو اليسار وينتهي صاعداً باتجاه اليمين، ومنحه ترويسة لطيفة أسهمت في إخراجه بشكل جميل، ويقابله في الفراغ ذاته حرف التاء من الكلمة نفسها والذي منح شكله انحناءة خفيفة تكتمل مع انحناءة حرف الياء، ثم يأخذ امتداداً قوسياً ليكون الخط الخامس للشكل الزورقي.
وأفاد من خاصية الرفع المكاني في خطّـه للفظة الجلالة (لله) التي اتخذت موقعها فوق كلمة (مماتي)، ومنح حرف اللام من الكلمة ذاتها ترويسة نباتية صغيرة من الجهة اليسرى، وهذا تكرار شكلي للترويسة في حرفي الألف في كلمة (إنَّ) واللام في كلمة (صلاتي)، أمّـا حرف الهاء فقد منح شكله تقويسة صاعدة، ثم حركة اتجاهية نازلة الى الخط الأول الأسفل من الشكل الزورقي، فأصبح متراكباً ومتقاطعاً مع الخطوط التي تعلوه، فبدا وكأنه مجداف للزورق يتوازى مع المجداف الأول وهو حرف الراء من كلمة (ربّ)، وشكّل حرف الباء بامتداده القوسي الخط السادس للشكل الزورقي.
في إخراجه الفني لكلمة (العالمين) خطَّ حرف الألف بالطريقة ذاتها التي خطّـه بها في مواقعه السابقة، فشكّل بذلك تكراراً شكلياً وايقاعياً متناسباً، فضلاً عن التقويسة التي مثّـلت الخط الأخير للشكل الزورقي، وأصبحت بذلك قاعدة تحتوي بقية حروف الكلمة، أمّـا خاصيتي التراكب والتقاطع فقد تحققت في تقويسة حرف الميم مع حرف الألف، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وتميّـز حرف الألف بترويسة لطيفة في أعلاه، وهي ترويسة تتباين شكلياً مع الترويسات الأُخرى في هذا الجزء من اللوحة، وهذا ما منحها تنويعاً إخراجياً جميلاً.
في إخراجه لحرفي الياء والنون من كلمة (العالمين) استثمر خاصية الرفع المكاني فرفعهما الى الأعلى، ومنح بداية حرف الياء ترويسة قوسية خفيفة، أمّـا النقطتين فقد عمد الى تحريف موضعهما ليخطهما داخل تقويسة حرف الياء وبشكل رأسي، وهذا ما أضفى حيوية على هذا الجزء من الكتلة، واختار حرف النون ليكون ملتقى خطوط الشكل الزورقي وموقع اغلاقه، مع خطّ نهايته بشكل منحنٍ يرتفع الى الأعلى قليلاً، ثم يتخذ مساره بحركة اتجاهية الى اليسار.
إنَّ التكوين الذي شغل مساحة الجزء الأيمن الذي تناولته بالتحليل هو نفسه الذي كرره الفنان عباس في جهة يسار الكتلة رغم اختلاف كلمات الآيتين الكريمتين، ولهذا لن أتناوله بالتحليل منعاً للتكرار.
في المساحة التي تلي السابقة اختار الفنان عباس قولاً مأثوراً عن الإمام علي ينصّ على ( عن علي كرم الله وجهه أكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير ويدك التي بها تصول)، ليشغل به مساحة مستطيل أُفـقـي، يجاوره من الجهتين اليمنى واليسرى شكل متكرر لمستطيل قائم مشغول بالزخرفة، واختار خط النسخ لهذه الكتلة، ومن المعروف أنَّ هذا النوع يُـعـدُّ من الخطوط الكاملة والمنظمة والسهلة القراءة.
واعتمد تكوينه على (3) أشرطة كتابية أُفـقـية متوالية، تبدأ من كلمة (عن) التي أفاد الفنان عباس من استدارة أو تقويسة حرف النون فيها لتكون قاعدة يرتفع عليها حرف العين من كلمة (علي)، فضلاً عن توظيفه لخاصية التنصيل، فمنح حرف الياء في كلمة (علي) استطالة وافية ليصبح قاعدة أيضاً يرتفع عليها حرف الكاف من كلمة (كرم)، وأفاد أيضاً من خاصيتي الرفع والخفض المكاني أيضاً في كلمة (الله) التي خطّ حروف الألف واللام المكررة منها فوق الجزء المرسل من حرف الميم في كلمة (أكرم)، وأفاد من تقويسة حرف الياء في كلمة (الذي) لتكون مستقـرَّاً لكلمة (به)، وحروف التاء والطاء من كلمة (تطير)، واعتمد على خاصية التكرار أيضاً في خطّـه لكلمة (إليه) كاملة، وحرف التاء من كلمة (تصير).
واعتمد على خاصية التنصيل، فمدَّ استطالة كلمة (التي) لكي يستقـر حرف الباء من كلمة (بها) على نهايتها، وعمد أيضاً الى خاصية التأليف فوصل نهاية حرف الياء في كلمة (التي) بحرف الهاء من كلمة (بها) وكان حقّـها الانفصال عنها.
ويلاحظ المتأمل في هذا الجزء من الكتلة اهتمام الفنان عباس بالتضخيم الحجمي لحرف الكاف الأولية في كلمتي (كرم وأكرم) والآخرية في كلمة (أصلك)، وكذلك تنصيل استدارة حرف الياء في الكلمات (علي، الذي، التي) وذلك لمنح شكلها صفة الليونة التي تميّـز خط النسخ من جهة، ولتنويع الايقاع الخطي من جهة ثانية، وإخراج الكتابة الشريطية من التوالي الأُفـقـي الذي قد يُشعِر المشاهد بشيء من الملل والرتابة من جهة ثالثة.
إنَّ استخدام القلم الأقل سُمكاً لخط نص الكتلة الشريطية من القلم الذي خطَّـ به جملة( سبحان الله بكرة وأصيلا) حقـق هدفين: أولهما أنَّ الكتابة بخط النسخ - حسب قواعده - تكون دقيقة لا غليظة، وثانيهما هو التنويع الإخراجي للخطوط الذي يؤشِّر مهارة الخطاط وخبرته بأنواعها وميّـزاتها.
أسهم إخراج الكتلة الخطيّـة على خلفية بيضاء في تحقيق البُـعـد الثالث الوهمي أي العمق، ويتمـثّـل المستوى الأول لهذا البُـعد بالخلفية البيضاء، والثاني يتمثّـل بالخلفية التي لوَّنها باللون البُني، ولكي يمنح هذا الجزء حيوية وجمالاً اختار تحديد محيطه الكفافي بأقواس صغيرة متوالية تنحني وترتفع مع ارتفاع وانخفاض الحروف والتشكيلات التزيينية (الحلية)، فأضفى عليها بذلك مسحة حركية وتناسقاً ايقاعياً.
يتميّـز خط جلي الديواني بكثرة أشكال الحلية ولهذا أولاها الفنان عباس عناية لافتة للنظر من حيث كثرتها، فعـمد الى نشرها في المساحات الفراغية البينية والمحيطية، وتعددت أنواعها ما بين الحركات الإعرابية مثل الفتحة والضمة والكسرة، والسكون والحروف الصغيرة، فضلاً عن اختياره لشكلي زهرتين صغيرتين بدلاً من الفارزة في النص، فأسهمت جميعاً في منح هذه الكتلة تماسكاً توازناً كُليّـاً.
في المساحة التي تلي السابقة اختار الفنان عباس شكل المستطيل الأُفـقـي لخط كتلة الحديث النبوي الشريف (ارحموا من الأرض يرحمكم من في السماء) بخط الاجازة، وقد أشار الباحثون في الخط العربي الى أنَّ هذا النوع من الخط كان يُستخدم في كتابة الإجازة الخطيّـة التي سبق لي الإشارة إليها، وعُـرفَ أيضاً بخط التوقيع، أي توقيع الخطاط الذي يمنح الإجازة لطالبها، كما أشاروا الى أنه مزيج من خطيّ النسخ والثلث، ولهذا يأخذ الخطاط من خصائصهما معاً عند استخدامه في إنجاز لوحته.
بدأت كتلة هذا الشريط الكتابي من اليمين الى اليسار بكلمة (ارحموا) واتخذ حرف الألف شكله القائم مع انحناءة صغيرة في الجزء الأسفل منه، وترويسة صغيرة مقوّسة في أعلاه، أمّـا حرف الحاء فـقد خطّـه الفنان بتصرف في حجمه، وهذا التصرف من خصائص خط الثلث الذي يتميز بطواعية ومرونة حروفه، وخطَّ حرف الراء بتقويسة صغيرة ثم إرسال، فيما اتخذ حرف الميم حجماً أصغر من حرف الحاء، وهذا من خصائص خط النسخ، وكان نقطة ارتكاز حرف الحاء لوقوعه في منتصف مساحتها.
ومنح حرف الواو استدارة جميلة ثُـمَّ ارسالاً مائلاً نحو اليسار، وأغلق شكله الخطيّ بتقويسة صغيرة تنتهي باتصاله بحرف الميم من كلمة (من) فحقق بذلك خاصية التأليف، فضلاً عن اتخاذه قاعدة يرتكز عليها حرف الألف دون اتصال بها، وأخرج حرف الألف بالطريقة ذاتها التي أخرجها بها في بداية الكلمة، محققاً بذلك خاصية التكرار التي تمنح النص المخطوط ايقاعاً وتوازناً جميلاً.
وباعتماده على خط النسخ خطَّ حرف الميم من كلمة (من) بحجم صغير، بحيث تراكبت وتقاطعت مع حرف الألف من كلمة (ارحموا) فأنتجت بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، أمّـا حرف النون فقد أفاد في خطها من خصيصة تنوّع أشكال الحرف الواحد في خط الثلث، فأخرجها بشكل تقويسة نازلة الى الأسفل وبحركة اتجاهية مائلة نحو جهة اليسار، وكان حقها شكلاً هو استقرار قاعدتها على خط السطر، فحقق بذلك بُـعداً جمالياً، فضلاً عن تحقيقه لخاصية التأليف في وصل نهاية تقويسة حرف النون بحرف الياء في كلمة (في)، واتخذ حرف الفاء شكل رأس مستدير مفرّغ، فيما عالج حرف الياء معالجة فنية تمثّـلت بخاصية التنصيل الأُفـقي المبسوط مع تقويسة لطيفة أسهمت في أن يكون هذا الحرف قاعدة تستقر عليها حروف الألف واللام والألف من كلمة (الأرض)، ويلاحظ المشاهد هنا أنَّ الفنان عباس خطَّ حرف الألف بترويسة تتباين عن شكلها في مواقعها الأُخرى، فأضفى بذلك حيوية وتنوّعاً على أشكالها، فضلاً عن وصلها بحرف اللام فحقق بذلك خاصية التأليف وكان حقها الانفصال عنه.
من المعروف لدى الخطاطين أنَّ حرف الراء يُكتب بخط الثلث بثلاثة أشكال هي: الملتوي، والمرسل، والرحماني، ويبدو أنَّ الفنان عباس اختار شكل الراء الرحمانية لما فيها من انحناءات لطيفة ، رغم صعوبة تنفيذها حيث أنَّ بداية الحرف كانت ثخينة ثم ينحف شكله، ثم يستمر بتمام القلم ثم صعود يسير، وهذا ما منح شكله بُـعـداً جمالياً ، فضلاً عن خاصية التأليف التي تحققت في اتصال نهايته بانحناءة حرف الياء من كلمة (يرحمكم)، واعتمد على خاصية التكرار في معالجته لحرفي الياء الراء، ثم حرف الميم، ثم حرفي الميم والنون في كلمة (من)، فأوجد بذلك تناسباً شكلياً لافتاً وايقاعاً جميلاً، وفي إخراجه الفني لحرف الكاف في كلمة (يرحمكم) اختار أن يخطّـه بانحناءة صغيرة في أعلاه وهذا هو شكله حسب قواعد خط الثلث.
إنَّ إخراج حرف الميم بشكل الراء الرحمانية في كلمة (يرحمكم) أتاح مساحة وافرة لاتخاذه قاعدة لخط كلمة (من) بالطريقة ذاتها محققاً تكراراً جميلاً وايقاعاً متناسباً، فضلاً عن تحقيقه لخاصية التأليف فيها، واستغلال المساحة بالشكل الأمثل، وكذلك خطَّ كلمة (في) بالطريقة ذاتها التي خطّـها بها سابقاً وبالتأليف ذاته.
يتيح الامتداد المبسوط لبعض الحروف العربية امكانية استغلالها قاعدةً لخط الكلمة التي تليها أو بعض حروفها، وهذا ما يجده المشاهد في خطّـ حروف الألف واللام والسين من كلمة (السماء)، ويلاحظه في طريقة إخراجه لحرفي الألف واللام من كلمة (السماء) حيث عالجهما معالجة فنية تمثّـلت بترويسة نباتية صغيرة تجمعهما معاً، كما يلاحظ سهولة قراءة النص دون جهد يُذكر.
شغلَ الفنان عباس المساحة التي تلي المساحة السابقة بشريط كتابي مستطيل أُفـقـي، خطَّ فيه الآية الكريمة المرقومة (86) من سورة الحجر، والتي نصّت على (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) بالخط الديواني، وبحركة اتجاهية تبدأ من جهة يمين الكتلة وتكمل مسارها الى يسارها، فبدأ بكلمة (واعبد) حيث منح حرف الواو شكلاً مقوَّساً ومتصلاً مع حرف الألف الذي يليه، محققاً بذلك خاصية التأليف، وهذا الربط بينهما من الميزات التي يتميّـز بها الخط الديواني، كما يتميز بوجود الزلف في حرف الألف الذي اتخذ حركته الاتجاهية الى الأسفل مع ميل عام نحو جهة اليسار.
يستمد الخط الديواني حيويته وجماليته من ليونته وقدرته على المطاوعة، ولذلك أفاد الفنان عباس من هاتين الخاصيتين عند خطّـه حرفي الدال من كلمة (أعبد) وحرف الراء من كلمة (ربك) تقريباً بالشكل ذاته، والمتميز بالانحناء اليسير في اتجاه اليسار، فأوجد بذلك تكراراً ايقاعياً جميلاً، وأخرج حرف الباء بانحناءة صغيرة تتباين حجمياً مع استدارة حرف الكاف النازلة والتي اتخذت مساحة أكبر، فضلاً عن اتصال نهايته بالألف المقصورة في كلمة (حتى) فحقق بذلك خاصية التأليف، كما أتاح فرصة لكلمة (حتى) لتصبح قاعدة له، وخطَّ كلمة (حتى) بحركة اتجاهية نازلة ومائلة الى جهة اليسار، وتليها كلمة (يأتيك) التي اتخذت حركتها الاتجاهية أيضاً ميلاً الى اليسار، وخلا حرف الألف من الهمزة لانشغال محله بحرفي التاء والياء.
واتخذ حرف الكاف الشكل ذاته في كلمة (ربك)، أمَّـا كلمة (اليقين) فكانت معالجته الفنية لها متباينة عمّـا سبقها، حيث اتخذ من حرف الكاف مساحة لاحتواء حرف الألف وزلفه من كلمة (اليقين)، وبالتأليف السابق ذاته، واتخذ أيضاً من هذا الحرف مساحة لاحتواء نقطتي الياء، وبالطريقة ذاتها احتوى حرف الألف حرف اللام وزلفه، فحقق بذلك ايقاعاً تكرارياً جميلاً تناسب مع تكرار شكل الكلمات السابقة التي اتخذت حركة اتجاهية نحو جهة اليسار، وأغلق كتلة الآية الكريمة باتصال نقطة حرف النون بنهاية استدارتها، وهو اتصال لم يعتمده في بقية نقاط هذه الآية، فحقق تبايناً وحيوية لهذا الاغلاق.
في المستطيل الأُفقي الذي يلي السابق نزولاً اختار الفنان عباس اعتماد خاصية التكرار من حيث الأرضية التي اختار لها أيضاً اللون البُني المتوسط الدرجة، ليخطَّ عليه النصوص التالية:
حديث نبوي شريف (اليسير من الرياء شرك).
عن علي رضي الله عنه (اشرف الغنى ترك المنى).
مدد يارب.
يلفت نظر المُشاهد لهذا الجزء من اللوحة التنوع في النصوص المخطوطة، والتي جمعت بين الحديث النبوي الشريف، وقول للإمام علي، وقول مأثور يستعمله المتصوفة المسلمون كثيراً في حلقات الذكر، وهذه هي الحالة الوحيدة في هذه اللوحة، ولكنه استخدم نوعاً واحداً من الخطوط لخطّـها وهو خط التعليق.
من خصائص خط التعليق التي يتميّـز بها عن غيره من الخطوط العربية أنّـه يبدأ خطاً وقراءةً من جهة يسار الكتلة الى جهة اليمين، كما يتميز بميلان كلمات النص، ولهذا بدأ الفنان بخط النص من هذه الجهة بكلمة (حديث) التي خطَّ حروف الحاء والدال والياء منها بحجم صغير نسبياً، ومنح شكل حرف الثاء تنصيلاً منبسطاً فبدا حجمه أكبر نسبياً من حجوم بقية حروف الكلمة، أمّـا نهايته فأصبحت قاعدة يستند عليها حرفا النون والباء من كلمة (نبوي) التي تتميز بصغر حجم حروفها نسبياً، وخلو حرف الياء من النقاط .
واتصل حرف الشين من كلمة (شريف) بنهاية حرف الياء من كلمة (نبوي) فتحققت خاصية الاتصال، وهي من خصائص خط التعليق، كما أنَّ أسنان حرف الشين قصيرة، وهذا أيضاً من ميزات خط التعليق، أمّـا حرف الفاء فقد تميَّز بالتنصيل الأُفقي المبسوط، وهذا تكرار شكلي لحرف الثاء في كلمة (حديث)، وأسهم في منح هذين الحرفين ايقاعاً لافتاً سنجده يتكرر في حروف أُخرى.
وعالج كلمة (اليسير) معالجة فنية تتناسب مع خصائص خط التعليق من حيث وضوح حروفها وسهولة قراءتها، فحرفي الألف واللام قائمان، وحرف الياء امتداده قصير وكذلك تنصيل حرف السين، أمّـا حرف الراء فأخرجـه مرسلاً وقصيراً، واستغل المساحة المتاحة فوق حرف الراء لخطِّ حرف الميم من كلمة (من) الذي بدا صغير الحجم قياساً الى حجم حرف النون من الكلمة نفسها، فقد أخرج حرف النون بتقويسة عميقة مؤشِّراً بذلك امكانية الفنان في التصرف بأحجام الحروف في الكلمة الواحدة، وهذا ما يدخل في باب التنويع الإخراجي.
تكشف المعالجة الفنية لحرف الألف من كلمة (الرياء) اختيار موقعه فوق نهاية تقويسة حرف النون، ويجاوره حرف الألف، أمّا حرف الراء فقد كان مرسلاً وقصيراً أيضاً، وكذلك حروف الياء والألف والهمزة من الكلمة ذاتها، واعتمد الفنان على خاصية التكرار الشكلي في معالجته لحرفي الشين والراء في كلمة (شرك) بالطريقة ذاتها التي أخرج بها الحروف نفسها في الكلمات السابقة، أمّـا حرف الكاف فقد تميّـز بالإخراج الحجمي الكبير قياساً الى أحجام الحروف الأُخرى، ليحقق خاصية التضاد الحجمي.
في النص الثاني الذي شغل مساحة الكتلة ذاتها، ابتدأ بكلمة (عن) التي أخرج حرف العين فيها بحجم صغير قياساً الى حجم حرف النون، ومنح تقويستها عمقاً كبيراً مُـكرراً بذلك شكلها وحجمها في كلمة (من)، فأوجد بذلك توازناً وتناسباً ايقاعياً جميلاً، أمّـا معالجته الفنية لكلمة (رضي) فكانت مختلفة لأنَّ خط التعليق يسمح للفنان بتعددية شكل حروفه ومواقعها، فحرف الراء أخرجه صغير الحجم ومنحه تنصيلاً واضحاً، فضلاً عن دقّـة شكله المرسل، ورفع حرف الضاد مكانياً ليفسح المجال لحرف الياء الراجعة لكي تمتد امتداداً انبساطياً نحو الجهة العليا للنص حتى تكاد تلامس نهاية حرف الراء. ويلاحظ المُشاهد أنَّ خاصية التباين قد تحققت في هذه الكتلة بسبب اختلاف سُمك القلم الذي خطّـها به.
إنَّ الرفع المكاني لحرف الضاد واتصاله ببداية حرف الياء أتاح مساحة كافية لموقعة حرف الألف من لفظ الجلالة عليه، فأصبح قاعدة له، فيما بدا حرف اللام المكرر منخفضاً مكانياً، وهنا نلاحظ التدرّج الذي بدا واضحاً في خط حروف الألف واللام المكررة في لفظ الجلالة، وشكّلَ الخفض المكاني لحرف الهاء الصغير حجماً نسبياً مجالاً مكانياً لخط حرف العين من كلمة (عنه) فوقه، ثم حرفي النون والهاء.
وظهرت خاصية التكرار الشكلي الايقاعي في كلمة (اشرف) في شكل حروف الألف والشين والراء، لكنَّ الفنان عباس تعامل مع حرف الفاء تعاملاً مختلفاً حيث أكسبَ امتداده الأُفقي الانبساطي تنصيلاً واضحاً مع تغيير سُمك القلم، وهذا ما أتاح المجال لحروف الألف واللام والغين للاستقرار على نهاية تقويسة حرف الفاء، فأصبحت بذلك قاعدة لها، أمّـا حرف الألف المقصورة فقد استثمر فيه خاصية الخفض المكاني، فخطّـه منخفضاً عن مستوى باقي حروف الكلمة، وأفاد أيضاً من هذا الخفض بأن جعله قاعدة يستقر عليها حرفي التاء والراء من كلمة (ترك)، فيما أخرج حرف الكاف في كلمة (شرك) بحجم أكبر نسبياً مع تنصيل أُفقي مبسوط أتاح المجال ليكون قاعدة تستقر عليها حروف الألف واللام والميم من كلمة (المنى)، واستخدم خاصية التكرار الشكلي الايقاعي في إخراجه لحرف الألف المقصورة.
يُشكِّل التصرف في أحجام الحروف والكلمات تنويعاً إخراجياً لافتاً للنظر، وهذا ما سعى الفنان عباس لتحقيقه حين خطَّ كلمة (مدد) بحجم صغير وسُمك قلم قليل، ومنح كلمة (يارب) حجماً اكبر، وامتداداً واضحاً لحرف الباء، فتحققت خاصية التباين الحجمي.
في المستطيل القائم المجاور اختار الفنان اشغال مساحة هذا الشريط الكتابي بخط جزء من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (19) من سورة آل عمران، والتي تنصُّ على (إنَّ الدين عند الله الاسلام) والتي خطّها بخط الرقعة، حيث ابتدأ بكلمة (ان) التي عالجها بإخراج حرف الألف بشكل قائم وقصير، وأفاد من خاصية الرفع المكاني فرفعه ارتفاعاً بسيطاً، وخطَّ حرف النون على شكل رقم (7) معتمداً على قواعد خط الرقعة في طريقة إخراج حرف النون المنفرد، وعالج نقطته بحيث بدت متصلة بنهايته ولكن على شكل يشبه الرقم (8) وبحجم صغير نسبياً، فحقق من خلال ذلك خاصيتي التضاد الشكلي والحجمي معاً.
واختار الطريقة ذاتها عند خطّـه لحرف الألف من كلمة (الدين) معتمداً على خاصية التكرار، في حين خطَّ الجزء القائم من حرف اللام أطول قليلاً من طول حرف الألف فحقق بذلك خاصية التضاد الحجمي، أمّـا حرف الدال فأخرجه بإرسال قصير، وعالج حرف الياء معالجة فنية تجسّدت بتقويسة صغيرة، والنقطتان فيها متصلتان حسب قواعد خط الرقعة، وعالج حرف النون بتقويسة لطيفة، واتصلت نقطته بنهاية هذه التقويسة، فتحققت خاصية التأليف، كما تميّـزت بحركتها الاتجاهية الراجعة نحو جهة يمين الكتلة.
اتخذ حرف العين في كلمة (عند) شكلاً قوسياً مع تنصيل أُفقي قليل التقويس، يتبعه حرف النون الوسطي الصغير حجماً نسبياً، ونقطته المربعة المائلة الشكل، وتمثّـلت خاصية التكرار في شكل حرف الدال في كلمتي (عند) و(الدين)، كما تمثّـلت أيضاً في حرف الألف من كلمتي (الله) و(الاسلام).
يتيح التنويع في الإخراج الفني مجالاً واسعاً لتحقيق خاصية التضاد الحجمي، وهذا ما يجده المُشاهد عند ملاحظته لحرف اللام الذي خطّـه الفنان بطول لافت للنظر، في حين أنّه كان أقصر طولاً في لفظ الجلالة.
أشار الباحثون في مجال الخطوط الى أنَّ خط السياقت أو السياقة خط تركي سلجوقي، ويُـكتب بنوعين: منقوط أو غير منقوط، وهو خط وظيفي لأنّه اُستعمل في المعاملات التي تخصُّ الادارة المالية العثمانية، ويُـعـدّ من الخطوط الصعبة عند القراءة لأنَّ شكل حروفه مزيج من مجموعة خطوط هي: الديواني والرقعة والكوفي، ولهذا لا يتبع قواعد الخطوط الأساسية للحروف العربية، وتنفيذاً لخاصية التنوّع الإخراجي اختاره الفنان عباس ليخطَّ جزءاً من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (10) من سورة الحجرات والتي تنصُّ على (إنّما المؤمنون اخوة) داخل شكل مستطيل قائم وواقع في الجهة اليسرى من اللوحة، واختار له اللون البُـنيّ على أرضية بيضاء، وهذا ما شكَّلَ تكراراً للأرضيات والألوان في بعض أجزاء هذه اللوحة.
وعالج الحروف معالجة فنية تجسّدت بخطّها بدون تنقيط، ولا علامات إعرابية ولا تشكيلات تزيينية، فضلاً عن خلو حرف الألف في كلمة (إنما) من الهمزة، وحرف الواو في كلمة (المؤمنون)، وحرف الألف في كلمة (إخوة)، ولكنـه اعتمد على تتابع كلماتها بترتيب الآية الكريمة ذاته، أمّـا حرف الألف فقد منح نهايته من الأسفل امتداداً صاعداً صغيراً مائلاً نحو جهة اليسار، فمثَّـل بذلك تكراراً شكلياً، ورغم تناسب أحجام الحروف في كلمات هذا المستطيل إلاّ انَّ خاصية التضاد الحجمي كانت حاضرةً في حجم حرف النون الذي منحه امتداداً أفقياً مع تقويسة صغيرة.
في الشريط الكتابي الأُفقي والمستطيل الشكل الذي اتخذ موقعه في الجزء الأسفل من اللوحة اختار الفنان خطّ الآية القرآنية الكريمة المرقومة (10) من سورة الأنفال، والتي نصّها (وما النصر إلا من عند الله) بالخط الكوفي المربع المعروف بالخط الهندسي المربع أيضاً، لكونه يعتمد على المربعات الهندسية ذات الحجم الواحد المتكرر، وبهذا يكون سُمكها موحداً، وكذلك الفراغات بين الكلمات، وتكون زواياه حادة وقائمة، ولهذا يخلو شكل حروفه من الانحناء والتقويس، ومن حيث طريقة الإخراج فإنَّ الفنان يبدأ بتصميم شكل الكلمات بالمسطرة والقلم الرصاص وليس بقلم الخط، فيحدد الخطوط الخارجية للمربعات، ثم يملأ هذه المربعات بالحبر.
تكشف متابعة طريقة الاخراج الفني للخط الكوفي المربّـع عن قدرة الفنانين على استثمار مساحة الكتلة استثماراً فنياً، فغالباً لا يتبعون طريقة الكتابة الشريطية التي تتوالى فيها كلمات النص تتابعياً، وإنّـما تختلف مواقع الكلمات معتمدة على خاصيتي الرفع والخفض، أي رفع أو خفض الكلمة بكاملها وليس حروفها كما نجد في الأنواع الأُخرى من الخطوط العربية، وذلك لأنَّ هذا النوع من الخطوط يتطلب خطّ الكلمة كاملة بتوالي حروفها، وهذا ما يلاحظه المُشاهد لهذا الجزء من اللوحة، حيث ابتدأ الفنان عباس بإخراج حرف الواو الذي تحتضنه كلمة (ما)، وبعدد المربعات ذاتها خطّ حرف الألف من هذه الكلمة وحرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في كلمة (النصر)، وأخرج كلمة (إلاّ) بحيث تحتضنها كلمة (النصر) مع حرف الألف من لفظ الجلالة (الله) التي رفع موقعها فوق كلمة (من)، أمّـا كلمة (عند) فاستغل الفراغ المتبقي لكتابتها بشكل عمودي، فأصبحت بذلك إغلاقاً للنص.
في هذا النوع من الخطوط تكون النقطة على شكل مربّـع كامل، وقد يعمد الفنان الى إخراج النص بدون نقاط أحياناً، لكنَّ الفنان عباس اختار وضع نقطة حرف النون في كلمة (النصر) فقط تمييزاً لها لأنّـها الكلمة المركزية دلالياً في هذا النص الكريم.
على جانبي هذه المساحة اختار الفنان أرضية بيضاء ليرسم عليها شكلاً زخرفياً مستطيلاً قائماً، تتوسطه ثلاث نقاط دائرية عمودية مُشكِّلاً بذلك توازناً وتناسباً مع شكل الكتابة، واختار اشغال المساحة على جانبي هذين الشكلين بزخرفة نباتية متمثّـلة بزهرة تجمع بين اللونين الاصفر المتدرِّج والأبيض، وتحيط بها أغصان وورود صغيرة محوّرة عن شكلها الطبيعي، فشكّل بذلك تضاداً جميلاً بين الشكل الحر للزخرفة النباتية وبين الشكل الصارم للنص المخطوط بالخط الكوفي المربّـع، وهذا بالتالي ما سيثير متعة مُشاهده على المستويين البصري والنفسي.
في المستطيل القائم الواقع في جهة يمين اللوحة اختار الفنان عباس خط جزء من حديث نبوي شريف ينص على (الصبر عند الصدمة الاولى)، وعالجه فنياً بالخط الكوفي بنوعيه الفاطمي والمورّق الذي يتميز بزخرفة تتمثّـل بأغصان نباتية دقيقة محوّرة عن شكلها الطبيعي، لتشغل الفراغات البينية بين من الجهتين العليا والسفلى للنص المخطوط، وهذه ميّـزة جمالية لهذا النوع من الخطوط.
ابتدأ النص بحركة اتجاهية من الأعلى الى الأسفل، ويلاحظ المشاهد طريقة إخراج حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في كلمة (الصبر) والتي اتخذت شكلاً قائماً، ووصلة أُفقية متجهة الى جهة اليمين من الأسفل، وترويسة في أعلاه، أمّا حرف الصاد فتمثّـلت معالجته الفنية باتصال سنّه به مع ترويسة من الأعلى، واعتمد على خاصية التكرار في ترويسة حرف الباء مع انحناء قليل وحركة اتجاهية الى اليسار.
وأخرج حرف العين فنياً في كلمة (عند) بترويسة لطيفة في حروفها، وانحناء الى الأسفل في حرف النون، وعمد الى خاصية التنويع في إخراج حرفي الألف واللام، فخطّــهما بشكل مختلف عن شكلهما في كلمة (الصبر) حيث عالجهما باتصال لطيف في الجزء العلوي مع ترويسة ليحقق خاصية التأليف، وأخرج حرف الصاد بتكرار شكلها في كلمة (الصبر)، وكذلك حرف الدال، فأحدث بذلك تكراراً شكلياً وايقاعياً جميلاً، أمّـا حرف الميم فأبدل استدارته بانحناءة قوسية صغيرة شكّـلت تضاداً مع زاويته القائمة، وهو الشكل نفسه الذي كرره في حرف التاء مع ترويسة صغيرة.
وفي تعامله مع حرفي الألف واللام في كلمة (الاولى) سيلاحظ المتأمل أنَّه عالجهما معالجة تختلف عن السابقة، بأن منحهما شكلاً زخرفياً من الأسفل مع ترويسة لطيفة من الأعلى، وأخرج حرف الواو بالطريقة ذاتها التي أخرج بها حرف التاء في كلمة (الصدمة)، ومنح حرف اللام شكلاً قائماً مع ترويسة في أعلاه، وأخرج حرف الألف المقصورة بأن خطّـها بداية من صلب السطر، ثم ترتفع لتنزل الى الأسفل بانحناء لطيف، ويتصل بنهايتها غـصن نباتي محوّر عن شكله الطبيعي، وملتف صاعد الى الأعلى ليشغل المساحة البينية بأوراقه.
أشار الباحثون في الخطوط العربية الى أنَّ الخط الكوفي من الخطوط التي تتيح للفنان أن يُدخل عليها بعض التحسينات والابتكارات للحصول على الشكل الجمالي، ولهذا يتمتع المتأمل في الكتل التي تُـخطُّ به بمظهره الأنيق، وبتضاد أشكال حروفه التي تجمع بين زواياه الحادة ومنحنياته اللطيفة، وكذلك اختلاف سُمك القلم الذي يُخط به عن القلم الأقل سماكة الذي تُـرسم به الزخرفة النباتية، فينتج بالتالي تضاداً شكلياً يضفي مسحة حيوية على مَشهد الكتلة.
في الجهة اليسرى من اللوحة اختار الفنان عباس مستطيلاً قائماً أيضاً، ليخطَّ عليه جزءاً من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (48) من سورة المائدة التي تنصُّ على (وأنزلنا اليك الكتاب بالحق)، واعتمد على خاصية التضاد في ابتداء خط كلمات الكتلة بحركة اتجاهية من الأسفل الى الأعلى، وبالخط الكوفي المورَّق أيضاً، لكنَّ الاختلاف في طريقة إخراج هذا النص كان واضحاً في خطِّ حرف الكاف على شكل ذراع يمتد أفـقياً من جهة اليسار الى اليمين، ثم يصعد بحركة اتجاهية الى الأعلى مع انحناءة صغيرة، ثم يمتد الذراع أُفـقياً من جهة اليمين الى اليسار، ويصعد الى الأعلى بحركة اتجاهية مائلة نحو جهة اليمين ليكتمل بتقويسة لطيفة تنتهي بالترويس، وكذلك خطَّ حرف الحاء بتقويسة صغيرة ثم حركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى ليكتمل أيضاً بتقويسة وترويس.
في مساحة المستطيل الواقع في أقصى جهة يمين اللوحة خطَّ الفنان عباس سورة (الناس) التي تنصُّ على: قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر الوسواس الخناس (4) الذي يوسوس في صدور الناس (5) من الجنة والناس (6). واختار خط جلي الديواني لمعالجتها فنياً، وابتدأ بحركة اتجاهية من الأعلى الى الأسفل، ويلاحظ المتأمل في هذا الشريط الكتابي أنَّ الفنان استثمر خاصيتي التركيب والتقاطع في كلمة (قل)، حيث اتخذ من حرف اللام المروّس قاعدة يستقر عليها حرف الألف من كلمة (أعوذ)، بحيث ينصِّـفها بقوس متماثل معها، ثم يسترسل نزولاً بحركة اتجاهية نحو جهة يسار الكتلة، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، واستقر جزء صغير من حرف العين من كلمة (أعوذ) على قوس حرف الألف، ثم امتدَّ بحركة اتجاهية نازلة ليتصل مع حرف الواو، وأتاح هذا النزول مساحة لتحقيق خاصية الرفع المكاني التي أفاد منها الفنان لخطّ حرف الذال المقوَّس، كما أفاد من هذه الخاصية لتحقيق خاصية الخفض المكاني عند إخراجه لحرفي الباء والراء من كلمة (برب)، وعالج حرف الباء فنياً بخطِّـ مقوّس يبدأ من داخل تقويسة حرف الذال وبحركة اتجاهية نحو الأسفل، ثم حركة اتجاهية نحو الأعلى، فأصبح حاضناً لحروف الألف واللام والنون والألف من كلمة (الناس)، التي منح حرف الألف منها والجزء القائم من حرف اللام ترويسة، واعتمد على خاصية الرفع المكاني في خطّـه لحرف السين الذي استقر امتداده الأُفـقـي على حرف الألف، فأصبح قاعدة له.
إنَّ تقويسة حرف السين المرفوعة مكانياً أتاحت مساحة لتركيب حرف الميم من كلمة (ملك) عليها، فيما منح حرف اللام والجزء القائم من حرف الكاف امتداداً طولياً قائماً متوازياً محققاً بذلك تناسباً جميلاً، وأفاد من الجزء المقوّس من حرف الكاف في تحقيق خاصيتي التركيب والتقاطع مع حرف الالف المروّس من كلمة (الناس) بحيث ينصِّـفه قوسياً، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية وهمية أبعدت عنه صفة الجمود، وعالج حرف السين فنياً من خلال رفعه مكانياً بحيث أصبح حرف النون قاعدة لأسنانه، فيما ينصِّـفه حرف الألف من الكلمة ذاتها وحرف الألف أيضاً من كلمة (إله)، محققاً بذلك بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، ورفعَ حرف الألف من كلمة (الناس) فوق حرف الهاء الذي أخرجه صغير الحجم نسبياً، فأصبح قاعدة له.
يلاحظ المتأمل في هذا الجزء من اللوحة قدرة الفنان على التنويع في إخراج أشكال الحروف والكلمات والتي تحققت في معالجته لكلمة (الناس) التي تكررت في هذا النص القرآني الكريم، حيث تبدو خاصية التباين واضحة بينهما من خلال رفع حرف السين مكانياً في الأُولى وخفضها في الثانية، فأسنانها استقرت فوق حوض حرف النون، فيما نصّفَ حرف الألف قوس حرف السين المنخفض مكانياً، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، وارتفع حرف الميم من كلمة (من) مكانياً.
إنَّ هذه التراكيب المتشابكة قد تؤدي الى ارهاق عين المتأمل وهو يتابعها بدقةٍ، ولهذا عالج الفنان العربي هذه الحالة، وأبعد الملل عنه بإيجاد فراغ تستريح العين فيه، وهذا الفراغ من ميّـزات خط جلي الديواني، واعتمده الفنان عباس عند خطّـه لحرف النون من كلمة (من) الذي منحه تقويسة جميلة تمتد لتنتهي باتصال مع حرف الشين من الأسفل، فحقق بذلك خاصية التأليف لأنَّ حقها الانفصال وليس الاتصال.
وفي إخراجه الفني لكلمة (شر) اتخذ من نهاية حرف النون من كلمة (من) قاعدة تستقـرّ عليها أسنان حرف الشين، وفي خطّـه لحرف الراء المرسل الطويل نسبياً عمد أيضاً الى خاصيتي التركيب والتقاطع، فركَّـب حرف الألف المروّس والمائل بحركة اتجاهية نحو جهة اليسار من كلمة (الوسواس) عليه بحيث ينصِّفه، لينتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية ايهامية، وعمد الى خاصية التكرار في معالجته لتقويسة هذا الحرف مع تقويسة حرف الراء، لينتج بذلك تناسباً وتوازناً شكلياً لافتاً للنظر.
استثمر الفنان عباس أيضاً خاصية الخفض المكاني عند خطّـه لحرف الواو المرسل، فأتاح بذلك مساحة كافية لخطِّ سنّـي حرف السين الأول والثاني، فأصبح حرف الواو قاعدة لهما، فيما أفاد من خاصية التوازن في إخراجه لحرف الواو المكرر على المستوى ذاته، وعالج حرف الألف في كلمتي ( الوسواس، الخناس) باعتماد خاصية التكرار الشكلي المتوالي، فحقق بذلك ايقاعاً متوازناً جميلاً، فيما عالج شكل حرف الخاء من كلمة (الخناس) من خلال خاصيات أربع تجسّدت في التركيب والتقاطع والرفع والخفض المكاني، حيث نصّف هذا الحرف حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام، وهي الخاصية ذاتها التي تحققت في خطّ حرف السين، الذي اتخذ من حرف النون المخفوض مكانياً قاعدة لأسنانها، ونصّف حرف الألف تقويسته، وتراكب وتقاطع حرف الألف في كلمة (الذي) معها، فاتصل بها وكان حقّـه الانفصال فحقق بذلك خاصية التأليف، وأنتجت هذه الحالات جميعاً بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية ايهامية.
وتعامل مع حرف الذال تعاملاً فنيّـاً تمثّـل بإخراجه بشكل الارسال بدلاً من التقويس، وهذا ما يدخل في باب التنويع الشكلي للحرف الواحد، واستند حرف الياء المرفوع مكانياً على الجزء المرسل من حرف الذال، فأصبح قاعدة له، فيما اتصلت نهايته بحرف الياء من كلمة (يوسوس) محققة خاصية التأليف، أمّـا حرف الياء فقد خطّـه الفنان حسب خاصية الخفض المكاني التي أفسحت المجال لأسنان حرف السين لكي ترتفع فوق حروف الياء المتكررة والواو، فأصبحت قاعدة لها، وتصرّف الفنان بشكل قوس السين فجعله مرسلاً الى الأسفل وبحركة اتجاهية مائلة الى يسار الكتلة، فأصبح بذلك حرف الواو منخفضاً مكانياً، وهذا ما منح حرف السين مساحة ليرتفع فوقه، ويلاحظ المتابع لطريقة إخراج حرف السين في كلمة (يوسوس) اختلافاً شكلياً يؤشر على قدرة الفنان عباس على الإفادة من مرونة وطواعية الحرف العربي في إخراجه.
تعاملَ الفنان مع كلمة (في) أيضاً حسب خاصيتي الرفع والخفض المكاني التي سمحت له برفع حرف الصاد في كلمة (صدور)، فيما اعتمد على خاصية التكرار الشكلي في إخراجه لحرف الدال المرسل مبتعداً عن شكلها القوسي، واتخذ حرف الواو من حرف الصاد قاعدة يرتفع فوقها، وقاربه مكانياً حرف الراء المرسل الذي تراكب وتقاطع مع حرف الألف من كلمة (الناس) وحركته الاتجاهية نحو يسار النص، فأحدث بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية.
ظهرت خاصية التكرار أيضاً في حرفي الألف واللام من كلمة (الناس) فأضفت على الكتلة ايقاعاً جميلاً، وتضاداً لافتاً مع الحروف الأُفـقـية، كما ظهرت في حرف السين الذي خطّـه الفنان بالشكل ذاته الذي خطّـه به في كلمتي (الناس) و(الخناس) و(الناس) الأخيرة التي حققت الإغلاق الشكلي للنص، وأيضاً في كلمة ( من) لتحقيق الفراغ الثاني، كما تمثّـلت خاصية التكرار الشكلي الايقاعي في طريقة إخراج كلمة (الجنة)، وحرف الواو الذي يسبق كلمة (الناس) الأخيرة.
شغل الفنان عباس الفراغات البينية والمحيطية بزخارف نباتية تمثّـلت بأشكال محوّرة عن أغصان وزهور نباتية صغيرة الحجم ودقيقة، وذلك لأنَّه استخدم قلماً أقل سماكةً في رسمها من القلم الذي استخدمه في خط كلمات الكتلة.
في جهة اليسار خطَّ الفنان عباس سورة (العلق) التي تنصُّ على: اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علّـم بالقلم (4) علَّم الإنسان ما لم يعلم (5). بخط جلي الديواني معتمداً على التقنيات الإخراجية ذاتها، ولهذا لن أتوقف عندها منعاً للتكرار.
في حاشية الجزء الأسفل من اللوحة وثّـقَ الفنان عباس اشتغاله بهذه اللوحة حيث خطَّ النص التالي: (بتوفيق من الله تعالى تمت كتابة هذه اللوحة بقلم عباس حسين الطائي من تلاميذ يوسف ذنون 1971م، 1331هجرية).
أحاط الفنان عباس حدود اللوحة الخارجية بإطار زخرفي بسيط يعتمد على خاصية التكرار لشكل زخرفة نباتية بسيطة، ولوَّنها باللونين الأخضر والأسود.
29/6/2022م
لوحة (يقيني بالله)
حجم اللوحة: 50/ 70سم
تاريخ الانجاز: 1404ه/ 1984م
ارتبطت الأشكال الهندسية بدلالات متنوعة في الفكر البشري، ومنها الشكل المستطيل القائم المتميز الذي تثير زواياه المتناظرة شعوراً بالترتيب والرسوخ والصلابة والقوة والثقة، ولهذا اختاره الفنان عباس شكلاً للوحته.
وردت لفظة (اليقين) في المعاجم العربية بمعنى الاعتقاد الراسخ والثقة التامة بأمر واقع، وهذا الأمر هو الإيمان العميق بالله سبحانه وتعالى، ومن هذا المنطلق اعتمد الفنان عباس على خاصية التكرار اللفظي لكلمة (يقيني) ليحقق التكامل بين دلالة النص والهيأة التي أخرجه بها، وهو ما يكشف بالتالي عن قصدية واعية بالبعد التعبيري (الدلالي) لهذه اللوحة.
يعمل التكوين في اللوحة الخطّـية على تحقيق وظيفتين: تتمثّـل الأُولى في سلامة النص المخطوط لغوياً أي الأداء الوظيفي له، وتتمثّـل الثانية في ضبط أُصول وقواعد الخط حسب نوعه، مع مراعاة التنوع الاخراجي المُـبتكر الذي يحقق البُـعد الجمالي من جهة، ويعمل على ايصال رسالة الفنان من جهة مقابلة، وفي هذه اللوحة اعتمد التكوين على (3) عناصر هي:
1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة المتمثلة بجملة (يقيني بالله يقيني).
2/ الكتلة الخطيّـة الثانوية المتمثلة بالشكل الزخرفي.
3/ خلفية أو أرضية اللوحة التي اختار لها قطعة من الكارتون خامةً.
ومن بين اختيارات متعددة لأنواع التراكيب الخطّـية المتعارف عليها بين الفنانين وقع اختيار الفنان عباس على أبسطها، وهو هيأة النظام السطري الذي يكون بمستوى واحد، ويعتمد على التسلسل القرائي المتتابع لكلمات لنص، ويبدأ من جهة اليمين الى جهة اليسار دون أن تتراكب وتتقاطع حروف كلماته.
يُعدُّ الخط الكوفي بأنواعه المتعددة وتخصيصاً المضفور من أفضل أنواع الخطوط العربية، وأكثرها قابلية على الدمج بين أشكال الحروف والزخرفة لإنتاج هيأة مبتكرة، وذلك لطواعية حروفه من حيث التنصيل والاستطالة والتدوير لإنتاج أشكال الزوايا الهندسية والاستدارات والضفائر، ولهذا يشغل وقتاً طويلاً في تحضير مُسوّداته الى أن يكتمل بشكل يرضي ذائقة الفنان وخبرته، كما يتطلّـب صبراً لا ينفذ، وهمّـة عالية لا تفتر، ونظراً لتميّـز الخط الكوفي المضفور بطابعه الهندسي يلجأ الفنان الى استخدام قلم الرصاص والأدوات الهندسية وتخصيصاً المسطرة في تحضير التصميم، فهو لا يُنفّـذ بقلم الخط أو القصبة وإنّـما تحدد حدوده الخارجية أولاً، ثم يلوّن بالفرشاة، وهذا ما فعله الفنان عباس في استخدامه لصبغة الاكريلك (الأموشن) لتلوين الكتلتين الرئيسة والثانوية.
اتخذ الفنان عباس من جملة (يقيني بالله يقيني) قاعدة يرتفع فوقها ويرتبط بها الشكل الزخرفي، وبما أنَّ هيأة الحروف في الخط الكوفي المضفور تبدو أقرب الى الرسم أو الزخرفة، فقد اعتنى بإخراجها عناية كبيرة تتمثّـل باسلوب خط كلماتها التي منحها مظهراً ثخيناً، وابتدأ بكلمة (يقيني) التي أخرج حرف الياء منها بترويسة دقيقة من الأعلى، وبروز مثلث هندسي صغير من جهة اليسار، ثم حركة اتجاهية نازلة مبالغ في طولها وتنتهي بتقويسة متصلة بحرف القاف، أمّـا النقطتان فقد اختار لهما شكلاً دائرياً صغيراً قياساً الى ثخانة حروف النص، فحقق بذلك خاصية التضاد الشكلي، واعتمد على خاصية الإزاحة المكانية لموضعهما فخطّـهما تحت حرف القاف وبشكل أُفـقـي متجاور، وأخرج حرف القاف مُـخـرّق العين على شكل زاوية هندسية حادة تمثّـل نقطة ارتكاز الحرف، ويلاحظ المتأمّـل في شكله أنّه نشأ من خط مستقيم أُفقي يبدأ من جهة اليمين ويمتدُّ الى جهة اليسار، ثمَّ يأخذ شكلاً قوسياً صاعداً الى الأعلى، وينتهي بترويسة رفيعة، أمَّا جهة اليسار من حرف القاف فقد عالجها فنياً بحيث تنتهي بزاوية هندسية حادة، واستقـرّ الحرف على قاعدة أُفـقـية مستقيمة استقـرّت فوقها النقطتان بشكل دائري متعامد.
وخطَّ حرف الياء معتمداً على خاصية التكرار مع الحرف ذاته، وبالغ قليلاً في طول ترويسته المُـزلّـفة، فحقق بذلك خاصية التضاد معها، واعتمد على خاصية التحريف أو الإبعاد المكاني لنقطتيها حيث خطَّـهما تحت حرف النون وأخرجهما بشكل دائري أُفـقـي متباعد، فحقق بذلك خاصية التضاد مع شكل نقطتي حرف الياء، وعالج حرف النون فنياً ببداية مروّسة بزلف يتطابق شكلاً مع زلف حرف الياء، فحقق خاصية التكرار الشكلي، ثم اتخذ الحرف حركة اتجاهية أُفـقـية لينتهي متصلاً مع حرف الياء، ويلاحظ المُـتأمّـل في هذا الجزء التضاد الحاصل بين تقويسة حرف الياء والزاوية الهندسية الحادة المتشكلة من التقاء الجزء العمودي من حرف الياء مع الامتداد الأُفـقـي لها.
واعتماداً على خاصية الإبعاد المكاني اختار الفنان عباس موضع نقطة النون فوق الترويسة المُـزلّـفة لحرف الياء، وذلك منعاً للازدحام المكاني في المساحة الواقعة في وسطها.
وأخرج حرف الياء حسب قواعد وأُصول الخط الكوفي المضفور المتصل، حيث بدأ ذراعه الأول بحركة اتجاهية مائلة الى جهة اليسار وصاعدة الى الأعلى، ومروّسة بزلف مثلّـث قصير، أمّـا ذراعه الثاني فقد اتخذ شكلاً قوسياً في نقطة اتصاله مع الذراع الأول، ثم اتخذ حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل مع ميلان خفيف الى الجهة اليمنى، فحقق خاصية التوازي مع الذراع الأُولى، ثم اتخذ شكل التفافة صغيرة انبثق منها شكل فرع نباتي دقيق ورفيع التفَّ صاعداً أمام الذراع الثانية وخلف الذراع الأُولى، لينتهي بشكل ورقة نباتية تستلقي بشكلٍ موازٍ للامتداد النازل من الشكل الزخرفي من جهة اليسار، فأنتج بذلك حركة لطيفة وحيوية أسهمت في تخفيف ثقل وصلابة الزوايا الهندسية الحادة للحروف.
إنَّ تكييف أشكال الحروف والكلمات يشغل تفكير الفنان عند انتاجه للوحته، حيث يتوجب عليه استثمارها بالأسلوب الذي يحقق للتكوين أهدافه الوظيفية المتمثّـلة بالقراءة من جهة، والوظيفة الجمالية والتزيينية من جهة مقابلة، وهذا ما يلاحظه المتأمّل في طريقة الفنان عباس عند خطّـه لكلمة (بالله)، حيث أخرج حرف الباء مروّسة ومزلّـفة فحقق خاصية التكرار مع شكل حرف الياء في كلمة (يقيني)، أمّـا قاعدتها فكانت أُفـقـية وأنتجت زاوية هندسية حادة، وحققت خاصية التضاد مع شكل حرف الألف المتكرر الذي أخرجه بتقويسة منخفضة مكانياً، وهذا ما جعله على مستوى واحد مع تقويسة حروف الياء المتكررة والنون أيضاً، وأسهم هذا الخفض المكاني في احداث ايهاماً بالحركة الضمنية.
يتيح تشابه أشكال الحروف فرصة للفنان لإعادة تشكيلها واستحداث أشكال جديدة، من خلال الاستغلال الأمثل لخصائص هذه الحروف، وفي هذه اللوحة استغلَّ الفنان عباس حرفي الألف واللام المتكرر، وتصرّف فنياً بشكل الجزء القائم من حرف الهاء في كلمة (بالله)، ليحقق خاصية المدّ لهذه الحروف بالاتجاه العمودي، حيث مدَّ حرف اللام الأول مداً قائماً ولكنّـه أخرج شكله من جموده بمنحه مجموعة من التخصرات اللطيفة المتوالية والمتكررة أيضاً في الحروف القائمة الأُخرى، ومنحه طولاً مبالغاً فيه لتحقيق شكل الضفيرة، وقد أشار الباحثون في فن الخط العربي الى أنَّ خاصية التضافر التي يتميّـز بها الخط الكوفي المضفور عن غيره من أنواع الخطوط العربية هو تداخل والتفاف يعتمده الفنان في الحروف القائمة، ومنها حروف الألف واللام وألف الطاء والظاء، بحيث ينتج عنها ضفيرة تشبه شكل ضفيرة الشَعر (الجديلة)، وقد يتضافر حرف واحد أو أكثر في اللوحة الواحدة، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على حرف اللام الأول من لفظ الجلالة، فأنتج سلسلة مضفورة تتكون من ثلاث حلقات متوالية بشكل عمودي، ثم عمد الى تفريعها على فرعين، الأول منها اتخذ حركة اتجاهية قوسية نحو يمين الكتلة واتجه الثاني الى يسارها، وعمد الفنان الى خاصية التوالد فولّـد من هذا الامتداد شكلاً زخرفياً مجرداً لورقة نباتية مفصصة بثلاثة فصوص متباينة حجماً وشكلاً ، ثم يرقُّ هذا الشكل تدريجياً ويمتدُّ بحركة قوسية متجهة نحو جهة يسار الكتلة وصاعدة الى الأعلى ليلتقي بالفرع الثاني من الضفيرة، واستغلَّ الفنان عباس التقاء الفرعين لرسم زخرفة نباتية على شكل برعم تحيط به ورقتان نباتيتان من الجهتين اليمنى واليسرى، ويلاحظ المتأمّـل للشكل الزخرفي أنَّه اعتمد على التكوين المتقابل أو ما تعارف عليه الفنانون بتسمية (شكل المرآة)، أي أنَّه يعتمد على التقابل والتماثل النصفي التام الذي ينتج عن خط محوري عمودي يشتغل باتجاه تنصيف التكوين الى نصفين منتظمين تتطابق عناصره شكلاً وحجماً، وفي هذه اللوحة اتخذ الفنان عباس شكل الضفيرة ليكون هو هذا المحور الذي تتوزّع عناصر التكوين على جانبيه الأيمن والأيسر، وفي أعلاه أيضاً.
إنَّ صفة التوازي في الحروف القائمة دفعت بالفنان عباس الى استغلالها استغلالاً أمثلاً لتكون كأعمدة البناء التي تنتج شكلاً معمارياً زخرفياً يشعر معه المتأمّـل بشعور القوة والصلابة والتماسك، ولهذا اشتغل باتجاه مدّ حرفي الألف من لفظ الجلالة الواقع في جهة يمين الكتلة، وحرف اللام الثاني الواقع في يسارها ليكوّنَ نقطة التقاء تقع تحت شكل الضفيرة، فحقق بذلك خاصية التراكب والتقاطع حيث ظهر الامتداد الأيمن أمام الامتداد الأيسر، فأنتج بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، ثم يفترق امتداد الحرفين بشكلٍ متعاكس يميناً ويساراً، ويستمر امتداد حرف الألف من لفظ الجلالة بحركة اتجاهية نحو جهة يسار الكتلة ومائلة وصاعدة الى الأعلى، لينتج زاوية هندسية، ثم يمتد صاعداً الى الأعلى لينتج شكلاً قوسياً، يتبعه شكل قوسي آخر أقل امتداداً لينتهي في نقطة التقاء مع الشكل الزخرفي الواقع تحت الشكل البرعمي النباتي، وبالأسلوب نفسه أخرج الفنان عباس الجزء الأيمن المقابل وبطريقة عكسية لهذا الامتداد.
تشتغل قدرة الفنان ومهارته باتجاه توليد اضافات على الحروف ليكتمل الشكل الزخرفي، ولهذا لجأ الفنان عباس الى اتخاذ البداية القائمة لحرف النون من كلمة (يقيني) الأُولى ونقطتها الواقعة فوقها قاعدة ليرفع عليها شكلاً قائماً، يبدأ بزلف ثم يمتدّ بحركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى، ثم يلتفّ على الشكل الزخرفي الدائري محققاً ايهاماً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية لتراكبه وتقاطعه معه من جهة، واتصالاً وثيقاً دون انقطاع لأنّـه بدا معلّـقاً به من جهة ثانية، ثم يستمر ملتفاً من خلال حركته الاتجاهية نحو جهة يمين الكتلة لينتج ايهاماً ثانياً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، ويستمر بحركته الاتجاهية المستقيمة نحو جهة اليسار، ثم يكمل مساره النازل القائم ليستقر فوق نهاية امتداد حرف الياء من الكلمة ذاتها، ويلاحظ المتأمّـل في هذا الجزء من التكوين عناية الفنان عباس في تظهير صفة التوازي بين الشكلين القائمين، وصفة التضاد بين الأجزاء القائمة منه والأجزاء الملتـفّـة.
في جهة اليسار من التكوين اعتمد الفنان عباس على خاصية التكرار للشكل نفسه، لكنّـه تصرّف قصدياً في بعض تفصيلاته ليحافظ على التوازن بين المسافات وذلك لأنَّه أخرج كلمة (يقيني) الثانية أكبر حجماً قليلاً من الأُولى، فاتخذ من حرف القاف ونقطته وشكل الورقة النباتية قاعدة ليرفع فوقها الامتداد القائم، الذي بدأ بزلف يقارب شكل الورقة مكانياً، فأنتج بذلك تضاداً شكلياً بينهما، واتخذ الامتداد مساره القائم بحركة مستقيمة صاعدة الى الأعلى، ثم حركة ملتـفّـة حول استدارة الشكل الزخرفي الذي يعلوه، فحقق خاصيتي التراكب والتقاطع والإيهام بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، ثم أكمل مساره بحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل ليستقـرّ زلفه قريباً من زلف حرف الياء.
تشتغل خاصية التكامل في هذا النوع من التكوين باتجاه ابراز العلاقات الشكلية التي تربط بين عناصره بوصفها مفردات تتفاعل مع بعضها البعض، لتنتج وحدة كلية متكاملة للتكوين ككل لا كأجزاء منفصلة، ولهذا يعتني الفنان بهذه الخاصية عناية فائقة عند تصميمه له لكي لا تظهر اللوحة مفككة الأجزاء، وتفشل في كسب انتباه مشاهدها فيحكم عليها بالفشل، ولهذا اختار الفنان عباس ترصين الشكل الكلي للتكوين بإضافة امتداد قائم يبدأ في جهة اليمين فوق زلف حرف الباء من كلمة (بالله)، وأخرجه مزلفاً ومتقارباً بشكل متعاكس مع زلف الحرف، ليضفي بذلك مظهراً حيوياً على هذا الجزء من الكتلة، ويستمر الامتداد بحركة قائمة وصاعدة الى الأعلى، ثم يلتـفّ بحركة دورانية (حلزونية) مُحدثاً تراكباً وتقاطعاً في أكثر من موضع لينتج ايهاماً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، وانبثقت منه أشكال أوراق نباتية، وينتهي بشكل ورقتين نباتيتين مختلفتين حجماً، حققتا خاصية التراكب والتقاطع والأيهام بالبُـعد الثالث. واعتمد الفنان عباس على التصرّف الفني في شكل حرف الهاء في لفظ الجلالة، فمدّ الجزء القائم منه لينتج شكلاً زخرفياً تكرارياً مقابلاً في الجهة اليسرى من التكوين.
إنَّ التكوين الابتكاري الذي اعتمده الفنان عباس في هذه اللوحة، أتاح له استغلال المساحة بحيث وزّع عناصره بشكل متناسب ومتناسق دون ازدحام أو تشابك عشوائي، ولهذا اختار شكلاً زخرفياً اتخذ من شكل الضفيرة قاعدة يرتفع فوقها، وابتدأ بنقطة ارتكاز على شكل دائرة ينبثق منها فرعان: الأول اتخذ مساره الى جهة اليمين بشكل ملتف وينتهي بشكل ورقة نباتية، ويتراكب ويتقاطع أكثر من مرة مع الأشكال الزخرفية الأُخرى محققاً ايهاماً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، واتخذ الثاني مساره الى جهة اليسار وبالشكل ذاته محقـقاً تكويناً متقابلاً مع الفرع الأول، ومن وسط الدائرة انبثق شكل عمودي مضفور ومُـحوّر عن الأوراق النباتية، واتخذ موقعه في وسط مساحة الكتلة.
في إخراجه الفني لكلمة (يقيني) الثانية اعتمد على خاصية التكرار الشكلي ولكن مع التصرّف في بعض تفصيلاتها لكي لا يكون تكراراً جامداً أقرب ما يكون الى الاستنساخ، ولهذا عمد الى منح الترويسة المُـزلّـفة والامتداد القائم لحرف الياء طولاً أكثر من طوله في الكلمة الأولى، ومنح شكل نقطتي القاف تجاوراً، فحقق تبايناً شكلياً مع نقطتيها في الكلمة الأُولى، وحققه أيضاً في موقع الفرع النباتي الذي رفعه مكانياً ليقع في الفراغ الناتج عن تفريق نقطتي القاف، وأخرج الفرع قصيراً، أمّـا حرف الياء فقد حقق خاصية التضاد الشكلي مع حرف الياء الوارد في الكلمة الأُولى حيث أخرجه بشكل قائم واقع وراء الذراع الثاني للحرف ذاته وينتهي بترويسة مُـزلّـفة، وبهذا يتحقق التنويع الاخراجي الذي قصد منه الفنان عباس منح هذه الكلمة حيوية وحركية لافتة للنظر.
يرتبط البُـعد الجمالي في اللوحة الخطيّـة بمجموعة من الخصائص التكوينية التي تُـعدُّ بمثابة أُسس متداخلة ومترابطة ينتج عنها وحدة كليّـة لهيأة التكوين مثل الضفر والتطابق والتضاد والتناظر، وقد أشرتُ إليها في مواضعها، أمّـا التوازن فهو التوافق بين الخطوط التي تأخذ شكلاً قائماً والخطوط التي تأخذ شكلاً أُفقياً، والكيفية التي يعالج بها الفنان أشكالها من حيث الاتصال والانفصال، وإخراجه الفني للأشكال الزخرفية القائمة والمستديرة، فضلاً عن خاصية التنوع الايقاعي والمتمثل في تكرار عناصر التكوين من حيث الحجم والحركة الاتجاهية بحيث تنشأ بينها علاقات جمالية تثري اللوحة بما تبثّـه من قوة جاذبة لنظر المشاهد، وهذا ما تجسّد في هذه اللوحة.
للألوان قيمة رمزية وتعبيرية عالية تسهم في منح هيأة الكتلة منظراً لافتاً للنظر، وتؤكّد دلالتها إن أحسن الفنان اختيارها، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على اللون الوردي الفاتح بدرجتين لتلوين الجملة والحروف القائمة على التوالي، وأكمل شكل الزخارف باللون البيج، فمنح منظرها ايقاعاً لونياً ممتعاً للنظر، ويبدو أن هذا الاختيار ارتكن الى بعض دلالات هذين اللونين التي تشير الى الشعور بالدفء والراحة والاستقرار، وهو الشعور ذاته الذي يثيره اليقين بالله سبحانه وتعالى، أمّـا خلفية اللوحة فقد اختار لها اللون الأسود الذي تشير بعض دلالاته الى الفخامة والرقي، والناتج دلالياً عن اليقين بالله الذي يرقّـي مشاعر الإنسان، ويسمو بها عن الأُمور الدنيوية التافهة، وهذا بالتالي ما يؤكّـد على أنَّ هذه الاختيارات اللونية كانت قصدية دلالياً.
18/ 9/ 2022م
لوحة (إنَّ الله إذا أنعم)
الحجم: 50/ 70سم
تاريخ الانجاز: 1407ه/ 1986م
يكشف المسح البصري للمظهر العام لهذه اللوحة عن شكلها المستطيل المستـقـّر عمودياً، وتكوينها الذي نشأ عن (4) عناصر بنائية هي:
1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة الأُولى المتمثلة بالنص المخطوط بخط جلي الثلث، والكتلة الرئيسة الثانية المتمثلة بالنص نفسه والمخطوط بخط النسخ.
2/ الكتلة الثانوية أي التشكيلات التزيينية التي تتمثّـل بالحروف الايضاحية والحلية والصرف والضبط.
3/ الزخرفة.
4/ أرضية اللوحة.
إنَّ التكوين وعناصره البنائية يهدف الى إخراج يتجدد مع كل لوحة جديدة، لأنَّ الفنان المتمرّس يتعامل مع الحروف والكلمات والخطوط والمساحات تعاملاً متنوِّعاً بحيث ينتج عملاً يحقق جملة أبعاد، أولها البُـعد التعبيري (الدلالي)، وثانيها البُـعد الجمالي، وثالثها البُـعد الأسلوبي، وعن هذه الأبعاد تصدر طاقة لطيفة يتمتع بها المُشاهد حين يتأمّـل اللوحة بشكل كُـلّـي أولاً قبل أن يتمعّـن بأجزائها وتفصيلاتها.
تعتمد الكتلة الخطيّة على أسلوب الفنان في إنشاء تكوين يُنـظّـم عناصرها التي تتكوّن من كلماتها وحروفها، لينتج تركيباً دقيقاً يتلاءم مع المساحة المتاحة لها، بحيث يميّـزها بالتوازن والانسجام الكلّـي الذي ينشأ عن ثقل الحروف أو خفّـتها والفراغات البينية والمحيطية، وكذلك انسجام هذا التكوين مع دلالة النص حيث يعتني غالبية الفنانين بتحقيق التوافق التام بينهما، ومن هنا نشأت التراكيب بأنواعها المتعددة، ولكنَّ ما يهمّـنا في تحليل هذه اللوحة هو التراكيب الايقونية (التشخيصية أو الصورية) التي تصوّر أشكالاً رمزية لكائنات حيّـة نباتية قد تكون أزهاراً أو ثماراً أو أشجاراً، وقد تكون حيوانية أو آدمية بأوضاع متنوّعة أو أشياء غير حيّـة، والتي ظهرت بسبب امتناع الفنانين المسلمين عن التصوير فأوجدوا بديلاً عنه وهو التراكيب الايقونية، وهي من التراكيب الصعبة التي لا يجيدها أي فنان لأنّـها تحتاج الى خبرة عالية ودقّـة وتمكّـن من تحوير وتكييف أشكال الكلمات والحروف وتوزيعها في مساحة الكتلة الخطيّـة، والاعتناء بالتسلسل القرائي للنص أو تغييره بالكيفية التي تتفق مع الشكل الايقوني المطلوب، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على شكلٍ نباتي مستمد من شكل فاكهة الكمثرى الطبيعية، ولكنَّـه لا يتطابق معه تماماً، فضلاً عن أنّـه شكل معروف لدى الخطاطين قديماً وحديثاً، حيث أنتجوا الكثير من اللوحات الخطية به.
يُـعـدّ النص هو الأساس الذي ينطلق منه الفنان في رحلته لإنجاز لوحة خطيّة، حيث يستوحي من دلالته نوع التكوين الذي سيخرجه به، وفيما يخصّ التكوينات الايقونية فهي ترتبط بهذه الدلالة غالباً فيتحقق التطابق بينهما، ولكنَّ بعض الفنانين لا يشتغل باتجاه تطابقهما بل يكتفي بالشكل الجميل الناتج عن هذا التكوين دون أن يعير دلالة النص اهتماماً، وهذا الأمر لا يقلل من شأنها إن توفرت عوامل نجاحها الأُخرى.
اعتمدت هذه اللوحة على نصّ الحديث النبوي الشريف (إن الله إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن يرى أثرها عليه)، فكلمة (إن) هي أول كلمات النص ولكنَّ الفنان عباس اعتمد على خاصية الخفض المكاني لحرفيها، فخطّ حرف الألف منخفضاً عن حرف النون، ويبدأ شكله بترويسة من الاعلى بعرض القلم وبحركة اتجاهية نحو يمين النص، ثم حركة اتجاهية مستقيمة ونازلة الى الأسفل، ثم ميلان قليل نحو جهة اليسار، وهذا ما منح منظره القائم قوة وصلابة، وأخرج حرف النون بترويسة مثلثة قصيرة، ثم تقويسة تشبه تقويسة حرف الصاد ثم حركة اتجاهية مرتفعة قليلاً، ونهايته أقصر ارتفاعاً من بدايته، وهذا ما أسهم في منحه مسحة حيوية، واتخذت نقطته شكل متوازي المستطيلات، وهو شكلها في خط جلي الثلث، واستخدم خاصية التحريف المكاني ليحـرّفَ موضعها الى جهة اليمين وداخل تقويستها.
إنَّ خاصية الخفض المكاني لحرف النون جعلت منه قاعدة ترتفع فوقها حروف الألف واللام المكررة من كلمة (الله) المرفوعة مكانياً تعظيماً وتقديساً، والتي بدت أشبه ما تكون بتاج النص، واعتمد على تغيير تسلسل حروفها فخطّ حرف الألف بحيث يُـنصّف حرف اللام الثاني من الكلمة نفسها، فأحدث بذلك تراكباً وتقاطعاً مع تقويسة حرف اللام، واستقرت نهايته باتصالها مع تقويسة حرف النون من الداخل، وهذا ما أنتج ايهاماً بالبُـعد الثالث وبالحركة الضمنية الوهمية، وأسهمت ترويسته في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهة العليا، ويلاحظ المتأمّـل خاصية التكرار في شكل هذا الحرف في النص كاملاً، وفي الوقت ذاته تجسّدت خاصية التضاد في طوله الذي اختلف بين كلمة وأُخرى، وكذلك سُمكه.
عالج الفنان عباس حرفي اللام معالجة فنيّـة تمثّـلت بإخراج الأول منهما بترويسة بعرض القلم ولكنها أقصر من ترويسات حرف الألف، أمّـا حرف اللام الثاني فأخرجه بترويسة مثلثة، ويحيل هذا التنويع الاخراجي الى خاصية التضاد التي تحققت أيضاً في امتداد حرف اللام الأول المائل الى اليسار قليلاً في حركته الاتجاهية النازلة الى الأسفل، في حين أنّ حرف اللام الثاني اتخذ تقويسة أقلّ، ومنح حرف الهاء شكله الجميل الذي تميّـز بالانحناء من الأعلى مع ميلان الى جهة اليمين، ثم تقويسة في الأسفل تنتهي متصلة بحرف الهاء الصغير الذي يمثـّل تشكيلة تزيينية من الأسفل فأصبحت قاعدة له، فتحققت بذلك خاصية التأليف.
وفي الوقت ذاته تلفت نظر المتلقي الى حيويتها لأنَّ حرف الألف من كلمة (إذا) نصّفَ تقويستها مُحدثاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، فضلاً عن رفعه مكانياً قياساً الى حرفي الذال والألف الثاني، وعالج حرف الذال فنيّـاً بترويسة قصيرة بعرض القلم، ثم تقعّـر بسيط وحركة اتجاهية قوسية نحو اليمين، ثم امتداد نازل ومائل، ثم تقويسة تنتهي نهاية رفيعة متصلة مع حرف الألف الأخير من الكلمة نفسها ، فتحققت بذلك خاصية التأليف، فضلاً عن الحركة الحيوية الناتجة عن تراكب وتقاطع حرف اللام من كلمة (على) معها في نقطتين، فأحدث بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث وبالحركة الضمنية الوهمية، وأنتج شكلاً مثـلثـاً مع تقويستها من جهة اليمين، أمّـا في جهة اليسار فإنَّ تراكب وتقاطع حرف الألف معها واتصالها به أنتج تقويسة لطيفة، وبذلك تحقق التضاد الشكلي بينهما، والبُـعد الثالث الوهمي، والحركة الضمنية الوهمية، وبالاعتماد على خاصية الخفض المكاني قياساً الى موقع حرف الذال خطَّ الفنان حرف الألف الأخير من كلمة (إذا)، وأفاد من خاصية التكرار في شكله.
إنَّ الفنان عباس كان حريصاً تماماً على الاستغلال الأمثل للمساحة، وعلى توفية هيأة الحروف دون اخلال بها، ولكنَّ التركيب الثقيل صعب القراءة ولا يجيده إلاّ الفنان المتمـرّس، وهذا ما يلاحظه المتأمّـل في هذه اللوحة وفي غيرها من اللوحات التي أنجزها الفنان عباس سواء أكانت بهذا الخط أو بغيره.
في خطّـه لكلمة (أنعم) أستغل خاصيتي الخفض والإبعاد المكاني لحرف الألف لتحقيق الايقاع الشكلي عن طريق تكراره (3) مرات، فأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكمثرى، وأفاد من تراكبه وتقاطعه مع تقويسة حرف العين من كلمة (عبده) للإيهام بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وبالمقابل رفع حرف النون مكانياً، وحقق تكراراً شكلياً من حيث ترويسته مع ترويسة حرف النون في كلمة (إن)، لكنّه تصرّفَ في حجمه ليختزله الى حجم أصغر من حجوم بقية الحروف، ويلاحظ المتأمّـل في هذا التصرّف أنه لم يكن عشوائياً بل كان قصدياً ليتيح مساحة كافية لحرف العين الذي اعتنى به عناية واضحة، حيث أخرجه بشكل العين الآخرية المجموعة رغم أنَّ هذا الحرف يقع في وسط الكلمة، ومنح تقويسته حجماً أكبر قياساً الى حرف النون فشكّل تضاداً معه، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الميم من الكلمة نفسها وتقويسة حرف العين من كلمة (على)، وبذلك أنتج بؤرة لتجمّـع وانطلاق حركة الحروف التي تميزت بمرونتها الى مساراتها المختلفة فأضفى عليها بُـعداً جمالياً، فضلاً عن استخدامه للترتيب المتماثل لتشابه حرفي العين مظهرياً حيث يمتلك هذا الحرف قابلية على الامتداد الدائري الذي يلجأ إليه الفنان ليوجد حالة من التوازن والايقاع، وحقق أيضاً حركة ضمنية وهمية وبُـعداً ثالثاً وهمياً أيضاً، لأنَّ التركيب الثقيل لهذه الحروف كان بثلاثة مستويات، الأول هو حرف العين من كلمة (على)، والثاني الذي يقع خلفه هو تقويسة حرف الميم من كلمة (نعم)، والثالث الذي يقع خلف الثاني هو تقويسة حرف العين من كلمة (أنعم).
إنَّ التلاعب بشكل الحروف والمقاطع يُـعد واحداً من الخيارات المتاحة للفنان مع اشتراط صحة الحروف وتوفيتها شكلاً وبُـعدها التام عن التشويه، وهذا ما اهتمّ به الفنان عباس عند معالجته لحرف الميم في كلمة (أنعم) التي أخرجها مطموسة العين، ومدغمة مع نهاية تقويسة حرف العين، فشكّـلت بالتالي جزءاً من امتداها الدائري أو تقويستها، ومحققة حركة استمرارية متواصلة وترابطاً عضوياً بينهما، وهذا ما يؤكّـده الاختيار القصدي لشكل حرف الميم الرحماني دون غيره من الأشكال المتاحة لحرف الميم في خط جلي الثلث، وينتهي هذا الحرف باتصاله بحرف العين من كلمة (على) من الأسفل ليحقق خاصية التأليف، فأضفى على مشهد الكتلة توازناً وايقاعاً لافتاً للنظر.
وعالج حرف الألف المقصورة من كلمة (على) معتمداً على خاصية الخفض المكاني قياساً الى موقع حرف العين من الكلمة نفسها، وتصرّفَ في مظهرها حيث منح نهاية تقويستها ارتفاعاً مبالغاً به لينتهي متصلاً بحرف الألف من كلمة (أثرها) فحقق خاصية التأليف.
من المعروف لدى الفنانين عند استخدامهم للتراكيب الثقيلة أنَّ الحروف المقوّسة قد يبدو مظهرها مرتخياً أحياناً، فعالجوا هذه الحالة بإضافة أجزاء من بعض الحروف الأُخرى داخلها لتمنحها قوة وحيوية، وهذا ما فعله الفنان عباس قصدياً حين لجأ الى اشغال مساحة التقويسة بالجزء الأسفل من حرف الألف الأخير من كلمة (إذا)، وبجزء من تقويسة حرف العين من كلمة(نعمة) وبالجزء العلوي من حرف الألف من كلمة (أثرها)، وبجزء من التشكيلات التزيينية المتمثلة بالتنوين فبدت وكأنها تحتضنها، وبهذا يكون قد حقق أهدافاً أُخرى فضلاً عمّـا سبقت الإشارة إليه تمثّـلت بتحقيق خاصية التراكب والتقاطع بين هذه الأجزاء وبين حرف الألف المقصورة، وهذا ما أوجد ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وأحدث توازناً وحيوية لافتة للنظر.
في تعامله مع حرف العين الصادي من كلمة (عبده)، رفع حرف الألف من كلمة (أحب) بحيث تتراكب وتتقاطع مع تقويستها فحققت ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، أمّـا حرف الباء فقد تصرّف في شكله حسب خاصية التنصيل أو الاستطالة فمدّه بحيث اتخذ حركة اتجاهية نحو جهة اليسار، فأصبح بذلك قاعدة ترتفع عليها تقويسة حرفي العين والميم من كلمة (أنعم)، وجزء من تقويسة حرف العين من كلمة (على)، وتراكب وتقاطع حرف الالف من كلمة (أثرها) معها فمنح منظر تقويستها الخفيفة قوة، وحقق ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن تحقيقه لإيقاع متوازن ناتج عن التناسق اللافت للنظر، ومنح هذا الجزء من اللوحة حيوية تمتع بها شكل حرف الدال أيضاً، والذي تراكب وتقاطع الجزء الأول منه مع تقويسة حرفي الميم والعين، وقد سبقت الإشارة إليهما، أمّـا الجزء الثاني منه فقد تراكب وتقاطع معه حرف اللام من كلمة (عليه)، واستقـرّت تقويسة حرف النون على تقويسته محدثةً ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، كما أنّ تعدد الحركات الاتجاهية لكل منهما منحهما مظهراً حيوياً ومتناسقاً.
إنَّ التلاعب بحجم الحروف والمقاطع لا بُـدَّ أن يكون مدروساً بدقة وعناية، وله مبرراته الفنية لكي لا يختل توازن الكتلة، فتفقد مظهرها الجميل والمتناسق، وتثير الشعور بعدم سيطرة الفنان وقلّـة خبرته في تنفيذ هذا التلاعب، ولكنَّ المتأمّـل في تصرّف الفنان عباس مع حروف كلمة (نعمة) سيشعره بالقدرة والخبرة التي تعامل بها معها، ويتجلّى هذا في تصغير حرف النون وخفضه مكانياً، ليصبح قاعدة يرتفع فوقها جزء من الامتداد الأُفـقـي المائل لحرف العين من الكلمة نفسها، كما يتجلّـى أيضاً في تحقيق خاصية التضاد الحجمي بينهما، فضلاً عن خطِّ حرف الميم بخفضه مكانياً لينتج زاوية تحتضن حرف النون من جهة اليسار.
تثير حركة الحروف ومواقعها انتباه المتأمّـل، ففي نقطة التقاء حرفي الميم والتاء من كلمة (نعمة) تراكب وتقاطع الامتداد القائم لحرف الالف من كلمة (أثرها)، فأوجد ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، كما حقق خاصية التضاد بين شكله القائم وتقويستي حرف التاء، فضلاً عن تحقق خاصية التوازن بتوضيع نقطتيها فوقها، وبهيأة متوازي المستطيلات المتكرر المتعامد، وهنا أوجد الفنان عباس تضاداً مع شكل نقطتي حرف الياء من كلمة (عليه)، حيث خطّـهما بهيأة متوازي المستطيلات المتكرر الأُفـقـي.
في تعامله الفني مع كلمة (أحب) أخرج حرف الألف برفعه مكانياً قياساً الى حرفي الحاء والباء، واعتمد على خاصيتي التركيب والتقاطع مع امتداد حرف الحاء الأُفـقي في جهة يمين الكتلة المبالغ في طوله، لينتج ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، أمّـا حرف الباء فقد اعتمد في خطّـه على خاصية التنصيل، فبالغ في استطالته بحيث أصبح قاعدة لما يرتفع فوقه من كلمات الحديث الشريف، فضلاً عن خاصيتي التراكب والتقاطع معه التي حققت ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية ايهامية تمثّـلت بحرف الألف من كلمة (أثرها)، ورأس حرف العين واللام من كلمة (عليه)، وحرفي الالف والنون من كلمة (أن)، لينتهي هذا الحرف نهاية رفيعة ودقيقة ومتصلة بنهاية تقويسة حرف النون محققاً خاصية التأليف، وهي الخاصية التي حققها أيضاً من خلال اتصال نقطته بنهاية حرف الراء الرحماني من كلمة (أثرها)، الذي عالجه بتحوير مكانه الى جهة اليمين تخلصاً من تزاحم الحروف في مساحة وسط حرف الباء من الأسفل.
تطاوع الحروف العربية يد الفنان الخبيرة في تشكيلها من حيث الهيأة أو الشكل، ولهذا نجده يتلاعب بأحجامها ومواقعها مع عنايته بتوفيتها، ليضفي عليها بُـعداً جمالياً يتمثّـل باستغلاله الأمثل للمساحة المتاحة لهذه الحروف، فكلمة (أن) بالغ الفنان عباس في طول حرف الألف منها ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع في (3) مواضع، تمثلت بحرف الباء من كلمة (أحب)، ونصّـفَ تقويسة حرف الياء من كلمة (عليه)، كما نصّفَ امتداد حرف الهاء من كلمة (أثرها) محدثاً ايقاعاً جميلاً وايهاماً بالبُـعد الثالث وحركة ضمنية وهمية، أمّـا حرف النون فأخرجه بالاعتماد على خاصية التكرار الشكلي والحجمي مع الحرف ذاته في كلمة (ان) الواردة في بداية الحديث الشريف، وتلاعب بحجم حرف الياء في كلمة (يرى) حيث أخرجه صغير الحجم قياساً الى حجم حرفي الراء والألف المقصورة، كما تلاعب أيضاً بموقعه وذلك برفعه مكانياً لتقارب حرف الحاء من كلمة (احب).
يلاحظ المُتأمّـل إفادة الفنان عباس من خاصية التضاد الشكلي والحجمي، التي تضفي على الكتلة الخطية صفة التنوّع الحيوي عند خطّـه لنقاط حرف الياء من كلمة (يرى) التي أخرجها بشكل دائري متعامد، وأصغر من نقاط الحروف الأُخرى، وأصغر أيضاً من نقطة حرف النون من كلمة (نعمة) والتي كانت دائرية الشكل أيضاً.
من خيارات متعددة لأشكال حرف الراء في خط الثلث الجلي اختار الفنان شكل حرف الراء المرسل في كلمة (يرى)، الذي أخرجه بحيث ينتهي نهاية رفيعة ودقيقة ومتصلة بحرف الألف المقصورة من الداخل، فحقق بذلك خاصية التأليف، وعالج حرف الألف المقصورة المجموعة بمنحها حجماً أكبر قياساً الى حجم حرفي الياء والراء منها، واعتمد على خاصية الخفض المكاني عند خطّـه لتقويستها محققاً خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الراء، فأصبحت أمامه ووقع هو خلفها، فتحقق بذلك الأيهام بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التأليف التي تمثّـلت باتصال نهايته الرفيعة والدقيقة بنقطة من نقاط حرف الثاء في كلمة (أثرها).
في إخراجه الفني لكلمة (أثرها) أفاد الفنان عباس من خاصية التحوير المكاني لحرف الألف، فعالجه بتأخيره مكانياً وكان حقه أن يكون أول حرف فيها فيتقدم على بقية حروفها، فأنتج بذلك تراكباً وتقاطعاً مع حرف الراء من الكلمة نفسها، محققاً ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، واعتمد على خاصية المدّ، فبالغ في طوله القائم قياساً الى طول حرف الألف في الكلمات الأُخرى في هذه الكتلة، فأنتج تراكباً وتقاطعاً مع حرف الميم من كلمة (أنعم)، وحرف الباء من كلمة (عبده) ليحقق بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية أيضاً.
تؤدّي خاصية المرونة التي تمتاز بها الخطوط العربية دوراً فعّـالاً في اشتغال الفنان باتجاه الاختزال الشكلي للحرف، أي أنّـه يعيد صياغته شكلياً مع عنايته بإخراجه دون خلل أو تشويه يربك المُشاهد، وهذا ما فعله الفنان عباس حين اختزل حرفي الثاء والراء الرحمانية من كلمة (أثرها)، فمنح منظرهما حيوية ونشاطاً وبُـعداً جمالياً من خلال حركات التقوّس والانحناء التي ميّـزتهما شكلاً، فضلاً عن خاصيتي التراكب والتقاطع التي تمثّـلت في (4) مواضع، الأول منها في حرف الالف المقصورة مع حرف الثاء، والثاني في حرف الألف من الكلمة نفسها كما أشرتُ سابقاً، والثالث في حرف الراء مع تقويسة حرف العين من كلمة (عليه) في موضعين، فأحدث بذلك ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وتحققت خاصية الـتأليف في اتصال نهاية حرف الراء الرحمانية مع نقطة حرف الباء من كلمة (أحب).
يميل الفنان أحياناً الى التنويع الشكلي للحروف فيشتغل باتجاه إخراج الحرف المتصل منفصلاً، منطلقاً من فكرة تحقيق وتعزيز البُـعد الجمالي من جهة، وإضفاء حركية عليه من جهة مقابلة، وتلعب قدرة الفنان وتمكّـنه الخطي دوراً كبيراً في إنجاز هذا التنويع باسلوب لا يشوّه شكل الحرف، ولا يجعل قراءته صعبة على المشاهد، وهذا ما فعله الفنان عباس حين اختار شكل حرف الهاء من كلمة (أثرها) لخطّـه بشكله المتصل، وكان حقه أن يخطّـه بشكله المنفصل، فضلاً عن أنَّ خطّـه بالشكل المعروف لدى الخطاطين بـ (أُذن الفرس) حقق تضاداً مع شكل الحرف نفسه في كلمة (عبده)، كما أنَّ خاصيتي التراكب والتقاطع مع تقويسة حرف العين ومع امتدادها أيضاً من كلمة (عليه) حققت ايهاماً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية في الحالتين.
يلجأ الفنان الى خاصية تنصيل بعض الأحرف - كما أشرتُ سابقاً – لتحقيق غاية جمالية ولإشغال المساحة، ومنح تكوين الكتلة تماسكاً وقـوّة، وهذا ما قصده الفنان عباس في استخدامه لها في حرف الهاء من كلمة (أثرها)، وكذلك في تنصيله لحرف الألف الذي بالغ في طوله القائم ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع في عدّة مواضع، فالأول منها تحقق مع تقويسة حرف الهاء من كلمة (عليه)، والثاني في حرف النون من كلمة (أن)، والثالث في حرف الباء من كلمة (أحب)، والرابع في حرف الميم من كلمة (نعمة)، والخامس في حرف الألف المقصورة من كلمة (على)، فأوجد بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ومنح الكتلة حيوية لافتة للنظر.
في إخراجه لكلمة (عليه) عمد الى خاصية الرفع المكاني، فرفعها فوق كلمة (أثرها) فأصبحت قاعدة لها، وابتدأ بحرف العين الذي عالجه فنياً بالأسلوب نفسه الذي عالجه به في كلمتي (أنعم، نعمة)، فحقق بذلك تكراراً ايقاعياً، كما حقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع حروف العين والراء والهاء كما أشرتُ سابقاً، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، وخطَّ حرف اللام بترويسة مثلثة لينتج خاصية التكرار الايقاعي مع الحرف نفسه في كلمة (على)، وبالغ قليلاً في طوله القائم ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع التي أشرتُ إليها سابقاً، أمّـا حرف الياء فأخرجه بتقويسة صغيرة لكنَّه اعتمد على الإبعاد المكاني لنقطتيه، حيث حرفهما الى جهة اليمين لانشغال مكانهما الأصلي بحرف الألف من كلمة (أن)، وأخرج حرف الهاء بالأسلوب ذاته الذي أخرج به حرف التاء من كلمة (نعمة) فأوجد بذلك تكراراً ايقاعياً.
يتخذ الفنانون من التشكيلات التزيينية وسيلة لتحقيق جملة من الأهداف التي تتمثّـل في إثراء النص جمالياً وايقاعياً، وإشغال الفراغات البينية والمحيطية، فينتج عنها تماسكاً وانسجاماً في مظهر الكتلة، وتعزيزاً للحركات الاتجاهية للكلمات فتمنحها حيوية وتوازناً، وكذلك تحقيق خاصية التضاد الناتج عن ثقل الحروف بسبب أشكالها وأحجامها وخصائصها مقابل خفّـة هذه التشكيلات، التي يستخدم الفنانون فيها قلماً أقلّ سُمكاً من القلم الذي يخطّـون به النص ويسمى قلم الحركات، فضلاً عن اسهامها الكبير مع الحروف في تحقيق الإغــلاق الشكلي الوهمي للأيقونة، لأنَّها بدون حد خارجي أو إطار يحدد شكلها.
وتنقسم هذه التشكيلات على قسمين، هما:
أ/ الحروف الايضاحية: حروف صغيرة حجماً يخطّـها الفنان في الفراغات البينية والمحيطية، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على خط حروف الهاء والألف والميم والعين والألف المقصورة، وتجلّـت عنايته بها في خط حرف الهاء الايضاحي بشكل الهاء الابتدائية التي ترتكز على حرف الهاء، وهو آخر حرف من لفظ الجلالة فأصبح قاعدة له، وحرف العين الايضاحي الذي شغل به فراغ تقويسة حرفي العين والميم من كلمة (انعم)، وكذلك حرف الميم الايضاحي الذي شغل به الفراغ الناتج عن تقويسة حرف العين في كلمة (على)، وحرف الميم الايضاحي الذي شغل به جزءاً من فراغ تقويسة حرف النون في كلمة (ان)، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الباء المنصل في كلمة (أحب)، لينتج ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وحرف الحاء الايضاحي الذي شغل به الفراغ الناتج عن تقارب حرفي الراء والألف المقصورة.
ب/ الحلية: وتتمثّـل بالحركات الإعرابية، والشدّة، وشكل رقم سبعة، وعلامة الفاصلة، وقد استخدمها الفنان عباس جميعاً ووزعها توزيعاً متوازناً حقق من خلاله أهداف وجودها التي أشرتُ إليها سابقاً.
إنَّ صعوبة قراءة خط الثلث الجلي من قِبل غير المتمـرّس به كان دافعاً للفنان عباس لإعادة خطّ الحديث الشريف بخط النسخ، لأنّـه من الخطوط الواضحة والسهلة القراءة والتواصل والتفاعل، فضلاً عن امتيازه برصانة شكله وبساطته، وأخرجه على شكل قوس يحيط بالنص من الأسفل، فبدا وكأنّـه قاعدة يرتفع عليها، ويلاحظ المتأمّـل أنَّ الفنان عباس خطّـه بقلم أقلّ سمكاً من القلم الذي خطَّ به الحديث الشريف، ومن قلم الحركات للتمييز بينهما وللتنويع الشكليّ أيضاً، وأخرج حروفه حسب قواعد وأُصول خط النسخ الذي يعتمد على التتابع التسلسلي القرائي، ولكنّـه أفاد من خاصية الخفض المكاني لحرف الألف المقصورة من كلمة (على) لتصبح قاعدة يرتفع عليها حرف العين من كلمة (عبد)، وأفاد من خاصية الرفع المكاني لحرف الياء من كلمة (يرى) بحيث أصبح حرف النون من كلمة (أن) قاعدة له، فضلاً عن افادته من خاصية تنصيل حروف العين في كلمة (أنعم)، والباء في كلمة (أحب)، والياء في كلمة (عليه)، واللام في كلمة (رسول) فأضفى على شكل النص حيوية وحركية لافتة.
ويلاحظ المتأمّـل في هذه الكتلة أنَّ الفنان عباس استخدم الصرف والضبط فقط بوصفهما تشكيلات تزيينية، فالصرف هو وضع الحركات على حروف الكلمة عدا الحرف الأخير، أمّـا الضبط فهو وضع الحركات الإعرابية على الحرف الأخير من الكلمة، ولم يستخدم الحروف الايضاحية ولا الحلية بسبب وضوح النص وبساطته، وخلوه من التعقيد الشكلي الناتج عن التركيب الثقيل لخط جلي الثلث.
إنَّ الخط بالحبر الأسود على خلفية بيضاء يُـمثّـل أقصى درجات التضاد اللوني بينهما، ويعمل على ابراز الكتلة الخطيّـة، ويشدُّ انتباه المُشاهد، ولهذا استخدمه الفنان عباس في هذه اللوحة، كما أسهم المحيط الكفافي بدوره في ابراز جمالية التكوين لخلوّه من التشكيلات التزيينية، وشكّـل منطقة استراحة لعين المُشاهد، لينتقل بعدها الى الزخرفة المحيطة بالكتلة الخطيّـة.
تعتمد الكتلة الثانوية على الزخرفة شكلاً، ويكمن دورها في تعزيز جمالية اللوحة وروحانيتها لأنّـها مستمدة من العناصر النباتية الطبيعية، كما تعزز وحدتها الكليّـة وترصّنها، ولكنَّ الزخرفة لا تكون عشوائية بل تنفّـذ من خلال مجموعة من الخصائص التكوينية التي تمنح شكلها الفنيّ كمالاً يلفت النظر إليها.
وفي هذه اللوحة اختار الفنان عباس زخرفة عربية محيطة بالكتلة الخطيّـة من جميع جوانبها ومطعمة بزخرفة هندية تمثّـلت بالأغصان الملتفّة والمتشعبة والأوراق المشققة والورود، ويلاحظ المتأمّـل فيها أنّ تنظيمها اعتمد على خاصية تكرار الوحدة الزخرفية، وكذلك خاصية التناظر الكُـليّ في الاتجاهين الأيمن والأيسر المتقابلين بحيث ينطبق نصفها الأيمن على نصفها الأيسر تماماً، وهي خاصية يمكنها الكشف عن مهارة الفنان عباس ودقّـته وحسن توزيعه لعناصر الزخرفة التي لا تتأتى لكل فنان لكونها صعبة الأداء، وتتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً.
وتكمن خاصية التضاد الزخرفي في عدم تشابه زخرفة القسم العلوي مع زخرفة القسم السفلي من اللوحة، فضلاً عن تميّـزها بخاصية التشابك حيث تلتف الأغصان وتتداخل بشكل وحجم متناسب مع بعضها البعض، فأدى ذلك الى تحقيق خاصية التوازن التي نتجت عن حسن توزيع عناصر الزخرفة على المساحة المتاحة لها، فمنح منظرها استقراراً لافتاً للنظر، وباعثاً على البهجة والراحة النفسية.
إنَّ الألوان بوصفها عنصراً تكوينياً من عناصر اللوحة تُسهم في ادراك الأشكال، وتكشف عن رؤية الفنان للأشياء وإحساسه بها، واسلوبه في اختيارها وتوزيعها بحيث تخدم الرسالة التي يريد توصيلها الى المشاهد، فتجذبه إليها لتحقق التواصل الفـعّـال بينهما، وتسهم أيضاً في الكشف عن القيمة الروحية والجمالية للوحة لأنّـها ستبثُّ طاقتها الايجابية على العناصر الملوّنة بها، فتثير متعة المُشاهد الجمالية، وهذا ما يتطلّـب من الفنان ادراكاً عميقاً لخصائصها الدلالية التي ستترك آثارها البصرية والنفسية في ذاكرة المشاهد، ولهذا اختار الفنان عباس ألوان البيج (الأصفر الرملي)، والابيض لتلوين الزخرفة، أمّـا خلفيتها فلوّنها بالأزرق الحبري، والبيج رمز للرمل الذي ترتبط به حياة النباتات، والأبيض رمز للنور الطبيعي الذي لا تحيا النباتات بدونه ومنها فاكهة الكمثرى، والأزرق رمز للسماء، وكلها نِعم أنعمها الله تعالى على الإنسان، وتتفق الألوان الثلاثة في بعض دلالاتها الايجابية على السلام والهدوء والاستقرار، فيكون تأثيرها ايجابياً على نفس مُشاهدها وتفكيره.
31/8/2022م
لوحة الإجازة الخطية
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الإنجاز: 1408ه / 1987م
إنَّ الخط العربي فن من الفنون الإسلامية التي ارتبطت بالهوية الإسلامية، فأصبحت رصيداً ثقافياً له بُـعـده الروحي والفكري والفني الذي تجـلّى من خلال تجويد الفنانين له، واستحداث خطوط جديدة، فتغيّـر دوره الوظيفي الذي اقتصر بدايةً على التدوين اليومي للمعاملات والمراسلات والتوثيق، ليصبح غاية روحانية وجمالية، وذلك لاستخدامه في كتابة الآيات القرآنية الكريمة، فأضفى هذا الاستخدام على الخط قدسية عظيمة استمدت وجودها من قدسية هذه الآيات، فاعتنى الفنانون بتجويد الخطوط العربية وضبطها حسب القواعد والأُصول، وامتلك بذلك جمال التكوين وعـظمة الدلالة.
تُـعـدُّ كتابة الخط العربي بأنواعه موهبة روحانية إلهية لا يملكها أيّ شخص، بل يملكها مَـن أجاد عليه الله سبحانه وتعالى بالعلم والصبر والإبداع، وهذا ما وجدته في شخصية الفنان عباس من خلال رحلتي هذه مع تجربته التشكيلية الخطية، فلوحته التي نال بها الإجازة الخطية من الخطاط الكبير الأُستاذ يوسف ذنون (رحمه الله) عام 1987م استغرقت (3) أشهر من العمل المتواصل والتدريب اليومي الذي لا يقـلّ عن (10) ساعات - كما أخبرني- أنجز خلالها ما يقارب الـ (60) مسوّدة قبل تنفيذها بشكلها النهائي وتقديمها للأُستاذ يوسف ذنون (رحمه الله)، واعتمد على خامة من ورق الآرت الخاص باللوحات الخطيّـة، وهو ورق كارتوني صقيل تصعب الكتابة عليه لأنّـه يتطلب دقة متناهية ومهارة عالية.
من أكثر الأشكال الهندسية شيوعاً استعمالياً في واقعنا العياني وفي اللوحات التشكيلية – ومنها الخطيّـة - هو شكل المستطيل القائم، ويرمز دلالياً الى الاستقرار والثبات والتناظر والترتيب والرصانة، ولهذا السبب اختاره الفنان عباس شكلاً للوحته هذه التي نشأ تكوينها العام على العناصر التالية:
1/ الكتل الرئيسة (الخطيّـة).
2/ الكتل الثانوية المتمثلة بالتشكيلات التزيينية.
3/ الزخرفة.
4/ الأرضية والإطار.
أول شكل من أشكال الكتل الخطيّـة في هذه اللوحة هو الشريط الكتابي والزخرفي الذي خطَّ فيه جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) بخط المحقق وهو خط مصحفي، ويُـعـدُّ من أصعب الخطوط العربية، ومشتق في الأصل من خط الثلث إلا انّـه أكثر دقّـة ورقّـة منه، وحروفه مرسلة وقليلة التقويسات، وبما أنَّ البسملة هي فاتحة السور القرآنية الكريمة من جهة، ولها قيمتها العظيمة في حياة المسلمين اليومية من جهة مقابلة، فإنَّ عناية الفنان عباس بتجويدها يتبدّى في مجموعة من الأُمور التي أسهمت في إخراجها بالشكل الذي نراه، وأول هذه الأُمور أنّه اختار خطّـها على شكل شريط، أي تسطير الكلمات بشكل تتابعي أُفـقـي، ويلاحظ المشاهد هنا أنَّه خطَّ بداية حرف الباء في كلمة (بسم) بحركة اتجاهية صاعدة قليلاً الى الأعلى، تليه أسنان قصيرة لحرف السين ثمَّ تنصيل أُفـقـي مبسوط، وبذلك أوجد تضاداً بينهما، مع عناية واضحة برسم حرف الميم الذي أخرجه بحيث تكون نهايته المرسلة مائلة نحو الأسفل ودقيقة الشكل، وبهذا أصبح حرف الميم قاعدة لخط حروف الألف واللام المتكرر من لفظ الجلالة (الله).
من ميّـزات شكل حرف الألف المفرد والمتصل في خط المحقـق أنّـه يكون عمودياً وأطول من باقي الحروف، وبارتفاع واحد في الكتلة ذاتها، وهذا ما حققه الفنان عباس في خطه لحرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في لفظ الجلالة حيث منحه طولاً مبالغاً فيه، ليحقق خاصية التكرار الشكلي مع الحرف نفسه، ومن الجزء القائم من حرف اللام في كلمتي (الرحمن الرحيم)، وأخرج كلمة (الرحمن) بحيث تستقر زاوية حرف الحاء على الجزء القائم من حرف اللام، فحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع امتداده القائم، فمنح مشهد الكلمة جمالاً ناتجاً عن اتصال حرف الحاء الأُفـقـي بحرف اللام العمودي، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وأصبح مع حرف الراء المرسل مساحة استقرار لحروف الحاء والميم وجزء من حرف النون، واعتماداً على خاصية التكرار الشكلي الايقاعي خطَّ حرف الحاء في كلمة (الرحيم) بتكرار شكله في كلمة (الرحمن)، وجعل حرفي اللام والراء قاعدة تستقر عليها حروف الحاء والياء وجزء من حرف الميم، وهذا ما أكسب مظهرها تناسقاً وتوازناً جميلاً، فضلاً عن الايقاع المتوازن اللافت للنظر، والذي تمثّـل بتكرار شكل حرف الألف وتسطيره بارتفاع واحد.
أوجدت خاصية التنصيل الأُفـقـي لحرف السين مساحة فراغية كان لا بُـدَّ للفنان من إشغالها لتحقيق خاصية التوازن، ولهذا اختار زخرفة نباتية تزيينية تمتد بشكل أُفـقـي وتتوازى مع امتداد حرف السين التي أصبحت بمثابة قاعدة لها، فحقـق بذلك توازناً للقوى المتضادة معها، والتي تمـثّـلت بالكلمات (الله الرحمن الرحيم)، واختار اشغال الفراغ الناتج عن انتهاء جملة (بسم الله الرحمن الرحيم) بشكل تزييني يتمثّـل بزخرفة اسلامية نباتية (توريق) مستمدة من الطبيعة الواقعية، لكنّـه اعتمد فيها على صفتي التبسيط والتحوير، فرسمَ وردة دائرية صغيرة مع غصن صغير وأوراق، فضلاً عن الشكيلات التزيينية التي فرشها في الفراغات المحيطة بجملة البسملة، والتي تمثّـلت بالحروف الايضاحية الصغيرة، والحلية المتجسدة في الحركات الإعرابية مثل الضمة والفتحة والكسرة والسكون، والمدّة، وكذلك الزخرفة النباتية الصغيرة، وبهذا منح هذا الجزء من اللوحة تناسقاً جميلاً وتوازناً بين القوى المتضادة، وتكراراً لافتاً، فضلاً عن تحقيقه تضاداً أيضاً من خلال اختياره للشكل المستطيل الزخرفي الممتد أُفـقـياً لخط الجملة مع شكل المستطيل القائم للوحة.
تؤدي المنظومة اللونية التي يفرشها الفنان في لوحته دلالات عـدّة، ولهذا نجد الفنان يتأنّـى في اختياراته هذه معتمداً على خبرته اللونية التي ستشتغل باتجاه التكامل مع خبرته ومهارته الخطيّـة، وبما أنَّ اللون الأسود يدلّ في بعض دلالته الايجابية على الفخامة والوقار، فكان بذلك هو اللون المفـضّل للحبر الذي خطَّ به الفنانون آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والأقوال المأثورة، وهذا ما دفع الفنان عباس لاستخدام هذا اللون في خط الكلمات، لكنّـه اختار تلوين التشكيلات التزيينية والزخارف النباتية في هذا الشريط الكتابي باللون الزيتوني المتدرِّج أي اللون الأصفر المائل الى اللون الأخضر والناتج عن مزجهما معاً بنسبة متفاوتة، وهو لون يتناغم مع لوني السماء والأرض، ويؤكِـد الترابط الصميمي الدلالي بينهما وبين اللون الأصفر الفاتح جداً لخلفية الكتابة، فأسهم بإبرازها وشدِّ بصر المشاهد إليها.
واختار شكل نصب الجندي المجهول الموجود في بغداد شكلاً تكوينياً تجريدياً، ليتخذ من المساحة الواقعة تحت الشريط الكتابي لجملة (بسم الله الرحمن الرحيم) موقعاً له، ورسمه بمنظورين، الأول أمامي مباشر كتب فيه دعاء الرسول (صلّـى الله عليه وسلَّم)، والثاني منظور جانبي للأقواس، وهذا تحريف جميل عن أصل شكل النصب، وتنويع إخراجي أكسبه حيوية لافتة.
ويلاحظ المشاهد أنّ هذه شكل هذه الكتلة شغلَ مساحة أكبر من مساحات الكتل الأُخرى لأنّه مركز سيادة اللوحة، ونقطة جذب نظر المشاهد لها، فضلاً عن دلالاته التي سنتوقـف عندها لاحقاً، واختار تقسيم هذ الكتلة على (4) كتل، الأُولى هي الكتلة التي خَـطَّ فيها الآيات القرآنية الكريمة من سورة الشرح (ورفعنا لك ذكرك [4] فإنًّ مع العسر يسرا [5] إنَّ مع العسر يسرا [6]) ومنحها شكلاً قوسياً هندسياً، فأصبحت قاعدة تنهض عليها الكتل الأُخرى.
يكشف التأمّل في هذه الآيات الكريمة عن وعي الفنان عباس بدلالاتها، فاختياره لها لم يكن اعتباطياً بل كان مدروساً بعناية، حيث أفاد منها في التدليل على أنَّ رسالة الخط العربي رسالة مقدّسة، وأمانة يحملها الخطاط وينقلها عبر التعليم من جيل الى جيل، والإجازة من الخطاط الأُستاذ هي التي ستمنح طالبها فرصة هذا النقل والتعليم، فيعلو بذلك شأنه علواً كبيراً رغم العسر والصعوبة والمسؤولية التي يشعر بها طالب الإجازة في التمكّـن والتجويد والبراعة الخطيّة ليحوزها، لكنَّ الله سبحانه وتعالى سيفتح له باب التيسير لإتمامها.
إنَّ التنوّع المتمثّـل في خط أكثر من نوع من أنواع الخطوط العربية في اللوحة يمنحها ثراءً وقوة، ويدلل في الوقت ذاته على امكانية الفنان الخطيّـة، وفي لوحة الإجازة هذه كان لا بُـدَّ للفنان عباس من الالتزام بهذا الأمر، ولهذا عمد الى خط جلي الثلث لإخراج هذه الكتلة، ويلاحظ المشاهد أنَّ التركيب الثقيل (المُـكـثّـف) هو أول خاصية يتميز بها الخط هنا سواءً أكان هذا التركيب على مستوى تداخل الحروف، أم على مستوى الرفع المكاني للكلمات فوق بعضها، واستغلال المساحة المتاحة للخط بالشكل الأمثل الذي يمنحها خاصية الانسجام، فـفي كلمة (ورفعنا) يتجلّـى التركيب الثقيل في جعل الامتداد النازل لحرف الواو قاعدة لخط حرف الراء ثُـمَّ حرف الفاء، ويلاحظ المشاهد التعامل الفني الذي تعامل به مع حرف الراء المرسل الذي منحه انسيابية ورشاقة لطيفة.
أمّـا حرف العين فـقـد منحه مظهراً مختلفاً بأن خطَّـه ملفوفاً التفافاً جميلاً، وبدا تناسقه واضحاً من خلال الايقاع أو الترديد المتوازن الذي يمكن ملاحظته في شكله، وفي توافق التفافه مع الشكل القوسي للكتلة رغم أنَّه ليس الحرف الأخير في الكلمة، وكذلك فعل مع الحرف نفسه في كلمة (العسر)، ويبدو أنَّه كان قاصداً هذه المعالجة الفنية لحرف العين لكي يمنحه تكراراً متناسباً مع شكل حرف العين الآخرية في كلمة (مع)، وشكّلت جميعها تبايناً مع طريقة خط الحرف نفسه في كلمة (العسر)، والتكرار خاصية تسهم في دفع الملل عن عين المشاهد، وتؤكد مرونة الحروف العربية عند خطّـها بأشكال متعددة حسب اختيارات الخطاط التي تسمح بها نوعية الخط.
يكشف اختيار الفنان عباس لمواقع خطِّ حرف العين بهذا الشكل عن فكرته في تظهير شكل الكتلة، بحيث أننا لو حاولنا رسم خط من أعلى نقطة في أول ورود له في كلمة (ورفعنا)، وتوقـفـنا عند أعلى نقطة في آخر ورود له في كلمة (مع) لكان هذا الخط على شكل قوس، وكذلك الجزء الأسفل من هذا الحرف، فحقق بذلك الاشتغال تناسباً جميلاً، فضلاً عن الايقاع الناتج عن الشكل القوسي.
نظـرَ الفنانون العرب الى اللوحة الفنية الخطية نظرتهم الى البناء الهندسي الذي يعتمد على أعمدة البناء الرأسية، ويقابلها في الخط العربي حرف الألف والأجزاء القائمة من الحروف الأُخرى، كما يعتمد أيضاً على الامتدادات الأُفـقـية التي تكون قاعدة ومرتكزاً للبناء، ويقابلها في الخط العربي الحروف ذات الامتدادات الأُفـقـية أيضاً، فتكتسب اللوحة صفات التوازن والاستقرار والقـوّة والجمال وهي صفات البناء الهندسي أيضاً، وفي لوحة الإجازة هذه سيلاحظ المُشاهد عناية الفنان عباس بخط حرف الألف والأجزاء القائمة من الحروف الأُخرى بترويسٍ منح شكله قوة وتعريضاً، فبدا وكأنّـه يشدّ بناء الكتلة، فضلاً عن اتخاذه مرتكزاً لبعض الحروف مثل الذال والكاف في كلمة (ذكرك)، وشكلاً متراكباً ومتقاطعاً مع حرف السين في كلمة (يسرا)، ومرتكزاً على حرف العين في كلمة (مع)، وكذلك ارتكازه وتقاطعه مع حرف الراء في كلمة (يسرا). إنَّ هذه المعالجات الفنية المتقنة منحت هذه الكتلة توازناً وتناسقاً حقق بُـعـدها الجمالي بشكلٍ لافت، فضلاً عن أنَّ تراكبها وتقاطعها أنتج ايهاماً بالبُـعد الثالث وبالحركة الضمنية الوهمية أيضاً.
وتجـلّى التركيب الثقيل أيضاً في كلمة (ذكرك) حيث خطَّ الفنان عباس حرف الذال بشكل متقاطع مع امتداد الجزء القائم من حرف الكاف في كلمة (لك)، فظهرت وكأنّها متصلة بها رغم أنَّها تُـخط في هذه الكلمة منفصلة، فحقق بذلك خاصية التأليف، وهي جمع كل حرف غير متصل الى غيره من جهة، وتبايناً في شكلها عن الأصل من جهة ثانية، واشتغل باتجاه التخفيف من استقامة وصرامة حرف الألف، لأنَّ شكل حرف الذال أوجد تزوية جميلة تجانست مع رسم حرف الكاف من جهة ثالثة، وأسهم التباين بين حجمي الحرفين في منح تقابلهما جمالية لطيفة تجـلّت أيضاً في اختيار الفنان عباس لحرف الكاف في كلمة (لك) قاعدة تستقر عليها حروف الذال والكاف الأُولى والثانية المرفوعة مكانياً.
إنَّ خاصيتي التراكب التقاطع بين حروف وكلمات خط جلي الثلث يجعلها صعبة القراءة، ولكنّ التأمّـل الواعي والدقيق فيها يجعل القراءة عملية ممتعةً بصرياً وروحياً حيث ينشغل البصر بمتابعة انفراش الحروف على الأرضية محاولاً فكَّ تشابكاتها، ومتابعة يد الفنان وهي تخطّـها باحترافية عالية، فحرف النون هنا سيجده مخطوطاً بامتداد أُفـقـي مبسوط بدلاً من التقـعّـر، فأصبح بذلك قاعدة لاستقرار كلمة (مع) وبعض حروف كلمة (العسر)، وشكّلَ بامتداده هذا تقاطعات جميلة مع حروف العين والألف واللام والعين، أنتجت ايهاماً بالبُـعد الثالث من جهة، وحركة ضمنية ايهامية من جهة مقابلة، أمّـا حرف الياء في كلمة (يسرا) فقد منح بدايته شكلاً رأسياً صاعداً توافق تماماً مع الشكل الرأسي الصاعد لحرف الألف، ولكنه تباين معه في الطول، وهذا ما منحه حيوية ومسحة جمالية.
يفترض الانفتاح الشكلي أي بداية خط الحروف والكلمات في كتلة محددة عناية الفنان بإغلاقها لكي يبدو شكل الكتلة كالنسيج المحبوك بأناقة ودقّـة، ولهذا اختار الفنان عباس خط كلمة(يسرا) بحيث تكون كلمة (العسر) قاعدة لها، فالرفع المكاني لموقعها ارتبط بعظمة دلالاتها على تيسير الأُمور رغم عسرها أحياناً، فالكلمتان تترابطان رغم التناقض الدلالي بينهما، وآخر حرف هو الألف في كلمة (يسرا) الذي تختلف دلالته حسب دلالة الجملة التي يأتي فيها، فقد يكون للإطلاق (وغالباً في القصائد الشعرية) أو الإغلاق، وكان بإمكان الفنان عباس رسمه في آخر الكلمة لكي يحقق الإغلاق الشكلي للكتلة لكنّـه عالجه بطريقة فنية، فخطّـه بحركة اتجاهية نازلة ليتراكب ويتقاطع مع حرف الراء فشكّلَ بذلك زاويتين قائمتين على جهتي نقطة تقاطعهما من جهة، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية ايهامية من جهة مقابلة، ومنح تقويسة حرف الراء امتداداً صاعداً متصلاً مع حرف الألف نفسه فشكّلَ بذلك زاوية ثالثة، وبهذا أوجد تبايناً لافتاً للنظر بين أنواع إخراج هذه الحروف، وهذا ما يكشف عن خبرته ومهارته في معالجة أدقّ تفاصيل الحروف واخراجها بشكل فني مدروسٍ تماماً، هذا على المستوى الشكلي، ومن خلال تأمّـلي للكثير من لوحاته وجدته يوزِّع جهده الخطـيّ بين الشكل والدلالة بحيث يتآزران معاً، ولعل أبرز ما يمكنني التوقف عنده بهذا الخصوص هو اختياره لموقع حرفي الراء بشكل متراكب ومتكرر وذلك للدلالة على استمراريتهما معاً وعدم توقـفهما.
في القوسين المتقابلين اختار الفنان عباس آيات من سورة الأنبياء، ففي القوس الأول خطَّ الآية القرآنية الكريمة المرقومة (105)، والتي تنصُّ على(ولقد كتبنا في الزَّبور من بعد الذكر أنَّ الأرض يرثها عبادي الصالحون)، وأخرجها بخط جلي الثلث أيضاً، ومنحها شكلاً قوسياً انسجاماً وتوافقاً مع شكل التكوين، وأفاد من خاصية التركيب والتقاطع في خط الحروف والكلمات، وأول ما يلفت نظر المشاهد لهذا الجزء من اللوحة هو التراكب الجميل الذي أحدثه في جملة (ولقد كتبنا في) حيث منح حرف القاف في كلمة (لقد) امتداداً قوسياً ساعد على جعله قاعدة لاستقرار كلمة (كتب)، وبالغ في حجم حرف الكاف بحيث تقاربت ترويسته مع ترويسة حرف اللام في كلمة (لقد)، فشكّل بذلك ما يشبه الزاوية التي قاربتها زاوية أصغر منها تشكّـلت بخط حرف الياء الراجعة في كلمة (في)، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع في حرف الألف في كلمة (كتبنا) مع حرف الدال في كلمة (لقد)، إنَّ توافر صفات توفية الحروف ورشاقتها وانسيابيتها منحت هذه التقاطعات المتراكبة حيوية لافتة، وانسجاماً جميلاً من جهة، وبُـعداً ثالثاً وهمياً من جهة ثانية، وحركة ضمنية ايهامية من جهة ثالثة.
وعالج الحروف المنتصبة المتمثلة بالألف والجزء القائم من اللام بالطريقة ذاتها التي أشرتُ إليها في الجزء الأول من هذه الكتلة، وأخرج كلمة (من) بحيث تظهر مائلة ونازلة برشاقةٍ جميلة، فأصبح حرف النون قاعدة لحرفي العين والدال من كلمة (بعد)، والألف واللام من كلمة (الذكر)، أمّـا معالجته الفنية لكلمة (بعـد) فتمثّـلت باستغلال الفراغ العلوي لكتابتها، ومنح حرف العين امتداداً مبسوطاً شغل فراغ المساحة.
تكشف الملاحظة الدقيقة للكيفية التي يتعامل بها الفنان عباس مع شكل الحروف ومواقعها عن إجادته لهذه الأشكال وتطويعها بالإفادة من خصوصية الحرف العربي الذي يمكن للفنان إخراجه بأكثر من شكل ضمن أشكال الخط الواحد، وخط جلي الثلث من الخطوط التي تتمتع بهذه الخاصية، ولهذا يلاحظ المشاهد الكيفية التي تعامل بها الفنان عباس تعاملاً فنياً مع حروف الدال والكاف والذال في كلمتي (بعد الذكر)، حيث أخرج حرف الدال بشكل زاوي، وكذلك شكل حرف الكاف، ولكنَّ المبالغة في حجم حرف الكاف كوّنت زاويتين متقابلتين مختلفتين في الحجم، كما شكّـلت تقويسة حرف الكاف عند اتصاله بحرف الراء تزوية جميلة تقاربت تماماً مع تزوية حرف الذال، فضلاً عن التزوية التي نشأت من تراكب وتقاطع حرف الألف مع حرف الكاف، وحرف الألف مع حرف اللام في كلمة (الأرض)، إنَّ هذه الزوايا بوضعياتها المتعددة أضفت بُـعداً جمالياً على الحروف فلا تشعر عين المشاهد برتابة الإيقاع بل تستمتع بتنوّعه وجماله وحيويته الناتجة عن بعده الوهمي الثالث وحركته الضمنية الوهمية.
ويستمر المشاهد في متابعته ليد الفنان عباس وهي تنفّـذ هذه اللوحة، وفكره الذي يعالج المساحات معالجة موزونة لا خلل فيها، فيعتمد على التسطير حيناً، وعلى استغلال طريقة القاعدة وما يُبنى عليها أحايين كثيرة، ومنها اختياره لحرف الضاد في كلمة (الأرض) قاعدة لكلمة (يرثها) كاملة، وذلك عن طريق المبالغة في إخراج تقويسة حرف الضاد، وتصغير حروف كلمة (يرثها) لكي يستوعبها حرف الضاد، أمَّـا كلمة (عبادي) فقد عالجها معالجة فنية، فجعل حرف العين يرتكز على تقويسة حرف الضاد، وأحدث حرف الياء الراجع تقاطعات أُفـقـية مع حروف الالف والدال والألف، فأنتجت بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية أيضاً، وأسهمت في منح هذا الجزء من الكتلة حيوية لافتة للنظر، واتخذ من حروف الألف واللام والصاد في كلمة (الصالحون) قاعدة لاحتواء بقية حروف الكلمة، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع بين حرفي الحاء والألف، والنون والألف، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة وهمية ضمنية.
ويلاحظ المشاهد أنَّ الفنان عباس عمدّ الى الإغلاق الخطي لهذه الكتلة بالشكل نفسه الذي أغلق به كتلة القوس الثاني، الذي اعتمد فيه على تراكب وتقاطع قوس حرف النون مع حرف الألف، منتجاً بذلك بُـعداً وهمياً ثالثاً، وحركة ضمنية وهمية أضفت على النص حيوية لطيفة.
في القوس الثاني اختار خط آيتين من القرآن الكريم من سورة الأنبياء أيضاً، وهي (إنَّ في هذا لبلاغاً لقومٍ عابدين [106] وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين [107])، معتمداً على خاصيتي التراكب والتقاطع التي تجلّـت في اختيار حرف النون قاعدة لخط كلمة (في)، وكذلك حرف الهاء من كلمة (هذا)، وحرف اللام من كلمة (لبلاغاً)، وكلها حروف اعتمد في إخراجها على خاصية التنصيل الأُفقي، لكنَّ خط حرف اللام من كلمة (لبلاغاً) بشكله الرأسي منح مظهره اختلافاً وتبايناً جميلاً، كما يلاحظ أيضاً التنويع الشكلي لحرف الهاء في كلمة (هذا) والذي أخرجه بشكله الوسطي وليس بشكه الذي يكتب به إن كان الحرف الأول في الكلمة، وهذا ما أضفى عليه مسحة جمالية.
إنَّ تواتر حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام منح المساحة تناسقاً وانفتاحاً جميلاً، فتباين شكلها عن شكل المساحة التي سبقتها، وتجلّت خاصية التركيب الثقيل من خلال الرفع المكاني لحرفي القاف والواو، فأصبحتا قاعدة لخط حرف الميم الذي أخرجه مرسلاً ومتخذاً حركة اتجاهية مائلة الى الأسفل، ومنتهياً بتقويسة جميلة سمحت باتخاذها قاعدة لخط حرف الباء وجزء من حرف الدال، أمّـا حرف العين فتمثلت معالجته الفنية بخطّـه بحيث تتصل بداية قوسه بنهاية قوس حرف الميم، أمّـا نهاية قوس حرف العين فاتصل بنهاية تقويسة حرف الواو، وكلّـها حقّـها الانفـصال، لكنَّ الفنان عباس كان يبغي تحقيق خاصية التأليف، وهذا ما منح مشهدها حركية وتناسقاً جميلاً، وقـوّة وتماسكاً أيضاً.
ينمُّ استغلال المساحة بتناسق وحيوية عن خبرة الخطاط في هذا الإشغال، وهذا ما يشاهده المشاهد حين يتأمّل الطريقة الإخراجية التي نفـذّها الفنان عباس في خط جملة (وما أرسلناك إلاّ)، فحرف الواو يمتدُّ بمسار اتجاهي نازل ليكون قاعدة لحروف الألف الأول والميم والالف الثاني، وحرف الراء المرفوع مكانياً كان قاعدة لحروف السين والكاف والألف، واكسب تكرار حرف الالف هذا الجزء حيوية نتجت عن خاصية التباين بين الحروف الأُفـقـية والحروف الرأسية المنتصبة، واكتملت هذه الحيوية بخطه لحرفي الألف واللام من كلمة (إلاّ ) بطريقة الالتفاف النازل والصاعد على التوالي، والمتقاطع مع حرفي اللام والألـف، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث والحركة الضمنية الوهمية.
وبالأُسلوب نفسه عالج كلمتي (رحمة للعالمين) معالجة فنية، حيث يكشف التأمل فيهما عن خاصيتي التراكب والتقاطع المتمثلة بحرف الراء في كلمة (رحمة) الذي قطع تقويسة حرف الحاء رغم أنّها وسطية، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، واستغلال هذه التقويسة لخط حرف الميم فبدت وكأنّـها جزء من حرف الحاء، وهذا ما منح مظهرها تكثيفاً وتشابكاً منسوجاً برصانة، واكتمل هذا المشهد الجميل باختيار خطَّ حرفي الميم والتاء بتقويسات ايقاعية أُفـقـية متوالية يتقاطع معها الجزء الرأسي المتكرر من حرف اللام، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وخطَّ حرف العين بتنصيل مبسوط ليصبح قاعدة لحروف اللام والميم والياء وجزء من تقويسة حرف النون المرفوع مكانياً التي يتراكب ويتقاطع حرف الألف الرأسي معها، منتجاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.
شكَّل حرفا اللام والألف بامتدادهما الرأسي مساحة محصورة بينهما استغلها الفنان عباس لتكون قاعدة ثانية لاحتواء جملة (صدق الله العظيم)، التي عالجها معالجة فنية متباينة عن معالجته للكتلة القوسية، وتمثّـلت هذه المعالجة باختيار الشكل البيضوي الوهمي لها، وكذلك خطها بقلم سُمكه يقلّ كثيراً عن سُمك القلم الذي خط به كتل الأقواس الثلاثة، كما أنَّ مساحتها صغيرة أيضاً.
هنا قد يسأل المشاهد سؤالاً:
لماذا اختار الفنان عباس هذا الموقع لخط هذه الجملة؟
للإجابة على هذا السؤال لا بُـدَّ من الإشارة الى علاقتها الدلالية الصميمية بالنص المخطوط، فهي تدل على صدق الله سبحانه وتعالى في كلِّ ما أورده في القرآن الكريم من آيات كريمة.
هنا قد يسأل المشاهد سؤالاً مكمّلاً للسؤال الأول:
لماذا عمد الفنان عباس الى التباين الحجمي والمكاني بين جملتي (بسم الله الرحمن الرحيم) و(صدق الله العظيم)؟
يبدو لي أنَّ هذا الاختيار نابع من أُمور عـدّة، أولها أنَّ البسملة تُـعـدُّ استفتاحاً للسورة الكريمة، ومدخلاً للّـوحة ثانياً، ولطلب الإجازة الخطية ثالثاً، أمّـا جملة (صدق الله العظيم) فإنّـها تدلُّ على الإغلاق بانتهاء الآيات القرآنية الكريمة عند هذه المساحة، ولكنّـها لا تمثِّـل انتهاء أو اكتمال طلب الإجازة.
استعمل الفنانون العرب خط النسخ لكتابة المصاحف والمؤلفات لكونه خطاً واضحاً ومنظّـماً، ولهذا اعتمدت المطابع عليه _ فيما بعد _ في تحرير الصحف والمجلات والنشرات الدورية، ويبدو لي أنَّ اختيار الفنان عباس لهذا الخط كان نابعاً من خبرته التي أشارت عليه بفكرة اشغال مساحة الفراغ الواقع بين الأقواس، وكذلك مساحة الشريط الكتابي الذي يقع أسفلها بكتابة دقيقة وقلم أقلّ سُمكاً من القلم الذي خطَّ به خط جلي الثلث لتبدو كلماته صغيرة الحجم، ولتحقق خاصية التضاد.
واختار نصَّ الحديث النبوي الشريف الذي دعا به الرسول (صلى الله عليه وسلّم) الله سبحانه وتعالى حين ذهب الى مدينة الطائف ماشياً، ودعا أهلها الى الإسلام ولكنهم لم يستجيبوا له، والذي يبدأ بقوله (اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي ...) ليشغل مساحة الشكل البيضوي الذي ينتهي بزاوية واسعة، وهو الشكل نفسه الذي يبدو عليه نصب الجندي المجهول، فضلاً عن أنّـه الشكل الذي اتخذه النص المخطوط أيضاً.
وبما أنَّ الفنان عباس اختار التكوين السطري الخفيف المتتابع بمستوى واحد، فإنَّ القسم العلوي من هذا الشكل سيكون فراغاً، ولهذا شغله برسم مقطع صغير من زخرفة نباتية غلبَ عليها شكلها القائم، لتكون أول حالة تباين مع الكتابة السطرية الأُفـقـية للحديث النبوي الشريف.
ويلاحظ المُشاهد لهذا الشكل أنَّ الفنان عباس شغل المساحة عن طريق التوالي الخطي للكلمات دون إفراد أسطر ليمنح النص تكاملاً وقـوَّة مظهرية، كما أنَّ خصائص خط النسخ التي تتمثّل بالليونة والرشاقة والانسيابية تجلّـت في هذه الكتلة، حيث سيلاحظ عنايته بهذه الخصائص من خلال اعتماده على المد الأُفـقـي بإيقاع متكرر في الحروف التي تقع في وسط هذه الكتلة، والمتمثّـلة بحرف الباء من كلمة (ربّـه) وحرف الكاف من كلمة (إليك)، وحرف الياء من كلمة (هواني)، وحرف اللام من كلمة (الله)، وحرف الألف المقصورة من كلمة (الى)، وحرف النون من كلمة (إن)، وحرف الياء من كلمة (أُبالي).
أمّـا السطر الأخير فكان أشبه ما يكون بالإغلاق الخطي المؤقت لأنَّ الدعاء لم ينته هنا، ولكنّ التناسب
في حجمه ومساحته مع جملة (قال رسول الله صلّى الله) كان لافتاً، فحقق بذلك خاصية التوازن بينهما.
ويلاحظ المشاهد أيضاً اهتمامه بمعالجة حرف الكاف الوسطي معالجة فنية جميلة من خلال خاصية التنصيل المبسوط أُفـقـياً، والذي منح شكل الحروف تبايناً جمالياً مع الحروف المنتصبة. أمّـا حروف الألف المنفصل والمتصل والأجزاء الرأسية من حروف اللام والكاف الآخرية فلم يمنحها ترويساً التزاماً بقاعدة خط النسخ في هذا الخصوص، وكذلك التزم بخط حرفي العين والغين بشكل شبه المربع المطموس العين، وأفاد من خاصية التكرار فكرر الشكل نفسه في الشريط السطري الكتابي.
من المعروف لدى الفنانين أنَّ الفراغ في اللوحة سواء أكان بين الكلمات أو حولها إن لم يكن مقصوداً ومدروساً بعناية فإنه يُضعفها بسبب السكون الذي يوحي به، وقد يبعث على الملل في نفس المشاهد، ولهذا ابتكروا التشكيلات التزيينية لمعالجته، واضفاء الحيوية والحركية عليه، وهذه بالتالي ستمنح الشكل تماسكاً يشعر معه المشاهد بمتعة القراءة البصرية للوحة، ويتأثر بها تأثراً ايجابياً إن كان متذوقاً لفن الخط العربي، وهذا ما سيجده المشاهد لهذه اللوحة التي تجسّد عناية الفنان عباس بنشر التشكيلات التي تمثلت بالحلية أي الحركات الإعرابية مثل الضمة والفتحة والكسرة والسكون والتنوين، وكذلك علامة الشدّة، والحروف الايضاحية الصغيرة في مساحات الفراغ في هذا الجزء من هذه اللوحة، فأسهمت في منح مظهرها تماسكاً وتلاحماً.
يُـعـدُّ فن الزخرفة بنوعيه النباتي والهندسي عنصراً تشكيلياً تزيينياً، اعتمده الفنان العربي والمسلم لإشغال الفراغات البينية والمحيطية في الكتل الخطيّـة، فالنباتية منها استلهمها من الطبيعة بزهورها وأوراقها وأغصانها ناقلاً إيّـاها الى اللوحة الخطية ومعتمداً على خاصية التجريد، ومنحها شكل وحدات متكررة تتوالى لتشغل هذه الفراغات، وهذا ما يلاحظه المشاهد لهذه اللوحة حيث اعتمد الفنان عباس عليها في أكثر من موضع ، وأولها على جانبي الشريط الكتابي الذي خطَّ فيه جملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وكذلك الشريط الثاني حيث اعتمد على الوحدات الزخرفية المتكررة التي تنتظم حول مركز سيادة في الوسط وتحتويه هذه الوحدات، أمّـا المنظومة اللونية التي اعتمدها لتلوين هذا الشكل الزخرفي فقد كان اللون البني المتدرج بـ (4) درجات من الغامق الى الفاتح، واللون البني وهو لون التراب، فله صفات الأرض التي تمنح الإنسان شعوراً بالأمان والانتماء والاحساس بالمسؤولية في أداء الواجبات، فضلاً عن التنظيم، من هنا يمكننا القول أنَّ اختياره لهذا اللون كان اختياراً واعياً ودقيقاً، ومرتبطاً بشعوره العميق بمسؤولية الفنان تجاه الخط العربي استمراراً وتجويداً وتجديداً، واعترافاً صريحاً بارتباطه الروحي به، وهنا قد يسأل المشاهد سؤالاً:
لماذا منح هذه الأشكال لون التراب ولم يمنحها ألوانها الطبيعية؟
للإجابة على هذا السؤال لا بُـدَّ لي من الإشارة الى أنَّ حريّـة الفنان في انتقاء منظومته اللونية تعتمد على ذائقته وخبرته ورؤيته الفنية، وكان دافع الفنان عباس في هذا الاختيار أنّ هذه الألوان هي ألوان الأصل وليس ألوان الفرع، فالأصل هو الأرض وترابها ولولاهما لما عاش الفرع أي النبات.
من ميزات الفنان المبدع الدقـة في التفاصيل، وتتجلّى هذه الصفة في هذا الجزء من اللوحة في اشتغال الفنان عباس في تظهير الخط الخارجي لهذا الشريط الكتابي والشريط الثاني أيضاً بحيث يكون جزءاً من الزخرفة، والابتعاد عن الخط المستقيم الصارم الذي يشكّل حدودهما، فامتلكت بذلك بعداً جمالياً وحيوية لافتة عبر هذا الاتصال.
يشير اللون الأخضر دلالياً الى ما تمتلكه الطبيعة من صفات لأنّـه لونها، وتتمثّـل بعض هذه الصفات بالخصوبة والاستمرارية والتجدد والطاقة والتفاؤل، ولهذا يشعر الإنسان عند تأمّـله فيه بالراحة النفسية والسلام، ولهذه الدلالات اختاره الفنان عباس لوناً لخلفية اللوحة، وفرشَ عليه مجموعة من الأشكال الزخرفية الإيرانية التي تمثّـلت بالأغصان والورود والأوراق، وأول هذه الزخارف هو الشكل الأمامي للزهرة وأوراقها التي تتباين حجماً وشكلاً عن الأشكال الزخرفية الأُخرى، وتمييزها ناتج عن موقعها المتميز أيضاً، والمتمثل في اشغال فراغ المثلث المتكوّن من التقاء وافتراق القوسين المتقابلين.
ويلاحظ المشاهد عناية الفنان عباس في اتخاذ الوحدات الزخرفية المتكررة إطاراً محيطاً بالأقواس الثلاثة، والحافتين الجانبيتين للأقواس، فأضفى هذا التأطير على مشهدها طابعاً متميزاً غنياً بالتماثل، أما بقية مساحة الخلفية فنثر عليها الأغصان وزهورها بعشوائية جميلة، لكنّـها كشفت عن خاصية التباين بين الإطار الداخلي والمساحة المحصورة بينه وبين الأقواس، والتعدد اللوني لهذه الزخرفة منحها حيوية وحرارة لافتة، وتمثّـل بالأحمر والأبيض والبني المتدرِّج، والأخضر المتدرّج.
شغل الشكل الزخرفي الجزء الأسفل من اللوحة، ونشأ من وحدات متكررة ومتموضعة على جانبي مساحة الإجازة التي تفضّل الأستاذ يوسف ذنون بكتابتها، واختار اللون الأخضر الغامق (النفطي) للأرضية التي فرش عليها الأشكال الزخرفية النباتية الايرانية، محدداً مركز سيادتها التي لوّنها باللون البني الغامق والفاتح والأخضر المتدرّج، أما الإطار الخارجي للوحة فكان تحديداً للوحة بمستطيل باللون الأبيض، يحيط به إطار ثانٍ عريض باللون البُني المتدرّج والمائل الى الأحمر، وهذا التنوّع الشكلي واللوني أسهم في منح المشاهد شعوراً برصانة اللوحة وتراص كتلها الخطية والزخرفية، وجمالية توزيعها.
وأخيراً لا بُـدَّ لي من ايراد نص الإجازة الخطية لتوثيقها:
الحمد لله خالق اللوح والقلم الذي علّم الإنسان ما لم يعلم والصلاة والسلام على النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وبعد لما كان كاتب هذه الخطوط اللطيفة مَـدَّ الله في عمره وزاده علماً ومعرفة السيد عباس حسين الطائي قد حقق المستوى الطيب الذي يؤهله للحصول على الإجازة في الخطوط المختلفة لذلك أجزته بوضع اسمه تحت ما يكتب وأنا معلمه الفقير الى الله يوسف ذنون الموصلي من تلاميذ حامد الآمدي غفر الله ذنوبهم وستر عيوبهم وذلك في الموصل في أواخر جُمادى الاولى سنة 1408هجرية.
2/11/ 2021م
لوحة (ولا تحسبن)
حجم اللوحة: 50/60سم
تاريخ الانتاج: 1407ه/ 1987م
على خامة من الورق (الكارتون) نَـفَـذَّ الفنان عباس لوحته التي اتخذت شكل المستطيل الهندسي المتناظر والقائم، الذي يشير في بعض دلالاته الى السكينة والاستقرار والصلابة والإخلاص، وهو ما يتفق دلالياً مع الآيتين الكريمتين، لأنَّ الدلالة هنا تؤشِّر التسليم الكامل والمطلق لأمر الله سبحانه وتعالى في منح الحياة أو أخذها في سبيله، مقابل الأجر العظيم وهو دخول الجنّـة.
يثير تكوين هذه اللوحة انتباه مُشاهدها الى الكيفية التي اعتمدها الفنان في توزيع عناصرها على المساحة المتاحة للكتابة، وهذه العناصر هي:
1/ الكتل الخطيّة الرئيسة المتمثّـلة بـ (3) كتل، أولها البسملة التي اتخذت شكلاً دائرياً وهمياَ، وثانيها خـطَّ فيها الآية الكريمة المرقومة (169) من سورة آل عمران التي تنصُّ على (ولا تحسبنَّ الّـذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربّـهم يرزقون)، وأخرجها بشكل حر، وأكمل الآية الكريمة (بل أحياء عند ربهم يرزقون) بشكل شريط كتابي، وضمّت الكتلة الثالثة جزءاً من سورة التوبة، الآية الكريمة المرقومة (111) والتي نصّها
( إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأنَّ لهم الجنة).
2/ الكتلة الثانوية المتمثلة بالتشكيلات التزيينية.
3/ خلفية أو أرضية اللوحة.
يتحدد مدخل هذه اللوحة بجملة (بسم الله الرحمن الرحيم) التي تُـعـدُّ افتتاحاً للآيتين الكريمتين، وأخرجها بشكل دائري يحدده خط وهمي يتشكّل من بعض الحروف والتشكيلات التزيينية، ويحيل الشكل الدائري في بعض دلالاته الايجابية الى الكمال والرشاقة والطاقة الناتجة عن حركته الأبدية، تلك الحركة التي تمنح مشاهدها إحساساً بالقوة، وله دلالات روحية أيضاً تتفق مع الدلالات التي تثيرها البسملة في النفس الإنسانية مثل الأمان والتواصل، ولهذا فإنَّ هذا الشكل يمثّـل حافزاً لجذب انتباه المُشاهد إليه، فضلاً عن تباينه مع أشكال الكتل الأُخرى الماثلة في هذه اللوحة.
يتيح خط جلي الديواني بتركيبه الثقيل فرصاً متعددة للفنان لخط الحروف بأكثر من شكل، وهذا ما استثمره الفنان عباس في معالجته الفنية لجملة البسملة حيث ابتدأ بكلمة (بسم) التي اختار لها موقعاً في الجزء الأسفل اليمين من الشكل الدائري، وتظهير حروفها بشكل مائل ونازل بحركة اتجاهية الى يسار اللوحة، كما عمد الى معالجة حرف الباء ببداية طويلة قليلاً، يليها حرف السين بأسنانه القصيرة، ثم حرف الميم الرحماني الذي بدأ بانحناءة خفيفة الى الأعلى ثم استدارة ثم انحناء صغير نازل بحركة اتجاهية نحو الأسفل، ثم تقويسة نازلة أيضاً، وترتفع نهايته قليلاً حتى تتصل بشكل أُفـقـي مائل من الأشكال التزيينية البينية، محققاً بذلك خاصية التأليف، وهذا ما منحه مساحة كافية لجعلها قاعدة يرتفع فوقها لفظ الجلالة (الله).
يتمثّـل الايقاع في اللوحة الخطية بترديد الحركة بصورة منتظمة، وهذا ما نلاحظه في خطّـه لحرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في البسملة حيث اتخذ الشكل نفسه، مع المبالغة في رفع الجزء العلوي بحيث يسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي للشكل الدائري، ويمنح اللوحة انتظاماً وجاذبية لافتة تتباين مع الامتداد الأُفقي لبقية حروف الكتلة، فأنتج بذلك بُـعداً جمالياً وحيوية وتوازناً لافتاً للنظر.
وعالج حرف الألف من لفظ الجلالة فنياً بترويسة مُذنَّـبة من الأعلى، ثم تقويسة نازلة مائلة باتجاه جهة اليسار، ومبالغ في حجمها، فأسهمت بذلك في تحقيق جزءٍ من الاغلاق الوهمي للشكل الدائري، وأفاد الفنان من خاصية المدّ (التنصيل) فمـدَّ هذا الحرف ليشغل المساحة البينية الواقعة فوق حرف السين وجزء من حرف الميم في كلمة (بسم)، وتحت حرف اللام المتكرر من لفظ الجلالة، أمّـا حرف اللام المتكرر فقد خطّـه بحركة اتجاهية نازلة ومائلة قليلاً الى جهة اليسار، فيما اتخذ حرف الهاء من الكلمة نفسها شكل انحناءة صاعدة ثم نازلة بتقويسة لطيفة تتصل نهايتها بحرف الراء من كلمة (الرحمن)، فحقق بذلك خاصية التأليف، وهي التقاء أو اتصال الحروف غير المتصلة مع بعضها البعض.
إنَّ المعالجة الفنية التي يشتغل بها الفنان تؤكد على اهتمامه بأحجام الحروف ومواقعها تحقيقاً لخاصية التركيب بنوعيه الخفيف والثقيل، ويلاحظ المشاهد لهذه اللوحة أنَّه اعتمد على النوع الثاني ليس في هذه اللوحة فقط بل في أغلب لوحاته، وهذا ما يتطلب جهداً كبيراً وخبرة عالية لتحقيق خاصية التوازن، فضلاً عن اهتمامه بالبُـعد الجمالي أيضاً، وهذا ما سيلاحظه المشاهد في إخراج حروف وكلمات البسملة في هذه اللوحة.
اختار الفنان عباس موقعاً لافتاً للنظر لحرف الألف من كلمة (الرحمن)، وبالغ في حجمه ليحقق خاصية التباين الحجمي مع الحرف نفسه في لفظ الجلالة، وأخرجه بحيث يكون مرتفعاً قليلاً في الجهة العلوية من الكتلة، ليسهم بذلك في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي للشكل الدائري، واعتمد على خاصية التكرار في إخراجه لترويسته، وفي حركته الاتجاهية النازلة وتقويسته أيضاً، فضلاً عن أنّـه تراكب وتقاطع مع حرف اللام من لفظ الجلالة لينصِّفه، وأخرج حرف اللام بالكيفية نفسها فنصّفَ حرف الحاء، لينتج بذلك بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، أمّـا معالجة حرف الراء فنيّـاً فكانت بخطّـه بنوع الراء المرسل، وتحققت خاصية التأليف في نهايته التي اتصلت بنهاية تقويسة حرف الميم من كلمة (بسم)، وشكّـلت تكراراً وايقاعاً حيوياً مع تقويسة الجزء الأسفل من حرف الألف لكلمة (الرحيم).
وأخرج حرف الحاء في كلمة الرحمن إخراجاً لطيفاً تمثّـل بزلف ملتف، ثم صعود بتقويسة صغيرة وحركة اتجاهية نحو جهة اليمين، ثم النزول المرسل الى الأسفل في جهة اليسار، ويكشف التأمل في هذا الشكل عن حركة القلم اللينة والحيوية، وهو الشكل الذي عمد الفنان عباس الى تكراره في حرف الحاء أيضاً في كلمة (الرحيم)، وهذا ما أنتج شكلاً من أشكال الايقاع المنتظم، مع ملاحظة قدرة الفنان على تحقيق صحة أشكال الحروف، وذلك بإشباعها من حيث دقّـة شكلها وتوفيتها وترصيفها.
وتتجلّـى خاصية التأليف أيضاً في حرف الحاء حيث يلتقي مع حرف الألف في كلمة (الرحمن) وكان حقه الانفصال عنه، ليتراكب ويتقاطع مع حرف اللام من الكلمة نفسها، لينتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية أيضاً، واتخذ حرف الميم شكل التفافة صغيرة مع انحناءة نحو الأسفل، ثم صعود لخطِّ حرف النون الذي أولاه الفنان عباس عناية خاصة تبدّت في حجمه المبالغ به قياساً الى حجم الحروف الأُخرى، فضلاً عن اتخاذه قاعدة لخط حروف كلمة (الرحيم) عدا الألف، فأنتج بذلك تركيباً ثقيلاً، وينتهي حرف الميم بزلف مقوّس نازل الى أسفل الشكل الدائري، وهذا ما منحه حركية وبعداً جمالياً.
انشغل الفنان العربي على مدى الزمان بتجويد الخطوط العربية، وادخال التحسينات عليها لإضفاء صفة الجمال عليها من جهة، وتحقيقاً للمنفعة بالكتابة من جهة مقابلة، ولكنه لم يكتفِ بالخطوط وحدها بل أضاف إليها تشكيلات تزيّـنها عُـرفت بــ (الحلية)، التي تثير متعة الناظر إليها من خلال إحساسه بكمالها، فأصبحت بذلك جزءاً حيوياً من تكوين بعض الخطوط وتخصيصاً الجلي، ولهذا اهتمّ الفنان عباس بها اهتمامه بالخط، وفي هذه اللوحة يجد الناظر إليها أنواعاً من التشكيلات، التي اتخذت مواضعها في المساحات البينية والمحيطية الشاغلة للفراغات ما بين الحروف أو فوقها أو تحتها، وتنوّعت أشكالها فضمّت الحركات الإعرابية، والسكون والشدّة والمـدّة والحروف الايضاحية الصغيرة، وكذلك الأشكال النباتية المجردة والمحوّرة عن شكلها الطبيعي مثل الأغصان والأزهار، التي استعمل فيها قلم الحركات وهو أقل سُمكاً من القلم الذي خطَّ به الآية الكريمة تمييزاً لها، وتحقيقاً لخاصية التباين أيضاً.
شغلت الكتلة الثانية مساحة أكبر من المساحات التي شغلتها الكتل الأُخرى، واختار الفنان عباس تكويناً بنائياً متدرِّجاً بحيث يكون مدخلها القرائي من الأسفل الى الأعلى بترتيب كلماتها تصاعدياً، وبخط جلي الثلث، واعتمد على التركيب الثقيل في خطِّ الآية، وكذلك على قلم أكثر سماكة من القلم الذي خطَّ به الكتل الأُخرى، لينتج الكلمات بحجم كبير يتناسب مع المساحة التي تشغلها الآية الكريمة، ومع دلالتها أيضاً.
ويلاحظ المتأمل أنَّه أخرج حرف الواو بشكله المجموع، وظهرت خاصيتي التراكب والتقاطع في هذه الكتلة من خلال امتداد تقويسة هذا الحرف بحيث تراكب وتقاطع مع حرف اللام، فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ثم ترتفع هذه التقويسة بحركة اتجاهية صاعدة لتتصل نهايتها بحرف الحاء، فحققت خاصية التأليف لأنّ حقها الانفصال وليس الاتصال، وأسهم هذا الحرف أيضاً في تحقيق جزء من الاغلاق الشكلي الوهمي للكتلة من جهة اليمين، أمّـا حرف اللام من كلمة (لا) فقد خطّـه بالشكل القائم المروّس ثم الارسال، وأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهتين العلوية والسفلية.، وأخرج حرف الألف إخراجاً فنياً تمثّـل بخطّـه على شكل الألف المرشوقة المروّسة، التي تبدأ من يسار الكتلة وتتجه نحو جهة اليمين بميلان واضح ودون أن تتصل بحرف اللام، وكان حقها الاتصال بها.
وعالج كلمة (تحسبن) معالجة فنيّـة تمثّـلت برفع موقع حرف التاء مكانياً، ومنح شكله انحناءة صغيرة صاعدة ثم نازلة، فحقق بذلك ايقاعاً جميلاً، فضلاً عن تحقيقه لتزويتي حرف الحاء، فيما اعتمد على الأسنان القصيرة المتكررة لحرف السين الذي انتهى بتقويسة صغيرة منحته مساحة وافية لرفع حرف الباء الى الأعلى قليلاً، واتخذت تقويسة حرف النون حجماً مبالغاً فيه، وهذه من خصائص خط جلي الثلث الذي يمكّـن الفنان من التنويع في أحجام الحروف في الكلمة نفسها، فيمنحها ايقاعاً متنوعاً حجماً ورفعاً وخفضاً.
يلعب استغلال المساحة المتاحة للكتابة دوراً كبيراً في عملية معالجة الكلمات وإخراجها فنياً، فيلاحظ المشاهد أنَّ الفنان عباس استغلّ تقويسة حرف النون وحجمه ليراكب عليه جزءاً من كلمة (قتلوا)، فأصبحت بذلك مركز احتواء لحروف القاف والتاء واللام ولجزء من تقويسة حرف الواو، وأسهمت هذه التقويسة في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة.
إنَّ خاصية الرفع والخفض المكاني في هذه الكتلة الخطية لم تكن خاصة بالحروف فقط بل بالكلمات أيضاً، حيث يلاحظ المشاهد أنَّه عمد الى رفع كلمة (الّذين) مكانياً ، وكان تسلسلها الترتيبي بعد كلمة (تحسبنَّ) لأنها اسم موصول يشير الى الشهداء الّذين يُـقتلون في سبيل الله، فترتفع مكانتهم عنده، فالدلالة القيمية للشهداء هي السبب في هذا الرفع من جهة، وتحقيق الشكل التصاعدي للنص من جهة مقابلة.
في تعامله الفني مع حرف الألف في كلمة (الذين) أخرجه بشكله القائم المروّس، واعتمد على خاصية التكرار الحجمي والشكلي، أمّـا من حيث موقعه فقد رفعه مكانياً فوق حرف السين من كلمة (سبيل)، فأصبح قاعدة له، ثم امتد بحركة اتجاهية نازلة بحيث نصَّفَ حرف السين، فأحدث بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، واستقرت ترويسته مرتفعة قليلاً عن حرفي الحاء والسين من كلمة (تحسبنَّ)، وأفاد من خاصية التكرار الشكلي في إخراجه لحرف اللام، أمّـا حرف الذال فقد منحه استدارة وافية تنتهي باتصالها مع حرف النون من كلمة (الذين) من الأسفل، وكان حقّـها الانفصال عنه، فحقق بذلك خاصية التأليف، وتمثّـلت خاصية التركيب الثقيل في هذا الجزء بتركيب حرف الياء وجزء من تقويسة حرف النون داخل حوض حرف اللام، وتحققت خاصية التباين الحجمي في حرف الياء الذي بدا صغيراً قياساً الى حجم حرف النون، الذي اتسعت تقويسته فأصبحت حاضنة لنقطته، ولنقاط حرفي الباء والياء من كلمة (سبيل)، وتحققت خاصيتي التراكب والتقاطع في الجزء القائم المائل قليلاً الى جهة يسار اللوحة لحرف الذال مع حرف النون، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، واستثمر خاصية الرفع المكاني عند خطّـه للجزء الثاني من حرف الذال لينتهي قوسه متصلا بحرف النون من الاسفل تحقيقاً لخاصية التأليف.
وأفاد من خاصية الخفض المكاني أيضاً بخفض كلمة (قتلوا) خلافاً لتسلسلها الترتيبي القرائي، وابتدأ بحرفي القاف والتاء متخذاً من تقويسة حرف النون قاعدة لهما، وعالج نقاط هذين الحرفين بإخراجها بشكل عمودي محققاً بذلك تبايناً مع شكلهما في حرفي التاء والياء في كلمتي (تحسبن وقتلوا).
أتاح الانخفاض المكاني لحرف التاء مساحة وافية لرفع حرفي اللام واستدارة حرف الواو فوقها بحيث أصبحت قاعدة لهما، لكنَّ المُشاهد سيلاحظ طول الجزء القائم من حرف اللام المبالغ به قياساً الى أحجامه في مواضعه السابقة، أمّـا حرف الواو المجموع فقد اتخذ شكله تقويسة مشابهة لتقويسة حرف النون، فتحققت بذلك خاصية التكرار، واستقـرّ حرف الألف المروّس داخل هذه التقويسة التي أصبحت قاعدة حاضنة له.
إنَّ المتأمل في طريقة إخراج حرف الفاء من كلمة (في) سيلاحظ موقعها اللافت للنظر، حيث أنها اتخذت من تقويسة حرف اللام قاعدة، ويحيط بها حرف اللام من جهة اليمين وحرف الألف من جهة اليسار، وهذا ما أضفى مسحة جمالية تنظيمية على هذا الجزء من اللوحة، كما سيلاحظ خاصية التكرار التي تمثّـلت بشكلها المستدير المتناسب شكلاً مع حرفي القاف والواو.
وأخرج حرف الياء بتقويسة طولية تمتد بحركة اتجاهية نحو يسار الكتلة، ثم تأخذ شكل الياء الراجعة الى جهة يمين الكتلة بخط أُفـقـي طويل نسبياً يتراكب ويتقاطع مع حروف الالف واللام والنون والذال، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وينتهي باتصال مع بداية تقويسة حرف النون، وبهذا الإخراج المتراكب المكثف منح هذا الجزء من اللوحة تكاثفاً حركياً تتمتع العين بمتابعته رغم صعوبة قراءته.
وتحققت خاصية الرفع المكاني في رفع جزء من كلمة (سبيل) فوق كلمة (الذين)، كما يلاحَظ التباين الحجمي بين حرفي الباء والياء، وتعامل الفنان عباس مع حرف اللام تعاملاً فنيّـاً حيث مدّ طوله القائم وبدون ترويس، واعتمد في خطّه للجزء الثاني منه على تقويسة لطيفة صاعدة الى الأعلى، لتلتقي بترويسة حرف الألف من كلمة (قتلوا)، فتحققت بذلك خاصية التأليف.
ويستمر الفنان في تحقيق البناء التصاعدي لكلمات الكتلة، فيرفع لفظ الجلالة فوق حروف السين والباء والياء من كلمة (سبيل)، ويبدأ بحرف الألف الذي منحه شكلاً قوسياً يحيط بحرف الميم من كلمة (أمواتاً ولفظ الجلالة)، ويمتد بحركة اتجاهية نحو الأسفل ليتراكب ويتقاطع مع ترويسة حرف اللام من كلمة (الذين)، محققاً بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وينتهي متصلاً ببداية حرف الباء من كلمة (سبيل)، ويلاحظ المُشاهد أنَّ هذا الشكل القوسي يتباين تماماً مع أشكال حرف الألف المنفرد في هذه الكتلة، ويبدو أنَّ التنويع الإخراجي الذي يعتمده الفنان عباس كان دافعه لخطـّه بهذا الشكل، فضلاً عن أنّـه أضفى إحساساً بالحركة على هذا الجزء من اللوحة.
في لفظ الجلالة عالج الفنان حرف اللام المتكرر بشكلين مختلفين، فالأول منهما خطّـه بترويسة لطيفة، أمّـا الثاني فأخرجه بدونها، وأخرج حرف الهاء إخراجاً جميلاً حيث بدأ بحركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى مع تقويسة خفيفة، ثم حركة نازلة ثم صاعدة حتى تتصل نهايته بتقويسة حرف الواو من الأسفل، محققاً بذلك خاصية التأليف.
إنّ التقديم والتأخير المكاني الذي اعتمده الفنان في بعض حروف كلمات هذه الكتلة كرره أيضاً عند خطّـه لكلمة (أمواتا)، حيث قـدَّم حرف الميم وكان حقّـه التأخير عن حرف الألف، وذلك لقصديته في التنويع، وأيضاً تحقيق البُـعد الجمالي في تظهير حرف الألف القائم المتكرر الذي يتباين شكله تماماً مع استدارة وتقويسة حرف الواو الواقع بينهما، وأفاد أيضاً من طواعية الحرف العربي على الامتداد، فأحسن اختيار موقعه تحقيقاً لخاصية التنصيل، فمدَّ الجزء القائم من حرف اللام في كلمة (سبيل) بحيث ينصِّف تقويسة حرف الواو، ويجاورها حرف الألف من الكلمة نفسها، فمنحها بذلك تناسباً وتوازناً لافتاً للنظر، فضلاً عن أنَّ هذا التنصيف أسهم في الايهام بالبعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.
في جزء من مساحة الفراغ الواقع تحت الكتلة السابقة سطّـر الفنان تكملة الآية القرآنية الكريمة بخط النسخ على شكل سطر خطّي متتابع، وهذا النوع من الخطوط العربية يتسم بسمات السهولة والبساطة والوضوح والسرعة كتابةً وقراءةً، لأنّه الخط الذي خطَّ به النسّاخون المصاحف الكريمة والكتب، ومازال مستخدماً في الكتابة لحدّ الآن، ويبدو أنَّ هذه السمات كانت هي الدافع الى اختياره لخط هذا الجزء من الآية القرآنية الكريمة، فضلاً عن أنّـه سيشكِّل مساحة استراحة لعين المشاهد وهي تنتقل بين كتل هذه اللوحة.
ويلاحظ المُشاهد أيضاً أنَّ هذا الجزء يتميز بترصيف كلماته، أي وصل الحروف المتصلة بعضها مع بعض بوضوح، وتساوي أحجامها عدا حرف الياء في كلمة (احياء) الذي ميّـزه بالمدّ أي التنصيل لأنَّ دلالته الحياة، كما يلاحَظ استخدامه لشكلين من أشكال حرف الراء، ففي كلمة (ربهم) خطَّه مرسلاً، وخطّـه رحمانياً في كلمة (يرزقون)، فحقق بذلك تنويعاً إخراجياً لشكل هذا الحرف.
في الشريط الكتابي الواقع في جهة يمين اللوحة اختار الفنان خطَّ جزء من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (111) من سورة التوبة، والذي ينصّ على (إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة)، بخط جلي الثلث، وابتدأ الكتلة من الأسفل صعوداً الى الأعلى، واعتمد التركيب الخفيف في هذا الشريط فحقق صفة التنويع من جهة، وخاصية التباين من جهة مقابلة، وهي الخاصية التي تجلّـت أيضاً بخطّ هذه الآية الكريمة بقلم أقل سماكة من القلم الذي خطَّ به الآية القرآنية الكريمة (ولا تحسبن ...)، وهو القلم نفسه الذي خطَّ به تكملة الآية القرآنية الكريمة (بل أحياء ...)، وهذا ما يؤشِّر قصديته في إبعاد الملل عن نظر المشاهد، والتمتع بتنوّع أحجام الكتل المخطوطة.
في إخراجه الفنيّ لكلمة (ان) أخرجَ حرف الألف المروّس القائم بمنحه طولاً مبالغاً به بحيث يبدو وكأنه عمود، أمّـا حرف النون فقد خطّـه بترويسة صغيرة، وانتهى باتصاله بحرف الألف من كلمة (اشترى)، فحقق بذلك خاصية التأليف، وأفاد من حوضه ليكون حاضناً لحرف الألف من لفظ الجلالة ومن كلمة (اشترى).
واعتماداً على خاصية الرفع أيضاً اشتغل باتجاه الرفع المكاني للفظ الجلالة فوق حرف النون الذي أصبح قاعدة له، ويلاحظ المشاهد أنّـه أفاد أيضاً من خاصية التنويع التي تجلّـت في خطّـه لحرف اللام المتكرر، فالأول كان مروّساً، فيما كان الثاني غير مروّس.
يلفت انتباه المُشاهد لهذا الجزء من الكتلة تحقق البُـعد الجمالي فيه من حيث تكرار حرف الألف بالشكل نفسه، فبدا وكأنّـه أعمدة متوالية ومتقاطعة مع الحروف الممتدة أُفـقـياً، وهذا من ميزات خاصية التركيب. وعالج حرف الشين من كلمة (اشترى) معالجة فنية تمثلت بأسنانها القصيرة، ونقاطها الثلاث التي كانت كل واحدة منها على شكل متوازي الأضلاع، وباجتماعها معاً تكوّن شكل مثلث، واعتمد على شكل الراء الرحمانية التي تنتهي تقويستها باتصال مع تدويرة حرف الميم من كلمة (المؤمنين)، فحقق بذلك خاصية التأليف، ووظّـف خاصية الرفع المكاني ليخطَّ حرف الألف المقصورة بحيث تكون بدايته فوق حرف الراء، وأولاه عناية إخراجية واضحة تمثّـلت في تقويسته الصغيرة من الأعلى، ثم تقويسة ثانية وحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، وأكملها على شكل الياء الراجعة بحيث تقطع حرف الألف من كلمة (المؤمنين)، وتنصِّـف حرف النون من كلمة (من) تنصيفاً أُفـقـياً، منتجاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ويمتد حرف الألف حتى يتصل بنهاية حرف الهاء من لفظ الجلالة، فتحققت أيضاً خاصية التأليف.
في تعامله الفني مع كلمة (من) اعتمد أيضاً على خاصية الرفع المكاني، بحيث أفاد من المساحة المتاحة فوق حرف الشين من كلمة (اشترى) لخطّـها، ومنحها شكلاً مائلاً بحيث رفع حرف الميم مكانياً، وخطَّ تقويسة حرف النون بحركة اتجاهية نازلة قليلاً، وأظهر خاصية التوازن بخط بداية حرف الألف المقصورة فوق نهاية تقويسة حرف النون.
وتحقق الإيقاع أيضاً في كلمة (المؤمنين) التي خطّـها الفنان معتمداً على خاصيتي الرفع والخفض المكاني، والتشابك بين الحروف الذي تتيحه خاصية التركيب، وهذا ما يجده المشاهد في خط كلمة (المؤمنين) حيث أصبح حرف الراء قاعدة لحرف الألف المروّس، ويجاوره الجزء القائم من حرف اللام المروّس أيضاً، واعتمد الفنان عباس على خاصية التكرار في خط شكل حرفي الميم والواو في نصّ (ولا تحسبن ...)، ورفع حروف الميم والنون والياء مكانياً، واتخذ حرف النون قاعدة لخط حرفي الواو والألف، فأحدث بذلك نشاطاً حركياً لعين المُشاهد وهي تتابع هذا الجزء من اللوحة.
في إخراجه الفني لكلمة (أنفسهم) أفاد من خاصيتي التراكب والتقاطع أيضاً، فخطّ حرف الألف المروّس بحيث ينصّف تقويسة حرف الميم، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً ، وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن اتخاذه من حرف الواو قاعدة له، أمّـا حروف النون والفاء والسين والهاء فأصبحت قاعدة لجزء من كلمة (المؤمنين)، وخطَّ حرف الهاء بالشكل المعروف بين الخطاطين بتسمية أُذن الفرس، فيما اتخذ حرف الميم شكله المجموع، واتصلت نهايته بالجزء الاسفل من حرف الباء في كلمة (بأنَّ)، فتحققت خاصية التأليف.
واستمر الفنان عباس بالإفادة من خاصيتي الرفع والخفض المكاني في هذه الكتلة، حيث رفع كلمة (وأموالهم)، ليتخذ حرف الواو موقعه فوق حرف السين وكذلك حرف الألف المروّس، أمّـا حرفي الميم والواو المرسلين فاتخذا من حرفي الهاء والميم قاعدة يرتفعان فوقهما، ونصّف حرف الألف المروّس امتداد حرف الواو النازل الى الاسفل مع حركة اتجاهية نحو اليسار، فشغل بذلك جزءاً من الفراغ البيني، وأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وتوازى حرف اللام المروّس مع حرف الألف، فيما اتخذ حرف الهاء الشكل المعروف لدى الخطاطين بتسمية (عين الهر)، واكتمل شكل الكلمة بحرف الميم المجموع، الذي اتخذت بدايته موقعاً وسطاً بين حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام، فيما امتد الجزء المجموع منه ليتراكب ويتقاطع مع الجزء القائم من حرفي اللام والألف ورأس حرف الجيم، محققاً بعداً وهمياً ثالثاً، وحركة ضمنية وهمية، لينتهي قوسه متصلاً بحرف النون من الأسفل، فمثّـل بذلك تركيباً ثقيلاً أسهم في منح هذا الجزء من اللوحة تشابكاً وتداخلاً لافتاً للنظر.
يسهم التفريق المكاني لحروف الكلمة الواحدة في إثارة بصر المُشاهد ومتعته أيضاً، وهذا ما عمد إليه الفنان عباس في تفريق حرفي الباء والألف عن حرف النون في كلمة (بأنَّ)، وكذلك بالإبعاد المكاني لنقطة حرف الباء التي خطّـها في جهة يسار الكتلة، وفي إخراجه لحرف النون أفاد من خاصية الرفع المكاني، فرفعها فوق حروف الهاء والميم من كلمة (لهم) وحرف الميم من كلمة (أموالهم)، وخطّ حرف الألف المروَّس من كلمة (الجنّـة) بحيث ينصّفها، منتجاً بعداً وهمياً ثالثاً، وحركة وهمية ضمنية، فأضفى بذلك إيقاعاً وتوازناً دالاً على خبرة كبيرة في تنفيذ التركيب الثقيل.
أغلق الفنان هذا النص بكلمة (الجنّـة) التي كتب حرف اللام منها مروّساً، وميّـز حرف التاء فيها بخطّـه على شكل الهاء المثلثة المفردة، ولكنها مائلة قليلاً الى جهة اليسار، فأفاد بذلك من خصائص خط الثلث التي تتيح للفنان اخراج الحرف الواحد بأشكالٍ متعددة سواء أكان هذا في نص واحد، أو في نصوص متعددة تضمّها اللوحة الخطيّـة.
يكشف اختيار ألوان الأرضية عن قدرة الفنان على ربط دلالتها بدلالة النص المخطوط عليها ربطاً صميمياً، يلفت انتباه المُشاهد، فيشعر بالتآزر الدلالي بينهما، وبما أنَّ الإنسان يعيش حياته الأُولى على الأرض، وحين يموت يُدفن في ترابها، فإنَّ الفنان عباس انتقى اللون البُنيّ الترابيَ لوناً للأرضية قصدياً وليس عشوائياً، ومنحه تدرجاً لونياً بين الفاتح والغامق، ومتداخلاً أيضاً، ويحيط بالنص من جهاته جميعاً، واختار اللون الأزرق الفاتح والمتدرِّج أيضاً ليشغل خلفية الكتل الخطيّة، لأنَّه لون روحي يرتبط بالسماء ويشير الى القدر، ومن دلالاته الايجابية السكينة والسلام والهدوء، في حين اختار الحبر الأسود للكتابة لما يتمتع به اللون الأسود من فخامة مظهرية.
لوحة (واصبر على ما أصابك)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانتاج: 1412ه/ 1992م
يكشف البناء العام لهذه اللوحة عن استخدام الفنان لخامة خشبية من نوع ماسونيت، مستطيلة الشكل لينفّـذ عليها لوحته معتمداً على العناصر التكوينية التالية:
1/ الكتلة الرئيسة: وهي الكتلة الخطيّـة التي قسّمها على كتلتين ، ضمَّ القسم الأول منها الآية القرآنية الكريمة المرقمة (17) من سورة لقمان، والتي قسّمها أيضاً على قسمين، في القسم الأول الأعلى خطَّ جزءاً منها، وهو (واصبر على ما اصابك)، وفي القسم الثاني الواقع في الأسفل خطَّ الجزء الثاني من الآية ذاتها والتي تنصّ على (ان ذلك من عزم الامور)، أمَّـا الكتلة الثانية فقد خطَّ فيها جملة (صدق الله العظيم) بخط جلي الثلث
2/ الكتلة الثانوية: وهي التشكيلات التزيينية (الحلية) التي نشرها في الفراغات البينية والمحيطية للكتلتين.
3/ أرضية اللوحة أو خلفيتها: اختار الفنان تقسيمها على (3) أقسام، فالقسم الأول منها هو أرضية القسم الأول من الآية القرآنية الكريمة، والقسم الثاني هو أرضية القسم الثاني من هذه الآية، والقسم الثالث هو أرضية اللوحة ذاتها.
تشير الكيفية التي يتعامل بها الفنان مع تكوين اللوحة الى قدرته على تحقيق علاقة متناسقة بين عناصره بحيث لا يشذّ أي عنصر منها فيسيء الى جماليتها، وينفّـر مشاهدها منها، ولهذا يعمد الى التجريب المتواصل حتى يصل الى التكوين الذي يراه مناسباً للكتلة الخطيّـة ودلالاتها، وهو ما يلاحظه المشاهد لهذه اللوحة، حيث بدأ القسم الأعلى بكلمة (واصبر) التي عالج حرف الواو منها بعين مُخرّقة أي مفـرّغة، وأكملها بإرسال مبالغ فيه قليلاً ليصبح قاعدة لحرف الألف ورأس حرف الصاد، وأخرج حرف الألف مروّساً ومبالغاً في طوله، واتخذ حرفي الصاد والباء قاعدة لترتفع فوقهما كلمة (ما)، وأخرج تقويسة حرف الباء بحركة اتجاهية الى الأعلى بحيث تتقارب مع تقويسة حرف الميم، فحقق بذلك خاصية التباين التي منحتهما بُـعداً جمالياً لافتاً للنظر، أمّـا حرف الراء فقد خطّـه على شكل الراء الرحمانية التي تنتهي رفيعة ومتصلة بحرف الألف من كلمة (أصابك)، فحقق خاصية التأليف.
تمنح خاصية التركيب الثقيل فرصاً متعددة للفنان عند معالجته الفنية للكلمات والحروف بحيث يستغل المساحات استغلالاً متميزاً يتيح له انتاج لوحةٍ جميلة ومتناسقة، وفي هذه اللوحة يلاحظ المتأمل التنويع المكاني للكلمات دون الالتزام بتسلسلها القرائي لكي يحقق خاصية التركيب الثقيل، كما يلاحظ رفع كلمة (على) مكانياً، فوق كلمة (اصبر) التي أصبحت قاعدة لها، ورفع تقويسة حرف العين فوق حرف ما، وتوازى حرف اللام من كلمة (على) مع حرف الألف من كلمة (ما)، ولكنهما تباينا في الوقت ذاته من حيث الطول، أمّـا حرف الألف المقصورة فقد أخرجه الفنان بشكل الياء الراجعة الذي تتجه تقويسته الى جهة يسار الكتلة حتى يقترب من حرف الألف من كلمة (أصابك)، ويتراكب ويتقاطع مع حرف الألف من كلمة (ما) مـرّتين محققاً البُـعد الثالث الوهمي لأنّـه أصبح أمام حرف الألف، ثم امتد بحركة اتجاهية نحو يمين الكتلة الخطية، وانتهى نهاية متشظيّـة أي رفيعة ودقيقة بحيث يتراكب ويتقاطع أيضاً مع حرف الألف من كلمة (واصبر)، فحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي أيضاً لأنه أصبح أمام حرف الألف واختفى جزء منه وراءه، وبذلك تعددت الحركات الاتجاهية للحروف فمنحت شكلها حيوية وحركية لافتة للنظر.
إنَّ الحروف القائمة تمنح شكل الكتلة قوة وصلابة لأنّـها ستكون بمثابة أعمدة البناء التي تمنحه صفة التماسك، وهذا ما دفع بالفنان عباس الى الاهتمام بإخراجها من حيث توازيها، والمبالغة في أطوالها، وبالاعتماد على خاصية التكرار أخرج حرف الصاد بالأسلوب نفسه الذي أخرجه به في كلمتي (واصبر، أصابك)، واتخذ من حرف الصاد قاعدة فرفع حرفي الباء والكاف مكانياً، وأفاد من خاصية الخفض فخفض نقطة حرف الباء بحيث أصبحت تحت حرف الصاد، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع بين حرفي الكاف والألف بحيث تراكب قوس حرف الكاف على حرف الألف الذي أصبح خلفه محققاً البُـعد الثالث الوهمي، وأحدث حركة ضمنية ايهامية.
بدأ القسم الثاني من الآية الكريمة بكلمة (إن) التي خطَّ الفنان عباس حرف الألف منها بالطريقة نفسها التي خطّـها بها في القسم الأول فحقق خاصية التكرار، وأخرج حرف النون بحيث تكون تقويسته قاعدة تحتضن حرفي الذال واللام من كلمة (ذلك)، وتنتهي تقويسته متراكبة ومتقاطعة مع نهاية تقويسة حرف اللام، وبذلك أصبح هذا الحرف أمامها فحقق البُـعد الثالث الوهمي، وأنتج حركة ضمنية ايهامية.
خطَّ الفنان عباس حرف الذال معتمداً على خاصية الرفع المكاني وبترويسة في بدايته، وتنتهي تقويسته بحيث تتراكب وتتقاطع مع حرف اللام من الأسفل، فأصبح حرف اللام أمامه وتحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، ثم يتجه هذا الحرف بحركته الاتجاهية الصاعدة ليتصل بحرف اللام أيضاً في الجزء القائم منه ليحقق خاصية التأليف، أمّـا حرف اللام فخطّـه بترويسة وامتداد عمودي يتناسب في طوله مع الجزء القائم من حرف الكاف، ولكنّـه يتباين عنه بترويسته المثلثة، وهذا ما يشير الى رغبة الفنان بتنويع شكل الحرف القائم أو الجزء القائم من الحرف، وهذا ما تتيحه خاصية خط جلي الثلث من حيث امكانية التعدد الشكلي للحرف الواحد.
شكّلت تقويسة حرف الكاف قاعدة تحتضن حرف الميم من كلمة (من) الذي خطّـه الفنان برفعه مكانياً، وتركيبه وتقاطعه مع تقويسة حرف الكاف ليحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي الذي تحقق أيضاً من خلال تراكب وتقاطع تقويسة حرف النون الرحماني مع امتداد حرف الزاي الرحماني أيضاً من كلمة (عزم)، حيث أصبح هذا الحرف أمام تقويسة حرف النون، فأنتج حركة ضمنية ايهامية.
وعالج حرف العين فنيّـاً حسب خاصية الرفع المكاني فاستقـرّ على نهاية تقويسة حرف الكاف من كلمة (كذلك)، أمّـا حرف الزاي فقد أخرجه الفنان بشكلٍ الزاي الرحمانية كما أخرج حرف الميم بالشكل نفسه، محقـقاً بذلك خاصية التكرار التي منحت هذا الجزء من الكتلة حركية وايقاعاً جميلاً، فضلاً عن كشفها عن قدرة الفنان عباس في الإفادة من طواعية ومرونة الحرف العربي في خط جلي الثلث.
إنّ الرفع المكاني للحروف يمنح الفنان فرصة لتحقيق أكثر من خاصية كما أشرتُ، فضلاً عن الرفع المكاني للكلمات، فيخرج بذلك السطر الكتابي من حالة التتابع المتسلسل الذي قد يكون رتيباً وبسيطاً في بعض أنواع الحروف العربية، وهذه الحالة تتيحها خطوط الجلي سواء أكان الخط من نوع الثلث أو الديواني، ولذلك يلاحظ المتأمل في كلمة (الأُمور) ارتفاعها المكاني قياساً الى موقع كلمة (إن) التي ابتدأ بها هذا الجزء من النص.
في كلمة (الامور) اتخذت حروف الألف المتكرر واللام من حرف الميم في كلمة (عزم) قاعدة لترتفع فوقها مكانياً، ويلاحظ المشاهد التنوّع الاخراجي الذي مارسه الفنان عباس، فحرف الألف الأول أخرجه مروّساً قائماً ينتهي نهاية رفيعة ودقيقة ومائلة الى جهة يسار الكتلة، أمّـا حرفي اللام والألف فأخرجهما بشكل مختلف فوصلهما معاً، ليحقق خاصية التأليف، وعمد الى تحريف حرف الألف المروّس مكانياً فخطّـه قبل حرف اللام في جهة اليسار، ثم اتخذ حركة اتجاهية نازلة ومائلة الى جهة اليمين، ثم التفافة ثم حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى مع ميلان الى جهة اليمين ليخطّ حرف اللام بشكل رفيع، وينتهي نهاية دقيقة وبدون ترويس، فحقق بذلك خاصية التباين بين شكلي حرفي الألف، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التركيب والتقاطع بين حرفي الألف الأول والثاني، فتحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي، والحركة الضمنية الايهامية أيضاً، وعالج حرف الميم بكتابته مفـرّغ العين، وخطَّ حرف الواو المفـرّغ العين على شكل الواو المجموع بحيث ينتهي نهاية رفيعة ودقيقة، وتتصل بحرف الراء من الأسفل فحقق بذلك خاصية التأليف.
وأفاد مرة أُخرى من خاصية الرفع المكاني فرفع حرف الراء بحيث أصبح حرف الواو قاعدة له، وأخرجه بشكل الراء المجموعة محققاً خاصية التناسب الشكلي بين تقويسته وتقويسة حرف الواو.
وعلى سبيل التنويع أيضاً خطّ الفنان عباس جملة (صدق الله العظيم) محـرّفة عن موضعها الأصلي في نهاية الآية الكريمة، فاختار لها الزاوية العليا اليسرى للنص، معتمداً على اتجاه تسلسل النص من الأسفل الى الأعلى، وابتدأ بكلمة (صدق) من الأسفل، وبتتابع صاعد حيث أصبحت هذه الكلمة قاعدة يرتفع فوقها لفظ الجلالة، وكذلك كلمة (العظيم)، ويلاحظ المشاهد أنَّه أخرجها دون تركيب ثقيل أو تقاطع بل كان شكلها بسيطاً وسهلاً عند القراءة.
شغلت التشكيلات التزيينية الفراغات البينية والمحيطية في قسمي اللوحة، وضمّـت حلية على شكل حروف ايضاحية صغيرة، وبعض علامات الإعراب مثل الفتحة والكسرة، وكذلك السكون والشدّة والفاصلة، وهذا ما أسهم في منح الكتلة الخطيّـة في القسمين تماسكاً وتراصاً.
يكشف التأمّـل في قسمي اللوحة عن توافر خاصية التوازن في كل منهما وذلك لقدرة الفنان عباس على توزيع كل الحروف والكلمات بصورة منتظمة، كما تكشف أيضاً عن تميز كل منهما بخاصية التناسب التي اعتنى بها عند التنفيذ بحيث تناسبت مقاسات الحروف مع بعضها البعض، وهذا ما أوجدَ خاصية الايقاع، وفي الوقت ذاته يجد المشاهد أنَّ الاختلافات بين القسمين لافتة للنظر، حيث يبدو القسم الأول وكأنّـه الأصل وذلك لسببين:
الأول: أنّ القسم الأول أكبر حجماً من حيث مساحة الأرضية من القسم الثاني، ولهذا خطّ الفنان كلماته بقصبة أكثر سُمكاً فكلماته بالتالي ستكون أكبر حجماً.
الثاني: أنَّ خاصيتي التركيب والتقاطع أقل حضوراً في هذا القسم قياساً الى القسم الآخر.
ويبدو أنَّ ما دفع بالفنان الى هذا التكوين له علاقة بالدلالة المحورية لهذا القسم، والتي تشير الى الصبر على المكاره، وهذا ما يتطلّـب من الشخص الصابر شيئاً من القـوة والهدوء، ولهذا كان اختياره للون الأبيض المشوب باللون الأزرق لوناً لأرضية هذا القسم، فضلاً عن لمسات من اللون البنفسجي الذي يرمز دلالياً الى الانفتاح والهدوء والحكمة والقـوّة، ولكن للصبر حدود، والعزم قد يخور أحياناً لطول مدته الزمنية بدون الوصول الى الهدف المتمثل بالنتيجة الايجابية المتمثلة بتحقق المراد، فيتسبب بالانكسار النفسي الذي جسّده الفنان عباس فنيّـاً بتمزّق الورقة وسقوطها الى القسم الأسفل من اللوحة، وحقق خاصية التضاد من خلال اختياره للون الأبيض للجزء المتمزق في الكتلة السفلى، أمَّـا أصلها فكان باللون النيلي للدلالة على ارتباطها بالقسم الأول من الكتلة الخطـيّـة.
واختار التركيب الثقيل لخط جلي الثلث لإخراج هذا القسم من اللوحة، فضلاً عن اختياره اللوني المتمثل بالنيلي المتدرِّج لأرضية هذا القسم، والذي تشير بعض دلالاته الايجابية الى المشاعر الداخلية للإنسان، والأفكار الذاتية، أمّـا دلالاته السلبية فتتمثّـل بالحزن والاكتئاب، وهذه نتيجة طبيعة لعدم تحقق المراد، فبدا وكأنَّ هذا القسم ظل للقسم الأول الذي هو الأصل، ولكنَّ الأمل يظل ماثلاً بدلالة استخدام الفنان لصبغة الأكريلك البيضاء لخط كلمات هذا القسم، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التضاد اللوني بين أرضيتي القسمين من جهة، وحقق البُـعد الثالث الوهمي أيضاً، وذلك لأنَّ القسمين يقعان أمام أرضية اللوحة أو خلفيتها، التي اختار لها درجات متعددة من اللون النيلي، وتبدأ من الأسفل بدرجة النيلي الفاتح الضبابي ثم يميل الى الدرجة الغامقة كلما ارتفع الى الأعلى.
3/8/2022م
لوحة (ن والقلم)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الإنجاز: 1412ه / 1992م
على خامة من الورق (الكارتون) المستطيل القائم الشكل نفّـذ الفنان عباس لوحته معتمداً على العناصر التكوينية التالية:
1/ الكتل الرئيسة: وهي الكتلة الخطيّـة التي قسّمها على (3) كتل، في الأُولى خطَّ جملة (قال تعالى في كتابه الكريم)، وفي الثانية جملة البسملة، وفي الثالثة الآية القرآنية الكريمة المرقّـمة (1) من سورة القلم والتي تنصّ على (ن والقلم وما يسطرون).
2/ الكتلة الثانوية: وهي التشكيلات التزيينية (الحلية) التي نشرها في الفراغات البينية والمحيطية للكتل.
3/ أرضية اللوحة المشغولة بالحروفيات والغصن النباتي.
اختار الفنان عباس خطَّ كتلة (قال تعالى في كتابه الكريم) بتركيب ثقيل لخط جلي الديواني، وبقلم قليل السُمك، وابتدأ بكلمة (قال) من أعلى الكتلة ثم تتابعت الكلمات نزولاً الى الأسفل، وأخرج حرف القاف مطموس العين، واتخذت نقطتاه المتجاورتان أُفـقـياً موقعهما فوقه، فأسهمتا في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهة العليا، ومنح حرف الألف طولاً مبالغاً فيه، فحقق خاصية التباين مع طول الجزء القائم من حرف اللام لكونه أقل طولاً منه من جهة، ولتسهم ترويسته في تحقيق جزء من الاغلاق الشكلي الوهمي للكتلة من جهة مقابلة، أمّـا حرف اللام فقد رفعه مكانياً بحيث أسهمت ترويسته في تحقيق جزء من الاغلاق الشكلي الوهمي للكتلة من الجهتين العليا واليسرى.
وأخرج حرف التاء في كلمة (تعالى) اخراجاً فنيّـاً تمثّـل بخطّـه بحجم أصغر من باقي حروف الكلمة، وأسهمت بدايته في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي لجزء من الكتلة في جهتها اليمنى، ورفع نقطتيه فوقه، وخطّـهما بشكل متعامد مع ميلان قليل الى جهة يمين الكتلة، فأنتج حركة ضمنية وهمية، واسهمتا في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهة ذاتها.
وخطّ حرف العين مطموساً، وبالغ قليلاً في امتداده الأُفـقـي المقوّس قليلاً، محققاً بذلك خاصية التضاد الحجمي بينه وبين باقي حروف الكلمة ذاتها، وأخرج حرف اللام اخراجاً فنيّـاً تمثّـل بمنحه تقويساً قليلاً من جهة اليمين، أمّـا حرف الألف المقصورة فقد قـوّسه تقويسة لطيفة، وأسهم في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي لجزء من الكتلة من جهة اليسار.
يحرص الفنانون على تحقيق خاصية التضاد بأنواعها المختلفة لما تؤديه من وظائف جمالية، وما تمنحه من حيوية شكلية للكتل الخطيّـة، فضلاً عن كشفها لمدى المهارة التي يتمتعون بها في الإفادة من طواعية الحروف العربية وقابليتها للتشكيل كما يرغبون، ولهذا أخرج كلمة (في) بشكل عمودي يتضاد مع أشكال الكلمات الأُخرى في هذه الكتلة، فرفع حرف الفاء المطموس العين مكانياً، واعتمد على خاصية التحريف المكاني لنقطته التي اختار موقعها في الجهة اليسرى للكتلة، وخطَّ حرف الياء تحت حرف الفاء بحيث أصبح قاعدة له، واتخذت نقطتاه العموديتان موقعهما تحته، فأسهمت في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، ويلاحظ المشاهد أنَّ الميلان القليل للنقطتين أحدث حركة ضمنية وهمية وأضفت مسحة حيوية على الكتلة.
وتعامل مع كلمة (كتابه) تعاملاً فنيّـاً حيث أخرج حرف الكاف بشكله السيفي، وبالغ في الامتداد المقـوّس لحرف التاء، واعتمد على خاصية التحريف المكاني لنقطتيه العموديتين، فخطّـهما فوق بدايته، وكان الأصل في موقعهما هو فوقه وفي الوسط، فأنتج بذلك حركة ضمنية وهمية، ولتحقيق التركيب الخفيف في كلمة (كتابه) عمد الى خاصية الرفع المكاني، فرفع حرفي الباء والهاء ليصبح حرف التاء قاعدة لهما، وبالغ في طول حرف الألف المروس ليسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة، وأخرج حرف الباء بشكل مقعر، أمّـا حرف الهاء فقد منحه انحناءة صغيرة انتهت بتراكبها وتقاطعها مع حرف الألف من الكلمة ذاتها، فأنتج بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية.
يلفت نظر المشاهد لهذه الكتلة الكيفية التي تعامل بها الفنان عباس مع كلمة (الكريم) حيث بالغ في طول حرف الألف، ومنحه تقويسة من جهة اليمين ليكون حاضناً لبقية حروف الكتلة، وأسهم في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليمين، وخطَّ حرف اللام بامتداد قائم قصير نسبياً، وأخرج حرف الكاف بشكله السيفي ليحقق خاصية التكرار الشكلي الايقاعي مع شكل الحرف نفسه في كلمة (كتابه)، أمّـا حرف الياء فأخرجه مرسلاً، وأسهم في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأسفل، ومنح حرف الياء حجماً صغيراً، واستقرت نقطتاه تحته، ولكنه أخرجهما بشكل أُفـقـي ليحقق خاصية التضاد مع شكلهما في حرف التاء من كلمة (تعالى)، وفي حرف الياء من كلمة (في)، وحرف التاء من كلمة (كتابه)، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التكرار الايقاعي مع شكل نقطتي حرف القاف من كلمة (قال)، فأنتج بذلك تنويعاً إخراجياً وبُـعداً جمالياً.
في الكتلة الخطيّـة الثانية خطَّ جملة البسملة بخط جلي الثلث وبتركيب ثقيل، وابتدأ بكلمة (بسم) من الأسفل ثم تتابعت الكلمات صعوداً الى الأعلى، فحقق خاصية التضاد التي تجسّدت في اختلاف نوع الخط في هذه الكتلة، وشكلها وحجمها وميلان حروفها، ورغم أنّـه استخدم القلم نفسه في الكتلتين الأُولى والثانية إلاَّ أنّـه أفاد من خاصية تنصيل الحروف التي يتيحها خط جلي الثلث في هذه الكتلة.
وأخرج حرف الباء من الكلمة ذاتها اخراجاً فنياً تمثّـل برفعه مكانياً قليلاً، وترويسة لطيفة، وأسهم في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي للكتلة من جهة اليمين، أمّـا نقطته فقد خطّـها بشكل دائري ليحقق خاصية التضاد الشكلي مع أشكال النقاط الأُخرى، وتنويعاً لشكلها في خط جلي الثلث الذي يكون متوازي المستطيلات، وتصرّف في موقعها فحـرّفها عن موقعها الأصلي وهو تحت الحرف ليخطّـها تحت نهاية حرف السين، وبذلك أنتج حركة ضمنية وهمية أسهمت في منح الكتلة حيوية لافتة للنظر.
أمّـا حرف السين فأخرجه بأسنان قصيرة ملتزماً بقاعدة كتابته في خط جلي الثلث، ومنحه ميلاناً متدرّجاً نحو الأسفل، وعالج حرف الميم معالجة فنية تمثّـلت بخطّـه على شكل قوس مبالغ في طول تقويسته، فأسهمت نهايته في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأسفل.
إنَّ موقع كلمة (بسم) في أسفل الكتلة جعل من حرفي الباء والسين قاعدة يستقر فوقها لفظ الجلالة، الذي أخرجه صغير الحجم قياساً الى حجوم الكلمات الأٌخرى في هذه الكتلة، فحقق بذلك خاصية التضاد الحجمي بينهما، وأفاد من التحريف المكاني لحرف الألف فأخرجه بحيث ينصّف حرف اللام الثاني من لفظ الجلالة، فتراكب وتقاطع معه لينتج تركيباً ثقيلاً من جهة، وبُـعداً ثالثاً وهمياً من جهة ثانية، وحركة ضمنية وهمية من جهة ثالثة، وخطَّ حرف اللام الأول مقـوّساً قليلاً، فأسهمت تقويسته في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأعلى، فيما خطَّ حرف اللام الثاني ممتداً عمودياً، فحقق بذلك قاعدة خط جلي الثلث في شكلي الحرفين، أمّـا حرف الهاء فقد أخرجه منحنياً من الأعلى مع ميلان قليل الى جهة اليمين، ثم تقويسة في الأسفل تنتهي متراكبة ومتقاطعة مع حرف الألف من كلمة (الرحمن)، فأنتجت بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية أيضاً.
في تعامله الفني مع كلمة (الرحمن) خطَّ حرف الألف بشكل مبالغ في طوله وتقويسته ليحقق أكثر من هدف، الأول هو اسهامه في تحقيق جزء الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهتين العليا والسفلى، والثاني هو احتضان باقي حروف الكلمة من جهة اليمين، والثالث هو منح الكلمة حجماً اكبر، تحقيقاً لخاصية التضاد الشكلي، وأخرج حرف اللام بشكل عمودي، وطول أقصر من حرف الألف، أمّـا حرف الراء فأخرجه بشكله المرسل، وأسهمت نهايته في تحقيق جزء الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأسفل، وأخرج حرف الحاء اخراجاً فنيّـاً تمثّـل بدايةً بزلف رفيع ملتف، ثم حركة اتجاهية صاعدة قليلاً مع تقويسة صغيرة، ثم حركة اتجاهية الى يمين الكتلة، ثم حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل لتتصل مع حرف الميم، فأنتج خاصية التأليف، وحركة ضمنية وهمية، ومنح شكله حيوية وبعداً جمالياً بسبب اختلاف سُمك الخط الذي تناوب بين الرفع والثخانة، فضلاً عن أنَّ تراكب وتقاطع هذا الحرف مع حرف اللام من الكلمة ذاتها أنتج بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وحقق اتصاله بحرف الألف من الكلمة ذاتها خاصية التأليف، أمّـا حرف الميم فقد اتخذ شكلاً مربّـعاً، وموقعاً نازلاً تحت حرف الحاء، وحركة اتجاهية نحو يمين الكتلة، وأفاد من تقويسة حرف النون في تحقيق جزء من الاغلاق الشكلي الوهمي للكتلة من الأسفل، واستقـرّت نقطته فوقه وفي الوسط، وكانت بشكل متوازي المستطيلات وهو شكلها حسب قواعد خط جلي الثلث.
تشتغل طواعية ومرونة الحروف العربية باتجاه منح الفنان حريّـة أكبر في الإخراج الحجمي للكلمات، وهذا ما استغله الفنان عباس استغلالاً لافتاً للنظر تمثّـل في خطِّ كلمة (الرحيم) بحجم أكبر من حجوم بقية كلمات الكتلة، فحقق بذلك خاصية التضاد الحجمي، وأفاد من خاصية الرفع المكاني بحيث أصبحت كلمة (الرحمن) قاعدة تستقر فوقها، واتخذت الاتجاه المائل والنازل أيضاً، كما أفاد من خاصية التكرار الشكلي لحروف الألف واللام والحاء، فأحدث بذلك ايقاعاً حركياً لطيفاً، وأسهمت ترويسة حرفي الألف واللام في تحقيق خاصية الاتصال من جهة، والإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأعلى من جهة ثانية، فضلاً عن اسهام تقويسة حرفي الياء والميم في اكمال هذا الأغلاق، وعالج حرف الميم بمنحه زلفاً يمتد بحركة قوسية في جهة يسار الكتلة، ثمّ يمتد مساره النازل لينتهي قريباً من أعلى كتلة (وإذ قال ابراهيم)، محققاً بذلك حركية لطيفة أنتجت بُـعداً جمالياً من جهة، واتصالاً مع جملة (وإذ قال ابراهيم) من جهة مقابلة.
حرف النون، هو الحرف الذي ابتدأت به الآية القرآنية الكريمة التي خطّها الفنان عباس في هـذه الكتلة بخط الثلث، الذي يُـعـدُّ من الخـطوط العربية اللافتة للنظر بجمالها وانسيابيتها، وقـد منحه الفنان ميّـزات تميّـز بها، فاختاره ليكون مركز السيادة في هذه اللوحة، ونقطة جذبٍ لنظر المُشاهد تعظيماً له وليتأمل به، ولهذا أفـرد له مساحة وافية تليق بقيمته الدلالية، كما منح شكله الخطي توفـيةً واضحةً، وخـطّـه بحجم أكبر كثيراً من غيره من الحروف والكلمات، فضلاً عن اتخاذه مساحة لاحتواء الكتلتين الأُولى والثانية من جهةٍ، وقاعدة لما سيخطُّ تصاعدياً من كلمات الآية القرآنية الكريمة.
أمّـا نقـطة النون فكان اخراجه لها مختلفاً عمّـا تعارفت عليه أبصارنا من شكلها، حيث أنَّ تدقيق النظر فيها يكشف عن أنَّـها شكل الكرة الأرضية، فهي مُـدوّرة يتوسطها اللون الترابي المتداخل والمتدرِّج بين الفاتح والغامق وصولاً الى اللونين البُـني والأصفر، وهما رمز القارات، وهنا سينشغل المشاهد بالسؤال التالي:
ما علاقة شكل الكرة الأرضية بهذه الآية القرآنية الكريمة؟
للإجابة على هذا السؤال لا بُـدَّ لنا من العودة الى تفسير الآية القرآنية الكريمة المخطوطة في هذه اللوحة، حيث يذكر ابن كثير في تفسيره أنَّ حرف النون من الحروف المقـطّـعة التي وردت في أوائل بعض السور، وأنَّ حرف النون يشير الى حوت عظيم على تيار الماء العـظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع، من هنا نكتشف العلاقة الواعية لهذا الاختيار، فالاختلاف الحجمي الكبير بين حرف النون ونقطته يشيران الى أنَّ قدرة الله سبحانه وتعالى في الكتابة والقلم أعظم من الكرة الأرضية نفسها، فتصغر الكرة أمام عظمة القلم الإلهي، لأنّـه يكتب أقدارها وأقدار ما فيها به، ولهذا أقسم الله سبحانه وتعالى بالقلم.
شغلت الفـراغات البينية والمحيطية فـكر الفنان منذ بدايات ظهور الخطوط العربية، فـبحث عن طريقة لمعالجتها، ليمنح تكوين اللوحة ترتيباً وتآلفـاً وتناسقـاً وتلاحماً لا تقـطعه الفـراغات ولا تشوّه منظره، ولهذا أوجد التشكيلات التزيينية (الحلية) لتزيين وضبط نطق الحروف، وكررها في أكثر من موضع فراغي، ومن المتعارف عليه ضمن قواعد وأُصول الخطوط العربية أنَّ هذه التشكيلات تُـخطّ بقلم الحركات، وهو قلم أقـلّ سُمكاً من القلم الذي يُخطُّ به النص، فينتج الكلمات أصغر حجماً، لكنَّ الفنان عباس رأى أنَّ (المَـدّة) يمكن لها أن تأخذ سُمكاً وحجماً يتفـق مع حجم حرف النون، ويبدو أنَّ هذا الاختيار لم يكن اعتباطياً بل كان اختياراً واعياً اشتغل باتجاهات عـدّة حقـق من خلالها أهدافاً، منها: الخروج على نمطية حجم المَـدّة وسُمكها، وإفراد مساحة خاصة بها، كما أنَّ شكلها الرشيق المتناسق الذي يتميز بالانحناء والارتفاع منحها رؤية بصرية جميلة تتباين عن تقويس حرف النون، فضلاً عن أنّـها أصبحت قاعدة للكلمات التي تليها، حيث أكمل الفنان خطَّ الآية القرآنية الكريمة بخط جلي الثلث بشكل تصاعدي، فاستقـرّت كلمة (والقلم) فوق المدّة، وكانت خاصية التجانس واضحة في اختياره لمواضع حروف الكلمات، حيث سيلاحظ المُشاهد عنايته بخط الامتداد النازل لحرف الواو المرسل بشكلٍ متجانس تماماً مع امتداد بداية شكل المدّة النازل أيضاً، وأسهم هذا الحرف في حقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين.
وأفاد من خاصية التوازي في إخراجه لحرف الألف والجزء القائم من حرف اللام، ومنحهما توفيةً كاملة بامتدادهما القائم من الأعلى الى الأسفل وبترويسة جميلة، وأخرج حرف الألف بحيث يتقارب موقعياً من بداية حرف الياء في كلمة (يسطرون)، وأسهمت ترويسته في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة في الجهة العلوية، ومنح شكل حرف القاف المدوّرة في كلمة (القلم) تخصّراً من الجهتين اليمنى واليسرى، وخطّ نقطتيه بشكل متوازي المستطيلات وهو شكلها في خط جلي الثلث، ولكنه أظهرهما بشكل متعامد، واستغل الفراغ الواقع بين حرف اللام من كلمة (القلم)، وحرف الواو من كلمة (وما)، ليحقق تجانساً شكلياً عمودياً بينهما من جهة، وتضاداً مع تدويرة رأس حرف الواو من جهة مقابلة، وأخرج الجزء المنبسط من حرف القاف ممتداً امتداداً انبساطياً جميلاً متناسقاً مع امتداد المـدّة، أما حرف اللام من الكلمة نفسها فقد أخرجه بشكله القائم أيضاً، ولكن ترويسته اتخذت شكلَ مثلثٍ، وبذلك تحققت خاصية التباين بينها وبين ترويستي حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام في الكلمة نفسها، هنا يلاحظ المشاهد قدرة الفنان عباس على تشكيل الحروف وامتداداتها القائمة أو الانبساطية لتحقيق التركيب الثقيل لخط جلي الثلث الذي يُـكسب الكتلة شكلها المتجانس وحيويتها.
وتعامل مع حرف الميم من الكلمة نفسها تعاملاً فنيّـاً تمثّـل بإخراجه حسب قواعد خط جلي الثلث، فأخذ شكل مستطيلٍ مائل قليلاً الى الأسفل، وراجع الى جهة اليمين بحيث اتخذ موقعه تحت جزء من امتداد حرف القاف، واتصل بشكل المدّة محققاً خاصية التأليف، ثم اتخذ حركة اتجاهية منحنية، ثم حركة ثانية مقعّـرة لينتهي متصلاً بتشكيلة تزيينية من الأسفل، فأحدث خاصية التأليف أيضاً، وأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهة اليسرى السُفلى، وهذا ما منح هذا الجزء من الكتلة حركية وحيوية.
إنَّ خاصية الرفع المكاني لحرف الواو جعلت من حرف القاف في كلمة (القلم) قاعدة له، واتخذ شكل الواو المرسل الذي ينتهي متصلاً بحرف القاف، ومحققاً خاصية التأليف، وفي الوقت ذاته أصبح الحرف نفسه قاعدة لجزء من حرف الميم في كلمة (ما)، الذي تراكب وتقاطع امتداده مع حرف اللام من كلمة (القلم)، ومع حرف الراء من كلمة (يسطرون) فأوجد بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية ايهامية في الحالتين، وأسهمت ترويسته المقوّسة في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهة اليسرى.
في إخراجه الفني لكلمة (يسطرون) أفاد من خاصية الرفع المكاني، فرفع حروف الياء والسين والطاء والراء فوق حرف الواو وكلمة (ما) بحيث أصبحت قاعدة لها، وخطَّ حرف الياء ببداية مرتفعة قليلاً ومروّسة حسب قواعد خط جلي الثلث، وأسهمت ترويسته المقوّسة في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهة اليمنى، وأفاد من خاصية التحريف المكاني فخطَّ نقطتي هذا الحرف تحت حرف القاف من كلمة (القلم)، منعاً للازدحام المكاني، وخطّـهما بشكل متوازي المستطيلات الأُفقي المتجاور، وبذلك أحدث خاصية التضاد مع نقطتي حرف القاف من كلمة (القلم) حيث خطّـهما بشكل عمودي.
وأخرج حرف السين من الكلمة نفسها بأسنان قصيرة، لكنَّـه رفع حرف الطاء مكانياً، فأصبح حرف السين قاعدة له، وأسهمت ترويسة هذا الحرف في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي للكتلة من الجهة العلوية، وأخرج حرف الراء بشكله الرحماني، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرفي اللام من كلمة (القلم)، والألف من كلمة (ما)، فأنتج بعداً وهمياً ثالثاً، وحركة ضمنية وهمية، وهنا يلاحظ المتأمِّـل في هذا الجزء من اللوحة عناية الفنان بإخراج تقويستي حرف الألف من كلمة (ما) وتقويسة حرف الراء الرحماني من كلمة (يسطرون)، بشكل متداخلٍ، فمنح منظرهما حركية وحيوية لافتة للنظر.
إنَّ افادة الفنان من خاصية الرفع المكاني تمنح المتأمِّل متعة متابعة النص تصاعدياً تحقيقاً للتركيب الثقيل لخط جلي الثلث، وهذا ما دفع بالفنان عباس الى رفع حرف الواو من كلمة (يسطرون) فوق حرفي الطاء والراء من الكلمة نفسها، وحرف الألف من كلمة (ما)، فأصبحوا جميعاً قاعدة له، وأخرج هذا الحرف بشكله المجموع بحيث حققت تقويسته خاصيتي التراكب والتقاطع مع تقويسة حرف النون من الكلمة نفسها، لينتج بذلك بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، أمّـا حرف النون فأخرجه حسب قواعد وأُصول خط جلي الثلث، وأسهم في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهتين العليا واليسرى.
من المعروف أنَّ الخطاط العربي منح خط جلي الثلث تشكيلات تزيينية متنوعة أفاد منها الفنان عباس في لوحته هذه، وتمثّـلت بالحركات الإعرابية مثل الفتحة والكسرة والضمة والسكون، والرقم (7)، وعلامة الفارزة، والحروف الخفيفة والصغيرة الحجم، وتخصيصاً في الكتلتين الأُولى والثانية، أمّـا كتلة الآية الكريمة فكانت تشكيلاتها أقلُّ عدداً وذلك بسبب تركيبها الثقيل من جهة، ومنعاً للازدحام المكاني من جهة ثانية، وشغلت الفراغات البينية والمحيطية، فأصبحت العلاقات التشكيلية الرابطة بين عناصر التكوين فاعلة ومنتجة لخصائص التوازن والتناسق والتماسك.
ارتبط الخط العربي منذ بدياته بالطبيعة ارتباطاً كبيراً حيث اشتغل الخطاط العربي باتجاه تحويل عناصر الطبيعة وتخصيصاً الورود وأوراقها الى أشكال هندسية وأحياناً غير هندسية، وتطويع هذه الأشكال لتكون زخرفة تضفي جمالاً على الأشكال الكتابية، وتمنح تكوين اللوحة تكاملاً وتناسقاً يضفي عليها مسحة حيوية واتزاناً، ولكنَّ اختيار الفنان عباس وقع على شكل غصن بوروده وأوراقه لرسمها على خلفية اللوحة بشكلٍ يتوازن مع كتلة الآية القرآنية الكريمة، واختار لها موقعاً مقارباً للآية في الجهة العلوية من اللوحة، كما منحها تناسقاً لونياً باختيار اللون نفسه الذي خط به الآية الكريمة.
تلعب الألوان التي يختارها الفنان لخط الكتلة دوراً كبيراً في عملية التواصل بين المُشاهد وما يشاهده، ولهذا اختار الفنان عباس اللون الأسود لخط حرف النون وعلامة المَـدّة لأنه لون الفخامة والوقار، واختار اللون الأزرق للكلمات الأُخرى، وحين نتأمل في دلالات هذا اللون سنجده لون المـكـوِّنات الطبيعية التي خلقها الله سبحانه وتعالى مثل السماء والبحار، ويحيل رمزياً الى دلالات ايجابية عديدة منها: الولاء والإخلاص والإيمان والحكمة والاستقرار، ولهذا كان اختياره نابعاً من ايمانه العميق بالدلالات الروحية لهذا اللون.
يلجأ الفنان أحياناً الى التجريب بوصفه تغييراً وتطويراً يضفي على اللوحة حركية وجمالاً، من هنا كان لجوء الفنان عباس الى خاصية الاستبدال، فأبدل الأشكال الزخرفية التزيينية التي رافـقت الخطوط العربية منذ زمن بعيد بكتابة حروف مُـقـطّـعـة (حروفيات) في ارضية اللوحة أي في البُـعـد الثالث لها، وهنا أصبح التوازن وكذلك التجانس واضحاً مع حرف النون، ولكنَّ خاصية التباين كانت حاضرة في ذهن الفنان واشتغاله، فجسّدها في الشكل المُـفـرّغ للحروف وهو ما يتضاد مع شكلها الكتابي في الآية الكريمة، واختار لها الخط الكوفي القديم فحقق خاصية التباين في نوعية الخطوط التي خطَّ بها الكتل الخطية الاخرى، وهو ما يؤشِّر قدرته العالية على استخدام خطوط متنوعة في لوحة واحدة فأصبح واضحاً أنَّه قد أتقن هذه الخطوط، وعرف أسرارها، فأضفى من خلال هذا التنـوّع بُـعداً جمالياً لافـتاً لنظر المشاهد لهذه اللوحة.
إنَّ الترابط بين عناصر التكوين في اللوحة يمنحها وحدةً تكوينية، فلا تبدو الكلمات وكأنّـها شاردة ومنفصلةً عن بعضها البعض، بل تبدو في حالة تكاملٍ وانسجام، من هنا كان اختيار الفنان عباس لموقعة الحروف المُـقـطّعـة في الجزء الأسفل من اللوحة بحيث تبدو وكأنّـها مساحة ارتكازٍ واحتضانٍ لحرف النون إجلالاً له لقيمته القدسية من جهة، وللكتلتين الاولى والثانية من جهة، ومنح هذا الجزء من اللوحة حركةً وتناسقاً واتزاناً من جهة ثانية، وإشغالاً للفراغ الذي كان سيؤدي الى اختلال مشهدها من جهةٍ ثالثة.
أمـا الفراغ الذي شغل المساحة العلوية من اللوحة فكان دافعه منح المشاهد فرصة تركيز نظره وتفكيره في شكل الآية الكريمة ومعانيها الجليلة لأنّـها رسالة روحانية يبعث بها الفنان عباس الى المشاهد.
2022م
لوحة (لا تحزن)
حجم اللوحة: 50/ 70سم
تاريخ الانجاز: 1412ه / 1992م
نفّـذ الفنان عباس لوحته التي نشأ تكوينها (تصميمها) على عنصرين هما:
1/ الكتلة الرئيسة: هي الكتلة الخطيّـة المتضمنة لجزء من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (4) من سورة التوبة، والتي تنصُّ على (لا تحزن إن الله معنا).
2/ أرضية أو خلفية اللوحة.
يعتمد نجاح التكوين في اللوحة على حُسن أُسلوب الفنان في توزيع عناصره على المساحة المتاحة، بحيث يمنحها مظهراً محبوكاً ومتوازناً ومتناسقاً، وهذا ما يلاحظه المشاهد لهذه اللوحة حيث اختار الفنان عباس منطقة وسط اللوحة ليشغلها بالكتلة الخطيّـة الرئيسة، تاركاً حولها فراغاً محيطياً أي أرضية اللوحة.
استخدم الفنانون أنواعاً متعددة من أنظمة التكوين في لوحاتهم الخطيّـة، لكنَّ هذه اللوحة اعتمدت على تكوين السطر المتداخل أي التركيب الخفيف، فاتخذت كلمات الآية الكريمة مساراً واحداً وارتفع لفظ الجلالة فوقها، وبهذا يكون تسلسلها القرائي غير تتابعي، ويبدو أنَّ اعتماد الفنان عباس على الخط الكوفي القيرواني في إخراجها مرتبط بدلالة الجزء المخطوط من الآية القرآنية الكريمة، والتي تكشف عن قول الرسول الكريم (صلّى الله عليه وسلّـم) لصاحبه أبي بكر (رضي الله عنه) وهما في الغار أثناء الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة الى المدينة المنوّرة، والكفّـار يبحثون عنهما (لا تحزن) لأنَّ الله سبحانه وتعالى سينصرنا عليهم، والحزن مرتبط بدلالات الانكسار والهزيمة والخيبة، فيما يرتبط الانتصار بالقـوّة والظفر والتمكين، وبما أنَّ الطابع الهندسي يطغى على الخط الكوفي القيرواني لأنّـه من الخطوط اليابسة أو الجافة والقوية أيضاً فكان هو الأنسب لخطِّ هذه الآية الكريمة.
تميّـز الفنانون العرب والمسلمون بقابليتهم على التجويد الابتكار في الخطوط العربية، فلم تعرف هذه الخطوط نوعاً واحداً فقط بل عرفت أنواعاً رئيسة، وتفـرّع عنها أنواع أُخرى أبدعها فنانون وضعوا قواعدها وأُصولها، وأتاحوا في الوقت نفسه فرصاً للفنانين الآخرين للتصرف الابتكاري عند تنفيذ هذه الخطوط في لوحاتهم، ومن هذه الفروع هو الخط القيرواني المتفرع عن الخط الكوفي الذي خطَّ به الفنان عباس هذه اللوحة، ويُـعدُّ هذا الخط من الخطوط التي لا تُـكتب مباشرة بالقصبة أو بقلم الخط بل لا بُـدَّ من استخدام قلم الكتابة العادي والأدوات الهندسية، حيث يبدأ الفنان تصميمه بتحديد الحافات الخارجية للحروف بالمسطرة والقلم أولاً، ثم يملأ مساحتها الداخلية بالحبر أو الفرشاة والألوان، وهذا ما فعله الفنان عباس في هذه اللوحة، التي أخرج كلماتها بحجم كبير وثخين الحروف في بعض أجزائها، وابتدأ بكلمة (لا) التي خطّ حرفيها متصلين مع بعضهما البعض، فحرف الألف أخرجه أولاً – وكان حقه التأخير - بشكل عمودي قائم وترويسة مثلثة، ثم امتداد أُفقي صغير نحو جهة يمين اللوحة، ثم حركة اتجاهية مائلة نحو اليسار، ثم حركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى، ثم حركة اتجاهية أُخرى مائلة نحو يمين الكتلة وصاعدة الى الأعلى، فأنتج تعدد اتجاهات الحروف حركات ضمنية ايهامية أسهمت في تفعيل عملية التواصل بين الكتلة والمُشاهد من خلال اثارة انفعاله البصري الايجابي بها، كما أنتجت أيضاً زاويا هندسية حادة.
ومن باب التنويع الاثرائي لشكل الحروف تعامل مع حرف التاء من كلمة (تحزن) تعاملاً فنيّـاً تمثّـل بإخراجه بشكل مائل يبدأ من جهة يسار الكتلة، ويكمل مساره الحركي نحو جهة اليمين، واعتمد على خاصية التكرار فكرر شكله في حروف الحاء والجزء الأول من حرفي الزاي والنون، ويلاحظ المشاهد أنّ قصدية الفنان عباس في تحقيق التشابه الشكلي الإخراجي لهذه الحروف قد ولّـد ايقاعاً شكلياً من جهة، وتناسقاً وترابطاً بينها من جهة ثانية، كما أنَّ تجاورها أنتج حركة ضمنية وهمية مائلة لافتة للانتباه من جهة ثالثة، فضلاً عن تمييزه لحرف الحاء بمنحه امتداداً (تنصيلاً) نازلاً أطول.
إنّ اختلاف سماكة الحروف من حيث ثخنها ورفعها يمنحها ثراءً بصرياً لافتاً، ويتميّـز الخط القيرواني بحروفه الغليظة في بعض الأجزاء، ورفعها في أجزاء أُخرى، وهذا ما يلاحظه المشاهد في حرفي الزاي والنون في كلمتي (تحزن وإن)، حيث أخرج الجزء الثاني من حرف الزاي رفيعاً وممتداً بحركة اتجاهية مائلة نحو جهة اليسار، ونازلة الى الأسفل، أمّـا الجزء الثاني من حرف النون فقد أخرجه بشكل هندسي صارم وحركة اتجاهية نازلة الى الأسفل، ثم حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى نتج عنها زاوية حادة، وتراكب وتقاطع مع حرف النون من كلمة (إن) التي أخرجها بالأُسلوب ذاته، محققاً ايهاماً بالبُـعد الثالث وحركة ضمنية ايهامية، فضلاً عن اتخاذها قاعدة ترتفع فوقها كلمة (معنا).
وأخرج حرف الألف من كلمة (إن) برفعه مكانياً بحيث وقع بعد حرف الألف من لفظ الجلالة، ويلاحظ المشاهد أنَّ التحريف المكاني لهذا الحرف كان تحقيقاً لخاصية التكرار في حروف الألف واللام المتكرر من لفظ الجلالة، أمّـا من حيث الشكل فقد أخرجه بشكل عمودي صارم ومبالغ في طوله، ويبدأ بترويسة مثلثة، وينتهي بشكل قوسيّ متجه الى جهة يمين الكتلة، وهذا من خصائص شكل حرف الألف في الخط الكوفي القيرواني، فضلاً عن أنَّ الجزء المقـوّس تراكب وتقاطع مع الجزء الثاني من حرفي الزاي والنون، فأنتج بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ومنح شكل هذا الجزء من الكتلة ليونة خففت من صرامة مظهرها.
يشير الرفع المكاني للفظ الجلالة الى بُـعده الدلالي من حيث التقديس والتعظيم لله سبحانه وتعالى من جهة، واتخاذه نقطة سيادة في الكتلة الخطيّـة من جهة ثانية، وجعل بقية حروف الآية الكريمة قاعدة له من جهة ثالثة، أمّـا حرف الألف فقد أخرجه بتكرار شكل الحرف نفسه في كلمة (إن)، ولكن دون مبالغة في طوله محققاً بذلك خاصية التباين بينهما، وتعامل مع حرف اللام المكرر بالشكل العمودي نفسه فأحدث ايقاعاً شكلياً، رغم التناقص الطولي الايقاعي المتسلسل لهذه الحروف من الجهة العليا، كما أنتج زاوية هندسية أيضاً، وهذا ما منح منظرها مشهداً صارماً يتضاد مع مشهد حرف الهاء الذي خطّـه الفنان عباس بشكل أقرب الى الدائرة غير المغلقة، لأنّـه يمتد الى الأعلى بشكل متناقص لينتهي رفيعاً ومتجاوراً مع حروف لفظ الجلالة.
تعمل خاصية التضاد على تحقيق البُـعد الجمالي للكتلة الخطيـة وهذا ما تحقق في كلمة (معنا)، حيث أنّ حروف الميم والعين والنون من الحروف التي تأخذ شكلاً أُفـقـياً، فتضادت مع حروف الألف واللام المتكررة ذات الامتداد العمودي الصارم من جهة، والحروف النازلة عن السطر وهي حروف الزاي والنون المتكررة من جهة مقابلة، ويلاحظ المشاهد أنَّ الفنان عباس أخرج حرف الميم بشكل يشبه القبّـة مع ميلان قليل نحو جهة اليمين، وخطَّ حرف العين بتكرار شكل حرف الميم ولكن دون ميلان محققاً تضاداً اتجاهياً، أمّـا حرف النون فقد أخرجه بشكل هندسي صارم وزوايا حادة، وبالغ في الامتداد الطولي العمودي لحرف الألف بحيث يحيط بحرف الهاء من لفظ الجلالة من جهة اليسار.
إنَّ الاعجام في الخط العربي هو تنقيط الحروف، وبما أنَّ الخط الكوفي القيرواني يُـخطّ بدون نقاط فإنَّ الفنانين لجأوا الى استبدالها بشكل يشبه علامة الفتحة المائلة والصغيرة الحجم، وهذا ما التزم به الفنان عباس في هذه الكتلة، ففي حرف التاء من كلمة (تحزن) كرر شكل علامة الفتحة للدلالة على النقطتين، واختار موقعها فوق الحرف نفسه، وشغل الفراغ الواقع فوق حرف الزاي بعلامتين، الأُولى لحرف الزاي والثانية لحرف النون التي أزاحها عن مكانها الأصلي، وهو فوق الحرف نفسه، وذلك لأنَّ التوزيع المتوازن دون تكثيف في موضع وإقلال في موضع آخر يمنح شكل الكتلة تناسقاً بصرياً لطيفاً ومريحاً، أمّـا نقطة حرف النون في كلمة (معنا) فقد خطّـها فوق بداية الحرف نفسه، فأحدث تناسقاً لطيفاً بينهما، وخطَّ علامة حرف النون في كلمة (إن) فوق الحرف وفي جهة اليمين، فتناسقت اتجاهياً مع حركة الحرف المائلة.
تلعب الألوان دوراً كبيراً في إثراء مشهدية اللوحة، فالأشكال لا يمكن أن تظهر بدون لون يحددها ويجسّد دلالاتها، ولهذا وقع اختيار الفنان عباس على اللون الأصفر المتدرِّج والمتداخل مع لمسات من اللون البنيّ المحمر المتدرّج الى الدرجة الفاتحة لتلوين الكتلة الخطيّـة، فضلاً عن اختياره للون الأبيض لتلوين الأجزاء العلوية للحروف، وتشير بعض الدلالات الايجابية للون الأصفر الحار الى النور والحركة والنشاط، كما تشير بعض الدلالات الايجابية للون الأبيض الى النور والنقاء والصفاء، وهي دلالات ترتبط ارتباطاً صميمياً بدلالات الجزء المخطوط من الآية الكريمة في هذه الكتلة، فأصبحت الألوان بذلك قوة جاذبة لبصر المشاهد، وأضفت إحساساً بالحركة الضمنية الايهامية التي تولـدت من انتقال العين من لون الى آخر، وقـدّمت دليلاً ملموساً على وعي الفنان عباس وقصديته في هذه الاختيارات اللونية.
تمثّـل الأرضية العنصر التكويني الثاني في هذه اللوحة، وكانت على شكل قطعة من الجلد الحيواني المدبوغ وغير المنتظم، ولـوّنها باللون البُنيّ المحمر المتدرّج والمتداخل، واللون البني لون حيادي يشير في بعض دلالاته الايجابية الى الاستقرار والأمان والسلام، والقيم الراسخة رسوخ الأرض لأنّـه لون ترابها، لكنَّ إضافة اللون الأحمر أبرز دلالات ايجابية أُخرى هي الحيوية والقـوّة والاستمرار، وهي الدلالات ذاتها التي تشير إليها الآية الكريمة المخطوطة في هذه الكتلة، ولهذا يبدو أنَّ وعي الفنان عباس وادراكه لقيمتها الجمالية الناتجة عن الانسجام بينها وبين الدلالات، وتأثيرها البصري والنفسي على المُشاهد كان هو الداعي لاختيار هذا اللون.
يؤدي الإطار وظيفة تحديد مساحة اللوحة، ويسهم في إبرازها ولفت نظر المشاهد إليها، ولهذا حدد الفنان عباس لوحته هذه باللون الأسود، وهو اللون نفسه الذي لوّن به الأعمدة الخشبية التي عرض عليها قطعة الجلد اللينة، وحرصَ على تظهير مناطق الضوء في القسم العلوي من هذه الأعمدة على شكل لمسات عمودية باللون الأبيض، واختار اللون الأسود فقط لقسمها الأسفل لتكون مناطق الظل، ويكشف التدقيق في شكلها عن اختلاف بيّـنٍ، فالأعمدة في جهتها العلوية اتخذت شكلاً منحنياً ، أمّـا القسم السفلي منها فكان قاعدة تستند عليها قطعة الجلد، فحقق بذلك تضاداً شكلياً من جهة، وتنويعاً مظهرياً من جهة ثانية، وتقارباً شكلياً مع الحروف العمودية من جهة ثالثة.
12/10/2022م
لوحة (يرفع الله الذين آمنوا)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانتاج: 1414ه /1994م
في هذه اللوحة اعتمد التكوين على (5) عناصر هي:
1/ الكتل الرئيسة: وهي الكتل الخطيّـة التي توزّعت على (3) كتل، أولها البسملة، وثانيها جزء من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (11) من سورة المجادلة، والتي تنصُّ على ( يرفع الله الذين آمنوا منكم)، وثالثها تكملة جزء الآية الكريمة المتمثّـلة بقوله تعالى (والّذين أوتوا العلم درجات).
2/الكتلة الثانوية وهي التشكيلات التزيينية المتمثلة بالحركات الصرفية، والحروف الايضاحية والحلية.
3/ الأشكال النباتية المرسومة.
4/ خلفية أو أرضية اللوحة التي اختار لها قطعة من الجلد الحيواني المدبوغ.
5/ إطار اللوحة المعدني، والأشرطة الرابطة.
اختار الفنان عباس خط جلي الديواني لخطِّ كتلة البسملة بتركيب خفيف، يعتمد على التسلسل القرائي المتتابع لكلمات الآية الكريمة ليحقق الوظيفة القرائية، كما يحقق بُـعداً جمالياً لأنه ينشأ من تراكب وتقاطع الحروف مع بعضها البعض، وأخرج هذه الكتلة بشكل قوسيّ يتناسب مع الجزء الأول من الآية الكريمة من جهة، ومع الشكل الدائري الوهمي الذي منحه للجزء الثاني منها لأنَّ الشكل القوسي هو جزء مقتطع من الشكل الدائري، وابتدأ بكلمة (بسم) التي أخرج حرف الباء منها بترويسة لطيفة في جهة اليسار، وأسهمت في تحقيق الاغلاق الشكلي لجزءٍ من هذه الكتلة من جهة اليمين.
إنَّ خاصية التحريف المكاني لأي عنصر من عناصر الكتلة يمنح منظرها حركية لافتة للنظر، ولهذا عمد الفنان عباس الى تحريف نقطة حرف الباء عن موضعها الأصلي الذي يفترض أن يكون تحتها، ووضعه في البداية أي قبل حروف كلمة (بسم)، فأسهمت في تحقيق الاغلاق الشكلي لجزء من هذه الكتلة من جهة اليمين، ومنح شكل حرف السين أسناناً قصيرة لكنّـه أخرج نهايتها محدّبة لتتصل بحرف الميم الذي اختار له شكلاً رحمانياً، وحركة اتجاهية نحو جهة يسار الكتلة، وخفضاً مكانياً ليسهم في تحقيق الشكل القوسي من جهة، وليصبح قاعدة يرتفع فوقها لفظ، الجلالة من جهة ثانية، وأفاد الفنان من خاصيتي التراكب والتقاطع بينه وبين حرف الألف من لفظ الجلالة، وهذا ما أدّى بالتالي الى الايهام بالبُـعد الثالث أي العمق، والحركة الضمنية الوهمية.
في تعامله الفني مع لفظ الجلالة عمد الى خاصية الإبعاد المكاني لحرف الألف، فخطّـه بحيث ينصّف حرف اللام الثاني، فتراكب وتقاطع معه منتجاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ومنحه ترويسة زخرفية لطيفة وصغيرة الحجم في جهة اليسار منه، ثم يمتدّ بحركة اتجاهية قوسية رشيقة ومائلة نحو يمين الكتلة، ويستمر مساره بحركة اتجاهية نحو يسار الكتلة، وأخرج حرف اللام بإيقاع متكرر معتمداً على خاصية التضاد الشكلي بينهما، فالأول منحه ترويسة صغيرة واقعة في جهة اليسار، والثاني أخرجه بترويسة مثلثة، وخطّ الثاني مستثمراً خاصية التنصيل حيث نصّلَ تقويسته ليمنحها حجماً أكبر من تقويسة الأول لكي لا يحصل تزاحم في المساحة لأنَّ حرف الألف نصّفه، أمّـا حرف الهاء فأخرجه بإرسال لطيف، واتصلت نهايته بتقويسة حرف الألف من كلمة (الرحمن) ليحقق خاصية التأليف وكان حقه الانفصال عنه، وهذا ما أسهم في منح الكتلة شدّاً وتماسكاً، وأفاد الفنان عباس من خاصية التكرار الايقاعي، فأخرج حرف الألف من كلمة (الرحمن) بتكرار شكله في لفظ الجلالة، وأسهمت نهايته في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة القوسي.
إنَّ استثمار الحروف المتشابهة شكلاً يمنح النص ايقاعاً شكلياً وبُـعداً جمالياً لافتاً للنظر، وهذا ما فعله الفنان عباس في إخراجه لحرف اللام من كلمة (الرحمن) حيث كرره بشكل يتطابق مع حرف الألف المتكرر في لفظ الجلالة وفي كلمة (الرحمن) أيضاً، ولكنه منحه تقويسة أصغر حجماً لاتصاله بحرف الراء الذي أختار له الشكل المرسل، لتسهم نهايته في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي للشكل القوسي، والحركة الضمنية الوهمية أيضاً.
تشتغل خاصية الرفع المكاني للحروف والكلمات باتجاه إشغالٍ أمثل للمساحة من جهة، ومنح النص تماسكاً من جهة ثانية، وحركة حيوية من جهة ثالثة، ولهذا اعتنى الفنان عباس بإخراج حرف الحاء من كلمة (الرحمن) عناية كبيرة تمثلت في رفعها مكانياً، فاتخذت من حرفي اللام والراء قاعدة ترتفع فوقهما، وأفاد من خاصية التنصيل أي المد، فمـدّها بحيث تراكبت وتقاطعت مع حرفي الألف واللام من الكلمة ذاتها، فأنتجت ايهاماً بالبُـعد الثالث، فضلاً عن حركتها الاتجاهية النازلة لتتصل بحرف الميم الذي أخرجه مطموس العين، وأفاد من خاصية التنصيل أيضاً في تعامله الفني مع حرف النون حيث مـدَّ تقويسته النازلة بحركة اتجاهية نحو اليسار وأقصى نزول الى الأسفل، فأسهمت في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة القوسي، أمّـا نهايتها الرفيعة فقد اتصلت بحرف الحاء من كلمة (الرحيم) من الأسفل، محققة خاصية التأليف وهي في الأصل منفصلة عنه.
إنَّ خاصيتي الخفض المكاني والتنصيل لحرف النون أسهمتا في جعله قاعدة ترتفع عليها حروف الألف واللام والراء والحاء من كلمة (الرحيم)، التي أخرج حرف الألف منها بشكل متضاد مع شكلها في لفظ الجلالة وفي كلمة (الرحمن)، فأوجد بذلك تنويعاً شكلياً أغنى مشهد الكتلة فنياً، وأتاح الخفض المكاني لحرف النون من كلمة (الرحمن) مساحة كافية لاتخاذها قاعدة ترتفع فوقها حروف الألف واللام والراء والحاء من كلمة (الرحيم)، وأخرج حرف الألف منها بتقويسة لطيفة واقعة في جهة يمين الكتلة، ووصله بحرف اللام الذي بالغ في طوله بحيث أسهم التقاء الحرفين في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأعلى، ثم امتدّ بحركة اتجاهية مقـوّسة قليلاً من جهة اليسار، ثم حركة أُخرى نازلة نحو الأسفل ليتصل بحرف الراء، وأنتج بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، منحته حيوية لافتة لنظر المُشاهد.
ومنح حرف الراء شكله المرسل الذي تراكب وتقاطع مع حرف النون من كلمة (الرحمن)، فأحدث بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، واعتماداً على خاصية التكرار أخرج حرف الحاء بتكرار شكله مع الحرف نفسه في كلمة (الرحمن)، وفي تراكبه وتقاطعه مع حرفي الألف واللام ليوجد ايهاماً بالبُـعد الثالث، وتعامل مع حرف الياء تعاملاً فنياً فأخرجه محدّباً تحدّباً صغيراً استقر تحته حرف الميم المطموس العين، واختار شكل متوازي المستطيلات المتكرر والأُفـقـي المتجاور لنقطتيه الواقعتين تحت حرف الميم، وكان حقهما في الأصل أن تقعا تحت حرف الياء ولكنَّ تحريف مكانهما أسهم في اغناء حركية الكتلة لأنَّ بصر المشاهد سينتقل إليهما.
واتخذ حرف الميم شكل حرف الراء الرحماني فحقـق خاصية التكرار مع شكل الحرف نفسه في كلمة (بسم)، وبذلك أوجد ايقاعاً شكلياً، كما أنَّ حركته الاتجاهية النازلة والمتجهة الى يسار الكتلة أسهمت في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة القوسي.
في الكتلة الخطيّـة الثانية خطّـ الفنان عباس الجزء الأول من الآية القرآنية الكريمة بحجم أكبر من حجم كتلة البسملة، فشكّـل بذلك تضاداً حجمياً معها، ورغم أنّـه كرر شكلها القوسي الوهمي لكنّـه أخرجها أكثر تقويساً، وهذا ما يدخل في باب التنويع الذي يزيد من حيوية منظرها، ويكشف عن قدرة ومهارة الفنان في تطويع الحروف لإنتاج الشكل المطلوب لتكوين الكتلة، كما اعتمد أيضاً على التسلسل التتابعي لكلمات الآية الكريمة، وعلى حركتها الاتجاهية التي بدأت من جهة اليمين الى جهة اليسار.
بدأت هذه الكتلة بكلمة (يرفع) التي أخرج حرف الياء منها صغير الحجم قياساً الى باقي حروف الكلمة، واختار لنقطتيها موضعهما تحتها، ولكنّـه تصرّف في شكلهما حيث خطّـهما واحدة فوق الأُخرى ولكن بميلان قليل نحو جهة يسار الكتلة، فأسهمتا في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي لجزء من الكتلة.
وعالج حرف الراء المرسل فنياً بمنحه طولاً مبالغاً فيه قليلاً، فأسهم في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي لجزء من هذه الكتلة، وبدأ رفيعاً ثم ازداد ثخانة في تقويسته لينتهي رفيعاً ومتصلاً بتقويسة حرف العين من الكلمة ذاتها، فحقـق بذلك خاصية التأليف، وهذا ما أكسب منظره حركية لطيفة.
أسهم اختيار الفنان عباس خطَّ حرف الراء بهذا الشكل في منح تقويسته فرصة احتضان تقويسة حرفي الفاء والعين، فأنتج بذلك تماسكاً لهذا الجزء من الكتلة من جهة، ومنحه حيوية من جهة مقابلة.
وأخرج حرف الفاء من الكلمة نفسها مدوّراً ومطموس العين، ومُـقـوّساً تقويسة كاملة بحيث استندت على نهايتها بداية تقويسة حرف العين المجموع فأصبحت مرتكزاً لها، وخطّ حرف الألف من لفظ الجلالة بالشكل نفسه الذي خطّـه بها في كتلة البسملة، ولكنّه اعتمد على التحريف في موضعه ليتراكب وتقاطع مع تقويسة حرف العين من كلمة (يرفع) فحقـق بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن أنَّ حجمه المبالغ به أسهم في احتضانه لباقي حروف لفظ الجلالة التي خطّـها بحجم أصغر منه وبميلان نازل الى الأسفل، وأخرج حرف اللام الأول بترويسة لطيفة في جهة اليسار، وحركة قوسية من جهة اليمين، أمّـا حرف اللام الثاني فأخرجه بترويسة مثلثة صغيرة، وخطّ حرف الهاء بتحدّب صغير في أعلاه ثم نزول قوسي رشيق في الأسفل، لينتهي متصلاً بتقويسة حرف الألف من كلمة (الرحمن) محققاً خاصية التأليف.
إنَّ الخفض المكاني للفظ الجلالة منح الفنان عباس مساحة ملائمة لرفع حرفي الألف واللام من كلمة (الذين) فوق حرف الهاء من لفظ الجلالة، وخطَّ حرف الألف مقـوّساً من جهة اليمين، وصغير الحجم قياساً الى بقية حروف الكلمة، فأنتج بذلك تضاداً حجمياً، واتصل بحرف اللام محقـقاً خاصية التأليف، وأخرج حرف الذال المرسل بمدّ تقويسته بحيث احتضن حرف النون من الكلمة نفسها، وأسهم في اكمال الشكل القوسي الوهمي للكتلة من الأسفل، وبالمقابل أسهمت نقطته في تحقيق هذا الإكمال من الأعلى حيث اختار الفنان عباس موضعتها بحيث تكون مرفوعة الى الأعلى، وحقق خاصية التضاد الحجمي بين حرفي الياء والنون، حيث خطَّ حرف الياء بحجم صغير قياساً الى حجم حرف النون الذي اعتنى بإخراجه عناية كبيرة تمثّـلت في استثماره لقابلية حرف النون على التنصيل، وهذا ما أظهر حرف النون بحجم أكبر من بقية كلمات الآية الكريمة، ويلاحظ المتأمّـل في شكل حرف النون أنَّ الفنان عباس استثمر تقويسته لإظهار الفراغ أو المساحة السلبية المعادلِة للمساحة الايجابية وهي المساحة التي تشغلها عناصر التكوين الأُخرى، وبما أنَّ الفراغ عنصر تكويني أيضاً فهو مرتبط بالبعد التعبيري لفن الخط العربي الذيّ يعدّه الباحثون فن التصوّف والعبادة والتأمّل، لما يحمله من روحانية وقدسية الآيات القرآنية الكريمة التي وجِدَت أنواع الخطوط العربية من أجلها، وهو مرتبط أيضاً بالبُـعد الجمالي لأنَّ الكمال يتجسّد في الرابطة القوية التي تربط بين الفراغ والحروف والكلمات وتوازنها وتكرارها الذي يمنحها ايقاعاً، ويرتبط أيضاً بالبُـعد النفسي الذي تظهر آثاره في نفس الفنان أولاً حين يصمم تكوين اللوحة وينفّـذها، وتظهر أيضاً في نفس المشاهد وهو يتأمّـل هذا الفراغ وينفعل به، فهو نقطة استراحةٍ للنظر وطاقةٍ لإكمال الرحلة مع تكوين اللوحة، ويرتبط أخيراً بالبُـعد الثالث الوهمي لأنه جزء من أرضية اللوحة.
في تعامله الفني مع حرف الألف في كلمة (امنوا) اعتمد الفنان عباس على خاصية التكرار، فكرر شكله الذي خطّـه به في لفظ الجلالة، وهذا ما أحدث ايقاعاً شكلياً منحه بُـعداً جمالياً، فضلاً عن أنَّ المبالغة في تقويسته أدّت الى احتضانه لحروف الميم والنون والواو من الكلمة نفسها، وأسهمت ترويسته في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة، وعالج حرف الميم فنياً بإخراجه مطموس العين، ومرفوعاً مكانياً، أمّـا حرف النون فخطّـه صغير الحجم قياساً الى حجوم الحروف الأُخرى، ورفع نقطته فوق بدايته، واتخذ حرف الواو شكله المجموع والمطموس العين، وانتهت تقويسته بتراكبه وتقاطعه مع حرف الألف الأخير من الكلمة نفسها، فحقق بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية.
تشير خاصية التأليف في الخطوط العربية الى اتصال حروف لا يحق لها الاتصال ببعضها لكنَّ الفنان قد يجد فيها بُـعداً جمالياً ناتجاً عن ترصين الكتلة وتماسكها، وهذا ما فعله الفنان عباس في وصله لحرف الميم من كلمة (منكم) بحرف الألف الأخير من كلمة (آمنوا)، وأخرجه معتمداً على خاصية التكرار مع الحرف نفسه الوارد في كلمة (امنوا)، وعالج حرف النون فنيّـاً بخطّـه بحجم صغير، ورفع نقطته فوقه، أمّـا حرف الكاف فأخرج الجزء القائم منه بميلان بسيط نحو جهة اليمين، وخطَّ شكل حرف الكاف الزنادي فوقه، فأكسبه تنوعاً لطيفاً بهذا التصرّف في شكله، وأخرج حرف الميم مطموس العين مع تقويسة لطيفة امتدت الى خارج الكتلة فبدت وكأنها زلف.
يلفت نظر المتأمّـل في اشتغال الفنان عباس في هذه اللوحة اختياره للشكل الدائري الوهمي لخطِّ الجزء الثاني من الآية الكريمة، والذي نتج عن توضيع بعض أجزاء الحروف وبعض التشكيلات التزيينية بحيث توحي للمشاهد بهذا الشكل، وهو ما تطلّـب منه عناية خاصة في تعامله مع المساحة، فأفاد من خبرته وحسن تقديره لمواضع الحروف وأحجامها، فلم تتجمع وتزدحم في جزء وتقل وتتباعد في جزء آخر، وبهذا لا يجد المتأمّـل اختلالاً في الهيأة العامة للتكوين، ونظراً لكون مساحة هذا الشكل أكبر من مساحة الكتلتين السابقتين فإنّـه استخدم قلماً أكثر سُمكاً من القلم الذي خطَّ به الكتلتين السابقتين، فأنتج بذلك تضاداً شكلياً معهما.
تنفيذاً لخاصية التركيب الثقيل لخط جلي الثلث ابتدأت الآية الكريمة من الأسفل صعوداً الى الأعلى، وأول حرف فيها هو حرف الواو الذي أخرجه حسب خاصية تخريق العين والشكل المجموع، أمّـا حرف الألف في كلمة (الذين) فقد اختار تحريف مكانه بحيث يتموضع فوق حرف الواو، فأصبح قاعدة له، وبالغ في طوله القائم المروّس قليلاً فبدا صلباً في مظهره، وأخرج حرف اللام بزلف مقوّس أسهم في الإغلاق الوهمي لجزء من الشكل الدائري من جهة اليمين، ولهذا بالغ كثيراً في طوله بحيث أسهمت تقويسته في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من الشكل الدائري من الأسفل، وتراكب وتقاطع مع تقويسة حرف الواو فأحدث ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبهذا أنتج طاقة حركية لطيفة أخرجت هذا الجزء من التكوين من جموده الناتج عن سكون حرف الألف وصلابته، وتعامل مع حرف الذال فنياً بتحقيق خاصيتي التراكب والتقاطع بين نهايته وتقويسة حرف النون من الكلمة نفسها فأوجد بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية.
استغلّ الفنان عباس الفراغ الناتج داخل حرف الذال ليكون مساحة احتواء لحرف الياء وجزء من تقويسة حرف النون، وأخرج حرف الياء بحجم صغير قياساً الى حجم باقي حروف الكلمة فأنتج بذلك تبايناً حجمياً بينها، فضلاً عن اختياره لرفعها مكانياً بحيث أسهمت في فسح المجال لحرف النون نظراً لحجمها الأكبر، واختار لنقطتيها المتجاورتين الأُفـقـيتين شكل متوازي المستطيلات.
في إخراجه لكلمة (اوتوا) اختار خطّ حرف الألف برفعه مكانياً بحيث اتخذ موضعه في منتصف الكتلة، وأوحى شكله القائم بالارتقاء والسمو الذي يرتبط دلالياً بارتفاع المؤمنين والذين أُوتوا العلم درجات، وهذا ما يكشف عن الاختيار القصدي للفنان عباس من توضيع حرف الألف في هذا المكان، فضلاً عن احاطته بالحروف المائلة والمقوّسة التي توحي للمشاهد بإحساس الهدوء والرقّـة لأنها أكثر ليونة وعذوبة من الخطوط القائمة، فأثار بالتالي شعوره بالتوازن الناتج عن الطاقة الحركية لها، واعتماداً على خاصية التكرار كرر حرف الواو المتكرر في كلمة (أُوتوا) بالشكل نفسه، وحقق تضاداً مع شكله الوارد في كلمة (آمنوا) في الجزء الأول من الآية الكريمة، ولكنّـه حقق خاصيتي التراكب والتقاطع حين استقـرّ أمام حرف النون من كلمة (الّـذين)، فأحدث بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية.
واعتمد على خاصية الرفع المكاني عند خطّـه لحرف التاء، فأصبح حرف الواو من الكلمة نفسها قاعدة يرتفع عليها، وبدأها بزلف دقيق ورفيع من الأسفل، ومنحها حجماً صغيراً قياساً الى حجوم بقية حروف الكلمة، ومنح نقطتيها المتجاورتين أُفـقـياً شكلاً دائرياً صغيراً، محققاً بذلك خاصية التضاد الشكلي مع أشكال النقاط الأُخرى في الكتلة نفسها، فنقطتي كلمة (درجات) خطّـها دائرية ولكنَّـها أكبر حجماً، أمّـا النقاط الأُخرى فقط خطّـها على شكل متوازي المستطيلات. وأسهم إخراجه لحرف الواو الثاني المرفوع مكانياً فوق حرف الواو الأول في ايجاد تكرار ايقاعي لطيف بينهما.
أشرتُ سابقاً الى خاصية الاختزال أو الدمج في حرفي الألف من كلمتي (أُوتوا والعلم)، أمّـا حرف اللام المروّس فقد رفعه مكانياً فأسهمت ترويسته في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي للشكل الدائري للكتلة، وتراكب وتقاطع مع حرف الدال في نقطتين لينتج ايهاماً بالبُـعد الثالث من جهة، وزاوية هندسية من جهة ثانية، وهذا ما منح شكله طاقة حركية وحيوية ناتجة عن تضاد أشكال الحروف، أمّـا حرف العين فقد اختار له خفضاً مكانياً، وتصرّف بشكله حيث أخرجه بشكله المجموع، وكان حقّـه أن يخطّـه بشكل العين الوسطية، وهذا ما يدخل في باب التنويع الذي يسمح للفنان بالمفاضلة بين أشكال الحروف في الخط الواحد، ويلاحظ المتأمّـل أنّـه تعامل معه تعاملاً فنيّـاً أيضاً من خلال إفادته من خاصيتي التراكب والتقاطع التي يتيحها التركيب الثقيل لخط جلي الثلث، فأخرجه متراكباً ومتقاطعاً مع نهاية حرف الدال من كلمة (درجات) من جهة أُولى، ومع حرف الألف المختزل في (3) مواضع من جهة ثانية، ومع حرف الذال من كلمة (الّـذين) من جهة ثالثة، ومع حرف النون من الكلمة نفسها من جهة رابعة، محققاً بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، وأخرج حرف اللام برفعها مكانياً بحيث أسهمت ترويستها بإكمال جزء من الإغلاق الوهمي للشكل الدائري للكتلة في الجهة العليا منها، أمّـا حرف اللام فقد خطّـه بشكلٍ رحماني أسهم في منح هذا الجزء من الكتلة طاقة حيوية كامنة في خاصيتي الانحناء والتقويس، فضلاً عن تراكبه وتقاطعه مع حرف الألف الأخير من كلمة (أُوتوا)، ليوجد بُـعداً ثالثاً، وحركة ضمنية وهمية، وأسهم جزء من تقويسته في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي للشكل الدائري لهذه الكتلة من جهة اليسار.
يكشف تنسيق أشكال الكلمات ومواضعها عن مدى استيعاب الفنان واهتمامه بربطها بالدلالة الكليّـة للكتلة، وبما أنَّ كلمة (درجات) الواردة في هذه الآية الكريمة هي الكلمة المحورية الدالّـة على العلو والارتفاع، فإنَّ الفنان عباس أولاها عناية كبيرة تمثّـلت برفعها المكاني بحيث وقعت في أعلى الكتلة داخل الشكل الدائري الوهمي، ورفع حرف التاء منها فوق الكتلة، وسأقف عندها لاحقاً، وأخرج حرف الراء بشكله الرحماني المثير لبصر المتأمّـل، لتمتعه بخاصيتي الانحناء والتقـوّس التي أضفت على هذا الجزء من الكتلة حيوية لافتة، فضلاً عن خاصيتي التراكب والتقاطع التي تحققت مع حرفي الألف واللام، فأنتجت ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية.
أسهم الرفع المكاني لحرف الجيم في اتخاذه من حرفي الألف من كلمة (العلم) والراء من كلمة (درجات) قاعدة يرتفع عليها، وحقق خاصية التأليف باتصاله بحرف الألف وكان حقّـه الانفصال عنه، فضلاً عن تحقيقه لخاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف اللام من كلمة (العلم) الذي نصّفه لينتج ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، أمّـا حرف الألف فقد بالغ في طوله قليلاً ليمتدَّ مساره خارج الكتلة، وهذا التصرف في امتداده واحد من معطيات التركيب الثقيل للكتلة المخطوطة بخط جلي الثلث، وفي الوقت ذاته أصبح قاعدة يستند عليها حرف التاء من الكلمة نفسها، فضلاً عن تحقيقه لخاصية التأليف حيث كان حقه الانفصال عنه، وهي الخاصية نفسها التي حققها أيضاً في خطّـه لشكل الفاصلة بوصفها حلية تزيينية، وأخرجها بحيث تستند على ترويسة حرف اللام من كلمة (الّـذين) وتنتهي باتصالها بحرف التاء من الأسفل، فبدت وكأنها تسندها وترفعها، ويبدو أنَّ هذا التصرّف كان القصد منه التأكيد على التوازن والترابط الشكلي بينهما، فلم يظهر حرف التاء منفصلاً أو معزولاً عن كتلته، بل كان عزله تحقيقاً للبُـعد الجمالي من جهة، ولإضفاء سمة الحركية عليه من جهة مقابلة.
تشتغل خاصية التنويع الاخراجي للحروف باتجاه تحقيق حالة من التوازن والايقاع الحركي، وتضفي عليها بُـعداً جمالياً، ومتعة لنظر المُشاهد، ولهذا اختار الفنان عباس توضيع حرف التاء من كلمة (درجات) فوق الشكل الدائري بحيث شغل الفراغ الواقع بين الكتلتين الثانية والثالثة المتمثلة بالشكل الدائري، وأفاد من خاصية التنصيل، فمدّ مسارها اللين بحيث يبدأ من اليمين الى اليسار، واختار لنقطتيها المتجاورتين شكلاً دائرياً وحجماً أكبر من حجوم النقاط الأُخرى، فحقق بذلك تضاداً شكلياً وحجمياً معها، فضلاً عن التضاد اللوني المتمثّـل بخطّـها بالحبر الأحمر، فيما اختار الحبر الأسود لخط بقية كلمات اللوحة، واللون الأحمر يدلّ في بعض دلالاته الايجابية على الحركة والحيوية والطاقة، فيما يدلّ اللون الأسود في بعض دلالاته الايجابية على الـرُقي والفخامة، ولهذا يبدو أنَّ اختيار الفنان عباس لهما كان قصدياً دلالياً وجمالياً.
تتمثّـل الكتلة الثانوية بالتشكيلات التزيينية التي يخطّـها الفنان بقلم أقلّ سُمكاً من القلم الذي يخطّ به النص، ويسمّى (قلم الحركات)، ولهذا يظهر حجمها أصغر من حجم كلمات الكتلة، فلا تؤثّـر تأثيراً سلبياً على مظهرها، كما أنَّ حسن اختياره عند توزيعه لها في الفراغات البينية والمحيطية يمنح شكل الكتلة تماسكاً وتناسقاً جمالياً، ولهذا ينتقي من أشكالها ما يجده متناسباً مع كلماتها، وفي هذه اللوحة كان اختيار الفنان عباس لحركات الصرف مثل: السكون والفتحة والكسرة والضمّة والشدّة في مواضعها المناسبة صرفياً، وكذلك المدّة، ولحرفي الميم والواو لكونهما من الحروف الايضاحية الصغيرة، فيما أكثر من علامات الحلية مثل: الفاصلة والرقم (7) الذي أسهم في منح الكتلة مظهراً حيوياً لأنَّ شكله الذي يشبه شكل المثلث الهندسي المقلوب حقق خاصية التضاد مع أشكال حروف الكتل الثلاث.
قد يستعيض الفنان عن الأشكال الزخرفية في لوحته الخطيَة بأشكال نباتية مرسومة ومستمدة من الطبيعة، لتكون عنصراً من عناصر التكوين، ولهذا اختار الفنان عباس شكل مجموعة من الزهور البنفسجية والأوراق النباتية المُـحوّرة عن الأصل، لتزيين الجزء العلوي من اللوحة.
تُشكِّل خلفية أو أرضية اللوحة عنصراً رابعاً من العناصر التكوينية لهذه اللوحة التي اختار لها قطعة من الجلد الحيواني المدبوغ غير منتظم الشكل، واعتمد على لون الجلد الطبيعي، عدا الشكل الدائري الوهمي الذي لوَّن أرضيته بلمسات متدرّجة ومتداخلة من اللون البني الترابي الذي يُـعد من الألوان الطبيعية لأنّـه لون الأرض الثابتة، فيستمد دلالاته الايجابية منها مثل الأمان والسلام والقيم السامية، وهي الدلالات ذاتها التي ينعم بها من يرفع الله سبحانه وتعالى درجاته، وهذا ما يؤكّـد أن الفنان عباس اختاره اختياراً قصدياً وليس عشوائياً.
انشغل الباحثون في أهمية الإطار للوحة الفنية، فمنهم من عارض وجوده لأنّـه قد يتسبب بتحديد رؤية المشاهد، ومنهم من رأى فيه مكملاً للعمل الفني وجزءاً لا يتجزأ منه، ولكنَّه في هذه اللوحة يؤدي وظيفة نفعية، فلا غنى عنه لأنَّ قطعة الجلد المخطوط عليها ليّـنة ولا بدَّ من إطار يمسك أطرافها، ولهذا يعمد الفنانون الى الإطارات المعدنية أو الخشبية لهذا النوع من اللوحات، وفي هذه اللوحة كان اختيار الفنان عباس لإطار معدني اسطواني رفيع، وشرائط قماشية صغيرة تربط قطعة الجلد بالإطار دون أن تؤثر على جماليتها.
لوحة (يوسف)
حجم اللوحة: 60/70سم
تاريخ الإنجاز: 1421ه/ 2000م
على خامةٍ من الورق (الكارتون) نفّذَ الفنان عباس لوحته هذه التي اعتمد فيها على عناصر التكوين التالية:
1/ الكتل الرئيسة (الخطيّـة) والتي تمثّـلت بجملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، والآية الكريمة المرقومة (56) من سورة يوسف، والتي تنصُّ على( وكذلك مكّـنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره)، وجملة (صدق الله العظيم).
2/ الكتلة الثانوية التي تمثّـلت بالحلية (التشكيلات التزيينية).
3/ أرضية اللوحة.
يتيح التركيب الثقيل لخط الثلث فرصة للفنان لإخراج نص الكتلة في القسم الأسفل منها، بحيث تصبح الكلمة الأُولى قاعدة ترتفع فوقها الكلمات الأُخرى، فيبدأ بذلك تسلسلها القرائي من الأسفل الى الأعلى، ولكنَّ ما يميز هذه الطريقة الإخراجية أنَّ الكلمات لا تُبنى بناءً تصاعدياً عمودياً صارماً، بل يتحكم الفنان حسب خبرته وقدرته على توظيف المساحة توظيفاً جمالياً في موضعة حروفها وكلماتها داخل شكل الكتلة سواء أكان شكلاً هندسياً فعلياً أو وهمياً، أم كان شكلاً حراً أي غير هندسي، فيمنحه بذلك مسحة حيوية تلفت نظر مُشاهدها، وهذا ما يلاحظه في الكتلة الأُولى لهذه اللوحة، حيث خطَّ الفنان عباس جملة البسملة التي أسهم الخفض المكاني لكلمة (بسم) في جعلها قاعدة ترتفع عليها لفظة الجلالة وجزء من كلمة (الرحمن) ، وابتدأ بحرف الباء الذي منحه ترويسة صغيرة لطيفة واقعة في جهة يسار الكتلة، وأسهم في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليمين، وأخرج نقطته إخراجاً فنياً معتمداً على تحريفها المكاني، بحيث اتخذت موقعا تحت آخر سنٍّ من أسنان حرف السين، فأسهمت في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة، وأخرج حرف السين بأسنان قصيرة حسب قاعدة خط الثلث، وخطَّ نقطة اتصالها (ترصيفها) بحرف الميم بشكلٍ منحنٍ، فيما أخرج حرف الميم بشكله المجموع، وانتهى باتصاله بحرف الراء من كلمة (الرحمن) من الجهة السفلى، وأسهمت تقويسته في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة السفلى.
وتعامل مع لفظ الجلالة تعاملاً فنيّـاً أيضاً تمثّـل بموقعته فوق كلمة (بسم) وبشكل مائل أيضاً، واعتمد على خاصية التحريف المكاني لحرف الألف منه، فخطّـه بحيث ينصِّف حرف اللام الثاني من اللفظة محققاً خاصيتي التراكب والتقاطع التي أنتجت بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن احتضانه لحرف الهاء من اللفظة نفسها، محدثاً بذلك تركيباً ثقيلاً وتوازناً حيوياً لهذا الجزء من الكتلة.
ومن حيث شكله فقد أخرجه بترويسة مثلثة صغيرة، ثم امتداد أخذ حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل في جهة يمين الكتلة، ثم تقويسة لطيفة وحركة اتجاهية نحو يسار الكتلة، وتعامل مع حجمه تعاملاً فنيّـاً بحيث بالغ في طوله، فأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، واعتمد على خاصية التضاد الحجمي في معالجته لباقي حروف لفظ الجلالة التي خطّـها بحجم أصغر من حجم حرف الألف من جهة، وحجم كلمتي (الرحمن، الرحيم) من جهة ثانية، كما اعتمد على الخاصية ذاتها في إخراجه لحرف اللام الأول بترويسة صغيرة واقعة في جهة يسار الكتلة وتقويسة لطيفة، وترويسة مثلثة صغيرة وميلان خفيف نحو جهة يسار حرف اللام الثاني، وتعامل مع حرف الهاء تعاملاً فنيّـاً تمثّـل بإخراجه منحنياً قليلاً من الأعلى، ثم اتخذ حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل، ثم حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى قليلاً، بحيث تنتهي تقويسته باتصالها بامتداد حرف الهاء من الأسفل وكان حقه الانفصال عنه، فحقق بذلك خاصية التأليف.
وعمد الى خاصية الرفع المكاني لحرفي الألف واللام من كلمة (الرحمن)، وأفاد من خاصية الاختزال الشكلي، فأخرج حرف الألف إخراجاً فنيّـاً تجسّد بوصله بحرف اللام الذي بالغ في طوله بحيث أسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، وحقق نقطة اتصاله بحرف الألف بشكلٍ مثلثٍ من الأعلى، واتخذ حرف الألف حركة اتجاهية قوسية الى يمين الكتلة، ثم الى يسارها بحيث تراكب وتقاطع مع حرف اللام من الكلمة نفسها، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وانتهى مساره متصلاً بحرف الحاء من الكلمة نفسها، ليحقق خاصية التأليف.
أفاد الفنان عباس من خاصية الرفع المكاني للحروف والتي يتيحها التركيب الثقيل لخط الثلث، فرفع حرف الحاء من كلمة (الرحمن) بحيث تقاطع وتراكب مع حرف اللام من الكلمة ذاتها، محدثاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الايهامية، وأخرجه مقوّساً قليلاً ومتجهاً نحو يمين الكتلة، ثم ارتد بحركة اتجاهية نازلة الى الأسفل مع ميلان الى الجهة اليسرى، وأسهم الامتداد النازل بحركة اتجاهية الى الأسفل لحرف الحاء في إخراج حرف الميم بالامتداد نفسه، والذي عالجه معالجة فنية تمثّـلت بإخراجه مطموس العين، وواقع في جهة يمين الكتلة، أمّـا حرف النون فقد أخرجه حسب قواعد خط الثلث حيث انتهت تقويسته بوصلةٍ صغيرة مثّـلت نقطته.
اتخذت كلمة (الرحيم) الاتجاه المائل والنازل أيضاً، فحققت خاصية التوازن الشكلي مع بقية كلمات البسملة، وأفاد الفنان من خاصية الاختزال الشكلي لحرفي الألف واللام فوصلهما معاً ليحقق خاصية التأليف أيضاً، وأسهمت نقطة اتصالهما المثلثة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، وأخرج حرف الألف بتقويسة صغيرة نسبياً، فيما خطَّ حرف اللام أطول نسبياً، ومنحه التفافة داخلية لطيفة، ثم اتخذ حركة اتجاهية الى اليمين مع ارتفاع مكاني بحيث تراكب وتقاطع مع حرف اللام، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، واتخذ حرف الياء شكلاً منحنياً ليستقـرَّ تحته حرف الميم الذي عالجه الفنان عباس معالجة فنية، تمثّـلت بمنحه زلفاً يمتد بحركة قوسية في جهة يسار الكتلة، ثمّ يستمر مساره بحركة اتجاهية نازلة خارج الكتلة، وتنتهي بالتفافات حلزونية صغيرة ولطيفة أضفت على شكله مسحة حيوية وجمالية، وأسهمت تقويسته هذه في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليسار.
عُـرِفَ التركيب بأنه تنظيم يتمثل بإخفاء جزء من الشكل من قِبل شكل آخر أمامه، وهذا ما نلاحظه في خطِّ الجزء الأول من الآية الكريمة، حيث أخرج الفنان عباس الكلمات بشكل متراكبٍ ومتقاطع معتمداً على كلمتي (وكذلك مكّـنّـا) لتكون قاعدة لما بعدها من الكلمات، فتتفق بذلك مع دلالتها لأنَّ التمكين يأتي أولاً، وتعلوها صعوداً كلمة (ليوسف) لأنّـه هو المختص بـ (التمكين)، فهو ليس حالةً عامّـة لكل البشر، ولهذا منحها مكانتها الخاصة، أمّـا شبه الجملة (في الأرض) فـقـد اتخذت موقعها في أعلى هذه الكتلة، ليس للحفاظ على تسلسلها في الآية الكريمة فـقـط، بل أيضاً للتأكيد على أنَّ التمكين محدد مكانياً بالأرض، وهنا تشكّل تضاد دلالي لافـت، لأنَّ التمكين إرادة إلهية علوية تعلو على الأرض وما فيها، وهو الانطلاق والبداية فشكّل قاعدة التكوين الخطي لهذا الجزء من الآية الكريمة.
ابتدأ نص الآية الكريمة بحرف الواو الذي خطّـه الفنان بشكله المجموع، وبحجم صغير نسبياً، فحقق بذلك خاصية التباين الحجمي بينه وبين حروف كلمة (كذلك)، التي أخرج حرف الكاف منها إخراجاً فنيّـاً تمثّـل بمنحها شكل الكاف السيفي، واتصلت نهاية حرف الذال بحرف اللام من الكلمة نفسها من الجهة السُفلى، فتحققت خاصية التأليف، واتخذت نقطته شكلاً دائرياً، وأصبحت نهايته قاعدة يستقـرُّ عليها حرف اللام المرفوع مكانياً، والمروّس بترويسة صغيرة وبعرض القلم من الجهة اليمنى للكتلة، ثم أخذ مساره القائم والمائل قليلاً الى جهة يمين الكتلة، فتوازى مع الجزء القائم من حرف الكاف الآخرية من الكلمة نفسها، ولكنه تباين عنه بترويسته المثلثة وبطوله أيضاً، وحقق خاصية التأليف من خلال اتصال تقويسته بحرف الواو من كلمة (ليوسف) من الأسفل، فأسهم بالتالي في تحقيق التركيب الثقيل لهذه الكتلة.
وخطَّ حرف الميم حسب خاصية التحديق أي تبييض وسطها، وهذه من الخصائص التي تُـميّـز خط الثلث، واستثمر تقويسة حرف الكاف الآخرية ليموضعه داخلها، ومنحه امتداداً (تنصيلاً) ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع تقويسة حرف الكاف، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وحقق خاصية التكرار الشكلي والحجمي في حرف الكاف في كلمتي (كذلك، مكنا)، فضلاً عن تحقيقه لخاصية التأليف بين زاوية حرف الكاف مع حرف الألف من الكلمة نفسها، أمّـا حرف النون فقد أخرجه بتقويسة صغيرة الحجم نسبياً، واتخذ حرف الألف المروّس بترويسة مثلثة شكلاً قائماً محققاً خاصية التكرار الشكلي مع الجزء القائم من حرف الكاف في كلمة (كذلك)، ويتباين مع شكل الحرف نفسه في الكلمات الأُخرى.
اعتماداً على خاصية الرفع المكاني رفع كلمة (ليوسف) مكانياً بحيث أصبحت فوق كلمتي (وكذلك مكنا)، وتراكب وتقاطع حرف اللام في الكلمة ذاتها مع الجزء القائم من حرف الكاف في كلمة (كذلك)، فأحدث بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن دلالته على الارتباط الدلالي الذي سبقت لي الإشارة إليه، أمّـا حرف الياء فقد خطّـه بحجم صغير نسبياً قياساً الى أحجام باقي حروف الكلمة، واختار خاصية التحريف المكاني لنقطتيه، حيث اختار موقعهما تحت تقويسة حرف الكاف في كلمة (كذلك) منعاً للازدحام المكاني، ومنحهما شكل متوازي المستطيلات الأُفـقي المتجاور، وتعامل مع حرف الواو تعاملاً فنيّـاً تمثّـل بإخراجه بشكله المرسل. وأخرج أسنان حرف السين إخراجاً فنيّـاً تجسّد بتقويسات لطيفة، لكنّـه اعتمد على خاصية التحريف المكاني لحرف الفاء من الكلمة نفسها، حيث خطّـه منصِّـفاً للسن الأخير من حرف السين محققاً بذلك هدفين، فالأول منهما تمثّـل بخاصيتي التراكب والتقاطع التي أنتجت بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وتمثّـل الهدف الثاني بتحقيق خاصية التأليف التي جسّدها من خلال اتصال السن الأخير لحرف السين بحرف الفاء من الكلمة نفسها، أمّـا حرف الفاء نقطة فقد اعتمد في إخراجه على خاصية التخريق أي اظهار البياض في عينه، وخاصية التنصيل أي المدّ فمـدّه امتداداً أُفقياً مع تقويسة لطيفة، وبذلك أنتج خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرفي الكاف والألف في كلمة (مكنا)، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية في الحالتين، وأسهمت نهايته المرسلة في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة يسار الكتلة، واتخذت نقطته موقعها فوقه، وكانت بشكل متوازي المستطيلات، وحققت خاصية التباين الحجمي مع نقاط حرف الذال في كلمة (كذلك)، وحرف الياء في كلمة (في) التي خطّـها بحجم أصغر، وفي الوقت ذاته تحققت خاصية التباين الشكلي بين هذه النقاط ونقاط الحروف الأُخرى التي أخرجها بشكل متوازي المستطيلات، فأضفى هذا التنويع الإخراجي مسحة جمالية وحيوية على شكل الكتلة.
وفي إخراجه لكلمة (مكنا) اختار خاصية التحريف المكاني، فخطّ حرف الميم المُـخـرّق العين داخل تقويسة حرف الكاف في كلمة (كذلك)، وحقق بالتالي خاصيتي التراكب والتقاطع فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وعمد الى خاصية التنصيل، فمدَّ الجزء الأُفقي منه والمقوّس قليلاً ليتصل بحرف الكاف من الكلمة نفسها، وأخرج حرف الكاف بشكله السيفي، وحقق خاصية التأليف بوصله مع حرف الفاء في كلمة (يوسف) من الجهة العليا، ويلاحظ المتأمِّـل في طريقة إخراج هذا الحرف رفعه المكاني بحيث بدا محتضناً للكلمات التي تقع الى يمينه، فضلاً عن تحقق خاصية التأليف حيث اتصلت زاويته بحرف الألف من الكلمة نفسها، فأنتجت تزوية لطيفة في جهاته العليا والسفلى واليمنى، وعالج حرف النون معالجة فنيّـة تمثّـلت بمنحه تقويسة صغيرة، واستقـرّت نقطته فوقه وفي الوسط ، واتخذت شكل متوازي المستطيلات حسب قواعد خط الثلث، أمّـا حرف الألف فقد اتخذ شكله القائم المرشوق والمُـحلّـى بتقويسة خفيفة في القسم الأعلى منه، واتخذت ترويسته شكلاً مثلثاً حسب قواعد هذا النوع من الخطوط العربية، وأسهم شكله في تحقيق خاصية التوازي مع حروف الألف واللام والجزء القائم من حرف الكاف الوارد في الكلمات الأُخرى في هذه الكتلة.
استثمر الفنان عباس القسم العلوي من هذه الكتلة استثماراً لطيفاً ليخطَّ فيه كلمتي (في الأرض)، وابتدأ بكلمة (في) التي اتخذت من كلمة (ليوسف) قاعدة تستقـرُّ فوقها، وخطّ حرف الفاء مُـخـرّق العين، أمّـا حرف الياء فقد أخرجه بشكله المجموع، ويلاحظ المُشاهد عنايته بثخانة الخط ورفعه ليضفي مسحة حيوية على مَشهده، فضلاً عن معالجته معالجة فنية تجسّدت في تحقيق خاصية التأليف، وذلك لاتصال نهايته بحرف الألف الثاني في كلمة (الأرض)، واختار التحريف المكاني لنقطتيه، فخطّـهما داخل تقويسته وفي جهة اليمين، والأصل فيهما أن يكونا تحته، ويأتي هذا الاختيار بقصدية هادفة الى منع الازدحام المكاني تحته من جهة، وتحقيق بعد جمالي وحيوي من خلال هذه القصدية من جهة ثانية، واشغال المُشاهد بالتأمِّـل الممتع بهذا الجزء من الكتلة من جهة ثالثة.
في تعامله الفني مع كلمة (الارض) يلاحظ المُشاهد انّـه اعتمد على التحريف المكاني لحروف الألف الأول والثاني واللام، ليحقق التركيب الثقيل لخط الثلث، ولذلك خطَّ حرف الألف الأول بحيث يستقـرّ داخل تقويسة حرف الياء من كلمة (في)، ومنحه ترويسة بعرض القلم، وشكلاً قائماً مرشوقاً، وينتهي نهاية رفيعة، وأخرج حرفي اللام والألف المتصلين بشكل حرف الهاء المثلث المفرد، فأضفى على شكلهما مسحة حيوية لافتة للنظر، تجسّدت أيضاً باختلاف ثخانة الخط ورفعه، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع بين حرفي الألف الأول والثاني من الكلمة نفسها، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وكذلك بين حرفي الراء واللام من الكلمة نفسها، وشغل جزءاً من الفراغ الناتج عن شكل حرفي الألف واللام ليخـطَّ فيه همزة حرف الألف الثاني في كلمة (الأرض)، واستغل مساحة الزاوية الواقعة في يسار الكتلة والناتجة عن تراكب وتقاطع هذين الحرفين ليخطَّ حرف الضاد داخلها، وتحققت خاصيتي التراكب والتقاطع بينها وبين حرف الألف من كلمة (مكنا)، فأنتجت بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، واستقرت نقطتها التي كانت بشكل متوازي المستطيلات فوقها.
إنَّ مجموعة الخصائص التي أشرتُ إليها كشفت عن عناية واضحة في التنسيق الإخراجي الذي اعتمده الفنان عباس، من حيث تعميم الحروف كلّها مفصولها وموصولها فلم تتفاوت في التأدية الخطية، وتحقـقـت أيضاً خاصية التفريق فلم تزاحم الحروف بعضها بعضاً مكانياً، وكان لانتصاب حرف الألف والجزء القائم من حرفي اللام والكاف دوره الواضح في منح شكلها صعوده مقابل الحروف اللينة التي تميّـزت بالرشاقة والانسيابية.
إنَّ حالة التمكين تستدعي بدايةً الحركة والنشاط الذي لا يعرف السكون والخمول بحكم المتغيرات التي تصاحبه، ولكنَّ تحققه كاملاً يستدعي الاستقرار حسب تفسير الآية القرآنية الكريمة، ومن هذا الفهم العميق لمضمونها كان اختيار الفنان عباس لخطِّ القسم الثاني من الآية القرآنية الكريمة بطريقة السطر الكتابي الذي يستقر تحت القسم الأول مكانياً، وبسُمك قلمٍ أقل من سُمك القـلم الذي استعمله لخط الجزء الأول من الآية القرآنية الكريمة، فكان حجمها أصغر قياساً الى حجم الجزء الأول من الآية الكريمة، فاحتلَّ بالتالي مساحة مكانيةً أقـلّ أيضاً.
يلاحظ المشاهد لهذا الجزء من اللوحة أنَّ هذه الاختيارات مدروسة تماماً، ومرتبطة ارتباطاً واضحاً بدلالات الآية القرآنية الكريمة، فـقـد أشار المفسرون لها أنَّ تأويل الأحاديث يدلّ على أنَّ الله سبحانه وتعالى منحَ يوسف قدرة تعبير الرؤيا، وأنَّ تفسير جملة (والله غالب على أمره) تدلّ على أنَّه هو الذي يدبِّـر أمر يوسف، فالتعليم والتدبير بيد الله سبحانه وتعالى، والنبي يوسف هو الذي يتلقّـى ويتعـلم، وهذا التلقّـي يتطلّـب الاستقرار، وبالتالي استقرت الآية الكريمة شكلاً بسطر كتابي يتمتع بخاصية التفريق فلم يعتمد على التركيب الثقيل بل توالت الكلمات بانسيابيةٍ عالية، ورقّـة واضحة تجـلّت في حروفها اللينة، كما تجـلّى تعـميم حروفها أيضاً وتوفيقها حيث حافـظ الفنان عباس على استقامة هذا السطر.
يلاحظ المُشاهد أنَّ جملة (صدق الله العظيم) اتخذت الشكل الإخراجي ذاته الذي اتخذته جملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، فلن أتوقف عنده منعاً للتكرار.
في الكتلة الثانوية اختار الفنان عباس مجموعة من التشكيلات التزيينية مثل: المـدّة المتباينة حجماً، والشدة، والفاصلة المتباينة حجماً وشكلاً، والرقم سبعة المتباين حجماً وشكلاً أيضاً، والحروف الايضاحية الصغيرة المتمثّـلة بحرف السين الذي اتخذ موقعه تحت حرف السين في كلمة (يوسف)، وحركة الضمّـة المتكررة شكلاً وحجماً، والألف الخنجرية التي اعتمد في خطّـها على خاصية التباين الحجمي، فأنتجت هذه التشكيلات بالتالي تماسكاً وشداً وقـوّة لشكل الكتل الخطيّـة، فضلاً عن دورها التزييني.
وفيما يخصُّ أرضية اللوحة التي تمثّـل العنصر الثاني من عناصر تكوين اللوحة يلاحظ المُشاهد أنَّها اتخذت اللون البني المتدرج بين الفاتح والأغمق قليلاً، وهو لون التراب لأنَّ الآية القرآنية الكريمة تتحـدّث عن تمكين نبيّـه يوسف في الأرض، وبما أنَّ لون التراب الأرضي ليس لوناً واحداً بل خلقه الله متعدد الألوان، والأرض أيضاً ليست مستوية بل قد ترتفع في مكان وتنخفض في آخر، فكان لا بُـدَّ للفنان يوسف من تأكيد هذه الصفة باستعمال التدرّج اللوني، هذا من جهة، ومن جهة ثانية هو إشارة واضحة الى امتداد تمكين النبيّ يوسف على مساحة واسعة من الأرض هي مصر وما حولها، أمّـا في وسط اللوحة فكان اختيار الفنان للدرجة الفاتحة المضيئة من اللون البنيّ والمائلة الى الأصفر، وهو لون النور للدلالة على أنَّ التمكين هو هبة وتكريم من الله عـزَّ وجلَّ، وأيضاً هي إشارة الى أنَّ النبيّ يوسف استعمل هذه الهبة فيما ينفع العباد على أكمل وجهٍ.
لوحة (كن فيكون)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانتاج: 1422ه/ 2001م
اختار الفنان عباس خامة من الجلد الحيواني لينتج لوحة خطّ عليها الآية القرآنية الكريمة المرقومة (82) من سورة (يس) التي نصّها (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)، وبخط جلي الديواني ، واعتمد في تكوينها الفني على العناصر التالية:
1/ الكتلة الرئيسة: وهي الكتلة الخطيّـة التي تنقسم على قسمين، خطَّ في الأول الآية الكريمة، وفي الثاني جملة (صدق الله العظيم).
2/ الكتلة الثانوية: التي تتمثّـل بالتشكيلات التزيينية.
3/ الأرضية أو الخلفية وهي التي تحتضن الكتلة وتبرِّزها، وتحدد عمقها الفضائي اعتماداً على خاصية التضاد بينهما.
أخرج الفنان عباس كتلة الآية الكريمة بشكل تتابعي، وحركة اتجاهية صاعدة من الأسفل الى الأعلى تحقيقاً لخاصية التركيب الثقيل لخط جلي الديواني، وابتدأ بجزء من الآية الكريمة وهو (إنما أمره إذا أراد شيئاً) حيث أخرج حرف الألف من كلمة (إنما) ببداية مثلثة ثم تقويس نازل، لينتهي بإرسال مبالغ في طوله فبدا وكأنّـه قوس يحيط بالآية، فأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهات العليا والسفلى واليمنى، أمّـا حرف النون فقد عالجه معالجة فنية تمثلت بإرسال قصير وحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، برشاقة وانسيابية لطيفة ليتصل بحرف الميم، وأفاد من خاصية التحريف المكاني فخطَّ نقطته فوق بدايته، وكان حقّـها أن تكون في وسطه، وكانت على شكل متوازي المستطيلات.
إنَّ الرفع المكاني لحرف النون جعل من حرف الميم قاعدة له، وهو الحرف الذي أخرج ترويسته بشكل مربع واقع في جهة يمين الكتلة، أمّـا حرف الألف فقد منحه شكلاً عمودياً مائلاً قليلاً الى جهة اليسار، وترويسة مثلثة أسهمت في تحقيق الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة العليا.
أفاد الفنان عباس من خاصية التكرار لخط حرف الألف من كلمة (أمره) فكرر شكله الذي خطّـه في كلمة (إنما)، ولكنّه حقق خاصية التباين في منحه زلف في أعلاه يبدأ بتدويرة ثم يتجه نازلاً بميلان عام نحو جهة يسار الكتلة، وحقق خاصية الرفع المكاني برفع هذا الحرف الى الأعلى، واتخذ موقعه بحيث تكون تقويسة حروف النون والميم والألف قاعدة له، كما أنّـه تراكب وتقاطع مع حرف الألف من كلمة (انما)، فأنتج بُعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، ثم اتجه بحركة مائلة الى جهة يسار الكتلة، وبهذا يكون الفنان قد هيّـأ مساحة كافية لخط حرف الميم المرفوع مكانياً داخل هذا التقويس، وتقاطع وتراكب مع حرف الالف من كلمة (إنما) فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وكذلك الحركة الضمنية الوهمية، وجعل من حرف الراء المرسل قاعدة لرفع حرف الهاء المفردة فوقه، ومنحها شكل الرقم (5)، لكنه أخرجها مضغوطة عمودياً من جهتي اليمين واليسار ومائلة قليلاً نحو جهة اليمين، وهذا ما أكسبها مسحة حيوية.
إنَّ الايقاع هو ترديد أو تكرار للحركة بصورة منتظمة تنتج توازناً للكتلة، وتمحنها صفة الحيوية، ولهذا اعتمده الفنان في إخراجه الشكلي لحرف الألف المكرر في الكلمات (أمره، إذا، أراد)، أمّـا التنغيم الايقاعي فيشير الى قدرة الفنان على خطِّ الحرف نفسه بأكثر من شكلٍ في الخط الواحد، وهذا ما أنجزه في تعامله الفني مع حرف الألف أيضاً في كلمة (إنما) فرسمها بدون زلف ومقوّسة الشكل مع ارسال، وفي كلمة (شيئا) التي خطّـها قائمة وبدون زلف، ومنح حرف الذال تقويسة ثم ارسالاً مبالغاً به لتحقيق خاصيتي التناسق والتكرار الشكلي مع حرف الدال من كلمة (أراد).
يثير الشكل المرسل المتكرر لنهايات الحروف في هذا الجزء من الآية الكريمة إحساس المشاهد بالحركة الضمنية الوهمية التي منحت مظهره جاذبية وقيمة فنية من جهة، وكشفت قدرة الفنان عباس على استثمار طواعية الحروف العربية ومرونتها من جهة مقابلة.
في معالجته الفنية لكلمة (شيئا) عمد الى خاصية الرفع المكاني، فرفع حرف الشين فوق حرف الدال، وخطّ تقويستها بميل عام الى جهة اليمين مع حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، لتتصل بتقويسة حرف الياء من الأسفل، فحقق بذلك خاصية التأليف، واتخذ منها قاعدة لرفع الهمزة فوقها، أمّـا حرف الألف فقد خطّـه بشكل متباين مع شكله في الكلمات الأُخرى، حيث منحه امتداداً صاعداً الى الأعلى مع ميل قليل نحو جهة اليمين، ليكتمل على شكل مثلث من الأعلى، فحقق بذلك إغلاقاً شكلياً وهمياً لهذا الجزء من الكتلة.
في المساحة التي تلي هذه المساحة صعوداً خطَّ تكملة الآية القرآنية الكريمة، والتي نصّت على (أن يقول له)، وابتدأ بحرف الألف الذي بالغ في امتداده القوسي من الأعلى والأسفل بحيث يحيط بالكتلة، ومنحه ترويسة مثلثة، وامتداداً قوسياً نحو جهة اليمين، ثم ارسالاً طويلاً بحركة اتجاهية نحو يسار الكتلة، وعالج حرف النون معالجة فنية تمثلت بتقويسة صغيرة في بدايته، ثم تقويسة نازلة نحو الأسفل، ليتراكب ويتقاطع مع حرف الواو من كلمة (يقول)، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، ثم اتخذ حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى ليتقاطع ويتراكب أيضاً مع حرف اللام من الكلمة نفسها، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وينتهي باتصاله بالامتداد الراجع لحرف اللام من الكلمة نفسها، محققاً خاصية التأليف، وحرّف الفنان عباس موقع نقطته لتكون فوق بدايته، وكان موقعها الطبيعي فوق الحرف وفي الوسط.
أسهمت خاصية الخفض المكاني لحرف النون في استغلال تقويسته، لتصبح قاعدة لحروف الياء والقاف والواو وجزء من حرف اللام من كلمة (يقول)، التي خطّـها بحركة اتجاهية نازلة ومائلة الى جهة يسار الكتلة، ورفع حرف الياء مكانياً، وأفاد من حالة الإبعاد المكاني ليستثمر المساحة الواقعة تحت حرف القاف ويخط نقطتيها المتصلتين، وخطَّ حرف القاف الوسطي بتلويز رأسه أي تدويره، واستقرت نقطتاه فوقه، أمّـا حرف الواو فعالجه فنياً بطمس رأسه، ثم ارساله ليتراكب ويتقاطع مع تقويسة حرف النون، فأنتج ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وأخرج حرف اللام بحيث تتراكب وتتقاطع ترويسته أيضاً مع حرف النون من كلمة (كن) من الأسفل، فأنتج ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، ويستمر مسار تقويسته بحركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى، ثم راجعة الى يمين الكتلة بحيث تتصل بالجزء القائم منه، فتحققت خاصية التأليف.
في تعامله الفني مع كلمة (له) عمد الى خاصيتي التراكب والتقاطع، حيث تراكبت وتقاطعت ترويسته مع تقويسة حرف النون من كلمة (كن)، وحرف الواو من كلمة (يكون)، فأنتج ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، وامتدَّ بحركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل ليتراكب ويتقاطع مع تقويسة حرف اللام من كلمة (يقول)، فأنتج ايهاماً بالبعد الثالث، وحركة ضمنية وهمية، أمّـا حرف الهاء فقد خطّـه بشكل امتداد قصير يتجه الى يسار الكتلة، وكانت ترويسته مثلثة صغيرة.
إنَّ تحقق خاصيتي التراكب والتقاطع تلفت انتباه المشاهد المتابع لحركة الحروف وتراصها وتماسكها وقوتها، وهذا بالتالي سيثير شعوره بتوازنها وتناسقها.
في القسم العلوي من الكتلة خطَّ القسم الأخير من الآية الكريمة وهو (كن فيكون) بقلم أكثر سُمكاً من القلم الذي خطَّ به ما سبقها، ولهذا بدت أكبر حجماً، وارتبط هذا الاختيار المكاني المتميز والحجمي المختلف بقصدية الفنان في تأكيد البُـعد التعبيري لهذا القسم من الآية الكريمة، حيث أنَّ ادراك دلالة الآية الكريمة هي التي تدفعه لإبراز الكلمات المحورية فيه، والدلالة في هذه الآية الكريمة تعتمد على (3) مراحل تتابعية:
الأُولى: إرادة الشيء، ولهذا اختار الفنان عباس خط القسم الأول من الآية الكريمة بسطر منفرد.
الثانية: القول، أي إصدار الأمر الإلهي للشيء، فاختار له السطر الثاني المنفرد أيضاً.
الثالثة: الحصول أو التحقق الكامل للشيء، فوضع الكلمتين الدالتين عليه في أعلى اللوحة أو قمتها.
ويلاحظ المتأمّـل في هذا القسم من الكتلة أنَّ الفنان عباس أخرج حرف الكاف من كلمة (كن) بشكل الكاف الراجعة الصغيرة بديلاً عن امتدادها الأُفـقـي، وتعامل مع القسم العمودي منها بمنح أعلاه ترويسة مثلثة، ثم حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، ثم تقويسة صغيرة ترتفع نهايتها لتتصل بحرف النون، وهو الحرف الذي تراكبت وتقاطعت تقويسته المبالغ في حجمها مع بداية حرف اللام من كلمة (يقول) – كما أشرتُ سابقاً – وكذلك مع تقويسة حرف الواو من كلمة (فيكون)، ثم اتخذت حركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى لتتصل بترويسة حرف الواو من جهة يسار الكلمة نفسها، فحققت بذلك خاصية التأليف، وأضفت على الكتلة مسحة من الحيوية والحركية اللافتة للنظر.
إنَّ هذا الحجم المبالغ به لحرف النون، وفّـرَ مساحة كافية لتكون قاعدة لحروف الفاء والياء والكاف وجزء من حرف الواو من كلمة (فيكون)، أمَّـا حرف الفاء فقد أخرجه اخراجاً فنياً تمثّـل بطمس عينه، ورفع نقطته فوقه تقريباً، وتعامل مع هذه النقطة بفنيّة لافتة واهتمام كبير، يتجلى في إخراجها معتمداً على خاصية التباين في حجمها حيث منحها حجماً كبيراً قياساً الى حجوم باقي نقاط حروف الآية القرآنية الكريمة، وكذلك شكلها الدائري المتباين عنها أيضاً، كما اختار أن يخطها بدم إنساني أحمر بدلاً عن الحبر البني المحمر الذي خطَّ به هذا الجزء من الآية الكريمة.
إنَّ الحجم المختلف يجذب عين المشاهد ويثر متعته، والشكل الدائري يحيل دلالياً الى الحركة المستمرة والمتجددة، فهو بالتالي سيمنح مشاهده إحساساً بطاقته وقـوّته وحيويته من جهة، ويشير دلالياً الى الأبدية من جهة مقابلة، واللون عنصر من عناصر التكوين التي تشتغل باتجاه تجسيد البُـعد التعبيري للوحة، فضلاً عن بُـعده الجمالي الذي يترك أثره في النفس الإنسانية، واللون الأحمر من الألوان الساخنة التي تدلُّ في بعض دلالاتها الايجابية على الحيوية والحركة، أمّـا الدم فهو العنصر الأساس الذي يعمل على إدامة الجسم البشري وحيويته، وهذا ما سيقود الى الكشف عن قصدية الفنان عباس في هذه الاختيارات للنقطة، التي أكّدَ من خلالها على أنَّ ارادة الله (سبحانه وتعالى) هي العليا والمستمرة الى الأبد، والنافذة في حياة البشر.
بالاعتماد على خاصية الخفض المكاني أيضاً، خفض حرف الياء في كلمة (فيكون) قليلاً، ووضع نقطتيها المتصلتين الأُفـقـيتين تحته بحيث شغلت جزءاً من الفراغ البيني، وخطَّ حرف الكاف بشكل قائم مائل الى جهة اليسار قليلاً، وهنا سيلاحظ المتأمل في هذا الجزء من اللوحة تباين شكل حرف الكاف في كلمة (فيكون) الذي اتخذ هيأة زخرفية، تبدأ بترويسة مربّـعة ثم تقويس لطيف وحركة اتجاهية نازلة، بحيث يلتقي مع ترويسة الجزء القائم منه، ثم حركة اتجاهية قوسيّة صاعدة تنتهي بدائرة، وهذا من خصائص حروف خط جلي الديواني الذي يتيح للفنان اختيارات متعددة لأشكال الحرف الواحد.
وتعامل مع حرف الواو المجموع المتصل تعاملاً فنياً، تجسّد في إخراجه بالطريقة نفسها التي تعامل بها مع حرف الفاء من الكلمة نفسها، أي بشكل العين المطموسة فحقق بذلك خاصية التكرار، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التباين لاختلاف شكله في هذه الكلمة عن شكله في كلمة (يقول)، وهذا ما أضفى صفة التنوّع الشكلي عليهما من جهة، وكشف عن قدرة الفنان عباس على التحكّـم بأشكال الحروف من جهة مقابلة.
إنَّ محاولات الفنانين إنتاج أشكال تتسم بالبعد الجمالي للحروف المخطوطة بهذا النوع من الخطوط، أتاح لهم فرصة التنويع في إخراجها، ومنها محاولة الفنان عباس منح شكل حرف النون الأخير بُـعداً جمالياً وحركة ضمنية، تبدأ بترويسة مثلثة ثم تقويسة رشيقة اتخذت مسارها الحركي باتجاه يمين الكتلة، ثم نزول مقوّس كامل ينتهي بحركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى.
في الجزء الأسفل من اللوحة خطَّ الفنان عباس جملة (صدق الله العظيم) بخط النسخ، وهو من الخطوط اللينة، ويمتاز برصانته ووضوح حروفه وعدم تشابكها، وتساوي الفراغات بينها، ولهذا يُـعدُّ من الحروف السهلة عند القراءة.
في إخراجه لكلمة (صدق) اختار شكل حرف الصاد المُـفـرّغ، ومنحه تنصيلاً واضحاً نظراً لقابليته على التنصيل، أمّـا حرف الدال فقد خطَّ الجزء الأول منه بترويسة مثلثة صغيرة ثم استدارة لطيفة، وخط حرف القاف حسب قواعد خط النسخ، بتفريغ عينه وتقويسه، واتخذت نقطتاه المتجاورتان الأُفـقـيتان والمائلتان قليلاً موضعهما فوقه.
أمّـا لفظ الجلالة فقد رفعه قليلاُ الى الأعلى حيث ابتدأ بحرف الألف القائم الذي أخرجه مرفوعاً، ومنح حرف اللام المتكرر توازياً معه، أمّـا حرف الهاء فقد أخرجه بترويسة صغيرة.
وفي معالجته الفنية لكلمة (العظيم) اعتمد أيضاً على خاصية الرفع المكاني، فرفعها قليلاً، وافاد من خاصية التكرار في إخراجه لحرف الألف، ومنح حرف اللام ترويسة مربعة وامتداداً نازلاً، ومنح حرف العين طمساً، أمّـا حرف الظاء فقد منحه ترويسة لطيفة، واعتمد على خاصية التنصيل في خطه للجزء الأُفـقـي منه فمدَّ تقويسته ليتصل بحرف الياء، وخطَّ حرف الميم بتفريغ عينه المدوّرة مع تنصيل قصير.
أشار الباحثون في أنواع الخطوط العربية الى أنّ خط جلي الديواني كان يُستخدم في ديوان الدولة العثمانية من قِبل السلاطين والأُمراء والوزراء لإصدار الأوامر الديوانية (الفرمانات) والمراسلات السلطانية، وكان من الخطوط الصعبة القراءة لكثرة تركيباته وتشابكاته، وكثافة التشكيلات التزيينية التي تملأ مساحاته البينية، بحيث لا تترك فراغاً لإضافة حرف أو كلمة الى الأصل، وهذا ما أدّى الى الحفاظ على هذه الإصدارات ومنع تزويرها، ثم شاع استعماله بين الخطاطين، ولهذا يجد المشاهد أنَّ الفنان عباس اعتمد على نشر هذه التشكيلات بشكل مكثّـف في الفراغات البينية والمحيطية للحروف في القسمين الأول والثاني، وتمثلت هذه التشكيلات بالحركات الإعرابية، والنقاط الصغيرة، والحروف الايضاحية الصغيرة، وعلامة الفارزة، وقد خطَّها بقلم أقل سُمكاً من القلم الذي خطَّ به الكتلة الرئيسة لكي تتميّـز عنها، وتُحقق خاصية التماسك لها، وهذا ما حققه أيضاً في اختياره للفظ الجلالة الذي أخرجه على شكل قوس يحتضن القسم الثاني من الآية الكريمة رغم أنَّـه ليس جزءاً منها، وخطّـه بتصرّف لافت للنظر حيث أخرج حروف الألف واللام المكررة بشكل قوسي مائل الى جهة يمين الكتلة، وبترويسة لطيفة فحقق بذلك خاصية التكرار، ثم تقويسة نازلة الى الأسفل، ثم حركة اتجاهية صاعدة الى الأعلى بميلان نحو جهة اليسار، وتصرّف أيضاً في شكل الهاء التي أخرجها على شكل قوسين متجاورين، محققاً بذلك خاصيتي التراكب والتقاطع المنتج للبعد الثالث الإيهامي والحركة الضمنية الوهمي، وفي جملة (كن فيكون) كانت التشكيلات محدودة وذلك لقصدية الفنان في ابرازها كما أشرتُ سابقاً.
إنَّ الشكل الحر للكتلة الخطيّـة في هذه اللوحة حقق توازناً وتناسقاً مع الأرضية الجلدية ذات الشكل غير المنتظم أيضاً، والتي تميّزت بلونها البُـنيّ المتداخل والمتدرِّج بين درجتيه الفاتحة والغامقة، فأصبح رمز يدلُ على الأرض التي يسكنها البشر، وتنفذ فيها إرادة الله سبحانه وتعالى.
23/7/2022م
لوحة (طرقتُ باب الرجاء)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانتاج: 1429ه / 2008م
نشأ التكوين في هذه اللوحة معتمداً على العناصر التالية:
1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة: التي خطَّ فيها بيتين شعريين من قصيدة للإمام الشافعي، هما:
طرقت باب الرجاء والناس قد رقدوا
وَبِتُّ أشكو إلى مولاي مـا أجـدُ
وقُـلتُ يا أمَلـي فـي كـلِّ نائبـة
ومَن عليه لكشف الضُّـرِّ أعتمـد
2/ الأشكال المرسومة: وتمثّـلت بالجامع، والورقة التي خطَّ عليها البيتينِ الشعريينِ.
3/ أرضية اللوحة: المتمثلة بأرضية اللوحة، أي السماء، وأرضية الورقة.
وسأبدأُ بقراءتها منطلقة من الأرضية التي فرشها على خامة اللوحة، وهي أرضية تكتنز بالدلالات من خلال اللون والرمز، فمن حيث اللون كان اختياره للون الأزرق الذي عُـرِفَ بأنّـه واحد من سمات الفن الإسلامي لارتباطه بالدلالة على السماء، فهو بالتالي إشارة الى قيمته الروحية العليا، ومنحه صفة التدرّج التي أخرجته من حالة الجمود الحضوري الى حركية جميلة تتآزر مع الحضور اللوني للأبيض، والأبيض هنا رمز يدلُّ على النور الذي بدأ يتسرّب الى الكون، فيما يشير اللون الأسود الى ظلام الليل، فالسماء إذاً في هذه اللوحة ستثير انتباه مُشاهدها الى القيمة الروحية التي تتمتع بها من جهة، وتكشف له أيضاً عن تحديدها الزمني وهو آخر وقت السحر وبداية الفجر، وهذا الوقت وقت مبارك للدعاء حيث ينفرد المسلم بخالقه، ليبثَّ له شكواه وأحزانه آملاً بالاستجابة، وهنا ينكشف أول تناسب لهذه الألوان مع دلالة النص المخطوط الذي يشير الى رقود الناس وسهر الشاعر الذي يناجي الله سبحانه وتعالى.
يمتلك الجامع قيمته الدينية الإسلامية العـظيمة في الواقع العياني بوصفه داراً لعبادة الله سبحانه وتعالى، من هنا كان اختيار الفنان عباس لشكل الجامع بمنارته وقبته ليشغل الجزء الأسفل من اللوحة أي أنَّ موقعه في العمق (البُـعد الثالث)، فأصبح بذلك قاعدة ترتبط ارتباطاً صميمياً بالسماء من حيث القيمة الروحية، ويجاور شكل الجامع أشكال بيوت يغمرها الظلام بدلالة لونها الأسود، وهذا ما يحيل دلالياً الى رقود الناس ويقظة الشاعر في هذا الوقت.
إذاً يمكننا القول أنَّ الفنان عباس أثثَ أرضية اللوحة تأثيثاً تكوينياً لافتاً للنظر، ثم أكمل هذا التكوين بخط نص البيتين الشعريين على ورقة بدا شكلها وكأنها كانت ملفوفة على بعضها، ثم فُتحت لأنَّ دلالتهما ترتبط بالانفعال النفسي والفكري الداخلي للإنسان أولاً، ثم يُعلَنُ عنه بالكلمات التي يطلقها صاحبها على أمل الاستجابة. ويلاحظ المُشاهد هنا التناسب المتوازن بين حجم الورقة من جهة وحجم أرضية الكتلة الخطيّـة من جهة ثانية، كما أنَّ اخراجها بشكل مائل، وحافات متعرجة أكسبها تضاداً جمالياً مع شكل أرضيتها التي اعتمدت على المستطيل القائم المعروف بصلابة حدوده وصرامتها.
من خلال تأملي للوحات الفنان عباس وجدته دقيقاً ومتأنياً في اختياراته لعناصر تكوين لوحاته، فاختياره لشكل الورقة كان مبعثه حقيقةً واقعيةً تشير الى أنَّ الورق هو الخامة التي تُكتب عليها القصائد، وأيضاً رسمه لها وكأنها تطير في الهواء إشارة الى أنَّ الصوت يخرج من فم الإنسان الى الهواء، فالنجوى إذاً تعلن عن نفسها، وبدت وهي مرهونة الى قيمةٍ ضوئية منحها لها الفنان عباس من خلال اختياره للون الأصفر المتدرِّج الى اللون البرتقالي، واللون الأصفر من الألوان المضيئة التي تجذب عين المشاهد إليها، ويشير الى مجموعة من الدلالات الايجابية المتمثّـلة بالفكر والطاقة والدفء.
أمّـا اللون البرتقالي فهو أيضاً من الألوان المضيئة الدافئة، ويلتقي دلالياً مع اللون الأصفر في ترميزه الى الطاقة والدفء والحرارة والحكمة والسلام وتجاوز الخيبات، وهنا سيلاحظ المتلقي أنَّ الاختيار اللوني كان مقصوداً على مستوى التضاد لأنَّ اللون الأزرق البارد الذي اتخذته الأرضية يتضاد مع الأصفر الدافىء وكذلك البرتقالي، وحقق التضاد أيضاً مع (النص) أي الكتلة الخطية المخطوطة باللون الأسود، فشكّل بذلك توازناً جمالياً أسهم في ابراز هذه الألوان.
يعتمد إخراج الكتلة الخطية على خبرة الفنان في اختيار نوعية الخط وفي حجمه وترتيب كلماته، ويلاحظ المشاهد هنا أنَّ الفنان عباس خطَّ هذا النص بنوعين: الأول هو خط جلي الديواني الذي خصَّ به كلمة (طرقت)، والثاني هو خط التعليق الذي خطَّ به باقي كلمات النص، وأخرج هذه الكتلة بطريقة الكتابة الرأسية المتسلسلة، فبدأ بكلمة (طرقتُ) ليفرد لها مكاناً في أعلى الورقة، بحيث تتجاوز في قسمها العلوي حدود الورقة التي عمد الى اظهارها بشكل ضبابي، وذلك للتأكيد على ارتباط فعل الطرق بالسماء، فباب الرجاء ليس باباً مادياً بل هو باب مُتـخـيّـل لأنَّ الرجاء لا باب له، ولكنَّ فِعلَ الطرق عليه يفتح طريقاً للفكرة المطروحة في نص الكتلة.
تثير اللوحة الخطية متعة في نفس مُشاهدها ليست متعة فنية فـقـط بل هي متعة روحية في الوقت ذاته، لأنَّ التأمـل في اللوحة يكشف أسرارها، من حيث إجادة الخطاط واتقانه لأشكال الحروف وفـق قواعد الخط الذي يستخدمه، وما يعتمده أيضاً من تقنيات كتابية تبثُّ الطاقة الكامنة فيه، وتحدد مواطن جماله، كما تحدد ارتباطها مع دلالته، وهذا ما سأحاول الكشف عنه في هذه القراءة التأملية لهذه اللوحة.
ابتدأت الكتلة الخطيّـة بأول كلمة من النص وهي كلمة (طرقت)، التي أخرج حرف الطاء فيها إخراجاً فنياً تمثّـل بميلانها وتبييض عينها باللون الأبيض، ومنح خطّـها ترويسة لطيفة واقعة في جهة اليسار، وأتاحت خاصية الرفع المكاني لها فرصة لحرف الراء المرسل ليحتضن حرفي القاف والتاء، وأخرج حرف القاف مطموس العين وصغير الحجم نسبياً قياساً الى حجم بقية حروف هذه الكلمة، أمّـا حرف النون فقد تعامل معه تعاملاً فنيّـاً أيضاً تجسّد بتقويسته المبالغ بها قليلاً.
إنَّ اشتغال الفنان عباس باتجاه الترويس التاجي لكلمة (طرقـتُ) فقط دون باقي كلمات النص، كان هدفه لفت نظر المتلقي إليها لكونها مفتاح الدخول الى عالم النص، فضلاً عن تبييضه لقـمّـة هذا التاج، وعين حرف الطاء أيضاً، وخاصية التضاد التي اعتمدها في إخراجه لنقاط حرفي القاف والتاء التي خطّـها بالشكل الأُفـقـي مرة والرأسي مرة ثانية، وافرادها بالتشكيلات التزيينية التي تمثّـلت بالمـدّة والضمة والرقم (7) الذي أخرجه على شكل زنبقة، والفاصلة التي خطّـها باتجاهات متعددة، أضفـت عليها ملمحاً جمالياً من جهة، وخصوصية من جهة ثانية، وتماسكاً شكلياً وروحياً من جهة ثالثة.
ومنح باقي الكلمات تسلسلاً سطرياً متوالياً حافـظ من خلاله على شكل وهوية هذا النص الشعري، إلاّ انّـه منح هذه الكتلة بُـعداً جمالياً وحركية حين اعتمد على بعض الحروف لتكون قاعدة ترتكز عليها كلمات أُخرى، ففي كلمة (باب) استغل المساحة التي أتاحتها خاصية التنصيل أي المد الأُفـقـي لحرف الباء لتستقـرَّ فوقه كلمة (الرجاء) المرفوعة مكانياً، وحقق التضاد المتجانس بين الشكل الأُفقي لحرف الباء والشكل العمودي لحرفي الألف واللام.
وشغل الفراغ الصغير الواقع بين نهاية حرف الباء والواو بنقطة حرف الجيم وهمزة كلمة (الرجاء)، واستثمر الفراغ الواقع فوق حرف الواو ليخطِّ فيه حرف الألف من كلمة (الناس)، وأخرج تقويسة حرف السين في هذه الكلمة بحجم مبالغ فيه، واتصلت نهايتها بحرف القاف في كلمة (رقدوا) من الجهة السفلى محققة بذلك خاصية التأليف، وأصبحت قاعدة تحتضن حرفي الراء والقاف من كلمة (رقدوا)، وتبدو قصدية الفنان عباس واضحة في هذا الإخراج للدلالة على فعل الرقـود أي النوم، واتخذت كلمة (قد) الصغيرة الحجم نسبياً، والمرفوعة مكانياً من أسنان حرف السين قاعدة ترتفع فوقها، وعمد الى خاصية الرفع المكاني لحرفي الواو والألف.
واستغل المساحة التي أتاحها التنصيل الأُفـقي لحرف التاء في كلمة (بتُ) فاتخذها قاعدة لخطِّ حرفي الألف والشين من كلمة (أشكو) المرفوعين مكانياً، وأخرج حرف الكاف بحيث تقاربت موقعياً مع نقطة حرف الباء في كلمة (باب)، وحرف الباء في الكلمة نفسها، وعالج حرفي الألف واللام في كلمة (الى) حسب خاصية الرفع المكاني، وأفاد من تقويسة الألف المقصورة في الكلمة نفسها لتكون قاعدة يستقـرّ فوقها حرف الميم من كلمة (مولاي)، أمّـا حرف الياء من الكلمة نفسها فقد عالجها حسب خاصية الخفض المكاني، وهذا ما أتاح مساحة كافية لتقويستها لتكون قاعدة ترتفع فوقها كلمة (ما)، وأخرجها بدون نقاط.
إنَّ التعامل الفني مع الحروف يمنح مشهدها حيوية لافتة للنظر، وهذا ما يلاحظه المتأمّـل في كلمة (أجد) التي أخرجها حسب خاصية الخفض المكاني لحرف الألف، فاتخذت موقعها تحت حرف الجيم من الكلمة ذاتها، فيما ارتفع فوقها حرفي الجيم والدال.
وابتدأ البيت الثاني بكلمة (وقلت) التي أخرج حرف التاء منها حسب خاصية التنصيل، فأصبح قاعدة تستقـرُّ فوقها حروف الياء والألف المكرر والميم، وهي حروف مرفوعة مكانياً، أمّـا حرف الياء فقد أخرجه بدون نقاط كما أخرج الحرف نفسه في كلمتي (مولاي، في)، فحقق بذلك خاصية التكرار، وأتاح الخفض المكاني لحرف الياء في كلمة (في) فرصة لتحقيق خاصية التأليف، حيث اتصلت نهاية تقويسته بحرف الكاف من كلمة (كل) من الأسفل، وكرر هذه الخاصية أيضاً في حرف اللام من كلمة (كل) مع حرف النون المرفوع مكانياً في كلمة (نائبة).
وفي الشطر الثاني من البيت نفسه يلاحظ المُشاهد أنَّ طريقة إخراج كلمة (من) المائلة والنازلة بحركة اتجاهية الى الأسفل، أسهمت في اتخاذها قاعدة ترتفع فوقها حروف العين واللام والياء من كلمة (عليه)، وتحققت خاصية التأليف من خلال اتصال نهاية تقويسة حرف النون من كلمة (من) بتقويسة حرف الهاء الصغيرة الحجم نسبياً من كلمة (عليه).
وأفاد الفنان من المبالغة بحجم حرف الكاف في كلمة (لكشف) ليحتضن حرف اللام من الكلمة نفسها، والكلمات (يا من عليه)، وعالج حرف الفاء في كلمة (لكشف) معالجة فنية تمثّـلت بتنصيله، فأصبح قاعدة لاستقرار حرف الألف من كلمة (الضر) فوقه، فيما تحققت خاصية التأليف في اتصال نهاية حرف الفاء مع حرف الضاد من كلمة (الضر) من الأسفل، أمّـا حرف الراء المرسل فقد أصبح قاعدة يرتفع فوقها حرفي الألف والعين من كلمة (اعتمد)، وأخرج حرف التاء في الكلمة نفسها بحجم صغير نسبياً، وهذا ما أتاح مساحة كافية لحرف الميم لكي يأخذ موقعه تحته.
ويلاحظ المُشاهد أنَّ نقاط الحروف اتخذت اتجاهين، أولهما هو الأُفقي وثانيهما الرأسي، فنتج عن ذلك تكرار شكلي توافق ايقاعياً مع نقاط حروف كلمة (طرقت)، وفي الوقت ذاته حققت خاصية التضاد الشكلي بين حالتي الأُفقية والرأسية.
إنَّ الخصائص التي أشرتُ إليها أسهمت في تشكيل رؤية جمالية وفنية لهذه اللوحة، وأضفت على فراغاتها امتلاءً استعاض به الفنان عباس عن التشكيلات التزيينية المتعارف عليها في الخط العربي، ومنح تكوينها خاصية التوازن بين كلمات النص المخطوط والفراغات البينية والمحيطية.
والآن سأُحاول تحديد البُـعـد الثالث الوهمي أي العـمق في هذه اللوحة التي تختلف كلياً عن اللوحات الخطيّـة التقـليدية التي تعـتمد على البُـعـد الواحد، حيث أنَّ النص الشعري ورد في مقدمة اللوحة، وهو مخطوط على أرضية ورقية مرسومة، فالورقة تليه من حـيث البُـعـد، ثم يليها الجامع، وتليهما الخلفية الزرقاء، فتعدد مستويات البُـعـد الثالث الوهمي وتواليها منح اللوحة بُـعـداً جمالياً أيضاً.
لوحة (وسيعلم الذين ظلموا)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانجاز: 1430ه/ 2008م
نشأ تكوين هذه اللوحة من العناصر التالية:
1/ الكتلتان الرئيستان الخطيّـتان: ضمّـت الكتلة الأولى جملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وضمّـت الثانية جملة (قال تعالى في كتابه الكريم) وجزءاً من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (227) من سورة الشعراء، والذي ينصُّ على (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
2/ التشكيلات التزيينية.
3/ الرموز التشكيلية: وهي السماء وجزء من سفحي جبلين، والوادي.
اختار الفنان عباس الجزء العلوي الأيمن من اللوحة ليخطَّ فيه كتلة البسملة بخط جلي الديواني، بحيث يكون تسلسلها القرائي من الأسفل الى الاعلى، واتخذ مظهرها حركة اتجاهية نازلة ومائلة الى جهة اليسار، وأخرج بداية حرف الباء من كلمة (بسم) بطول قليل مع ترويسة لطيفة من جهة اليسار، فأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، واتخذت نقطته شكل متوازي المستطيلات حسب قواعد خط جلي الديواني، واعتمد على خاصية التحريف المكاني فحرّف موقعه ليكون تحت أسنان حرف السين، وأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، وخطَّ أسنان حرف السين بحجم صغير، ومنح حرف الميم المطموس العين شكل حرف الميم الرحماني الذي أسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين.
اتاح الاتجاه المائل لكلمة (بسم) مساحة فارغة ملائمة لرفع لفظ الجلالة مكانياً بحيث أصبحت قاعدة له، واختار الفنان خاصية التأخير المكاني عند خطّـه لحرف الألف الذي أخرجه بحيث ينصِّف حرف اللام الثاني من اللفظ ذاته، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية وهمية، وبدأ بترويسة مثلثة، ثم حركة اتجاهية نازلة ليتراكب ويتقاطع مع بداية حرف الحاء من كلمة (الرحمن)، فحقق البعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، كما حققهما أيضاً في تراكبه وتقاطعه مع حرف اللام الثاني من لفظ الجلالة، فأنتج بذلك حركية لافتة للنظر، ثم يستمر بتقويسة لطيفة ليتصل بنهاية تقويسة حرف الميم الرحماني، محققاً بذلك خاصية التأليف، وينتهي بتشظية لطيفة.
في تعامله الفني مع حرف اللام المتكرر في لفظ الجلالة حقق الفنان خاصية التضاد الشكلي، فالأول منهما خطّـه بترويسة بعرض القلم وأكثر طولاً وتقويساً من الثاني الذي أخرجه بترويسة مثلثة، وأسهم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، فيما اتخذ حرف الهاء شكله المقوّس تقويسة خفيفة، وحركة اتجاهية نحو الأعلى ثم حركة نازلة ليكتمل شكل التقويس الثاني، فحقق بذلك ايقاعاً حيوياً.
يتميّـز خط جلي الديواني بجمال شكله لما يتمتع به من مرونة الحروف واستداراتها الدقيقة التي تمنح الفنان القدرة على تغيير أشكالها وتسلسلها الكتابي، وهذا ما يلاحظه المتأمّـل في هذه الكتلة الخطيّـة، وفي الكيفية التي أخرجها بها الفنان عباس، فكلمة (الرحمن) خطّـها مستثمراً خاصية الرفع المكاني، فأصبح لفظ الجلالة قاعدة لحروف الألف واللام والراء منها، وعمد الى وصل حرفي الألف واللام ليحقق خاصية التأليف، ومنحهما شكل العقد الدائري المرتد المدبب الذي ينتهي قوسه بشكل زاوية في أعلاه، وهو أحد الأشكال المعمارية التي استخدمها المعماريون المسلمون في بناء المساجد والقصور، ويبدو أنّ هذا الاختيار كان قصدياً من قِبل الفنان عباس لأنَّ الفنان المسلم كان ينظر للوحة الخطيّـة نظرة معمارية، وأسهم شكل العقد في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأعلى.
وأفاد من خاصية الخفض المكاني النازل الى الأسفل لإخراج حرف الراء المرسل، الذي ينتهي موصولاً بحرف النون من جهة اليمين، ويحقق خاصية التأليف أيضاً، وبالمقابل أفاد من خاصية الرفع المكاني ليخطَّ حرف الحاء الذي يبدأ بتدويرة صغيرة رفيعة، ثم يمتد بتقويس خفيف وحركة اتجاهية نحو يمين الكتلة، ثم حركة اتجاهية مُكمّـلة نازلة باتجاه يسار الكتلة، ويلاحظ المتأمّـل لهذا الجزء من اللوحة اتصال حرف الحاء بقوس العقد من الداخل، فتحققت خاصية التأليف، كما يلاحظ أيضاً تحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع بداية حرف الألف من لفظ الجلالة، ومع حرف اللام من كلمة (الرحمن) فتحقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية في الحالتين.
وأخرج حرف الميم من الكلمة نفسها مطموس العين لينتهي بتقويسة لطيفة، فأنتج بُـعداً جمالياً، وابتدأ بخطِّ حرف النون من وسط هذه التقويسة من الأسفل، وأفاد من خاصية التنصيل أي المـدّ في نهايته ليتراكب تركيباً خفيفاً ويتقاطع مع حرف الراء من كلمة (الرحيم)، فحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، فضلاً عن تحقيقه لخاصية التأليف التي تجسّدت في وصل نهاية هذا الحرف بالنقطة الثانية لحرف الياء في كلمة (الرحيم).
تلعب المبالغة في طول حرف الألف دوراً لافتاً للنظر، لأنّـها تكشف عن قصدية الفنان في الإفادة من خصائص الخط الذي يخطّ به حروف الكتلة، ويمنحها بُـعداً جمالياً، ويبدو أنَّ الفنان عباس أفاد من هذه القصدية حين لجأ الى خاصية الرفع المكاني لحرف الألف من كلمة (الرحيم) بحيث بدا وكأنه يحمل هذه الكتلة، وهي تتدلى منه فمنحها بذلك حيوية وتماسكاً، وفي الوقت ذاته حقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية لتراكبه وتقاطعه مع حرف اللام من الكلمة نفسها، فضلاً عن تحقيقه لخاصية التأليف باتصاله مع حرف الحاء من جهة اليمين.
في معالجته الفنية لحرف الحاء اعتمد على خاصية التكرار الشكلي، حيث أخرجها بالشكل نفسه الذي أخرج به الحرف ذاته في كلمة (الرحمن)، فحقق بذلك ايقاعاً وتوازناً، أمّـا في إخراجه لحرف الميم فقد اعتمد على طمس عينه، وبالغ في ارساله ليحيط بالقسم الأيسر من الكتلة، فمنحه بذلك حيوية لافتة للنظر، وأسهمت حروف اللام والياء والميم في تحقيق جزء من الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليسار.
اختزل الفنان عباس التشكيلات التزيينية التي شغلت الفراغات البينية والمحيطية في هذه الكتلة، لتمنحها تماسكاً واتزاناً وتنويعاً، وتمثّـلت بالشدّة والمدّة والكسرة.
اتخذت الكتلة الخطية الثانية شكلاً قوسياً وهمياً لتحقق تضاداً شكلياً لافتاً للنظر مع الكتلة الأُولى، ويحيلنا اختيار الفنان عباس لهذا الشكل الى دلالة الآية الكريمة، التي تؤكد على أنّ المشركين بالله سبحانه وتعالى سيكون مصيرهم السقوط في نار جهنم، ولتحقيق هذه الرسالة التوجيهية والروحانية ارتأى الفنان تمثيل حركة السقوط من الأعلى الى الأسفل تشكيلياً بالقوس الذي ابتدأ رفيعاً ودقيقاً ومشغول المساحةِ بأشكال زخرفية نباتية، يبدو أنَّ الفنان عباس اختارها قصدياً للدلالة الرمزية على النِعم التي أنعـمَـها الله على الإنسان، ولكنّـه جحدها وكفر بها فاستحق العقاب من جهة، ولتحقيق خاصية الوحدة بوصفها عنصراً جمالياً من عناصر التكوين الخطيّـة والرمزية التي أصبحت كلاً واحداً، ثم خطَّ جملة (قال تعالى في كتابه الكريم) بخط جلي الديواني أيضاً، ولكن بقلم أقل سُمكاً من القلم الذي خطَّ به الكتلة الأُولى، وكلمة (الكريم) وكذلك الآية الكريمة، فكلمة (قال) أصغر حجماً، ثم يكبر حجم الكلمات على التوالي ليمنح الكتلة شكلها القوسي.
وأخرج حرف القاف من كلمة (قال) مطموس العين، وبالغ في طول الجزء القائم من حرف الألف، وتراكبت وتقاطعت تقويسته مع حرف التاء من كلمة تعالى، فتحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، واشتغل باتجاه تنصيل هذه التقويسة فأخرجها بشكل رفيع ودقيق بحيث تقاربت مع حرف العين من كلمة (تعالى) من الأسفل، وشكّـلت تضاداً معها من حيث السُمك.
وفي كلمة (تعالى) اعتمد على خاصية الخفض المكاني لحرف التاء، ورفعِ النقطتين فوق حرف العين، وأخرج هذا الحرف برفعه مكانياً، واستثمر خاصية التنصيل في الجزء الأُفـقـي منه ليصبح قاعدة تحتضن حرفي اللام والألف المقصورة، وأسهم الطول المبالغ به لحرف الألف القائم في تحقيق هذا الاحتضان، ولهذا منح حرفي اللام والألف المقصورة حجماً أصغر، وعالج حرف الفاء في كلمة (في) معالجة فنيّـة تمثّـلت بتكرار شكل حرف القاف في كلمة (قال)، ورفع نقطته فوقه، أمّـا حرف الياء فخطّـه حسب خاصية الخفض المكاني، ليصبح قاعدة يرتفع فوقها حرف الكاف من كلمة (كتابه)، والذي أخرجه بمنح الجزء الأعلى منه شكلاً زخرفياً، وعالج حرف التاء معالجة فنيّـة تمثّـلت بمنحه تنصيلاً قصيراً، أمّـا حرف الألف فمنحه طولاً مبالغاً فيه، وأخرج حرفي الباء والهاء بخفضهما مكانياً، وهذا ما يكشف عن قدرة الفنان عباس على تنفيذ خاصية الاتزان التي تعمل على تنظيم شكل الكتلة، وتمنح المشاهد متعة بصرية ونفسية معاً.
إنَّ التنويع الشكلي والحجمي للكلمات يمنح الكتلة مسحة حركية لافتة، وهذا ما يلاحظه المتأمِّـل في كلمة (الكريم) التي خطّـها الفنان بحجم أكبر من الكلمات التي سبقتها، فحقق أيضاً خاصية التباين، وأخرج حرف الألف منها بمنحه زلفاً في جهة اليسار، وطولاً مبالغاً فيه بحيث يحيط قوسه بحرف اللام المُـزلّـف أيضاً، وعمد الى خاصية التكرار عند خطّـه لحرف الكاف، فكرر شكله في كلمة (كتابه) ليحقق ايقاعاً وتوازناً، وحسب خاصية الرفع المكاني رفع حرفي الياء والميم فوق حرف الراء، فأصبح قاعدة لهما.
يلاحظ المتأمّـل أن الفنان عباس اعتمد على التنويع الشكلي عند خطّـه للنقاط، ففي حروف القاف والتاء والياء في الكلمات (قال، تعالى، الكريم) أظهرها متجاورة وبشكل متوازي المستطيلات، وفي حرف التاء من كلمة (كتابه) أخرجهما متعامدتين، فأحدث بذلك تنويعاً شكلياً.
في إخراجه للآية الكريمة استخدم الفنان عباس التركيب الثقيل لخط جلي الثلث، ويكشف المسح البصري لهذه الكتلة عن تعدد اتجاهات الحروف والمقاطع، بحيث أحدثَ هذا التعدد تغييراً في تسلسل الآية الكريمة عند القراءة، فأنتج حركةً لافتة للانتباه أبعدَت شكل الكتلة عن الجمود، وهذا ما سيجده المُشاهد حين يتأمّـل الكيفية التي أخرج بها كلمة (وسيعلم)، فحرف الواو المجموع الذي خطّـه مُـخرّق العين، اتخذ من نهاية تقويسته الرفيعة والدقيقة قاعدة لأسنان حرف السين، منتجاً خاصيتي التراكب والتقاطع معها، ومحققاً للبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، واتصل به حرف الياء من الكلمة نفسها الذي ينتهي بتقويسة رفيعة ودقيقة، فأنتج خاصية التأليف، وشكّـلت هذه الحروف الثلاثة المقطع الأول من الكلمة، وفي الوقت ذاته أصبحت قاعدة تستقر فوقها حروف العين واللام والميم من الكلمة نفسها لتشكِّـل المقطع الثاني من الكلمة، حيث استقرّ حرف العين فوق حرفي الواو وجزء من حرف السين، واتخذ حرف الألف شكله القائم وترويسته المثلثة، وحرف العين أخرجه مطموساً، وينتهي بشكل حرف الميم الرحماني، وتنتهي تقويسته الرفيعة والدقيقة باتصاله بالنقطة الأُولى من حرف الياء في كلمة (الذين)، فحقق خاصة التأليف، وفي الوقت ذاته تراكب وتقاطع مع حرف الألف القائم والمروّس بترويسةٍ بعرض قلم الخط، فأنتج بذلك البُعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، وينتهي بنهايته المائلة نحو جهة اليسار قليلاً والمتصلة بحرف الياء من الكلمة نفسها، فتحققت خاصية التأليف.
واستثمر الفنان عباس خاصية التكرار حين منح حرف اللام ترويسة مكررة لترويسة حرف الألف والامتداد القائم أيضاً، فأحدثَ بذلك ايقاعاً شكلياً جميلاً، ولكنَّه عمد الى تطويعه من خلال المبالغة في طوله لتحقيق الشكل القوسيّ لهذه الكتلة، أمّـا حرف الذال فقد أخرجه بحيث تنتهي تقويسته الرفيعة والدقيقة متصلة بحرف الظاء من كلمة (ظلموا) من الأسفل، فحقق بذلك خاصية التأليف، ورفع المقطع الثاني المتمثّـل بحرفي الياء والنون من كلمة (الذين) مكانياً، وأجرى تحويراً على شكليهما بحيث أدغمهما معاً، والتحوير في شكل الحرف خاصية بنائية يفيد منها الفنان في تجميله وتنويع شكله.
إنَّ خاصية التكرار تشتغل باتجاه منح الكتلة ايقاعاً يؤثّـر تأثيراً ايجابياً في مُشاهدها، وهذا ما يلاحظه المتأمل في تكرار تقويسات حروف الياء والميم والنون التي توالت صعوداً مع حركات اتجاهية نحو اليسار، كما أسهمت النقاط في تجميلها أيضاً من حيث التجاور والتباعد المكاني بينها.
أسهمت تقويسة حرف الذال في جعلها قاعدة تحتضن حرف الظاء والجزء القائم المروّس بعرض القلم منها، والذي توازى مع الجزء القائم من حرف اللام، ولكنه تباين عنه بترويسته المثلثة، واسهمت خاصية الرفع المكاني لحرف الظاء في استغلال المساحة الواقعة تحته لخط حرف الميم المُـخـرّق العين، ومثّـلت عين حرف الواو المُـخـرّقة أيضاً تكراراً ايقاعياً شكلياً، وتبايناً حجمياً في الوقت ذاته، فضلاً عن الايقاع الناتج عن تكرار شكل حرف الواو المجموع.
واعتماداً على خاصية الرفع المكاني عمد الفنان عباس الى رفع حرف الألف من كلمة (ظلموا) مكانياً، كما اعتمد عليها عند خطّـه لكلمة (أي)، التي عالجها فنياً بخطِّ حرف الألف المروّس بعرض القلم، فاستقر فوق حرف الياء من كلمة (ينقلبون)، ونصّف تقويستها محقـقاً خاصية التأليف، أمّـا حرف الياء فقد اتخذ شكل الياء الراجعة الى جهة اليمين، والتي استقرت فوق الجزء القائم من حروف الضاد واللام والألف المتكرر على التوالي، وهذا ما أنتج حيوية وبُـعداً جمالياً لافتاً بين هذه الحروف العمودية وحرف الياء الأُفقي، فضلاً عن تحقيقها للبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية الناتجة عن تراكبها وتقاطعها معها.
في إخراجه لكلمة (منقلب) اعتمد على خاصية الخفض المكاني لها، فخط ّ حرف الميم داخل تقويسة حرف الواو المجموع في كلمة (ظلموا)، وأنتج بذلك تكراراً شكلياً وايقاعياً لطيفاً، واعتمد على خاصية التحريف في موضع نقـطة حرف النون، ولم يعتمدها عند وضعه لنقاط حرف القاف، أمّـا الجزء القائم من حرف اللام فقد بالغ في طوله، وأقفل هذا الجزء من القوس الوهمي بجزء من حرف الباء ونقطتها دون أن يكملها شكلاً للدلالة على تحقق عملية السقوط في قعر جهنم.
أسهمت خاصيتي الرفع والخفض التي اعتمدها الفنان عباس في استغلال المساحات الناتجة عنها، ولهذا اختار الرفع المكاني لكلمة (ينقلبون) فاتخذ حرف الياء موقعه فوق حرف الواو من كلمة (ظلموا) وكذلك حرف النون، وحرّفَ موقع نقطتيها المتجاورتين ليخطّـهما تحت حرف الميم من كلمة (ظلموا)، أمّـا نقطة حرف النون فاتخذت شكلاً دائرياً، لتحقق خاصية التكرار الشكلي مع نقطة حرف الظاء، وفي الوقت ذاته تحققت خاصية التباين بينهما حجمياً، وتحققت خاصية التضاد بينهما وبين نقاط الحروف الأُخرى التي كانت على شكل متوازي المستطيلات، وهذا ما أسهم في منح النص حيوية وحركية.
واعتمد على خاصية التحريف عند تعامله مع نقطتي حرف القاف تعاملاً فنيّـاً، فحرفهما مكانياً الى يسار تقويسته، واتخذتا شكلاً عمودياً فحققتا خاصية التكرار الشكلي مع نقطتي حرف الياء من كلمة (أي)، وفي الوقت ذاته تحقق التضاد الحجمي بينهما، أمّـا حرف اللام المروّس بترويسة مثلّـثة فقد خطّـه بطول مناسب، واتخذت نقطة حرف الباء موقعها المُـحـرّف تحت حرف اللام من كلمة (منقلب)، واعتماداً على خاصية التكرار خطّ الفنان حرف الواو، وأخرجه بحيث تتراكب وتتقاطع تقويسته مع حرف اللام من كلمة (منقلب)، ليحقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، ورفع حرف النون مكانياً ليستقر فوق حرف اللام، فحقق بذلك خاصيتي التراكب والتقاطع، فأنتج بالتالي بعداً وهمياً ثالثاً، وحركة ضمنية ايهامية.
إنَّ الخصائص البنائية التي أشرتُ إليها في هذه اللوحة تكشف عن كثافة وتشابك الحروف في نوعي التركيب الخفيف والثقيل، والتي قد تجعل القراءة صعبة لغير المتمرّس في خطي جلي الديواني وجلي الثلث، ولكنَّ المشاهد المتمرّس سيشعر بالمتعة التي توفرها هذه الخصائص، فضلاً عن شعوره بقيمتها الإبداعية لأنَّ الجانب التذوقي لديه ينبع من قدرة الفنان على تثوير تفكيره باتجاه هذه الخصائص، ومدى فاعليتها في الإخراج الكلي للوحة.
بما أنَّ الفنان عباس اختار التركيب الثقيل لهذه الكتلة، فلا بُـدَّ له من زيادة وتنويع التشكيلات التزيينية فيها، ليزيد من تماسكها وجماليتها، ولهذا شغل فراغاتها البينية والمحيطية بأشكال الحلية التي تجسّدت بعلامات الإعراب والشدّة والحروف الصغيرة والفاصلة والألف الخنجرية.
ترتبط أرضية اللوحة بدلالة كتلتها الخطية ارتباطاً عميقاً، لما تمتلكه هذه الأرضية من أهمية في تحديد الجو الملائم الذي يتناسب مع الدلالة، ويبدو ذلك واضحاً من خلال اختيارات الفنان للعناصر التكوينية والرمزية التي تشغلها، وفي هذه اللوحة كان اختيار الفنان عباس للعناصر التي تشغلها قصدياً، حيث شغل مساحة القسم العلوي منها بعنصر السماء التي لوَّنها باللون الأزرق السماوي المشوب باللون الأبيض، ولهذا اختار موقع بداية الشكل القوسي بمحاذاتها تأكيداً على القيمة القدسية للآية الكريمة، تليها مساحة الفراغ الذي لوّنه الفنان باللون الأبيض الضبابي، ليمنح الكتلة الخطيّـة فرصة الظهور البارز من جهة، ويسحب بصر المشاهد إليها فيحقق التأثير البصري والفكري معاً من جهة ثانية، وللإيهام بالبُـعد الثالث من جهة ثالثة، وشغل جانبي الكتلة بشكل سفحين لجبلين ولوّنهما باللون البني المتدرّج بين الفاتح والمتوسط والغامق مع لمسات باللون الأسود، محققاً بذلك تبايناً لونياً نتج عنه ُبُــعداً ثالثاً وهمياً، وينحصر بين السفحين جزء من مشهد الوادي الذي تنتهي فيه حركة الشكل القوسي الوهمي، وفي الوقت ذاته هو مثوى الظالمين، ولهذا غلب عليه لون النار الأحمر المتدرّج والمتداخل.
14/8/2022م
لوحة (فمن يعمل مثقال)
حجم اللوحة: 50/ 70سم
تاريخ الانجاز: 1429ه/ 2008م
اختار الفنان عباس شكل المستطيل المستقـر عمودياً لهذه اللوحة، وتكويناً مقسّماً على قسمين أُفـقـيين يضمّان (3) عناصر تكوينية هي:
1/ الكتلة الرئيسة الخطيّـة الأُولى المتمثلة بالآية القرآنية الكريمة المرقومة (7) من سورة الزلزلة، وتنصّ على (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، بخط جلي الديواني، والكتلة الخطيّـة الرئيسة الثانية المتمثلة بالآية القرآنية الكريمة المرقومة (8) من السورة نفسها، والتي تنصُّ على (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، والمخطوط بالخط نفسه.
2/ الكتلة الثانوية وهي التشكيلات التزيينية التي تتمثّـل بالحروف الايضاحية والحلية والصرف.
3/ خلفية أو أرضية اللوحة.
تشير دلالة الآيتين الكريمتين الى الجزاء أو الثواب الذي يُـجزى به فاعل الخير أو فاعل الشر، ومنها استوحى الفنان عباس هيأة التكوين أو البناء العام لهذه اللوحة، ليكشف عن قصديته في تحقيق بُـعدها الدلالي الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببعدها القيمي القائم على روحانية وقدسية الآيات القرآنية الكريمة التي تخاطب روح الانسان وتشاغل عقله، فتعمل بالتالي على تعزيز إيمانه بالله سبحانه وتعالى، وهذا ما يتبيّـن للمتأمل في هذا التكوين الذي عمد فيه الفنان عباس الى تقسيم مساحته على قسمين غير متساويين، فالقسم الأول العلوي شغل ثلثي مساحتها لأنّـه يشير الى الخير دلالياً، أمّـا القسم الثاني السفلي فقد شغل الثلث الباقي منها لأنّـه يشير الى الشر دلالياً فله القيمة الدنيا.
واختار التكوين الايقوني الذي يوحي بشكل الكمثرى الوهمي، ويبدو أنّ هذا الشكل كان قصدياً لكونه مرتبطاً بدلالة الآيتين الكريمتين، فالكمثرى من الفواكه الطبيعية، وهو في هذه اللوحة رمز لخيرات الجنّـة، ولهذا عالجه الفنان عباس فنيّـاً بإخراجه بشكل مجـرّد ومحـوّر عن شكله الأصلي، ووهمي لأنّـه غير محدد بإطار، فأصبح يوحي بشكل الكمثرى دون أن يتطابق معه، ومن حيث نوعية الخط اعتمد على خط جلي الديواني لتميّـز حروفه بالمرونة والطواعية على التشكيل من حيث خصائصها المتمثّـلة بالتراكب والتقاطع والتنصيل والاختزال، وكثرة التشكيلات التزيينية التي تمنحه مظهراً جميلاً وحيوياً، ورغم أنّـه يُـعدّ من الخطوط الصعبة تنفيذاً وقراءةً ولا يبدع فيه إلاّ الفنان المتمرّس الذي يمتلك مهارة عالية، إلاّ انّـه في الوقت ذاته من أجمل الخطوط العربية، وفي المقابل يمنح المتأمل فيه متعة بصرية وتذوقاً فريداً وثقافة خطيّـة متجددة.
اعتمد الفنان عباس على التركيب الثقيل ذي المستويات المتعددة التي لا تتبع التسلسل السطري القرائي لخطِّ كلمات الكتلتين، ففي الآية الأُولى بدأ بكلمة (فمن) من الأسفل وتتابعت بقية الكلمات صعوداً الى الأعلى، وعمد الى خاصية الرفع المكاني لحرف الفاء بحيث تقارب مع حرف الياء من كلمة (يعمل)، واتبع في إخراجه قواعد خط جلي الديواني ليكون مطموس العين، وارتفعت نقطته فوقه متخذةً شكل متوازي المستطيلات، وعالج حرف الميم فنياً بإخراجه منخفضاً مكانياً أيضاً، ومتخذاً موقعه في جهة يمين الكتلة ومطموس العين، وبشكل أقرب الى المستطيل المائل، وبذلك أسهم مع حرف الفاء ونقطته في تحقيق الاغلاق الشكلي لجزء من الإطار الوهمي لشكل الكمثرى، وأفاد من خاصية التنصيل التي يتيحها الخط نفسه في تنصيل تقويسة حرف النون بحركة اتجاهية نحو جهة يسار الكتلة، فأسهم في الاغلاق الوهمي لجزء من شكل الكمثرى من الأسفل، كما أفاد من هذه الخاصية في تراكب وتقاطع حرف النون مع حرف الثاء من كلمة (مثقال)، ومع النقطة الأولى لحرف القاف من الكلمة نفسها، فحقق بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث في الحالتين، وحركة ضمنية وهمية أيضاً.
استثمر الفنان عباس خاصيتي الرفع المكاني والتنصيل لكلمة (فمن) ليتخذ منها قاعدة يرفع عليها كلمة (يعمل) التي منحها حركة اتجاهية مائلة نحو الأسفل، وعالج حرف الياء منها فنياً بترويسة صغيرة رفيعة ودقيقة من جهة اليسار، ثم تقويسة لطيفة تبدأ ثخينة ثم ترقّ وتكتمل ثخينة لتتصل بحرف العين فمنحها بذلك حيوية وحركية ناتجة عن التباين في ثخن الحروف ورقّـتها، واختار الإبعاد المكاني لتوضيع نقطتيها حيث شغل المساحة المتاحة تحت حرف النون من كلمة (فمن) بهما، وخطّـهما بشكل متوازي المستطيلات الأُفـقـي حسب قاعدة خط الديواني الجلي، فأحدث بذلك حركة لطيفة تشغل الرؤية البصرية للمتأمّـل في هذا الجزء من اللوحة.
وأخرج حرف العين الوسطية من الكلمة نفسها بشكل أقرب ما يكون الى شكل العين المعقودة مع تصرّف تمثّـل في خط الجزء الأيمن منه على شكل مثلث، وخط الجزء الأيسر منه بشكلٍ مستقيم مائل قليلاً الى جهة يسار الكتلة محققاً بذلك خاصية التضاد الشكلي بينهما، وفي الوقت ذاته جعله مطموساً تحقيقاً لقواعد خط جلي الديواني، فأحدث بذلك حركة لافتة وحيوية تمثّـلت أيضاً في خاصية الخفض المكاني لحرف الميم من الكلمة نفسها، والذي أخرجه بالأسلوب نفسه في كلمة (فمن)، محققاً بذلك خاصية التكرار الشكلي، واتخذ حرف اللام شكله القائم مع ميلان بسيط نحو جهة يمين الكتلة، وتنتهي تقويسته باتصال مع تشكيل تزييني هو الفاصلة محققاً بذلك خاصية التأليف من جهة، وبُـعداً جمالياً وحركياً من جهة مقابلة.
في الإخراج الفني لكلمة (مثقال) عمد الى منحها حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل، ورفعها مكانياً لتصبح حروف الميم واللام من كلمة (يعمل)، والنون من كلمة (فمن) قاعدة لها، وأفاد من خاصية التكرار الشكلي في خطّـه لحرف الميم منها فنيّـاً فأخرجه بالشكل ذاته الذي أخرجه به في كلمة (فمن)، كما أفاد من خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف اللام من كلمة (يعمل) ليحقق الأيهام بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وعالج حرف الثاء حسب خاصية المد النازل الى الأسفل فمنح شكله حيوية لافتة لنظر المشاهد، وحقق الأيهام بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية من خلال تراكبه وتقاطعه مع حرف اللام من كلمة (يعمل) وحرف النون من كلمة (فمن)، واختار بدايته المنحنية ليرفع فوقها نقاطها الثلاث التي خطّـها بإبعادها مكانياً، وكان حقها أن تتخذ مكاناً وسطاً فوق امتدادها، فأكسبها بذلك حركية لطيفة، ومنحها شكل متوازي المستطيلات، فاثنتان متجاورتان أُفـقـياً والأخرى فوقهما، وعالج حرف القاف من الكلمة نفسها بمنحه شكلاً مستديراً، وأفاد من خاصية التخريق أي غير مطموس العين في إخراجه، كما أفاد أيضاً من خاصية الإبعاد المكاني في خطّ نقطتيه، فلم يخطّـهما فوقه بل بجواره ليشغل الفراغ الناتج عن امتداد حرف الثاء، ويحقق في الوقت نفسه خاصيتي التراكب والتقاطع التي أشرتُ إليها سابقاً.
إنَّ الوصول الى الإغلاق الوهمي للشكل يتطلّـب من الفنان ترتيب عناصر الكتلة حروفاً وتشكيلات تزيينية، ولهذا يلجأ الى استغلال المساحات المتاحة لتنفيذه، وهذا ما فعله الفنان عباس في إخراج تقويسة حرف القاف بحيث تكون جزءاً من هذا الإغلاق، أمّـا حرف الألف فقد كرر شكله كما ورد في الجزء القائم من حرف اللام من كلمة (يعمل)، كما افاد من خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف اللام من الكلمة نفسها، وحرف الراء من كلمة (ذرة) وحرف الراء من كلمة (خيرا)، فحقق بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وتعامل مع حرف اللام بخطّـه بترويسة لطيفة في القسم العلوي وفي جهة اليسار.
يسهم تلاعب الفنان في مواضع الحروف والكلمات في تظهير حركيتها وحيويتها، وذلك لأنَّ عين المتأمّـل فيها ستلاحق حروفها بلهفة ومتعة فتكسبها تذوقاً وثقافة خطيّـة في الآن ذاته، ولهذا اشتغل الفنان عباس باتجاه رفع حرف الذال من كلمة (ذرة) مكانياً بحيث أصبح حرف القاف قاعدة له، وخطّـه بتقويسة تبدأ ثخينة ثم تنحف تدريجياً الى أن تصل الى نهاية مرسلة تتراكب وتتقاطع مع حرفي اللام في كلمة (مثقال) والراء في كلمة (ذرة)، فحقق ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، أمّا حرف الراء فأخرجه ببداية ثخينة ثم ينحف قليلاً ثم امتداد ثخين لينتهي نهاية مرسلة تسهم في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، ويتراكب ويتقاطع مع حرفي الألف واللام من كلمة (مثقال) محققاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، وفي تعامله الفني مع حرف التاء خطّـه مدوّراً ومائلاً الى جهة اليمين في قسمه العلوي، ومضغوطاً في جانبيه الأيمن والأيسر فأكسبه بذلك بُـعداً جمالياً، واختار رفعه مكانياً بحيث استقر قرب نهاية حرف اللام من كلمة (مثقال) من الجهة اليسرى، أمّـا النقطتان فأخرجهما بشكل متعامد بحيث تقعان فوق الحرف نفسه، فحقق بموقع النقطة الأُولى جزءاً من الاغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، كما حقق خاصية التضاد مع شكل النقاط الأُخرى في الآية الكريمة نفسها، والتي اتخذت شكلاً أُفـقـياً.
في تعامله الفني مع كلمة (خيراً) عمد الى رفعها مكانياً بحيث أصبحت الكلمات (يعمل، مثقال، ذرة) قاعدة لها، وخطَّ حرف الخاء منها بالتفافة رفيعة ولطيفة من جهة اليسار، ومنحه ثخناً في جهة اليمين التي أخرجها ممدودة، ووضع نقطته في موضع وسطي فوقه، ومنحها شكل متوازي المستطيلات حسب قواعد خط جلي الديواني، وعالج حرف الياء معالجة لطيفة تمثّـلت بتحدبٍ شكليّ، واعتمد على خاصية التنويع الشكلي لنقطتيها فأخرجهما بشكل دائري متعامد فحقق خاصية التضاد الشكلي مع أشكال النقاط الأُخرى في الآية الكريمة، كما عمد الى تحريف مكانهما الى جهة اليمين، واختار شكل الراء المرسل الذي تراكب وتقاطع مع حرف اللام من كلمة (مثقال)، وحرف الألف من الكلمة نفسها لينتج ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، أمّـا حرف الألف فقد اعتمد على رفعه وتحريفه مكانياً فبدلاً من أن يكون آخر حرف في الكلمة حسب تسلسل حروفها القرائي اختار الفنان عباس موقعه بحيث ينصّف ويتراكب ويتقاطع مع حرف الراء من كلمة (يره) في موضعين، ومع حرف الياء من كلمة (خيراً) فأنتج بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، فضلاً عن إخراجه بترويسة تتطابق وتتكرر مع ترويسة حرف اللام من كلمة (مثقال)، وتصرّف في شكله ليحقق التنويع الشكلي، والتضاد مع شكل الحرف نفسه في كلمة (مثقال) فمنح مظهره رقّـة ورشاقة وتقويسة لافتة، لينتهي مرسلاً ومتصلاً بنقطة تقاطع حرفي اللام من كلمة (مثقال) والذال من كلمة (ذرة) محققاً الايهام بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.
ترتبط الألوان في اللوحة الخطيّـة ارتباطاً وثيقاً بدلالة النص، ولهذا لا يكون اختيارها عشوائياً بل قصدياً غالباً، وهذا ما نلاحظه في هذه اللوحة حيث اختار الفنان عباس اللون الأخضر لخطِّ كلمة (خيراً)، ليحقق أهدافاً متعددة، فعلى صعيد التضاد اللوني حقق تضاداً مع اللون الأسود الذي خط به بقيّـة كلمات الكتلة، وعلى صعيد الدلالة فإنَّ اللون الأسود يدلّ في بعض دلالاته الايجابية على الفخامة والرقيّ، ولهذا اختاره الفنانون لتنفيذ لوحاتهم الخطيّـة، ولكنَّ اللون الأخضر هو لون الطبيعة الذي يدلُّ في بعض دلالاته على النمو والاستمرار والتجدد، فهو إذاً يرتبط بدلالة الآية الكريمة لأنَّ الثواب الناتج عن عمل الخير متجدد ومستمر أيضاً، وهذا ما سيعمل على بثّ طاقة ايجابية وحيوية ليس للكتلة فقط بل في نفس المتأمّـل فيها أيضاً، وفي نفس الفنان الذي اختاره.
يؤدي الاختزال الخطّيّ دوراً كبيراً في منح هيأة الكلمة حيوية تحقق بُـعدها الجمالي، وهذا ما دفع بالفنان عباس الى اختزال حرفي الياء والراء في كلمة (يره)، حيث أنَّ انحناء حرف الياء وشكل حرف الراء الرحماني أكسبهما رشاقة تبثُّ احساساً بالهدوء والرقّـة في نفس المتأمّـل فيهما، فضلاً عن أنَّ موقع كلمة (يره) في أعلى الكتلة جعل من الكلمات الواقعة تحتها قاعدة ترتفع عليها، ويبدو أنَّ دلالة الآية الكريمة كانت هي الحافز للفنان لاختيار هذا الموقع، لأنَّ عمل الخير يوصل الى الجزاء والثواب بالخير الذي سيراه ويحصل عليه فاعله، فيمكن بالتالي للمتأمّـل استنتاج مدى خبرة الفنان عباس وحرصه على الربط بين الدلالات من جهة، والتعامل مع المساحات المتاحة للخط وللألوان من جهة مقابلة.
إنَّ خاصية التكرار تلعب دوراً واضحاً في إكساب اللوحة ايقاعاً لافتاً يشعر معه المتأمّـل فيها بموسيقى خفية تسري بين الحروف والكلمات، ولهذا اختار الفنان خطّ حرف الهاء من كلمة (يره) بتكرار شكله مع شكل حرف التاء في كلمة (ذرة) فأخرجه بشكل دائري مضغوط من الجانبين الأيمن والأيسر، وأسهم شكله الذي كان ثخيناً من الأعلى والأسفل ورفيعاً من الجانبين وميلانه من الأعلى الى جهة اليمين في منحه بُـعداً جمالياً، فضلاً عن أنَّ رفعه مكانياً بحيث استقر فوق تقويسة حرف الراء من الكلمة ذاتها ويجاورها من جهة اليسار الجزء العمودي لحرف الألف من كلمة (خيرا) أسهم في منح هذا الجزء من اللوحة حركية لطيفة.
تشغل الرصانة فكر الفنان لأنّـها لا تعتمد على العلاقات التشكيلية بين الحروف والكلمات ومظهرها وتوزيعها واتصالها مع بعضها، وانفصالها وثقلها وخفّـتها فقط بل تشمل التشكيلات التزيينية أيضاً، ولهذا يشتغل الفنان المتمرّس باتجاه توزيعها توزيعاً يخدم بُعدها الجمالي، ويكمل مع الحروف الأُخرى الإغلاق الشكلي الوهمي للكتلة، وهذا ما فعله الفنان عباس عند تزيين هذه اللوحة بها حيث اختار شكل حرف الألف الخنجرية بوصفه حرفاً ايضاحياً، وتمثيلاً رمزياً للفرع النباتي الطبيعي الذي يحملها، فأكسبها بذلك تقريباً لشكلها الطبيعي، ورفع هذا الشكل فوق الكتلة الأُولى، فأضفى عليها حيوية لافتة اكتملت بتآزر شكلها القوسي اللطيف مع ألوانها التي تمثّـلت باللون الأحمر المتداخل والمتدرّج بين الدرجتين الفاتحة والغامقة، واللون الأزرق السماوي المتدرّج والمتداخل مع اللون الأبيض، وهذا ما أسهم في ترصين روحانية هذه الكتلة.
ومن أنواع التشكيلات التزيينية التي اعتمد عليها أيضاً الصرف الذي تمثّـل بوضع حركتي السكون والضمّـة، وكذلك الحلية التي تمثّـلت بالمـدّة والشدّة والفاصلة والرقم سبعة.
في تكوينه للكتلة الثانية عمد الفنان عباس الى خطّـها بالقلم نفسه، ولكنّـه منحها حجماً أصغر من حجم الكتلة الأُولى لأنّ دلالة الآية القرآنية الكريمة المخطوطة فيها محمّـلة بدلالة الشر، ولم يعتمد على التسلسل القرائي لها أيضاً، وابتدأ بكلمة (ومن) حيث أخرج حرف الواو بتصرّف في شكله الذي جعله أقرب ما يكون الى حرف الفاء أو القاف مطموس العين، وهذا ما أكسبه جمالاً لافتاً لأنَّ تقويسته بدأت رفيعة ثم ثخينة، لتنتهي رفيعة ومرتفعة عن بدايته، فأسهمت في تحقيق الإغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، وأتاحت خاصية خفضه مكانياً مساحة وافية لرفع واستقرار حرف الميم من الكلمة نفسها فوقه فأصبحت قاعدة له، وأخرج حرف الميم بشكل أقرب ما يكون الى المستطيل ومطموس العين، ومنحه تقويسة لطيفة في حركته الاتجاهية نحو اليسار ليتصل بحرف النون الذي منحه امتداداً لافتاً للنظر، فبدأ ثخيناً وانتهى رفيعا ودقيقاً ومرتفعاً، ولذلك تراكب وتقاطع مع تقويسة حرف الميم من كلمة (مثقال) فحقق ايهاماً بالبُعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، واتصلت نهايته مع حرف اللام من كلمة (يعمل) من جهة اليسار، محققاً بذلك خاصية التأليف وكان حقه الانفصال عنه.
أتاحت خاصية التنصيل في حرف النون مساحة وافية لرفع كلمة (يعمل) فوقها بحيث أصبحت قاعدة لها، واتخذت تقويسته حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل ومائلة باتجاه جهة يسار الكتلة، وعالج الفنان عباس حروف الياء والعين والميم منها بخاصية التكرار مع أشكالها التي وردت في الآية الأُولى، لكنّـه رفع حرف اللام مكانياً بحيث يستقر على نهاية تقويسة حرف الميم فأكسبها بذلك بُـعداً جمالياً، فضلاً عن اخراجها اللافت للنظر والمتمثّـل في ترويسة لطيفة في جهة اليسار من الأعلى، وتقويسة رشيقة في جهة اليمين ثم تقويسة ثخينة تنتهي نهاية رفيعة، فحققت خاصية التضاد مع شكل الحرف نفسه من كلمة (يعمل) الواردة في الآية الأُولى، وتطابقاً تكرارياً مع ترويسة الحرف نفسه في كلمة (مثقال) في الآية ذاتها، ومع الحرف نفسه والكلمة نفسها في الآية الأُولى، ومع حرف الألف من كلمة (خيراً) في الآية الأولى.
منحَ الرفع المكاني لحرف اللام وتقويسته مساحة وافية لخطّ حرف الميم من كلمة (مثقال) داخلها، ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع بينهما، فأنتج بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، وقد أخرجها بالشكل ذاته الذي وردت فيه في الآية ذاتها وفي الآية الأُولى أيضاً ليحقق خاصية التكرار الشكلي الايقاعي، وعالج حرف الثاء بخطّـه بتقويسة صغيرة محققاً خاصية التضاد الحجمي بينها وبين بقية حروف الكلمة نفسها، أمّـا نقاطها فقد اعتمد في خطها على خاصية التكرار فأخرجها بحيث تتطابق مع نقاط الحرف نفسه من الكلمة نفسها التي وردت في الآية الكريمة الأُولى، لكنّـه اعتمد على تحريفها مكانياً بحيث أزاحها عن موقعها الأصلي فوق الحرف، ليخطّـها في الفراغ الواقع بين تقويسة حرف اللام من كلمة (يعمل)، وحرف الألف من كلمة (شراً)، فأنتج بذلك حيوية لافتة وانسجاماً شكلياً ناتجاً عن تعدد حركات الحروف والاستغلال الأمثل للمساحة المتاحة
واعتماداً على قدرته في التصرّف بأشكال الحروف خطَّ الفنان عباس حرف القاف مطموس العين ليحقق خاصية التضاد الشكلي مع الحرف ذاته من الكلمة ذاتها في الآية الأولى التي أخرجها مُـخـرّقة العين، لكنّـه خط حرف الألف من الكلمة نفسها بالشكل نفسه الذي خطّـه به في الكلمة ذاتها التي وردت في الآية الأُولى، واعتمد على خاصية التحريف المكاني لحرف اللام، فأزاحه ليستقر فوق حرف الألف من الكلمة ذاتها محققاً خاصيتي التراكب والتقاطع فأوجد بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.
في معالجته الفنية لكلمة (ذرة) عمد الى خطّـها بحركة اتجاهية مائلة الى يسار النص، ونازلة الى الأسفل بحيث يسهم حرفا الدال والراء في تحقيق الاغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى، واعتمد على خاصية التكرار في شكل حروفها مع شكل حروف الكلمة نفسها التي وردت في الآية الكريمة الأُولى، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع في حرف الراء مع حرف الذال لينتج ايهاماً بالبُـعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، أمّـا نقطة حرف الذال فقد اعتمد على خاصية التحريف ليحرفها عن موضعها الأصلي، والذي يكون فوقها لكنّـه خطّـها داخل تقويسة حرف الواو التي أصبحت حاضنة لها، واختار موقعها في جهة اليمين، ومنحها شكلاً دائرياً صغيراً قياساً الى أحجام النقاط الأُخرى، فتحقـقت خاصية التضاد الشكليّ، وفي الوقت ذاته تحققت خاصية التكرار شكلاً وحجماً مع نقطتي حرف الياء من كلمة (يعمل)، ونقطتي حرف التاء من كلمة (ذرة)، فأنتج بذلك تناسباً وتناسقاً حيوياً.
وحقق خاصية التضاد الشكلي في نقاط حرف التاء التي خطّـها بشكل دائرتين متجاورتين، في حين أنّـه خطّـهما في الآية الأُولى بشكل متوازي المستطيلات، وعالج حروف كلمة (يره) فنياً بالطريقة نفسها التي عالجها بها في الآية الأُولى، لكنّـه خطَّ نقطتي الياء بشكل متوازي المستطيلات المتكرر والمتعامد، واختار لهما موقعهما الأصلي أي تحت الحرف بحيث أسهمت النقطة الواقعة في الأسفل في تحقيق الإغلاق الشكلي للكمثرى، كما اعتمد على خاصية التأليف في وصل حرف الهاء مع نهاية تقويسة حرف الراء الرحماني.
في إخراج كلمة (شراً) عمد الى رفعها مكانياً بحيث أصبحت كلمتا (ذرة يره) قاعدة لها، وخطّ أسنان حرف السين قصيرة لكنّـه اعتمد على خاصية التنصيل فمدّ تقويسته ليكسبه حيوية ورشاقة، وخطَّ حرف الراء بشكل الراء المجموع، فحقق بذلك تضاداً بينه وبين شكل الحرف نفسه في كلمة (خيراً)، أمّـا حرف الألف فقد عالجه فنياً بتكرار شكله مع شكل الحرف نفسه في كلمة (خيراً) التي وردت في الآية الأُولى، وأفاد من رفعه مكانياً والمبالغة في طوله لتحقيق الايهام بالبعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية، حيث تراكب وتقاطع مع حرف الثاء من كلمة (مثقال)، واعتمد على خاصية التكرار الشكلي في خط حرفي الياء والراء من كلمة(يره) لكنه اختار موقعها في الجزء الاسفل من الكتلة، ليحقق تضاداً مكانياً بينها وبين الكلمة نفسها الواردة في الآية الاولى والتي رفعها الى أعلى الكتلة، ويبدو أنَّ الدلالة القيمية خيراً وشراً هي التي دفعت بالفنان عباس الى هذا الاختيار القصدي.
اتخذت نقطتا الياء موقعهما تحته وكانتا بشكل متوازي المستطيلات المتكرر والمتعامد، فتطابق هذا الشكل مع شكل نقطتي القاف من كلمة (مثقال) الواردة في الآية نفسها، ولكنه حقق التضاد مع أشكال النقاط الأُخرى، واعتماداً على خاصية التكرار الشكلي كرر شكل حرف الهاء مع شكله في كلمة (يره) الواردة في الآية الاولى، ولكنه اتخذ من تقويسة حرف الياء الرحماني قاعدة يرتفع فوقها ويتصل بها من جهة اليسار، محققاً خاصية التأليف.
قد يكون المحمول الدلالي للألوان ايجابياً أو سلبياً، فاللون الأحمر له دلالات ايجابية متعددة وسلبية متعددة أيضاً مثل الغضب والخطر والانذار، فتوظيف هذا اللون لخط كلمة (شراً) في هذه الآية يتطابق مع الدلالة السلبية للشر.
في تزيين الآية الكريمة اختار التشكيلات نفسها التي اعتمد عليها في إخراج الآية الأُولى ولكنّـه تصرّف في توزيعها في الفراغات البينية والمحيطية، بحيث أسهمت مع الحروف في تحقيق الإغلاق الشكلي الوهمي للكمثرى من جهة، وترصين وتماسك الكتلة من جهة ثانية، واضفاء البُـعد الجمالي عليها من جهة ثالثة.
تُـعـدُّ الأرضية العنصر التكويني الثالث للّوحة الخطيّـة والمساحة السلبية لها، لأنَّ الكتلة الخطيّـة هي المساحة الايجابية المشغولة بعناصر التكوين وبمحمولها الدلالي أيضاً، ولكي لا تطغى الأرضية عليها يجب أن تكون بسيطة وقليلة العناصر فلا تؤثّـر على المُشاهد لها وتشغل بصره وتفكيره عن الكتلة، ولهذا يسعى الفنان الى إحداث نوع من التوازن بينهما دون أن يغفل عن قيمة الخلفية في ابراز الكتلة وتحديد جوّها العام، وهذا ما يلاحظه المُشاهد في الكيفية التي تعامل بها الفنان عباس مع الخلفية في هذه اللوحة، حيث اعتمد على الألوان فقط في تنفيذها، فاختار اللون الأزرق السماوي بدرجته الفاتحة ليشغل جزءاً من خلفية الكلمات، وذلك للقيمة الدلالية الروحية لهذا اللون والمرتبطة بالقيمة الدلالية للآية الكريمة، فضلاً عن اظهاره له بشكل ضبابي للإيهام بالبُـعد الثالث الوهمي، وأحاطه باللون الأصفر المتدرج فبدا وكأنّـه هالة من نور، والنور هو دليل الإنسان الى الخير، ثم أحاطه باللون الأسود المتدرّج الى اللون البنيّ عن طريق إضافة اللون الأحمر إليه، ويلاحظ المُشاهد أنَّ الفنان عباس اعتنى بتظهير هذا اللون بشكل ضبابي أيضاً لتحقيق جملة أهداف، فالهدف الأول كان تقنياً لأنَّ الألوان حين تكون ضبابية تضفي شيئاً من عدم وضوح المعالم، والهدف الثاني كان تواصلياً لأنّـه منح المُشاهد شعوراً بالاتساع من خلال تعدد نوعية الألوان، حيث أنَّ اللون الأزرق من الألوان الباردة، واللون الأصفر من الألوان الحارّة، واللون الأسود من الألوان الحيادية وكذلك اللون البني ولكنَّ إضافة اللون الأحمر إليه منحه مسحة حيوية، والهدف الثالث هو الايهام بالبعد الثالث، وبالحركة الضمنية الوهمية.
10/ 9/ 2022م
لوحة (وعنـت الوجوه)
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الانتاج:1430ه / 2009م
اختار الفنان عباس الآية الكريمة المرقومة [111] من سورة طه ونصّها (وعـنّـت الوجوه للحيّ القيوم وقد خاب من حمل ظلما) لكتابتها في هذه اللوحة، وقد أشار المفسرون الى أنَّ دلالتها هي خضوع وخشوع الإنسان في السجود لله تعالى الذي لا يموت ولا ينام، وهو القيّـم على كل شيء، وقد خسر الإنسان الظالم أي المشرك بالله تعالى، من هذه الدلالة كانت انطلاقة الفنان عباس لإنجاز هذه اللوحة معتمداً على الخط الكوفي القـديم الذي هو أقدم الخطوط العربية وأساسها الأصيل الذي تفنن الخطاطون المسلمون في كتابته، وفي اشتقاق خطوط جديدة منه.
يكشف التأمل في تكوين هذه اللوحة عن كتابة الفنان عباس الآية القرآنية الكريمة على خلفية تبدو في النظرة الأُولى إليها وكأنّـها ورقة مستطيلة ولكنَّ التأمـل فيها يشير الى شيء آخر سنكشف عنه في حينه. والشكل المستطيل يشير دلالياً الى الرسوخ والاستقرار والثبات إن كان هذا الشكل كاملاً وزواياه صحيحة لكنَّ المُشاهد هنا يرى هذا الشكل ممزَّقاً وقد أدّى تمزيقه غير الكامل الى قسمته على قسمين بحيث احتوى كل قسمٍ على جزء من الآية القرآنية الكريمة.
هنا سيسأل المُشاهد سؤالاً:
لماذا عمد الفنان عباس الى التمزيق وجعله غير كامل؟
يبدو لي أنَّ فكرته كانت مرتبطة بدلالة الآية القرآنية الكريمة، فالقسم الأول الذي يشير الى الخضوع الكامل لله تعالى سينال به الإنسان المرتبة الأعلى والرضا منه، أمّـا المشرك فهو الساقـط في الجحيم، ولهذا رسم الفنان هذا الجزء من الشكل المستطيل بحيث يبدو ساقطاً فيما حافـظ على شكله المستقيم القائم في القسم الأعلى، وهذا بالتالي ما شكَّل تضاداً لافتاً بين الشكل التكويني للقسمين فأضفى عليهما حركية جمالية.
وفي الوقت ذاته يلاحظ المُشاهد أنَّ الورقة لم تمـزّق بشكل كامل بحيث تنفصل لأنَّ الفنان عباس كان متنبهاً الى أنَّ النص المكتوب هو آية واحدة كاملة ولكنها تحمل معنيين متكاملين رغم اختلافهما، وربَّـما كان يقصد أيضاً أنَّ الرجوع عن الظلم بالتوبة عن الشرك ممكناً.
في القسم الأول من نصِّ الآية الكريمة اختار الفنان عباس طريقة التتابع الصاعد في ترتيب الكلمات
وابتدأ بكلمة (وعـنّـت) التي اتخذ منها قاعدة ترتكز عليها باقي كلمات النص، وكذلك المد أو البسط الأُفـقـي في حرف التاء الذي أصبح قاعدة تستقر عليها حروف الجيم والواو والهاء في كلمة (الوجوه)، أمّـا الياء في كلمة (الحي) فإنَّ بسطها كان راجعاً من جهة اليسار حيث انتهت الكلمة الى جهة اليمين متجاوزة نقطة بدايتها، ومُـشكِّـلة تقاطعاً أُفـقـياً مع حرفي الألف واللام في كلمة الوجوه، حيث أفاد الفنان عباس من قابلية الحروف العربية على التمديد أو البسط بما يتناسب مع المساحة التي تشغلها هذه الحروف، ويلاحظ هنا عناية الفنان بتوفية هذه الحروف بشكل كامل من حيث خصائص الخط الكوفي القديم من جهة، ومع هدفه في ابراز التباين في شكل الحروف وتجاورها أو تقاطعها أو توازيها من جهة ثانية فمنح مشاهدها بذلك فرصة التمتع بمتابعة هذه الخصائص.
وما يلاحظه المشاهد هنا أنَ رأس حروف الواو اتخذ الشكل الزخرفي وهو الشكل نفسه الذي كتب به الفنان عباس حرف الهاء في كلمة (الوجوه)، والقاف والواو والميم في كلمة (القيوم)، والقاف في كلمة (قد)، والميم في كلمتي (حمل ، ظلما)، وهو ما منح النص جمالية وحركية تباينت مع الشكل الهندسي الذي طغى على الحروف الأُخرى لأنَّ الخط الكوفي القديم يمتاز بشكله اليابس وهذا ما يجده المشاهد في زوايا حروفه التي تكون إمّـا قائمة قيمتها (90درجة) مثل الزوايا التي تشكلت من اتصال حروف اللام مع الحروف التي تليها في الكلمات (الوجوه، للحي، القيوم)، وإمّـا زوايا حادة قيمتها (30 درجة) تشكلت من رسم حروف النون والتاء في كلمة (عنّـت)، والجيم في كلمة (الوجوه)، والحاء في كلمة (الحي)، والياء في كلمة (القيوم)، فهذا التباين في قيمة الزوايا منح أشكال الحروف حركية اشتغلت باتجاه تخفيف عبء شكله اليابس الذي يترك انطباعاً لدى المشاهد بالاستقرار والاتزان والثبات، وهي صفات قد تثير أحياناً الشعور بالملل فأبعد الفنان هذا الشعور من خلال خصائص التنوّع والتكرار ومنحه جمالية لافـتة.
يتميز حرف الألف والجزء القائم من حرف اللام بامتدادهما من الأعلى الى الأسفل باستقامة واضحة لكونهما من الحروف العمودية، وأفـاد الفنان عباس من هذه الخاصية بكتابتهما بشكلٍ متوازٍ ومتراصٍ ومتتابع بشكل صاعد متكرر فمنحها بذلك تناسقاً وتكراراً ايقاعياً جميلاً تباين مع شكل باقي الحروف المنخفـضة ذات الأسنان القصيرة، كما أنَّ هذا التماثل في الامتداد منح هذه الحروف قـوّة وشموخاً جمالياً أيضاً.
يلعب التنويع في اعادة تشكيل الحروف والكلمات وامتداداتها دوراً كبيراً في منح المشاهد متعة المشاهدة والتواصل والتأمل في اشتغالات الفنان وخبرته في التعامل مع الخطوط ضمن قواعدها وأُصولها وفي الوقت ذاته منحها جمالية تثير المشاهد، وهذا ما نجده في حرف الألف في هذه اللوحة حيث أنَّ صفته العمودية الصارمة خفـفـت منها كتابته بحيث ينتهي بشكل أُفـقـي يمتد الى جهة اليمين، ويتضاد تماماً مع امتداد حروف الكلمات من اليمين الى اليسار، وهذا ما منح هذا الجزء من اللوحة حركية وجمالاً.
تشغل دلالة النص فكر الفنان، وتؤثِّـر في اختياراته لتكوين لوحته، ففي هذه اللوحة كان انشغال الفنان عباس واضحاً في كيفية ترتيب كلمات الآية القرآنية الكريمة بحركة اتجاهية صاعدة بحيث تكون كلمة (القـيّوم) أعلاها مكاناً وكلمة الحيّ قاعدتها، فبدا الوحدة والترابط الدلالي واضحاً في التأكيد على روحانية هذا الجزء من الآية الكريمة وتقوية العلاقة بالله سبحانه وتعالى.
في القسم الثاني من الشكل المستطيل استعمل الفنان عباس قصبة أقلّ سمكاً من القصبة وكذلك من الفرشاة التي استعملها لكتابة القسم الأول منها فبدا مشهده أقل فخامة وحضوراً، وذلك لأنَّ دلالة هذا القسم من الآية القرآنية الكريمة هو الخيبة والخسارة فكان لا بد من تقليل قيمة الظالم المشرك بالله سبحانه وتعالى في الشكل الكتابي أيضاً رغم اعتماد الفنان على الخط الكوفي القديم نفسه الذي اعتمده في كتابة القسم الأول أيضاً، كما يلاحظ أنَّ كلماته اتخذت شكل السطر الكتابي الأُفـقـي المتوالي والمائل تبعاً لميل هذا القسم من الشكل المستطيل، فأنتج بذلك مشهداً متجانساً تماماً.
إنَّ القيمة الروحانية العليا لهذه الآية القرآنية الكريمة التي يؤمن بها الفنان عباس تتبدى في التفاصيل التي أشرنا إليها كما تتبدى في عنايته الواضحة في كتابة التشكيلات التزيينية وتخصيصاً في القسم الأول منها، ومن المعروف أنَّ الحروف تُكتب في الخط الكوفي القديم بدون اعـجام أي أنّـها غير مُـنقّـطة فلهذا استعاض الفنان عباس بالتشكيلات تعويضاً عنها حيث استعمل علامات الكسرة والفتحة والتنوين والسكون ووزعها في الفراغات بتناغم وايقاع جميل فلم تكن محشورة بين الحروف، بل منحها توازناً يشعِر المشاهد بالراحة النفسية بسب الإشغال المتوازن والجميل للفراغات داخل النص المكتوب.
ومن اللافت للنظر أيضاً العناية الدقيقة التي يوليها الفنان عباس للتفصيلات الدقيقة حيث اختار كتابة نقطة دائرية واحدة فقط رغم أنَّ حروف الخط الكوفي القديم بدون اعجام، ولكنها كانت تزيينية فقط ولا ارتباط لها بالحروف المنقوطة الواردة في هذه الآية القرآنية الكريمة، وكذلك علامة الشدّة حيث كتبها وحيدة أيضاً، وعالجهما شكلاً باستعمال اللون الأحمر وهذا ما أوجد تضاداً ايقاعياً جميلاً بين اللونين الأسود والأحمر.
يكشف اختيار الأرضية التي يكتب عليها الفنان عن مدى وعيه بالترابط العميق بينها وبين دلالة النص المكتوب عليها، والمشاهد المتابع للوحات الفنان عباس يجده حريصاً كل الحرص على تحقيق التآلف والانسجام بينهما، ولهذا كان اختياره للون البني الفاتح المتدرِّج لوناً للشكل المستطيل وهو في الوقت ذاته لون التراب مما يحيل دلالياً الى معنى كلمة (عـنّـت) المرتبط بالسجود على الأرض، فالشكل هنا بدا أقرب ما يكون الى قطعة من الأرض بدلالة مناطق الظل التي اتخذت مواضعها عند الحدود الداخلية لها فمنحها هذا الظلّ ثخناً واضحاً لا يمكن لشكل الورقة أن تظهر به.
تشكِّـل الخامة خلفية اللوحة التي تستقر عليها الأشكال التكوينية، وتقع في هذه اللوحة في البُـعـد الثالث، ويلفت نظر المشاهد أنَّ الفنان عباس شغل القسم الأسفل منها الذي يتساوى تقريباً مع المساحة التي شغلها القسم الثاني من الآية القرآنية الكريمة بحروف وأجزاء من حروف ومقاطع متجاورة ومتوالية فبدت وكأنّـها تهويمات أطلقها المشركون بالله سبحانه وتعالى فـفـقـدوا بذلك الشرك والظلم قدرتهم على الكلام المفهوم والمترابط. أمّـا من حيث استخدام الألوان فقد اختار له اللون البنيّ المتدرّج بين الغامق والفاتح فشكّل بذلك تجانساً واضحاً مع لون قطعة الأرض التي تتقدمه، وتضاداً أيضاً مع المساحة الخالية من الكتابة التي اختار لها درجات فاتحة بلمسات من الألوان البنية والرمادية والخضراء، وهذا ما سيغمر المشاهد بمشاعر السكون والهدوء والراحة التي ترتبط دلالياً بفعل السجود.
إنَّ التنوّع المدروس بعناية من صفات الخطاط المتميز، وهذا ما لاحظته من خلال تأمّـلي في معظم لوحات الفنان عباس، ويتجسّد في هذه اللوحة _فضلاً عما أشرت إليه سابقاً_ في اختياره كتابة التهويمات بصبغة الاكريلك مستخدماً الفرشاة والقلم، في حين استخدم القصبة والفرشاة في كتابة القسم الأول من الآية الكريمة، واستخدم القصبة مباشرة في كتابة القسم الثاني من الآية الكريمة، وهذا ما يؤكِّـد على قدرة الفنان عباس على استخدام هذه الأدوات بوعي عميق يتناسب مع دلالات النص المكتوب من جهة، ويضفي تنوّعاً جمالياً عن طريق خاصة التباين من جهة ثانية، وعن طريق خاصية الإرسال التي تكشف عن قابلية الفنان في انسياب حركة القلم أثناء الكتابة بدون تردد أو توقـف أو رعشة، من جهة ثالثة.
2022م
لوحة (قفا نبكِ)
حجم اللوحة: 50/70سم
سنة الانجاز: 1430ه / 2009م
لم يكتف الفنان عباس بخط الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، والأقوال المأثورة، بل كان له جهد آخر تمثّـل في توظيف واستلهام الموروث الحضاري – الثقافي المتمثِّـل بالشعر في لوحاته الخطيّـة، فأضفى بذلك صفة الأصالة الحضارية والثقافية عليها، وحقق تضايفاً دلالياً متفاعلاً بين كلمات النص والرموز التشكيلية المرسومة لينتج الوحدة الكلية للّـوحة.
يعتمد التكوين في اللوحة على مجموعة من العناصر الفنية، هي:
1/ الكتلتان الرئيستان الخطيّـتان والمتمثلتان بشطري البيت الشعري.
2/ الكتلة الثانوية (التشكيلات التزيينية).
3/ الأشكال أو الرموز التشكيلية.
4/ أرضية اللوحة.
في هذه اللوحة اختار الفنان عباس مطلع معلّـقة الشاعر الجاهلي امرىء القيس، والتي تنصُّ على البيت الشعري التالي:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ليكون هو الكتلة الرئيسة التي تؤازرها رموز تشكيلية ترتبط دلالياً بهذا البيت، ولهذا عمد الى تكوين يقسّم مساحة اللوحة على قسمين غير متساويين، يضم الأول وهو القسم الأعلى الذي شغل ثلثي مساحتها الشطر الأول من المطلع، مع رمز تشكيلي هو العين، ويضم القسم الثاني الشطر الثاني للمطلع ورموز تشكيلية تمثّـلت بالأرض وكومة الأحجار والبيتين والنخلتين.
تتميز العلاقة بين الإنسان والمكان بكونها جدلية فيها الكثير من التأمّـل والتأثر والتأثير، أمّـا الإنسان العربي فروحه ترتبط بمكانه ارتباطاً عضوياً لما فيه من خصوصية وأصالة تتجلّى في نتاجاته الإبداعية ومنها هذه المُـعلّـقة، حيث يشير البيت الشعري الى طلب الشاعر من رفيقيه التوقف والبكاء معه على الأطلال، وهي الدار المندرسة التي كانت تسكنها حبيبته ثم فارقتها، وله فيها ذكريات جميلة تثير أحزانه، والحزن انفعال يكشف عن حالة نفسية عميقة تتشابك فيها الأحاسيس والمشاعر، وهذا ما دفع الفنان عباس الى اختيار خط جلي الديواني للشطر الأول منه، فالاختيار كان قصدياً لما يمتلكه هذا الخط من تراكيب متشابكة تتطابق مع انفعالات الشاعر النفسية، فحقق بُـعداً جمالياً لافتاً لنظر المشاهد وذلك لتناسب نوعية الخط مع دلالة البيت الشعري.
يلاحظ المتأمل في كتلة الشطر تعدد مستويات الكتابة الخطية للتركيب الثقيل لخط جلي الديواني حيث أفادت من خاصيتي الرفع والخفض المكاني في الحروف والكلمات والنقاط، وابتدأت بكلمة (قـفا) التي اعتمد فيها الفنان عباس على تلويز أي تدوير رأس حرف القاف، وتحديق أي تبييض وسط حرف الفاء، محققاً بذلك خاصية التباين بين شكليهما، وأسهم حرف القاف مع إحدى نقطتيه في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهتها اليمنى، واتخذت النقطتان موقعهما فوق تدويرته لتشغلا مساحة الفراغ البيني، وكانتا بشكل متوازي الأضلاع المتكرر الأُفـقـي، وتحققت خاصية التباين الحجمي بين نقطتي حرف القاف ونقطة حرف الفاء، أمّا حرف الألف فقد أخرجه باستطالة مبالغ بها في الجزء القائم منه بحيث ظهر وكأنّـه عمود أو سياج للعين الإنسانية من جهة اليمين.
أفاد الفنان من خاصية الرفع المكاني أيضاً، فرفع كلمة (نبكِ) بحيث اتخذ حرف النون من حرف الفاء في كلمة (قفا) قاعدة يرتفع فوقها، وأخرجه بشكل مقعّـر قليلاً، وصغير الحجم نسبياً، واتخذت نقطته شكلاً دائرياً لتحقق خاصية التباين الشكلي مع النقاط الأُخرى من جهة، وتنويعاً اخراجياً منح الكتلة ثراءً بصرياً من جهة مقابلة، فضلاً عن اسهام حرف النون ونقطته في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهتها اليمنى.
وفي إخراجه الفني لحرف الباء حقق خاصيتي التراكب والتقاطع في بداية حرف الباء مع حرف الألف من كلمة (قـفا)، فأوجد البُـعد الثالث الوهمي، والحركة الضمنية الوهمية أيضاً، كما أفاد من خاصية المد فمدَّ حرف الباء بحيث تصبح تقويسته قاعدة للعين الإنسانية، وتصرّف بشكل النقطة في حرفي النون والباء فجعله دائرياً لتحقيق التباين الشكلي والحجمي، ولكنَّه أفاد من الإبعاد المكاني فمنحها موقعاً داخل تقويسة الألف المقصورة من كلمة (ذكرى)، فشغل بذلك جزءاً من الفراغ البيني.
وعالج حرف الكاف معالجة فنية تمثّـلت بمنح الجزء القائم منه استطالة مبالغاً بها لكي يصبح السياج الثاني للعين الإنسانية من جهة يسار الكتلة، فحقق خاصيتي التوازي والتوازن بين الجزء القائم من حرف الكاف من كلمة (نبكِ) وحرف الألف من كلمة (قفا) من جهة مقابلة، أما تقويسته فكانت متباينة من حيث الحجم مع تقويسة حرف الكاف التي كانت أصغر حجماً، ومنح نهايتها حركة اتجاهية نحو يمين اللوحة بحيث تتصل مع الجزء القائم من الحرف نفسه، واستقرت همزته داخل تقويسته التي أصبحت قاعدة له.
في تعامله الفني مع كلمة (من) يلاحظ المتأمل أنَّ الفنان عباس خطَّ حرف الميم على شكل مستطيل بدون تحديق، ومنحه امتداداً مقوّساً تقويسة صغيرة لكي يتصل بحرف النون، محققاً بذلك خاصية التأليف، وأخرج هذا الحرف بطريقة مختلفة حيث منحه تقويسة كاملة ومتصلة مع حرف الذال من كلمة (ذكرى) التي خطّـها بحيث يكون الجزء الثاني منها مرسلاً وينتهي باتصاله بحرف الراء من الكلمة نفسها، فحقق بذلك خاصية التأليف لأنّ حقه الانفصال وليس الاتصال، واختار مركز الدائرة ليكتب نقطة حرف الذال الدائرية الشكل، وبذلك منح هذا الجزء حركية وحيوية وتوازناً لافتاً للنظر.
واعتماداً على خاصية الرفع المكاني عمد الى رفع حرف الكاف من كلمة (ذكرى)، وأفاد من خاصية الاستبدال، فأبدل شكل الجزء الأول من حرف الكاف بشكل كاف وسطية صغيرة فأضفى عليها مسحة جمالية، وخطَّ حرف الراء منها على شكل الراء المرسلة، وأنتج تناسقاً لافتاً للنظر في خطّـه لتقويسة حرف الألف المقصورة بموقع مقارب لحرف الراء، أمّـا نهايته فقد رفعها مكانياً بحيث تتصل بتقويسة حرف الباء من كلمة (حبيب) من الأسفل ليحقق خاصية التأليف.
إنَّ التنغيم الإيقاعي الذي يعتمده الفنان يكشف عن مدى قدرته ومهارته في كتابة الحروف بشكل متنوّع في الخط الواحد، وهذا ما سيلاحظه المتأمل في تعامل الفنان عباس مع الحروف في هذه اللوحة، وكذلك الكلمات التي تتخذ مواقعها بشكلٍ مدروس بعنايةٍ وإتقان، ففي خطّـه لكلمة (حبيب) أخرجها بشكل مائل يبدأ من جهة يمين الكتلة الخطيّـة، وينتهي في أقصى يسارها، وفي إخراجه الفني لحرف الحاء منها ابتدأ بخطه بالتفافة صغيرة ثم حركة اتجاهية مائلة وصاعدة نحو الأعلى بحيث يقطع امتداد حرف الألف من كلمة (قـفا)، ثم اتخذ حركة اتجاهية مائلة نحو يسار الكتلة الخطية ونازلة الى الأسفل لخط حرفي الباء والياء بتقويسات صغيرة تباينت حجمياً مع تقويسة حرف الباء الأخير من الكلمة، والذي عالجه بمنح ثقل تقويسه في جهة اليسار وليس في الوسط، وأفاد من خاصية التنصيل لحروف خط جلي الديواني ليمدّ نهايته بحركة اتجاهية صاعدة نحو الأعلى لتنتهي متصلة من الأسفل بتقويسة حرف اللام من كلمة (منزل)، فحقق بذلك خاصية التأليف أيضاً.
اعتمد الفنان عباس على التصرّف في أشكال النقاط في كلمة (حبيب) أيضاً، فنقطة الباء الأُولى اتخذت شكلاً دائرياً، وتوسطت تقويسة حرف الألف المقصورة من كلمة (ذكرى)، ونقطتا حرف الياء اتخذتا شكل متوازي المستطيلات العمودي المدمج، وكانت نقطة حرف الباء الأخير دائرية الشكل، فأسهم هذا التنويع الشكلي والموقعي في اشغال الفراغات البينية، وحـوّلها الى مساحات ايجابية منحت الكتلة الخطية تراصاً متكاملاً.
يكشف الاستغلال الأمثل لمساحة الكتلة الخطيّـة عن امكانية الفنان في تنفيذ خاصية الانسجام المتآلف بين الحروف والكلمات، بحيث لا ينفر حرف أو كلمة فتجـرّد الكتلة من هذه الخاصية، وتعمل على تنفير المتلقي وذهاب متعته وتذوّقه للّوحة، والمتأمل في اشتغال الفنان عباس يلاحظ قدرته على ترتيبها المنسجم الذي يشغل مساحاتها بحيث يحقق خاصية توفية حروفها، فضلاً عن تحقيق البُـعد الجمالي لمظهرها، وهذا ما سيجده المتأمل في استغلاله للفراغ الكائن فوق تقويسة حرف الباء الأخير من كلمة (حبيب) لخط حرف الواو وحرفي الميم والنون من كلمة (منزل)، بحيث أصبحت قاعدة تحتضنهما معاً، وخـطَّ حرف الواو المرسل بإرسال مبالغ به ليحتضن حرف الميم من كلمة (منزل)، محدِثاً بذلك تركيباً ثقيلاً.
واتبع خاصية التكرار في خطه لهذا الحرف الذي منحه حركة اتجاهية مائلة نحو الأسفل، فاتسق بذلك مع اتجاه كلمة (حبيب)، كما اعتمد أيضاً على هذه الخاصية في خطه لحرف الميم منها الذي تشابه شكلاً وحجماً مع حرف الميم من كلمة (من) السابقة، أمّـا إخراجه لحرف النون فكان بخطّـه بتقويسة صغيرة وثخينة من الأسفل، لينتهي باتصاله مع حرف الزاي من الاسفل فحقق بذلك خاصية التأليف، ورفع حرف الزاي مكانياً بحيث يبدأ من داخل تقويسة حرف الكاف من كلمة (نبك)، ويمتد شكله المرسل بحركة اتجاهية نازلة الى الأسفل بحيث يتراكب ويتقاطع مع تقويسة حرف الباء من كلمة (حبيب)، فأنتج في الموقعين بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، واتخذت نقطته موقعها داخل تقويسة حرف الكاف، وكانت على شكل متوازي الأضلاع.
لتحقيق التنويع في الإخراج الشكلي للحروف القائمة اشتغل الفنان عباس باتجاه تزيين الجزء القائم من حرف اللام في كلمة (منزل) بترويسة على شكل زلفٍ صغير في جهة اليسار، وتقويسة راجعة تنتهي متصلة بالجزء المقوّس من حرف الكاف في كلمة (نبك)، وبهذا حقق خاصية التكرار بين حرفي الكاف واللام من جهة، وخاصية التأليف من جهة ثانية، وأسهم في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهتها اليسرى.
يكشف البيت الشعري للشاعر امرىء القيس عن كلمة محورية دلالياً هي كلمة (نبكِ)، ولهذا اختار الفنان عباس رسم العين الدامعة بوصفها رمزاً للبكاء، ومنح هذه الكلمة إخراجاً لافتاً للنظر _كما أشرت سابقاً_ وكذلك موقعاً متميزاً في أعلى التكوين لكي يجذب عين المشاهد إليها فيشعر بالتآزر الدلالي بينهما، وهذا ما سيشتغل باتجاه إثارته انفعالياً فيتعاطف مع حزن الشاعر من جهة، ومع مشاعر وأحاسيس الفنان الذي عـبّـرَ عن تعاطفه أيضاً من خلال اختياره لهذا البيت الشعري، وإجادته في إخراج اللوحة ككلٍ مُـعـبِّرٍ عن حالة الحزن.
وبما أنَّ البكاء هو استجابة عاطفية لمشاعر الحزن والألم، فقد كان لا بد للفنان عباس من نقل هذه المشاعر وتجسيدها في مشهد العين بتعبيرية فنية وليس بالنقل الجامد لمنظر العين الدامعة واقعياً، ولهذا اختار لها مشهداً أمامياً مباشراً، واهتمَّ بتظهير تفاصيلها حيث يشوب بياضها وجفنها الأسفل مسحة من اللون الأحمر للدلالة على شدّة البكاء، وأحاط البؤبؤ بدائرة ملوّنة باللون الأبيض المشوب بالحمرة أيضاً، أمّـا الحدقة فلم تظهر كاملة بل يغطي الجفن العلوي جزءاً منها فأوحى بالعمق، وشغل مساحة الجفن العلوي باللون البنيّ المتدرّج بين الدرجة الغامقة والفاتحة والمتداخل، واتخذ الحاجب اللون الأسود المشوب بالرمادي، وكان لا بُـدَّ للدمعة النازلة من مساحة خد تنزل عليها، ولهذا رسم الفنان عباس جزءاً من الخد ولوّنه بلون البشرة، فأحدث بذلك تجانساً لونياً بين الخد والجفن.
شغل الفنان الفراغات البينية والمحيطية بمجموعة من التشكيلات التزيينية مثل العلامات الإعرابية، التي تمثّـلت بالفتحة والضمة والسكون والتنوين، وكذلك المـدّة، وعلامة الفاصلة التي خطّـها باتجاهات متعددة، وحرف الميم الصغير، والرقم (7)، فأسهمت في إشغال هذه الفراغات، ومنحت مشهد الكتلة تراصاً وحركية وتناسقاً.
إنَّ الخط الكوفي من أقدم أنواع الخطوط العربية وأبسطها شكلاً لأنّـه يخلو من خاصية التركيب، ولا يحتاج الى الضفر والعقد في حروفه العمودية، كما يخلو أيضاً من التشكيلات التزيينية، ويبدو شكله أقرب ما يكون الى الأشكال الهندسية لأنَّه يعتمد غالباً على الخطوط المستقيمة التي تتميّـز بمظهرها الأُفـقـي، وتتعامد عليها الحروف العمودية فتشِّـكل زواياه، ويعتمد قواعدياً على تسطير الكلمات بشكل نظامي، وحركة اتجاهية أُفـقية تبدأ من جهة اليمين وتنتهي يساراً، وينطلق الفنان عباس في اختياره لخطِّ الشطر الثاني من البيت الشعري من منطلق التنويع الخطي من جهة، ولمنح المشاهد فرصة التركيز الدلالي على البيت الشعري الأول، ولذلك اختار التباين اللوني أيضاً حيث أنَّ الحبر الأسود يمنح الكتلة مظهراً فخماً وجميلاً ولهذا اختاره لخط الشطر الأول، أمّـا الشطر الثاني فقد خطّـه بالحبر الأزرق المتوسط الدرجة لكونه يكمل الشطر الأول دلالياً.
يبدأ حرف الباء في كلمة (بسقط) بميلان بسيط نحو الجهة اليسرى للكتلة، ويكوّن زاوية مع الجزء الأُفـقـي منه، ويتخذ أول سنّ من أسنان حرف السين طولاً نسبياً لكي يتميّـز عن حرف الباء، ويشكِّل زاوية أيضاً مع الجزء الأُفـقـي منه، وهذا ما أسهم في تحقيق خاصية التكرار الشكلي، أمّـا حرف القاف فقد خطّـه الفنان عباس بالطريقة ذاتها التي خطَّ بها الحروف السابقة ثم منحه تدويرة صغيرة بدون أن يطمس عـقدته، فحقق بذلك خاصية التحديق.
من الصفات التي يتمتع بها الخط الكوفي القديم هي منح الفنان امكانية تنصيل حرف الطاء وما شابهه، وهذا ما أفاد منه الفنان عباس في تنصيل الجزء الأُفـقـي منه، وخطَّ الجزء القائم منه بدون ترويس وهذا أيضاً من قواعد هذا النوع من الخطوط.
في إخراجه الفني لكلمة (اللوى) خطَّ حرف الألف بطول مبالغ به في الجزء القائم منه، وينتهي بقوس صغير يأخذ حركة اتجاهية نحو يمين الكتلة، وهذا أيضاً من أُصول كتابته في الخط الكوفي القديم، وعالج حرف اللام المتكرر بشكل قائم مع تزوية وبدون ترويس، ولكنه حقق ايقاعاً جميلاً في الطول المتناقص لحروف الألف واللام المتكررة، وأخرج حرف الواو بتكرار الجزء المدوّر منها بالشكل نفسه الذي خطَّ به حرف القاف من كلمة (بسقط) ليحقق ايقاعاً متناسباً بينهما، وأنهى شكله بدون تشظية.
إنَّ صفة اليباس التي عُـرِفَ بها هذا النوع من الخط تتجلّـى _ فضلاً عمّـا أشرت إليه سابقاً _ في طريقة إخراج حرف الألف المقصورة الراجعة، حيث أنَّ تدويرته تخلو من صفة المرونة، وتنتهي بدون تشظية.
في كلمة (بين) عمد الفنان عباس الى الإخراج الفني لحرفي الباء والياء بالشكل نفسه الذي أخرج به حرف الباء من كلمة (بسقـط)، فحقـق بذلك خاصية التكرار، أمّـا حرف النون فقد أخرجه بتصرّفٍ في شكله الذي بدأ بخط مائل وبحركة اتجاهية من جهة يسار الكتلة ثم حركة اتجاهية نازلة الى الاسفل بخط مستقيم، ثم امتداد أُفـقـي قصير متجه نحو جهة اليسار.
تشير الملاحظة التتابعية لهذا الشطر الى أنّ الفنان اشتغل باتجاه تحقيق خاصية التكرار في حرف الألف من كلمة (الدخول) والذي تشابه شكلاً مع مثيله في كلمة (اللوى)، وفي الوقت نفسه حقق خاصية التباين بينهما لاختلافهما الحجمي، وتحقق التباين أيضاً في حجم هذا الحرف مع حجم حرف الألف الذي يوازيه رغم خفضه المكاني، واتخذ حرف الدال شكله بتقويسة صغيرة، أمّـا حرف الحاء فخطّـه بشكله المثلث، وحقق خاصية التكرار الشكلي في حرف الواو، ومنح حرف اللام استطالة مبالغاً بها لتنفيذ التنويع الحجمي.
في كلمة (فحومل) اعتمد الفنان أيضاً على خاصية التكرار الشكلي لحرف الواو الذي تشابه مع حرف القاف من كلمة (بسقط)، وكذلك حرف الحاء مع حرف الخاء، وحرف الواو أيضاً، أمّـا حرف الميم فقد استـقّـر على السطر، فيما أفاد من خاصية الرفع المكاني لحرف اللام.
يختلف الخط الكوفي القديم عن غيره من الخطوط العربية لأنه يخلو غالباً من تنقيط الحروف ومن التشكيلات التزيينية والزخارف أحياناً، لكنَّ الفنان عباس استخدم النقاط التي تمثّـلت بالخطوط القصيرة المائلة التي تشبه الفتحة والكسرة، فالنقطة الواحدة يمثّلها خط واحد، والنقطتان يمثّـلهما خط مكرر، وهذا ما استخدمه بعض الخطاطين في عصور متعددة.
في أرضية اللوحة اختار الفنان عباس تمثيل دلالة البيت الشعري برموز تشكيلية تنهض على علاقة جوهرية بين الشعر والتشكيل، فاستحضر المكان تخيلياً ولكنه استحضار مرتبط بدلالة البيت الشعري ولهذا رسمه بمنظر أمامي مباشر، والبداية كانت من الجزء الأسفل من اللوحة التي اختار لها عنصراً تشكيلياً هو الرمل بلونه الرمادي المتدرّج والمتداخل، والذي تكوّمت عليه مجموعة من الأحجار بلونها البنيّ المتدرج المقارب للون الأحجار الطبيعية، وفي البُـعد الثالث اتخذت أطلال الدور مواقعها، واختار لها اللون الطيني المغبر والمشوب باللون الأسود للدلالة على كونها مهجورة، ولهذا تخلو من إمارات الحياة فلا إنسان ولا حيوان في مشهد اللوحة، وتمتدُّ الأرض في المساحة التي تقع خلف البيوت، فيما تبدو نخلتان في البُـعد الثالث الوهمي.
ويقسم خط الأُفـق مساحة أرضية اللوحة ليشغل اللون البرتقالي الفضاء ويعلوه اللون الأصفر، وهما لونا ضوء الشمس عند المغيب فدلالتهما زمنية، ويشغل اللون الأبيض المطفأ مساحة الفراغ الذي أصبح أرضية للكتلة الخطيّـة الأُولى.
16/7/2022م
لوحة (ربّ اجعل)
حجم اللوحة: 50/ 70سم
تاريخ الانجاز: 1431ه / 2010م
في هذه اللوحة اعتمد التكوين على (3) عناصر هي:
1/ الكتلة الرئيسة: وهي الكتل الخطيّة التي توزعت على (3) أقسام هي: البسملة، وجملة (قال تعالى في كتابه الكريم)، وجزء من الآية الكريمة المرقومة (126) من سورة البقرة، والتي نصّت على ( وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات).
2/ الكتلة الثانوية: وهي التشكيلات التزيينية.
3/ أرضية اللوحة.
يلجأ الفنان حين يصمم تكوين لوحته الى توزيع كتلها بحيث تأخذ كل منها موقعها الذي يتناسب مع دلالتها، فيصبح التصميم بذلك مرشداً لعين المشاهد الى أهميتها، فالكتل المختلفة حجماً أو لوناً أو موقعاً ستجذبها أولاً، ولهذا لا بُـدَّ له من توظيف كل عنصر منها توظيفاً يخدم رسالتها، وينتج بُـعدها الجمالي، ولا يتحقق هذا التوظيف بشكله الأمثل إلاّ بتوفر مجموعة من الخصائص التكوينية المتمثلة بـ :
1/ الوحدة: تشتغل هذه الخاصية باتجاه الكشف عن مدى قدرة الفنان على تحقيق الانسجام بين عناصر التكوين ككل، بحيث يكون للّـوحة الخطيّـة رسالة واضحة تتآزر دلالتها وعناصرها معاً، وفي هذه اللوحة تجسّدت رسالتها بدلالة الآية الكريمة على الدعاء، محققةً بُـعداً إيمانياً.
2/ التوازن: تشير هذه الخاصية الى الأُسلوب الذي اتبعه الفنان عند ترتيبه لعناصر التكوين بشكل يقود عين المُشاهد الى الكلمة المحورية دلالياً فيضعها في مكان بارز، ويخرجها بطريقة مميّـزة عن غيرها من كلمات اللوحة، ثم يوزّع باقي الكلمات بحيث تحقق مشهداً متوازناً ومتناسقاً ومستقراً يثير شعور الارتياح في نفس مُشاهدها، وهذا ما يلاحظه المشاهد في هذه اللوحة حيث اعتمد الفنان عباس على توزيع عناصرها بحيث تكون كلمة (ربِّ) هي الكلمة المحورية التي تحيط بها بقية كلمات الآية الكريمة بشكل متوازن ودون أن تطغى عليها، وسأقف عند تفاصيلها في ثنايا هذه المقالة.
3/ الإيقاع: هو تكرار أو ترديد بعض عناصر التكوين، مثل تكرار شكل كتلة من كتلها، أو كلمة من كلماتها المتشابهة، أو حرف من حروفها المتشابهة، وكذلك تكرار طريقة إخراجها أو ألوانها، وهو ما تجسّد في هذه اللوحة، كما يتمثّـل الايقاع أيضاً في تنظيم الشكل التكراري للفراغات بين الكتل مع بعضها البعض، وبين العناصر مع بعضها البعض بحيث لا تزدحم في مكان وتقـلّ في آخر، لأنَّ الفراغات الناتجة عن حسن توزيع الكلمات هي التي تمنح التكوين توازنه، وتبعده عن السطحية، فضلاً عن بعث الشعور بقوته.
4/ التضاد أو التباين: تعمل هذه الخاصية على ابراز الاختلافات بين أشكال عناصر التكوين على اختلاف أنواعها، فتمنحها بُـعداً حركياً يبعد عنها صفة الجمود، كما تكشف عن قدرة الفنان على توظيف مرونة الحروف العربية، وتعدد أشكالها في الخط العربي الواحد بحيث ينتج أكثر من شكل للحرف الواحد من خلاله تصرفه الفني في إخراج هذه الأشكال.
وفيما يخصُّ هذه اللوحة فإنَّ الفنان عباس اختار خط جلي الديواني لخطِّ كتلة البسملة، وأخرجها بهيأة تقارب شكل المثلث غير المنتظم، واعتمد على التركيب الثقيل حيث بدأ تسلسلها القرائي من الأسفل في جهة اليمين، ثم تأخذ تسلسلاً تصاعدياً الى الاعلى في جهة اليسار، وابتدأ بكلمة (بسم) التي خطَّ حرف الباء منها بترويسة صغيرة في جهة يسار الكتلة، ومنحه شكلاً مقـوّساً مع المبالغة قليلاً في طوله، أمّـا أسنان حرف السين فقد خطّـها قصيرة حسب قواعد خط جلي الديواني، ثم منحها انحناءة لطيفة لتتصل بحرف الميم الذي أخرجه بشكله الرحماني، وتنتهي تقويسته باتصاله بحرف الراء من كلمة (الرحمن) من الأسفل، فحقق بذلك خاصية التأليف وكان حقه الانفصال عنه، وقد أسهم جزء من هذه التقويسة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل هذه الكتلة، وأخرج نقطة حرف الباء بتحريف موقعها الأصلي الذي يكون تحت الحرف نفسه، واختار لها موقعاً وسطاً تحت حرف السين، فأنتج بذلك إزاحة حركية لطيفة من جهة، وإغلاقاً لجزء من الشكل الوهمي للكتلة من جهة أُخرى.
أسهم الخفض المكاني لكلمة (بسم) في جعلها قاعدة يرتفع عليها لفظ الجلالة، الذي أخرج حرف الألف منه إخراجاً فنيّـاً تمثّـل بترويسة مثلثة صغيرة، ثم امتداد أخذ حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل في جهة يمين الكتلة، ثم تقويسة لطيفة وحركة اتجاهية نحو يسار الكتلة، وتعامل مع حجمه تعاملاً فنيّـاً بحيث بالغ في طوله، فأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، واحتضان باقي حروف لفظ الجلالة محدثاً بذلك توازناً حيوياً لهذا الجزء من الكتلة.
واعتمد على خاصية التضاد الحجمي في معالجته لباقي حروف لفظ الجلالة التي خطّـها بحجم أصغر من حجم حرف الألف من جهة، وحجم كلمتي (الرحمن، الرحيم) من جهة ثانية، كما اعتمد عليها أيضاً في إخراجه لحرف اللام الأول بترويسة صغيرة من جهة اليسار وتقويسة لطيفة، وترويسة مثلثة صغيرة وميلان خفيف نحو جهة اليسار لحرف اللام الثاني، وتعامل مع حرف الهاء فنيّـاً بإخراجه منحنياً قليلاً من الأعلى، ثم اتخذ حركة اتجاهية نازلة الى الأسفل، ثم حركة اتجاهية الى الأعلى قليلاً، بحيث تنتهي تقويسته باتصالها بامتداد حرف الهاء من الأسفل وكان حقه الانفصال عنه، فحقق بذلك خاصية التأليف.
أتاح الخفض المكاني للفظ الجلالة مساحة كافية لاتخاذها قاعدة ترفع فوقها حروف الألف واللام والحاء من كلمة (الرحمن)، وأخرج حرف الألف منها بتقويسة لطيفة واقعة في جهة يمين الكتلة، ووصله بحرف اللام الذي بالغ في طوله بحيث أسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، وامتدّ بحركة اتجاهية قائمة ونازلة نحو الأسفل، ثم تقويسة لطيفة نصّـفت حرف اللام الثاني من لفظ الجلالة، فتراكب وتقاطع معه منتجاً ايهاماً بالبُـعد الثالث وحركة ضمنية ايهامية.
وأفاد من خاصية الرفع المكاني للحروف والتي يتيحها التركيب الثقيل لخط جلي الديواني، فرفع حرف الحاء من كلمة (الرحمن) بحيث تقاطع وتراكب مع حرف اللام من الكلمة نفسها محدثاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الايهامية، وأخرجه ببداية ملتفّـة من الداخل ثم امتداد مقوّس قليلاً ومتجه نحو يمين الكتلة، ثم ارتداد نازل الى الأسفل مع ميلان الى الجهة اليسرى، ويلاحظ المتأمل أنَّ الفنان عباس اعتنى عناية كبيرة بثخانة الخط ورفعه حسب مساره، فأحدث بذلك تضاداً شكلياً منح هذا الحرف حيوية وحركة، وأسهم الامتداد النازل الى الأسفل لحرف الحاء في إخراج حرف الميم بالامتداد نفسه، والذي عالجه معالجة فنية تمثّـلت بإخراجه مطموس العين، وواقع في جهة يمين الكتلة، أمّـا حرف النون فقد بالغ في امتداد نهاية تقويسته التي أصبحت أعلى مكاناً من بدايته، فشغل بذلك جزءاً من الفراغ الواقع تحت نقطتي حرف الياء من كلمة (الرحيم).
تشتغل طواعية ومرونة الحروف العربية باتجاه منح الفنان حريّـة أكبر في الإخراج الشكلي والحجمي للكلمات، وهذا ما استغله الفنان عباس استغلالاً لافتاً للنظر تمثّـل في خطِّ كلمة (الرحيم) بحجم أكبر من حجوم بقية كلمات الكتلة، فحقق بذلك خاصية التضاد الحجمي، وأفاد من خاصية الرفع المكاني بحيث أصبحت كلمة (الرحمن) قاعدة تستقر فوقها، واتخذت الاتجاه المائل والنازل أيضاً، كما أفاد من خاصية التكرار الشكلي لحروف الألف واللام والحاء، فأحدث بذلك ايقاعاً حركياً لطيفاً، وأسهمت ترويسة حرفي الألف واللام في تحقيق خاصية الاتصال من جهة، والإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى من جهة ثانية، فضلاً عن اسهام تقويسة حرفي الياء والميم في اكمال هذا الأغلاق، وعالج حرف الميم بمنحه زلفاً يمتد بحركة قوسية في جهة يسار الكتلة، ثمّ يمتد مساره النازل لينتهي قريباً من أعلى كتلة (وإذ قال ابراهيم) محققاً بذلك حركية لطيفة أنتجت بُـعداً جمالياً من جهة، واتصالاً مع جملة (وإذ قال ابراهيم) من جهة مقابلة.
من تكوينات متعددة انتقى الفنان عباس تكوين القسم الثاني من الكتلة الخطيّـة بشكل مختلف عن القسمين الأول والثالث، حيث عمد الى خطّ جملة (قال تعالى) في جهة يمين اللوحة، وأكملها بجملة (في كتابه الكريم) في الجهة اليسرى من اللوحة، ويبدو أنَّه كان قاصداً سحب انتباه المتلقي الى الجهتين على التوالي من جهة، والتنويع الاخراجي غير التقليدي من جهة ثانية، وشغل الفراغ المساحي للوحة من جهة ثالثة، فأحدث بذلك خاصية التوازن، فضلاً عن خطّـها بالقلم نفسه الذي خطّ به البسملة محققاً بذلك تطابقاً حجمياً معها، وتضاداً حجمياً مع الآية الكريمة، فمنح هذا الجزء من اللوحة مسحة حيوية لافتة للنظر.
واعتمد في إخراجها على التسلسل الأُفقي المتتابع لكلماتها، وابتدأ بكلمة (قال) التي خطَّ حرف القاف منها مطموس العين وأسهمت تقويسته في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليسار، وأخرج نقطتيه بشكل متوازي المستطيلات المتعامد، وخطّ حرف الألف بترويسة لطيفة واقعة في جهة يسار اللوحة، وأسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة العليا، وبالغ في طوله كما بالغ في طول حرف اللام محققاً بذلك خاصية التناسب الحجمي بينهما، وأسهمت ترويسة حرف اللام المثلثة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، كما أسهمت تقويسته في هذا التحقيق أيضاً من الأسفل.
إنَّ امتداد وتقويسة هذا الحرف أسهمت في إخراجه حاضناً لحرفي التاء والعين من كلمة (تعالى)، وهذا من خصائص التركيب الثقيل لخط جلي الديواني، أمّـا حرف التاء فقد أخرجه بتقويسة صغيرة، واعتمد عند خطِّ نقطتيه على خاصية التكرار الشكلي الايقاعي لنقطتي حرف القاف في كلمة (قال)، وأخرج حرف العين مطموساً، وتصرّف بشكل حرف الألف تصرّفاً فنياً معتمداً على خاصية التنويع، فخطّـه بشكل الألف الخنجرية، كما اعتمد على تحريفه المكاني حيث خطّـه داخل تقويسة حرف الألف المقصورة التي أصبحت قاعدة له، واعتمد على الرفع المكاني لحرف اللام بحيث أسهمت ترويسته المثلثة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، كما أسهمت تقويسة حرف الألف المقصورة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليسار، فأنتج بذلك تركيباً ثقيلاً.
في جهة يسار الكتلة خطَّ جملة (في كتابه الكريم)، وابتدأ بكلمة (في) التي أخرج حرف الفاء منها مطموس العين، واتخذت نقطته موقعها فوقه، وكانت بشكل متوازي المستطيلات، وهو شكلها في خط جلي الديواني، واعتمد على خاصية الخفض المكاني لحرف الياء غير المنقوط الذي أخرجه بحيث أصبح قاعدة يرتفع عليها حرف الكاف من كلمة (كتابه)، وتصرّف في شكل الجزء الأول منه حيث عالجه معالجة فنية تمثّـلت بترويسة لطيفة وامتداد قائم ينتهي بتقويسة رفيعة تتصل بتقويسة حرف التاء التي أخرجها ثخينة، فمنح هذا الجزء حيوية نتجت عن اختلاف سماكة الحرفين، واتخذت نقطتاه موقعهما فوقه وبشكل متعامد، فحقق بذلك خاصية التكرار الايقاعي مع شكل نقاط حرفي القاف في كلمة (قال)، والتاء في كلمة (تعالى)، وأخرج حرف الألف بترويسة مائلة نحو جهة اليسار، ثم حركة اتجاهية نازلة نحو الأسفل مع ميلان قليل نحو جهة اليمين.
إنَّ خاصيتي الرفع والخفض المكاني تكشف عن قابلية الفنان ومهارته في استغلال المساحة المتاحة للكلمات الكتلة بشكل يمنحها مسحة حيوية، ويحقق بُـعدها الجمالي، وهذا ما دفع بالفنان عباس الى استثمار المساحة الناتجة عن رفع حروف الكاف والتاء والألف من كلمة (كتابه) ليخطَّ تحتها حرفي الباء والهاء من الكلمة نفسها محققاً بذلك تركيباً ثقيلاً، وأخرج حرف الباء إخراجاً فنيّـاً تمثّـل بتقويسة رفيعة ثم تثخن تدريجياً، أمّـا حرف الهاء فأخرجه بتحدّب صغير، فأضفى على منظرهما مسحة حيوية وحركية لطيفة.
أسهم الخفض المكاني لحرفي الباء والهاء من كلمة (كتابه) في توفير مساحة كافية لرفع حرفي الألف واللام من كلمة (الكريم)، فأصبحا قاعدة لهما، وتعامل مع حرفي الألف واللام تعاملاً فنياً فأخرجهما بشكل متصل، ليحقق بذلك خاصية التأليف، وكان حقهما الانفصال عن بعضهما البعض، ومنحهما ترويسة لطيفة مثلثة من الأعلى، ثم تقويسة صغيرة من جهة اليمين مثّـلت شكل حرف الألف، ويلاحظ المتأمل في هذا الجزء من اللوحة عناية الفنان عباس باختياراته لشكل الحروف ومواقعها التي أنتجت توازناً وبُـعداً جمالياً تمثّـل في الامتداد القائم لحرف الألف من كلمة (كتابه)، وتحته تقويسة وتحدّب حرفي الباء والهاء، ويجاوره من الأعلى يساراً تقويسة حرف الألف من كلمة (الكريم) ثم الميلان القليل لحرف الألف من كلمة (الكريم).
واعتمد على خاصية التكرار الشكلي عند خطّـه لحرف الكاف الذي كرر شكله الوارد في كلمة (كتابه)، فأنتج بذلك ايقاعاً شكلياً لافتاً للنظر، وأفاد من قابلية الاختزال التي تتيحها مرونة ومطاوعة الحروف العربية ليد الفنان ورغبته الاخراجية، فاختزل حرف الياء مع الامتداد الأُفـقـي الواصل بين حرفي الكاف والراء، واختار موقع نقطتي حرف الياء تحت هذا الامتداد للدلالة عليه، ومنع الالتباس الذي قد يشعر به المشاهد فيتصوّر أنّ الفنان عباس نسي حرف الياء ولم يخطّـه.
تتجلّـى خبرة الفنان عباس في تعامله مع نقاط حروف هذه الكتلة من حيث إخراجها الشكلي عمودية كانت أم أُفـقـية، ومن حيث موقعها نسبة الى الحروف القريبة منها حيث يلاحظ المُشاهد أنّـه اعتمد على خاصيتي التناسب والتضاد الشكلي فيها، ففي حرف القاف في كلمة (قال) خطّ نقطتيه بشكل متعامد ليتناسب مع حرف الألف ذي الامتداد العمودي، ويتضاد في الوقت نفسه مع حرف القاف ذي الامتداد الأُفـقي، وفي كلمة (تعالى) خطّـهما عموديتين أيضاً ليحقق التناسب مع الامتداد العمودي لحرف اللام في كلمة (قال) الواقع في جهة اليمين، ويتضاد مع حرف التاء ذي الامتداد الأُفـقـي، أمّـا نقطتي حرف التاء المتعامدتين في كلمة (كتابه) فقد وقعت بين حرفي الكاف والألف العموديين فتناسبت معهما، وفي الوقت ذاته تحققت خاصية التضاد مع تقويسة حرف التاء، وهذا ما أضفى على منظرها حيوية أسهمت في تحقيق البُـعد الجمالي لهذا الجزء من اللوحة.
تشتغل المبالغة القصدية في طول بعض الأحرف باتجاه تحقيق هدف أو أكثر، وهذا ما يلاحظه المشاهد في مبالغة الفنان عباس في طول حرف الراء المرسل في كلمة (الكريم) حيث تمثّـل الهدف الأول في اسهامه في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليسار، وتمثّـل الهدف الثاني في احتضان تقويسته لحرف الميم من جهة اليمين، أمّـا الهدف الثالث فتجسّد في اتصاله بحرف الميم المرفوع مكانياً، فحقق بذلك خاصية التأليف، وتحقق الهدف الرابع في خاصية التضاد الحجمي بينهما، كما تحققت خاصية التقابل بين تقويستيهما، وأسهمت تقويسة حرف الميم المطموس العين في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليسار.
في القسم الثالث من الكتلة الخطيّـة الرئيسة خطَّ الآية الكريمة معتمداً على توزيع تكويني لافت للنظر، فجملة (وإذ قال ابراهيم) اختار لها شكلاً أقرب ما يكون الى شكل مثلث غير هندسي لعدم انتظام أضلاعه، وابتدأ بحرف الواو المرسل الذي مـدَّ ارساله بحيث أصبح حاضناً لحرف الألف من كلمة (إذ)، وأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأسفل، امّـا حرف الألف من كلمة (إذ)، فقد تعامل معه تعاملاً فنيّـاً بحيث حقق خاصية التكرار الشكلي الايقاعي في لفظ الجلالة، وبالغ في طوله فأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهتين العليا والسفلى، واتصل من الأسفل بحرف الواو محققاً خاصية التأليف، وأفاد الفنان من تقويسته ليجعله حاضناً لحرف الذال الذي اختار له خفضاً مكانياً، وأخرجه ببداية ثخينة ثم يستمر مساره رفيعاً، فمنحه حركية لطيفة ناتجة عن الاختلاف في ثخانة الحرف نفسه، أمّـا نقطته فقد كرر شكلها المتوازي الأضلاع.
إنَّ خاصية المد في مسار حرف الذال جعل منه قاعدة يرتفع فوقه حرف القاف المنخفض مكانياً، والمطموس العين، أمّـا حرف الألف فقد خطّـه قائماً، واتصلت ترويسته بحرف الألف من كلمة (ابراهيم)، فحقق بذلك خاصية التأليف، وأخرج حرف اللام بحجم أكبر قياساً الى باقي كلمات هذه الكتلة.
أتاح الخفض المكاني لحروف كلمة (قال) مساحة كافية لرفع كلمة (ابراهيم) مكانياً فأصبحت قاعدة لها، وأسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة في أكثر من موضع، وأفاد من خاصية التكرار الشكلي في خطّـه لحرف الألف منها لينتج ايقاعاً شكلياً، وحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الألف من كلمة (قال)، منتجاً بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وبالغ في حجمها وتقويستها لتحتضن باقي حروف الكلمة من جهة اليمين، وأخرج حرف الباء بحجم صغير قياساً الى حجوم باقي حروف الكلمة، واتخذت نقطته موضعها تحته، وكانت على شكل متوازي المستطيلات، فتطابقت شكلياً مع نقطة حرف الذال في كلمة (إذ)، وبالغ في حجم حرف الراء المرسل محققاً خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف اللام من كلمة (قال) ،فأنتج بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية ايهامية، وأخرج حرف الألف معتمداً على رفعه مكانياً، فأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، وبالغ في طوله ليحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الألف من كلمة (قال)، فأنتج بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية، وأخرج حرف الهاء بشكله الوسطي، وعالج الجزء الأُفـقـي منه معالجة فنيّـة تمثّـلت بتحوير امتداده الى شكل قوسي قصير ورفيع، ليتصل بحرف الياء الذي أخرجه مُـحدّباً قليلاً مع ميلان قليل وحركة اتجاهية نازلة، فأحدث بذلك حركة لطيفة لهذين الحرفين، وخطّ نقطيته بشكل متوازي المستطيلات الأُفـقـي، وأخرج حرف الميم مطموس العين، وبالغ في طول تقويسته فأحاطت بالكتلة من جهة اليسار، وأسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة.
سبقت لي الإشارة الى دور الكلمة المحورية في جذب بصر المُشاهد والتي تمثّـلت في هذه اللوحة بكلمة (ربّ)، ولهذا اعتنى الفنان عباس بإخراجها عناية كبيرة، فخطّـها بقلم أكثر سُمكاً من سُمك بقية كلمات اللوحة، فأنتج بذلك حجماً أكبر، وحقق خاصية التضاد الحجمي، وأخرج حرف الراء بشكله المرسل، وعالج حرف الباء بمنحه تقويسة كبيرة بحيث استقرت داخله جملة (وإذ قال ابراهيم)، وخطَّه ببداية ثخينة تنتهي رفيعة وأعلى مكاناً من بدايته، فمنحه حركية لطيفة ناتجة عن اختلاف سُمكه ، ولكي تكتمل عملية التواصل الفاعل مع المُشاهد ولفت انتباهه الى هذه الكلمة عمد الفنان الى التضاد اللوني، فخطّ نقطته باللون الأحمر الذي تشير بعض دلالاته الايجابية الى الحركة والحيوية والقـوّة، كما عمد الى التضاد الشكلي باستغنائه عن التشكيلات التزيينية في هذه الكلمة، وبهذا تكون عناية الفنان عباس قد تحققت على مستويين: البُـعد الجمالي أولاً، والبُـعد الإيماني بتعظيم الله سبحانه وتعالى ثانياً.
استغلّ الفنان عباس خاصية التحريف المكاني لخط حرف الألف من كلمة (اجعل)، فحـرّفه بحيث ينصّف حرف الجيم محققاً خاصيتي التراكب والتقاطع معه، فأنتج بُـعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية وهمية، ومنحه ترويسة لطيفة من جهة اليسار، وبالغ في امتداده ليسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الاعلى والأسفل، وأخرج حرف الجيم بالتفاف صغير ورفيع من الداخل، ثم حركة اتجاهية بخط ثخين نحو جهة يمين الكتلة، ثم حركة اتجاهية قوسية تنتهي باتصالها بحرف العين من الأسفل، فأحدث بذلك حركة حيوية تميّـز التركيب الثقيل لخط جلي الديواني، وخطّ نقطته تحته بشكل متوازي المستطيلات، وتعامل مع حرف العين تعاملاً فنياً معتمداً على التصرف في شكله، فأخرجه على شكل العين الأولية رغم أنّـه حرف وسطي، فضلاً عن رفعه مكانياً فأنتج بذلك بُـعداً جمالياً لافتاً للنظر، وخطَّ حرف اللام بترويسة مثلثة صغيرة أسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الاعلى، أمّـا تقويسته فقد أصبحت قاعدة يرتفع فوقها حرف الهاء من كلمة (هذا)، وتتراكب وتتقاطع نهاية حرف الهاء مع نهاية تقويسة حرف اللام من كلمة (اجعل) محققة بُـعداً ثالثاً وهمياً من جهة، وحركة ضمنية ايهامية من جهة ثانية، وتركيباً ثقيلاً من جهة ثالثة، وعالج حرف الذال معالجة فنيّـة تجسّدت بإخراجه مرسلاً، وبالغ في هذا الارسال بحيث أسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأسفل، واحتضن جزءاً من تقويسة حرف الألف من الكلمة نفسها، وخطّ نقطته تحته بشكل متوازي المستطيلات.
واعتمد على خاصية التكرار بنوعيه الشكلي والحجمي في إخراجه لحرف الألف الوارد في كلمات هذه الكتلة، وأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى والأسفل، فضلاً عن احتضان تقويسته لحرف الباء من كلمة (بلداً)، وأخرج حرف الباء من كلمة (بلداً) بإفادته من خاصية التنصيل، واعتنى بنقطته عناية واضحة تمثّـلت بخطها بحجم أكبر من حجوم النقاط المفردة الأُخرى، محققاً بذلك خاصية التباين الحجمي، وفي الوقت ذاته حقق خاصية التكرار الشكلي لأنه أخرجها بشكل متوازي المستطيلات، ورغم أنّـه وضعها تحت الحرف وهو مكانها الطبيعي لكنّـه اختارها بعيدة قليلاً عن الكتلة، ليحقق خاصية التوازن مع نقطة حرف النون من كلمة (من) الواقعة تحتها.
وأخرج الجزء القائم من حرف اللام في كلمة (بلداً) بشكلٍ عمودي مع ميلان قليل نحو جهة يمين الكتلة، وأسهمت ترويسته المثلثة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، وتعامل مع حرف الدال تعاملاً فنيّـاً حيث تصرّف في شكله بإفادته من خاصية التنصيل فمدّ في ارساله الى خارج الكتلة لتتصل نهايته الرفيعة بالشكل التزييني لحرف الألف من جهة اليمين، محققاً بذلك خاصية التأليف.
في خطّـه لحرف الألف من كلمة (بلداً) اعتمد على خاصية التكرار الشكلي الايقاعي، وأسهمت ترويسته في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى والأسفل، فضلاً عن احتضانه لكلمة (آمناً)، وأخرج حرف الألف من كلمة (آمنا) بتحوير مكانها بحيث تنصّف الامتداد الأُفـقـي لحرف الميم، فتراكب وتقاطع معها محققاً بُـعداً ثالثاً ايهامياً، وحركة ضمنية ايهامية، وبذلك منح هذا الجزء من اللوحة حيوية وحركية، وأخرج حرف الميم المطموس العين بشكل مستطيل ومقعّـر قليلاً من الأعلى، أمّا حرف النون فقد خطّـه بتقويسة لطيفة، وعمد الى خاصية التحوير المكاني في وضع نقطته فوق بداية تقويسته بدلاً من وضعها في وسطه، وخطّ حرف الألف بشكل عمودي مع ميلان خفيف الى جهة اليمين، وأسهمت ترويسته في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى، وبهدف إضفاء حركية وحيوية على هذا الجزء من الكتلة اختار الفنان عباس خطّ حرفي الألف واللام الزائدين بشكل متصل مع بعضهما من الأعلى، ورفعهما فوق الكتلة من الأعلى، فحرف الألف منحه شكلاً مقـوّساً وصغيراً، وأخرج نقطة اتصاله مع حرف اللام بشكل مثلث، ومنح حرف اللام حركة اتجاهية قوسية تراكبت وتقاطعت مع حرف الألف محققة ايهاماً بالبُـعد الثالث، وحركة ضمنية ايهامية، وامتدّ مساره الى خارج الكتلة من جهة اليسار، ويلاحظ المتأمّـل في اشتغال الفنان عباس الإخراجي لهذين الحرفين حرصه على تظهير ثخانة الحرفين ورفعهما محققاً بذلك بُـعداً جمالياً.
في القسم الثالث من الكتلة الخطيّـة الرئيسة تصرّف الفنان عباس بشكل حرف الواو المفرد، فأخرجه أقرب ما يكون الى شكل حرف الفاء المطموس العين، وناوب بين ثخانة الخط ورفعه فمنح مظهره حركية وحيوية، وانتهت تقويسته الرفيعة متصلة بحرف الراء من كلمة (ارزق)، ليحقق بذلك خاصية التأليف وكان حقه الانفصال عنه، واختار التحوير المكاني لحرف الألف من كلمة (وارزق) فقدّمه بحيث نصّف حرف الواو بتراكبه وتقاطعه معه، فأنتج بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، فضلاً عن المبالغة في طوله التي أسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأعلى والأسفل، وعالج حرف الراء معالجة فنيّـة فأخرجه بشكل مرسل، فأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأسفل، أمّـا حرف الزاي فأخرجه بشكله الرحماني محققاً تضاداً حيوياً وتنويعاً لافتاً للنظر مع حرف الراء الذي يُـفترض أن يشابهه شكلاً، وانتهى بنهاية رفيعة متصلة مع حرف القاف من الأسفل محققاً بذلك خاصية التأليف من جهة، وتركيباً ثقيلاً من جهة ثانية، ووضع نقطته التي كانت بشكل متوازي المستطيلات فوقه، واعتمد على الرفع المكاني لحرف القاف بحيث أصبح حرف الزاي قاعدة له ليحقق تركيبه الثقيل، وأفاد من خاصية التكرار في خطّ حرف القاف حيث كرر شكل حرف الواو، فأحدث بذلك تكراراً شكلياً ايقاعياً، لكنّـه خطَّ نقطتيه متصلة بنهاية تقويسته، ومنحها شكلاً لطيفاً تمثّـل بمستطيل مُحدّب من الأعلى، ومقـوّس تقويسة خفيفة من الأسفل.
في خطّـه لحرف الألف من كلمة (أهله) اعتمد على خاصية التكرار الشكلي الايقاعي، وعلى تحريف مكانه فقـدّمه بحيث تراكب وتقاطع مع حرفي القاف والزاي، فأحدث بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية ايهامية من جهة، وحقق خاصية التأليف من جهة ثانية، والتركيب الثقيل من جهة ثالثة، وأفاد من رفع نقطتي حرف القاف ليشغل المساحة الواقعة تحتها بحرف الهاء، أمّـا حرف اللام فقد أخرجه بشكل عمودي مائل قليلاً الى جهة اليمين، فمنح مظهره لطافة خففت من شكله العمودي الصارم، وأسهمت ترويسته المثلثة في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة العليا، وأخرج حرف الهاء بشكل مستطيل مائل الى الأسفل بحيث أسهمت نهايته في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الأسفل.
أتاح الخفض المكاني لحرف الهاء من كلمة (أهله) مساحة كافية ليخطَّ الفنان عباس فيها حرف الميم من كلمة (من) فأصبحت قاعدة لها، وأخرجها على شكل مستطيل مقـوّس تقويسة خفيفة من الأعلى، ثم يمتدّ مسارها بتقويسة أعمق قليلاً تنتهي باتصالها بحرف النون، محققة خاصية التأليف، واستثمر خاصية التنصيل في تعامله مع تقويسة حرف النون، لتنتهي باتصالها بحرف اللام من كلمة (الثمرات) من الأسفل، ويلاحظ المشاهد لهذا الجزء من اللوحة عدم اشغال جزء من الفراغ الواقع فوق تقويستها، فبدا وكأنّـه مساحة استراحة لعين المشاهد، أمّـا الجزء الأخير من تقويسة حرف النون فقد جعل منه قاعدة يرتفع فوقها حرفي الألف واللام من كلمة (الثمرات)، وأخرج حرف الألف بحيث احتضن حرف اللام، وعمد الى تكرار شكله مع الحرف نفسه الوارد في الكلمات الأُخرى في الآية الكريمة، فضلاً عن تراكبه وتقاطعه مع تقويسة حرف النون من كلمة (من) محققاً ايهاماً بالبُـعد الثالث، والحركة الضمنية الايهامية، وتعامل مع حرف اللام تعاملاً فنيّـاً تمثّـل بتكرار شكل ترويسة حرف الألف ولكنه تباين معه حجمياً، ورفع حرف الثاء مكانياً وأخرجه على شكل تقويسة صغيرة، وتعامل مع نقاطه تعاملاً فنياً تمثّـل بشكلها المتوازي المستطيلات، فاثنتان منها متجاورتان، وارتفعت الثالثة فوقهما، فأسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة العليا، وتحققت فيها خاصية التضاد الحجمي لأنّـه خطّـها بحجم أكبر من حجم نقطتي حرف التاء من الكلمة نفسها، واستقر حرف الميم المطموس العين تحت حرف الثاء فأصبح قاعدة له، واتخذ حرف الراء شكله المرسل بحيث أسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة السفلى، وحقق التركيب الثقيل أيضاً.
وأفاد الفنان من خاصية التضاد في إخراجه لحرف الألف حيث خطّـه بترويسة مثلثة أسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة العليا، وأخرج حرف التاء بتقويسة لطيفة أسهمت في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من الجهة اليسرى، وأحدثت البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية بتراكبها وتقاطعها مع حرف الألف، أمّـا النقطتان فقد خطّهما على شكل متوازي المستطيلات المتكرر والمتعامد، وحقق فيهما خاصية التضاد الحجمي لاختلاف حجمهما عن بقية نقاط الآية الكريمة، فأنتج بذلك تنويعاً اخراجياً لطيفاً.
يشغل الايقاع فكر الفنان عند تحضيره لتصميم التكوين فيعمل على تحقيقه حسب رؤيته الشخصية، وفي هذا الجزء من اللوحة اعتمد الفنان عباس على التكرار الشكلي لتحقيق نوع من الايقاع وهو الايقاع الشكلي، فكرر شكل حرفي الألف واللام الزائدين المتصلين مع بعضهما في الجهة العلوية، ورفعهما فوق الكتلة من الأعلى، بحيث حقق خاصية الاتصال مع امتداد حرف الدال المرسل من جهة اليمين، ومنح حرف اللام حركة اتجاهية قوسية تراكبت وتقاطعت مع تقويسة حرف التاء من كلمة (الثمرات) محققة ايهاماً بالبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، وامتدّ مساره الى خارج الكتلة من جهة اليسار، وهنا أيضاً يلاحظ المتأمّـل في الاشتغال الإخراجي لهذين الحرفين حرصه على تظهير ثخانة الحرفين ورفعهما محققاً بذلك تركيباً ثقيلاً أسهم في إظهار البُـعد الجمالي لهذا الجزء من اللوحة.
اهتمَّ الفنان عباس بتجميل وتزويق الكتلة الخطيّـة لهذه اللوحة بالتشكيلات التزيينية (الحلية) التي استعمل فيها قلم الحركات أحياناً، وهو قلم قليل السُمك، وأحياناً اخرجها بالقلم الذي خطَّ به الآية الكريمة نفسها، وهذا ما يدخل في باب التنويع الإخراجي الذي أضفى حيوية جمالية عليها من جهة، فضلاً عن الحركية التي تمتع بها منظرها والتي نتجت عن التباين في أحجامها وثخانتها ورفعها من جهة ثانية، ومنحها تماسكاً وتشابكاً من جهة ثالثة، كما أنّـه وزّعها في الفراغات البينية والمحيطية، وتمثّـلت هذه التشكيلات بالحروف الايضاحية الصغيرة مثل: القاف والميم والهاء والعين، ويلاحظ المُشاهد أنَّـه اعتنى أيضاً بمواضعها حيث لجأ الى تحريف أماكنها، فحرف القاف خطّـه تحت حرف الجيم من كلمة (اجعل)، وحرف الميم خطّـه في جهة اليسار من الكتلة بحيث أسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة، وحرف الهاء خطّـه داخل تقويسة حرف اللام من كلمة (أهله)، وتدقيق النظر في هذا التحريف المكاني يكشف عن قصديته في الاستغلال الأمثل للمساحات المتاحة للخط من جهة، والتنويع الذي يمنح الكتلة مزيداً من الحيوية ويبعدها عن الجمود من جهة مقابلة، أمّـا حرف العين فقد خطّـه تحته، وكذلك حرف الميم بشكله الرحماني، تنفيذاً لأُصول وقواعد الخط العربي التي يعمل بها أغلب الفنانين، والتي تشير الى أنَّ جميع الحروف الايضاحية تُـكتب تحت الحروف عدا حرفي الكاف والهاء فتكتب فوقهما.
أمّـا النوع الثاني من التشكيلات التي اعتمدها الفنان عباس في هذه اللوحة فهو علامات الضمة والسكون والمدّة والتنوين والفاصلة والنقطة والرقم سبعة، وقد وزّعها توزيعاً مدروساً بدقّـة أنتجت توازناً لافتاً للنظر، وبعيداً عن العشوائية والتزاحم المكاني.
إنَّ إنجاز لوحة فنية مهما كان نوعها يمثّـل عملية ممنهجة تبدأ بفكرة تتطوّر الى أن تكتمل وتتجسد مادياً، واللوحة الخطيّـة كذلك حيث يعتني الفنان بالكلمات المخطوطة وخلفيتها وخامتها أيضاً بوصفها عنصراً تكوينياً تستقر عليه هذه الكلمات، وكانت خامة هذه اللوحة قطعة من الجلد الحيواني الطبيعي المدبوغ وغير المنتظم، ولكي يحقق هدفه في إبراز الكتلة الخطيّـة حدد حافات القطعة باللون البني المتداخل والمتدرج بين درجتيه الفاتحة والغامقة، ليصبح إطاراً لها، فضلاً عن لمسات وزعها على مساحة الخلفية لإضفاء المزيد من الحيوية عليها، أمّـا الجهة الثانية من قطعة الجلد فكانت مكسوّة بالوبر الطبيعي الذي استثمره الفنان ليكون حاشية محيطة بجوانب هذه القطعة، وكان لونها الأبيض مشوباً باللون الرمادي، وهو من الألوان المحايدة والهادئة فلم تطغَ على الكتلة الخطيّـة، بل أضفت عليه مسحة حيوية لطيفة.
14/10/2022م
لوحة (حسبنا الله)
تاريخ الإنجاز: 1433ه/ 2011م
الدفُّ آلة ايقاعية اخترعها الإنسان منذ القدم، وأصبحت من الآلات الأساسية التي يستخدمها في فنونه الشعبية، واستعملها العرب المسلمون أيضاً في حلقات الذكر والمواكب الصوفية والمناسبات الدينية، ويُـصنع الدفُّ من إطار خشبي دائري وجلد حيواني رقيق ومدبوغ، ويبدو لي انَّ الفنان عباس عندما قرر هذا الاختيار لم يكن هدفه التنويع في الخامات فـقـط، بل كان هدفه دلالياً أيضاً وذلك لارتباط الدفّ بالإيقاع الموسيقي، والايقاع عنصر من عناصر اللغة الموسيقية، تكمن وظيفته في ضبط اللحن الموسيقي الذي اخترعه الإنسان _ كما أشار الباحثون في هذا المجال_ تقليداً للإيقاع الموجود في الطبيعة، مثل أصوات الرياح وخرير الماء وهدير البحر وأصوات الإنسان والحيوان، وكذلك صوت التنفس وخفـقـان القلب، وكلّها ظواهر طبيعية تعـلن عن حضورها من خلال الإيقاع الموسيقي، وبما أنَّ النص يشكّـل حافزاً للفنان لإنجاز اللوحة الخطية فإنَّ دلالته هي التي تساعده على تحديد الخامة ونوعية الخط والتكوين، وتشير دلالة هذا الجزء من هذه الآية القـرآنية الكريمة الى أنَّ الله كافينا في جميع أمورنا، والإيمان بهذه الدلالة تصوّف وتسليم وتفـويض من الإنسان لله سبحانه وتعالى في أمور حياته جميعاً.
إنَّ الكتابة الخطية تؤدي وظيفتها التدوينية بشكل عام لكنَّ تجويدها ومراعاة قواعد الخطوط العربية ينقلها الى واقـع فني تشكيلي يعـتمد على التكوين أولاً، ولهذا أنشأ الفنان تكوين هذه اللوحة معتمداً على العناصر التالية:
1/ الكتلة الرئيسة (الخطيّـة) المتمثلة بجزء من الآية القرآنية الكريمة من سورة آل عمران والمرقومة (173) والتي تنصُّ على (حسبنا الله ونعم الوكيل).
2/ الكتلة الثانوية: وهي التشكيلات التزيينية (الحلية).
3/ أرضية اللوحة.
يتيح اعتماد الفنان على خط جلي الثلث فرصة لاستخدام التركيب الثقيل، وفي هذه اللوحة اتخذ الفنان عباس من كلمة (حسبنا) وهي مفتاح الدخول الى الآية الكريمة، قاعدة لباقي كلمات النص التي اتخذت مساراً تصاعدياً متسلسلاً الى الأعلى، وهو مسار يحيل دلالياً أيضاً الى حقيقة واقعية تشير الى أنَّ الدعاء حين يمارسه الإنسان الأرضي يصعدُ الى الله سبحانه وتعالى، وهذا توافق لافت يربط بين المكانين الأرضي والسماوي.
وابتدأ بحرف الحاء الذي أخرجه حسب أُصول خط جلي الثلث، وأسهم في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليمين، وأخرج حرف السين بأسنان قصيرة نسبياً، أما حرف الباء فقط خطّـه ببداية طويلة قليلاً ومائلة نحو جهة يسار الكتلة.
ويلاحظ أنَّه أفـرد مكاناً للفظ الجلالة (الله) عزَّ وجلَّ تعظيماً له فلم ترتفع فوقه كلمة أُخرى، وأخرج حرف الألف قائماً ومرشوقاً، ومنحه طولاً مبالغاً فيه، وترويسة بعرض القلم واقعة في جهة يمين الكتلة، وهو أحد أشكاله في خط جلي الثلث، هذا فضلاً عن اعتماده على خاصية التحريف المكاني، فأخرجه بحيث ينصّف تقويسة حرف اللام الثاني من لفظ الجلالة، فأحدث بذلك خاصيتي التراكب والتقاطع منتجاً ايهاماً بالبعد الثالث، والحركة الضمنية الوهمية، فيما أخرج بقية حروف لفظ الجلالة بحجم أصغر نسبياً قياساً الى حرف الألف، وخطّ حرف اللام المكرر حسب قواعد هذا الخط، فالأول أخرجه بترويسة بعرض القلم، والثاني خطّه بترويسة مثلثة، وأسهم حرف اللام الأول في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليمين، أمّـا حرف الهاء فأخرجه حسب قواعد خط جلي الثلث من حيث الشكل، واتصلت نهايته بحرف الواو فحقق خاصية التأليف من جهة، وأحالَ هذا الاتصال شكلاً على الاتصال دلالة لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو نِـعـمَ الوكيل، وأخرج حرف الواو مُـخـرّق العين ومرسل حسب قواعد خط جلي الثلث، وأفاد من امتداده ليحيط بكلمة (نِعـمَ) التي تليه، ومنحه توفية كاملة من حيث الشكل.
وتعامل مع كلمة (نِـعـمَ) تعاملاً فنيّـاً أيضاً حيث خطّـها بشكل مائلٍ الى الأسفل، وأخرج حرف النون إخراجاً فنيّـاً تمثّـل بمنحه موقعاً قريباً من امتداد حرف الواو، واتخذت نقطته موقعها فوقه، وكانت بشكل متوازي المستطيلات، وهو شكلها في خط جلي الثلث، وخـطَّ حرف العين بشكله الوسطي، أمّـا حرف الميم فقد أخرجه بشكله المجموع، وأحدث خاصيتي التراكب والتقاطع مع حرف الألف في نقطتين، فأنتج بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية، وأسهمت تقويسته في تحقيق الإغلاق الوهمي لجزء من شكل الكتلة من جهة اليسار، واختار الفنان عباس موقعة كلمة (الوكيل) في أعلى الكتلة، وبحجم أكبر من حجم بقية كلمات الكتلة، فتحقـقت خاصية التباين الحجمي والمكاني، ويبدو أنَّ هذا الاختيار كان قصدياً وذلك لما تمتلكه هذه الكلمة من قيمة دلالية.
يتمتع حرف الألف بخاصية الامتداد الرأسي المرشوق، فيوحي دلالياً بالعظمة والشموخ ولهذا اهتـمَّ الخطاط العربي بإخراجه، وهذا ما يلاحظه المُشاهد في حرف الألف الذي أخرجه الفنان عباس بحيث يتوازى مع حرف الألف في لفظ الجلالة الواقع في يمينه، والجزء القائم من حرف اللام في الكلمة ذاتها والواقع في يساره، وتوازى أيضاً مع الجزء القائم من حرف اللام في كلمة (الوكيل)، وحرف الألف في كلمة (حسبنا)، وبهذا تجسّدت خاصية التكرار الرأسي، وكذلك الايقاع الذي تحقـق من خلال التباين بين الامتدادين الرأسي والافقي للحروف، وهنا سيلاحظ المُشاهد أنَّ هذه الحروف كان لها دورها الفاعل في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة الدائري.
ومن جماليات هذه اللوحة أنَّ الفنان عباس اختار خطّ النقطة بأشكال عـدة، فنقطة حرف الباء في كلمة (حسبنا) أخرجها بقلم أعرض سُمكاً من القلم الذي خطّ به نقاط الحروف في هذه الكتلة، فأصبحت أكبر حجماً، وهذا التباين الحجمي أنتج ايقاعاً جميلاً، واعتماداً على خاصية التنويع الإخراجي للنقاط اختار لها الشكل المربع، في حين اختار الشكل الدائري الصغير لنقطة حرف النون في الكلمة ذاتها، أمَّـا نقاط حروف النون في كلمة (نعم) والياء في كلمة (الوكيل) فقد أخرجها بشكل متوازي المستطيلات، فضلاً عن عنايته بتحريف مواقع نقاط الحروف، فأضفى عليها ثراءً جمالياً من جهة، ولعب هذا التنويع الإخراجي دوراً كبيراً في منحها حيوية لافتة لنظر مُشاهدها من جهة مقابلة، كما اختار تلوين نقطة الباء في كلمة (حسبنا) باللون الأحمر الذي يشير في بعض دلالاته الايجابية الى الحياة والطاقة والحيوية والنشاط، فضلاً عن تضاده مع اللون الأسود الذي خطَّ به باقي كلمات هذه الكتلة، أمّـا موقعها المنفرد في القسم الأسفل من الكتلة فقد أسهم في الايحاء للناظر إليها بأنّـها نقطة ارتكاز ترتفع فوقه باقي الكلمات.
إنَّ التشكيلات التزيينية التي خطّـها الفنان عباس تمثلت بالحروف الايضاحية الصغيرة وهي السين والحاء والهاء، والحركات مثل الفتحة والضمة والكسرة، وكذلك السكون، والضوابط مثل المدّة والوصل والقطع والشدّة كان لها دورها الفاعل في اشغال الفراغات البينية والمحيطية للكتلة، وأسهم بعضها في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة، كما أنَّ خاصية التباين التي حققتها هذه التشكيلات التي أخرجها بقلم أقل سُمكاً من القلم الذي أخرج به هذه الكتلة، أنتج توازناً متناغماً من حيث التكوين والحجم، فضلاً عن انتاجه ايقاعاً حركياً أيضاً.
تُـمثّـل أرضية اللوحة العنصر التكويني الثالث، وبما أنَّ الدف دائري الشكل فالكتلة اتخذت تكويناً دائرياً أيضاً، حيث اعتمد الفنان عباس على خاصية التجانس الشكلي في إخراجها، والدائرة رمز للعناية الإلهية التي تحيط بالنفس الإنسانية المتوكلة على الله تصوّفاً، ولكنّـه لم يمنح هذا الشكل الدائري محيطاً يحتجزه داخله بل جعله غير منظور مكتفياً بمحيط دائرة الدف، فمنح اللوحة مساحة فراغ بين حدود الكتلة اللامرئية ودائرة الدف المرئية، وهنا لا بد للمشاهد من توجيه السؤال التالي:
لماذا ترك الفنان فراغاً حول هذه الكتلة الخطيّـة؟
يبدو لي أنَّ خط جلي الثلث الذي خطَّ به الفنان لوحته هذه وما يتيحه من تشكيلات تزيينية كثيرة ومتنوعة كافية لإشغـال هذه الفراغات، فإن شغلَ هذا الفراغ أيضاً سينتج عنه تزاحماً في هذه المساحة، وربَّـما أدّى ذلك الى إرباك نظر المتلقي بدلاً من أن يشعره بمتعة المشاهدة، لأنَّ التكوين الدائري يُـعـدُّ من التكوينات الثقيلة على عكس التكوين الذي يعتمد على السطر التتابعي الذي يُـعـدُّ من التكوينات الخفيفة.
2022م
لوحة (وقل اعملوا)
تاريخ الانجاز: 1433ه/ 2011م
نشأ البناء العام لهذه اللوحة على العناصر التكوينية التالية:
1/ الكتلة الرئيسة: وهي الكتلة الخطيّـة.
2/ الكتلة الثانوية: تشمل التشكيلات التزيينية.
3/ أرضية اللوحة.
اعتمد الفنان عباس على تكوين حرّ لتنفيذ الكتلة الرئيسة الخطيّـة لهذه اللوحة التي خطَّ فيها جزءاً من الآية القرآنية الكريمة من سورة التوبة المرقومة (105)، والتي تنصُّ على (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) بخط جلي الثلث على خامة من الجلد الحيواني الطبيعي المدبوغ، واستخدام أكثر من قصبة مختلفة السُمك لينتج أحجاماً مختلفة، فضلاً عن اختياره لأكثر من نوع من أنواع الخطوط العربية، وطريقة إخراجها بحيث يبدأ تسلسلها من الأسفل الى الأعلى، وهذا من خصائص التركيب الثقيل لخط جلي الثلث، ويبدو أنَّ الدلالة هي ما دفع بالفنان عباس الى هذا الاختيار، فجملة (قُـل اعملوا) تمثّـل أمراً صريحاً للرسول (صلى الله عليه وسلّـم) لتوجيه المسلمين الى العمل، أي أنَّ العمل أولاً ثم رؤيته وتقديره من قِبل الله سبحانه وتعالى والمؤمنين ثانياً، فخطّـها الفنان في أسفل اللوحة لتصبح قاعدة تُـبنى عليها بقية كلمات الآية الكريمة، كما يُـبنى العمل الإنساني على التوجيه، وبذلك تحققت خاصية التطابق بين شكل الكتلة الخطيّـة ودلالتها فأكسبها بُعداً دلالياً وجمالياً.
ابتدأت الكتلة بكلمة (وقل) حيث خطَّ حرف الواو مفيداً من خاصية الرفع المكاني التي يتيحها خط جلي الثلث، فأصبح حرف القاف قاعدة له، ونفـّذه بطريقة التخريق أي المفـرّغ العين ومرسل بحيث ينتهي بالتشظية، ويتراكب ويتقاطع مع الجزء القائم من حرف اللام من كلمة (قُـل) أولاً، ثم مع حرف الألف من كلمة (اعملوا) فأحدث بذلك بعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية ايهامية.
وأخرج ترويسة حرف القاف بالأسلوب ذاته الذي أخرج به ترويسة حرف الواو، فحقق خاصية التكرار وهي واحدة من الأساسيات البنائية لتكوين الكتلة، والتي تعمل على تقوية البناء وترصينه، واستغلّ مساحة الفراغ البيني المتشكِّـل من ارسال حرف الواو وامتداد الجزء القائم من حرف اللام من كلمة (قل)، فشغله بنقطتي حرف القاف، وتصرّف في إخراجهما تصرفاً فنياً حيث اختار لهما الشكل الدائري مع أنَّ الأصل في شكل نقطة خط جلي الثلث هو متوازي المستطيلات، فضلاً عن إخراجه لهما بشكل متعامد أي الواحدة فوق الأُخرى، والأصل في شكليهما في خط جلي الثلث هو التجاور الأُفـقـي، وهذا التصرّف يدخل في باب التنويع الشكليّ من جهة، ولإضفاء صفتي الجمال والحيوية عليهما من جهة مقابلة.
يمثّـل شكل حرف الألف والجزء القائم من بعض الحروف مثل اللام وما يشابهها، دعامة أساساً في بنية التكوين الخطّـي للكتلة الخطيّـة لأنّـه يتماثل مع الأعمدة التي تُـقام عليها المباني في الواقع العياني، فيمنح الرؤية البصرية لهذه الكتلة إحساساً بالرفعة والفخامة، وفي الوقت ذاته بالتماسك الرصين، والتأمل الدقيق في هذا الاختيار يشير الى أنّ هذه الحروف العمودية ليست على بُـعد واحد من بعضها البعض بل بُـعد متدرِّج من حيث المساحة، وهذا ما أضفى عليها قيمة فنية، وبُـعداً جمالياً، ولهذا أخرج الفنان عباس الجزء القائم من حرف اللام في كلمة (قل) بشكل مبالغ في طوله، فضلاً عن اعتماده على خاصية التكرار الشكلي عند خطّـه لحرف الألف أيضاً، ومنحه ترويسة مثلثة من الأعلى، وعالج تقويسته فنياً بمدّها لتنتهي نهاية دقيقة ورفيعة ومتصلة بامتداد حرف الميم من الأسفل ليحقق خاصية التأليف من جهة، والتركيب الثقيل لهذا الخط الذي أنتج بعداً ثالثاً وهمياً وحركة ضمنية وهمية من جهة ثانية.
يلعب الاختيار المكاني للحروف دوراً كبيراً في منحها بُـعداً جمالياً لأنَّ الفنان يحكِّـم خبرته الإخراجية في التنفيذ، ولهذا اشتغل الفنان عباس باتجاه استغلال تنصيل حرف اللام، ليصبح قاعدة تحتضن جزءاً من حرف الواو وحروف الألف والعين والميم من كلمة (اعملوا)، وبذلك تحققت خاصية التركيب الثقيل، وأفاد من خاصية التحريف المكاني لحرف الألف في كلمة (اعملوا)، وهو الحرف الاول فيها فخطّـه بحيث ينصّف رأس حرف العين الصادي، وأنتجت عملية التنصيف هذه تراكباً وتقاطعاً محققة البُـعد الثالث الوهمي، وأحدثت حركة ضمنية وهمية لأنَّ حرف العين وقع أمام حرف الألف، أمّـا حرف الميم فأخرجه بشكل الوسطي المتصل، وحركته الاتجاهية الى جهة يمين الكتلة والمائلة الى الأسفل قليلاً، وخطّ حرف اللام بتكرار ترويسته المثلثة ذاتها في كلمة (قل)، وعالج حرف الواو معالجة فنية تمثّـلت بخطّه بشكلٍ مجموع، وينتهي نهاية دقيقة ورفيعة ليتصل بشكل الفاصلة من الأسفل، فحقق بذلك خاصية التكرار التي تعتمد على استثمار الحروف المتشابهة شكلاً لتسهم في جذب نظر المشاهد إليها وذلك لقيمتها الفنية العالية، وأسهم هذا الحرف في تحقيق الاغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الجهتين السفلى واليسرى.
إنَّ خاصيتي الرفع والخفض المكاني للكلمات تلعب دوراً كبيراً في تحقيق التركيب الثقيل لخطوط الجلي على اختلاف أنواعها، فضلاً عن اسهامها في إثراء الرؤية البصرية للمشاهد، وبالتالي تنمّـي ذائقته الخطية لأنَّ الفنان حين يعتمد عليهما لا يقصد إرباك نظر المشاهد وهو يلاحق حروف الكلمة، بل يتقصد امتاعه بمتابعة حركتها على أرضية اللوحة، لأنّـه ينفِّذهما بشكل مدروس بعناية وبعيد عن العشوائية، وهذا ما يلاحظه المشاهد متجسداً في تغيير التسلسل الخطي للآية الكريمة حيث خطَّ لفظ الجلالة في أعلى الكتلة، وكلمة (فسيرى) تحتها، ثم الكلمات(عملكم ورسوله والمؤمنون) تحتها، فلفظ الجلالة نال عناية بالغة من الفنان عباس تقديساً له، وتجلّـت هذه العناية في خطّـه بالحبر الأحمر تمييزاً له عن باقي كلمات الكتلة التي خطّـها بالحبر الأسود، والحبر الأسود يُـكسِب مظهر الكتلة الخطيّـة فخامة، إلا انّ الحبر الأحمر يضفي عليها حيوية وروحانية جاذبة للنظر، كما تجلّـت هذه العناية بإخراجه بحجم يختلف عن حجوم بقية الكلمات، فضلاً عن استخدامه لخط الثلث في هذا اللفظ فقط، وهذا ما يدخل في باب التنويع الاثرائي لشكل الكتلة أيضاً.
يشكِّل الامتداد الطولي المبالغ به لحرف الألف مصدراً لشعور المشاهد بالقوّة والرشاقة فينجذب إليه بصرياً، وهذا ما قصده الفنان عباس عند خطّه له في لفظ الجلالة، فضلاً عن التحوير في مكانه فأخرجه بحيث ينصّف حرف اللام الثاني فيه، فيتراكب ويتقاطع معه ومع حرف السين من كلمة (فسيرى) وأيضاً مع حرفي الراء والسين من كلمة (رسوله)، وهذا ما أنتج البُـعد الثالث الوهمي لوقوعه أمام هذه الحروف التي أصبحت خلفه، كما تلفت نظر المشاهد أيضاً ترويسته المثلثة اللطيفة، ونهايته الدقيقة الرفيعة المائلة الى اليسار قليلاً من الأسفل، والتي أضفت على شكله حيوية، وأحدثت ايهاماً بالبعد الثالث وبالحركة الضمنية الوهمية، وحققت التركيب الثقيل.
وفي تعامله الفني مع حرف اللام المتكرر في لفظ الجلالة عمد الى التنويع في ترويسته، فمنح حرف اللام الأول ترويسة بنقطة بعرض القلم، والثاني خطّـه بترويسة مثلثة وميلان قليل الى جهة يمين الكتلة، أمّا حرف الهاء فأخرجه بشكل المدغم الذي يمتاز بالانحناء اللطيف المتكرر.
يلفت استخدام أكثر من نوع من الخطوط العربية في اللوحة الواحدة نظر مشاهدها لأنّـه يمنحه انطباعاً عن خبرة الفنان التي يستعين بها في التنفيذ، مفيداً من صفة المطاوعة التي تمتاز بها هذه الحروف، ولهذا ارتأى الفنان عباس خطَّ كلمة (فسيرى) بخط جلي الديواني، فأخرج حرف الفاء مطموس العين، واعتمد على خاصية التنصيل، فمدَّ تقويسة حرف الفاء المطموسة العين لتصبح قاعدة تحتضن لفظ الجلالة، ويبدو أنَّ الدلالة كان لها الأثر البالغ في هذا الإخراج لأنَّ (رؤية) العمل الإنساني ستكون من قِبل الله سبحانه وتعالى أولاً، أمّـا نقطتها فقد اختار لها الشكل الأصلي لخط جلي الديواني وهو متوازي المستطيلات، فحقق بذلك خاصية التضاد مع شكلها الدائري الذي اختاره لنقطتي حرف القاف في كلمة (قل)، واعتمد على الرفع المكاني لحرف الياء فأضفى حركية عليها، وأجرى عملية تحوير لشكل نقطتيه فأخرجهما متعامدتين مع ميلان قليل نحو جهة يمين الكتلة، والأصل في شكلهما هو التجاور الأُفـقـي فمنح منظرهما حيوية وحقق بُـعداً جمالياً.
وفي إخراجه الفني لحرف الراء مدَّ في ارساله ليتصل مع بداية حرف النون، فأنتج خاصية التأليف من جهة، وحركة ضمنية وهمية من جهة ثانية، واتخذ هذا الحرف قاعدة يرتفع فوقها حرف الألف المقصورة الذي عالجه الفنان فنياً بخطّـه بشكل حرف الياء المجموع.
يلاحظ المتأمّـل في الكلمات (عملكم ورسوله والمؤمنون) اشتغال الفنان عباس باتجاه إخراجها بشكلٍ قوسيّ ينسجم مع تقويسة حرف الفاء من كلمة (فسيرى)، وتستند على حروف الألف واللام المتكررة فبدت وكأنها تحملها، وهذا بالتالي ما منحها قوة وصلابة وجمالاً، واتبع فيها تسلسل الآية الكريمة ذاتها، فضلاً عن اعتماده على خط جلي الثلث، وبالقصبة ذاتها التي خطَّ بها كلمة (فسيرى) فحقق خاصية التناسب الحجمي بينهما.
في تعامل الفنان مع حرف العين من كلمة (عملكم) اعتمد على خاصية التباين، حيث أخرجه بتقويسات قليلة ليختلف شكلاً عنه في كلمة (اعملوا)، وكذلك حرف الميم الذي خطّـه على شكل مربّـع، وأفاد من خاصية التكرار في خط الجزء القائم من حرف اللام الذي يتشابه شكلاً مع ما سبقه، ومنح الامتداد الأُفـقـي لحرف الكاف شكلاً تزيينياً يعتمد على التقويس والالتفاف، فأضفى بذلك حركية ورشاقة عليه، أمّـا حرف الميم فقد خطّـه بزلف دقيق ورشيق وحركة اتجاهية قوسية تبدأ من جهة اليمين الى جهة اليسار ثم نزول الى الأسفل باتجاه اليمين، لينتهي متصلاً بتقويس تشكيلة تزيينية، كما أنّـه تراكب وتقاطع مع حرف الألف من كلمة (اعملوا) فحقق البُـعد الثالث الوهمي من جهة، ومنح هذا الجزء من الكتلة حركة ضمنية وهمية من جهة ثانية.
في إخراجه الفني لكلمة (ورسوله) اختار شكل حرف الواو المجموع المفرد، ورفع نهاية تقويسته مكانياً لتتصل ببداية حرف الراء محققاً بذلك خاصية التأليف، وبالغ في طول حرف الراء المرسل ليصبح قاعدة يرتفع فوقها جزء من حرفي السين والواو، فأنتج حركة ضمنية وهمية، واعتمد على خاصية الرفع المكاني لحرف السين الذي ارتفعت أسنانه فوق حرف الواو، وأفاد من خاصية التكرار في تنفيذه لحرف الواو الثاني الذي تراكب وتقاطع مع الجزء المنحني من حرف اللام، فحقق بذلك بُـعداً ثالثاً وهمياً، وحركة ضمنية وهمية.
إنَّ التنويع الاخراجي للحروف المتشابهة يمنح منظرها جمالاً وقيمة فنية، ولهذا عمد الفنان عباس الى خطِّ حرف الهاء المدغم بتقويسة أقل حجماً من تقويستها في لفظ الجلالة، وحقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية من خلال تراكب وتقاطع نهاية هذا الحرف مع حرف الواو من كلمة (والمؤمنون)، هذا فضلاً عن اتخاذه قاعدة يرتفع عليها حرف الواو الذي أخرجه مطموس العين، واتخذ منه أيضاً قاعدة ترتفع عليها حروف الألف والميم والواو من كلمة (مؤمنون)، فحرف الألف أخرجه متصلاً مع حرف اللام وكان حقّـه الانفصال عنه، فحقق بذلك خاصية التأليف، وحرف الميم اتخذ شكل المربع مطموس العين، فتحققت خاصية التكرار لشكله في كلمة (عملكم)، فضلاً عن تحققها في حرف الواو المجموع في كلمة (المؤمنون)، وتحققت أيضاً خاصيتي التراكب والتقاطع بين حرفي الواو والنون وذلك ما أوجدَ البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية من جهة، وتركيباً ثقيلاً من جهة ثانية، وأضفى حيوية عليها من جهة ثالثة.
تُـعدّ التشكيلات التزيينية عنصراً ثانوياً من عناصر التكوين، وتختلف حجماً عن الكتلة الخطيّـة لأنَّ الفنان يخطّـها بقلم الحركات، وهو قلم أقل سُمكاً من القلم أو الأقلام التي يخطّ بها كلمات الكتلة، ولهذا تكون أصغر حجماً، وفي هذه اللوحة اعتمد الفنان عباس على الحلية التي تشمل على الحركات الإعرابية والسكون وعلامة الفاصلة والألف الخنجرية، والحروف الايضاحية الصغيرة، وتؤدي عدة وظائف تتمثل في إشغال الفراغات البينية والمحيطية، وتزيين الكتلة وتجميلها، ومنح مشهديتها تراصاً وانسجاماً فيشعر المشاهد بلطفها وأناقتها وكمالها، ولهذا يبتعد الفنانون عن تحشيد لوحاتهم بتزيينات كثيرة تربك مظهرها ونظر مشاهد معاً، من هنا كان تعامل الفنان عباس تعاملاً واعياً حيث اعتمد على القليل منها في هذه الكتلة عدا الجزء الذي خطَّ فيه الكلمات (عملكم ورسوله والمؤمنون) حيث يكشف تأملها عن كثرة هذه الأشكال، ويبدو أنّ هذه الكثرة مرتبطة بدلالة كلمة (عمل) التي تعني الانشغال والحركة المنتجة، وتقابلها الرؤية من قِبل الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم والمؤمنين وهم كُـثر.
أمّـا خلفية اللوحة فكان لونها هو لون الجلد الطبيعي (البيج)، ولكنَّ التأثيرات الطبيعية التي طرأت عليه أظهرت هذا اللون متدرِّجاً عدّة درجات.
8/8/2022م
لوحة (اللهم عافني)
حجم اللوحة: 70/50 سم
تاريخ الانجاز: 1431ه / 2011م
دأب الخطاطون العرب والمسلمون على التجويد والتطوير والتزويق في انتاجهم للوحات الخطيّـة، ولم تقتصر جهودهم على الخطوط بأنواعها وإنّـما شملت عنايتهم تكوينها أيضاً، وعلى خطاهم سار الفنانون ومنهم عباس الطائي من حيث عنايته بتفاصيل لوحاته، ومنها لوحته هذه، وسأُشير الى أمثلة هذه العناية في ثنايا هذه المقالة.
اشتملت بنية التكوين في هذه اللوحة على العناصر التالية:
1/ (3) كتل رئيسة (خطيّـة).
2/ الكتلة ثانوية التي تمثّـلت بالزخرفة.
3/ أرضية اللوحة.
في الكتلة الأُولى خطَّ الفنان عباس جزءاً من حديث نبوي شريف يتضمّـن معنى الدعاء أو الذكر، وينصّ على (اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري)، بالخط الكوفي النيسابوري الذي تصرّف فيه بشكل الأحرف ليزيده جمالاً ورونقاً، وهذا ما يلاحظه المتأمّـل في كلمة (اللهم) التي أخرجها بحجم مبالغ به، محققاً خاصية التضاد الحجمي بينها وبين أحجام الكلمات الأُخرى في اللوحة، ويبدو أنَّ التعظيم لله سبحانه وتعالى هو الذي دفع الفنان الى جعل هذه الكلمة هي الكلمة المحورية، فضلاً عن أنَّ المغايرة الشكلية والحجمية بينهما تُظهِر التضاد في المساحة التي تشغلها كل منها، وهذا بالتالي ما يُنتج تنوّعاً وحركة تثير انتباه المُشاهد إليها، وتحقق البُعـد الجمالي أيضاً.
في تعامله الفني مع حروف الألف واللام المكررة أخرجها بحيث تكون فيها غلظة أو ثخانة، وذلك من خلال خطّه لحدودها الخارجية بالقلم، ثم لجأ الى تحشيتها بالفرشاة وصبغة الأموشن، فضلاً عن منحها شكل غصن وترويسة بشكل ورقة نباتية من الأعلى، واعتمد على خاصية التكرار الشكلي فيها، كما اعتمد على خاصية التباين الحجمي التدريجي أيضاً حيث يقلّ حجم كل منها عن سابقتها.
وأفاد من امكانات الخط العربي من حيث خاصيتي المرونة والمطاوعة ليمنحها حركية ضمنية لافتة للنظر، وهذا ما يتجـلّى في اتجاه ترويساتها الورقية الى يسار اللوحة، ثم تأخذ حركة اتجاهية مائلة الى اليمين قليلاً، ثم حركة اتجاهية نازلة ومائلة الى جهة اليسار، ومنح حرف الألف منها امتداداً أفـقـياً مائلاً الى جهة اليمين من الأسفل، وهو أحد أشكال حرف الألف المفرد في الخط الكوفي النيسابوري، أمّـا حرفي الهاء والياء من الكلمة نفسها فقد خطّـهما على شكل ورقتين نباتيتين فقط، وعمد الى عدم طمسهما بوضع نقطتين صغيرتين متعامدتين في وسط حرف الهاء، ونقطة واحدة في حرف الميم فأحدثَ بذلك تمييزاً بينهما.
تُـعدّ الألوان عنصراً أساساً من عناصر التكوين الفني للوحة، وترتبط بالأشكال ارتباطاً وثيقاً لأنَّ الشكل يُدرَك عن طريقها، ولكل لون دلالة رمزية تعبِّـر عن فكرة ما، فاللون الأخضر من الألوان الباردة، ويرمز الى الحياة والتجدد لارتباطه بالطبيعة، ولهذا يوحي لمُشاهده بالهدوء والسكينة والاستقرار، أمّـا اللون البيج فهو من الألوان الحيادية، ويرمز الى التوازن والروحانية والاسترخاء والصفاء الفكري والنفسي، ويوحي لمُشاهده بالقيمة والرقي، ويثير متعته الجمالية لما يحمله من طاقة تعبيرية وبعد جمالي، والدعاء هو حالة روحانية خالصة يشعـر فيها الإنسان بالهدوء والسكينة والاستقرار والصفاء الذهني والنفسي، ولهذه الدلالات مجتمعة اختار الفنان عباس هذين اللونين المتوافقين قصدياً لتلوين كلمة (اللهم).
تؤدي ظلال الأشكال التكوينية للّوحة الى إبراز شكلها الأصلي وتمنحه قيمة عالية بوصفه منطقة مضيئة، وذلك لأنّ خاصية التباين ستتحقق بينهما، وتشتغل باتجاه إثارة شعور المُشاهد بالحركة الضمنية الوهمية الكامنة، وستكشف أيضاً عن البُعد الثالث الوهمي لأنَّ الظلال تقع خلف الأشكال الأصلية، وهنا يلاحظ المُشاهد عناية الفنان عباس بمناطق الظلال حيث اعتمد على تعدد مصادر الإضاءة، فـظلال حروف الألف المكررة تكوّنت نتيجة مصدر ضوئي جانبي، وهذا ما أدّى الى نشأة الظلال في الجهة اليسرى الخلفية للأصل، أمّـا الجزء الأُفـقـي من حرف الألف وحرفي الهاء والميم فقد كان مصدر الإضاءة قادماً من الأمام مباشرة، فوقعت ظلالها خلفها، وهذا ما منح هذا الجزء من اللوحة غنى وثراءً حركياً وايقاعياً.
استغلّ الفنان عباس المساحة المتاحة من الجهة اليسرى للّوحة لخطِّ الكتلة الثانية المتضمنة لبقية كلمات الدعاء، معتمداً على تكوين خفيف قائم على الأسطر المتوالية أُفـقـياً، والمنتظمة في الاتجاه الأُفـقـي من اليمين الى اليسار، والمفردة التي لا تتراكب ولا تتقاطع حروفها مع بعضها البعض، وعلى سبيل التنويع الخطيّ اختار خطّـه بالكوفي القديم، محققاً بذلك خاصية التضاد التي تجلّت في نوعية الخط، وفي اختلاف المساحة التي يشغلها عن مساحة كلمة (اللهم) وعن الكتل الخطيّـة الأُخرى، وعن الكتلة الزخرفية أيضاً، فضلاً عن التضاد الحجمي الذي نتج عن استعماله للقصبة، فأنتج بذلك حجماً أصغر للكلمات.
في تعامله الفني مع كلمة (عافني) خطّـ حرف العين منها ببداية قوسية قصيرة وامتداد أُفـقـي طويل نسبياً، وحرف الألف أخرجه قائماً ومروّساً بترويسة مثلثة، أمّـا حرف الفاء فأخرجه بترويسة مثلثة ويغلب على شكله الطابع الهندسي وكذلك حرف النون، وعالج حرف الياء على شكل الياء الراجعة المبالغ في طولها بحيث أصبح امتدادها الأُفـقـي قاعدة لبقية حروف الكلمة، وأفاد من تكرار كلمتي (عافني، في) في الدعاء(3) مرات بالشكل نفسه لينتج ايقاعاً متوازناً، وهذا ما تحقق أيضاً في حرف الفاء من كلمة (في)، وعالج حرف الياء في كلمة (في) معالجة فنية تمثّـلت بتقويسة صاعدة ومائلة باتجاه يسار اللوحة، ثم حركة اتجاهية نازلة باتجاه يمين اللوحة، ثم امتداد عمودي قصير، ثم امتداد أُفـقـي قصير ينتهي على شكل مثلث، ويلاحظ المُشاهد تحقق خاصية التضاد في شكل هذا الحرف عن شكله في كلمة (عافني)، وهذا ما يدخل في باب تنويع شكل الحرف الواحد في الخط نفسه، فيضفي مسحة حيوية وجمالية عليه.
في إخراجه الفني لكلمة (بدني) خطَّ حرف الباء منها بسنّ مرتفعة قليلاً وحركة مائلة قليلاً الى جهة اليسار، ومنحه ترويسة مثلثة، ثم حركة اتجاهية نازلة باتجاه اليمين لتشكِّـل زاوية هندسية مع امتداده الأُفـقـي، وأخرج حرف الدال بشكل هندسي، وخطّ حرف النون بشكل أقرب الى الهندسي، أمّـا حرف الياء فقد خطّـه على شكل الياء الراجعة ولكنَّ امتداده الأُفـقـي أقصر من امتداه في كلمة (عافني)، فتحققت بذلك خاصية التضاد معه.
عالج الفنان عباس كلمة (سمعي) بمنح السنّ الأُولى منها ارتفاعاً قليلاً وميلاً الى جهة اليسار، وكرر الشكل نفسه في السنّين الآخرين، فأحدثَ بذلك تكراراً ايقاعياً، وفي الوقت ذاته أحدث تضاداً طولياً لأنّـه خطّـهما بتدرجٍ طولي متناقص، وأخرج حرف الميم دون طمس عينها، وعلى شكل نصف دائرة، وخطَّ حرف العين على شكل الرقم (7) مع عنايته بشكله المثلث الهندسي المقلوب والناقص ضلعاً، وترويسته المثلثة، والتناقص الطولي لضلعيه، واعتمد على خاصية التكرار في إخراجه لحرف الياء، وهي الخاصية ذاتها التي اعتمدها في إخراجه لحرف الباء من كلمة (بصري)، التي خطَّ حرف الصاد منها بشكل أقرب ما يكون الى المستطيل دون طمس عينه، وخطَّ حرف الراء بالاعتماد على خاصية الخفض المكاني تمييزاً له عن حرف الدال، واعتنى عناية واضحة بإخراج حرف الياء الآخرية المنفصلة الراجعة باتجاه اليمين، بحيث يتقابل ويتقارب امتدادها الأُفـقـي مع امتداد حرف الراء محدثاً تناسقاً شكلياً وايقاعاً جميلاً، ثم يستمر امتداده ليكون قاعدة لحرف الصاد من الكلمة نفسها، فأنتج بذلك حركة ضمنية وهمية.
في معالجته لحرفي اللام والألف المتصلة بها أخرجها معقودة بحيث يكون حرف اللام مروّساً بترويسة مثلثة، ومائل من جهة اليسار الى جهة اليمين، واتخذ حرف الألف شكلاً قائماً ومروّساً بترويسة مثلثة أيضاً، أمّـا حرف الألف المفرد من كلمة (إله) فقد أخرجه الفنان عباس حسب أُصول كتابة الخط الكوفي البسيط حيث منحه ترويسة مثلثة ونزولاً قائماً، وينتهي بتقويسة صغيرة باتجاه يمين اللوحة، وأخرج حرف اللام بترويسة مثلثة أيضاً، وشكل قائم ليشكِّـل زاوية في نقطة اتصاله مع حرف الهاء، الذي أخرجه معتمداً على خاصية التكرار لحرف الفاء الوارد في هذه الكتلة، فأحدث بذلك حركة ضمنية وهمية وايقاعية لافتة لنظر المتأمِّـل فيها، كما اعتمد على الخاصية نفسها في خطّـه لحرف الألف من كلمة (إلا)، ولكنّـه منح الجزء القائم منه طولاً وتقارباً مكانياً مع حرف الهاء من كلمة (إله)، بحيث يحتضن الجزء الأسفل منه جزءاً من حرف الهاء، فأحدث بذلك حركة ضمنية وهمية منحت شكله مسحة حيوية، وحققت بعداً جمالياً أيضاً، واعتمد على خاصية التكرار الايقاعي عند خطّـه لحرفي اللام والألف في كلمة (إلا)، لكنّـه حقق تضاداً لافتاً في رسم زلف مائل الى جهة اليمين في أعلى حرف اللام بحيث يشكِّـل زاوية، فأضفى على شكله حيوية لافتة للنظر، لأنَّ تعدد اتجاهات الحروف ينتج إحساساً بالحركة الضمنية الوهمية.
في خطّـه لكلمة (أنت) اعتمد أيضاً على خاصية التكرار الشكلي لحرف الألف مع المبالغة في حجمه، ليحقق خاصية التباين الحجمي، واتصال من الأسفل بظلِّ حرف الهاء من كلمة (اللهم) ليحقق خاصية التأليف، وأخرج حرف النون بتكرارٍ شكلي ايقاعي لحرف الباء في كلمة (بدني)، أمّـا حرف التاء فـقـد خطّـه دون إغلاق وهو شكل من أشكال حرف التاء في الخط الكوفي القديم.
وحسب قواعد وأُصول هذا النوع من الخطوط اعتمد الفنان عباس على شكل الكسرة والفتحة بدل النقاط، فالحركة الواحدة تدلّ على نقطة واحدة، والحركتان تدلان على نقطتين، وقد اعتنى في توضيع هذه الحركات في مواضعها فوق الحروف أو تحتها، كما سيلاحظ المُشاهد خلو هذه الكتلة من التشكيلات التزيينية حسب قواعد وأُصول هذا النوع من الخطوط.
تُـحقق الزخرفة في اللوحة هدفاً ذوقياً وبُعـداً جمالياً، وتكسِبها صبغة روحانية لأنّـها مستمدة شكلاً من عناصر الطبيعة وتخصيصاً الأغصان والفروع والأوراق والأزهار، ولهذا اختار الفنان عباس شكلاً زخرفياً ليشغل مساحة أُفـقـية صغيرة قياساً الى مساحات الكتل الخطيّـة الرئيسة الثلاث، محققاً بذلك خاصية التضاد الشكلي، وتتكوّن هذه الزخرفة من وحدات على شكل أغصان نباتية ملتفّة ومتوالية وتزينها ورقات نباتية أيضاً، ويلاحظ المشاهد أنّ امتدادها محدد بالامتداد الأُفـقـي لكلمة (اللهم) ولكنّـها تقع أمامها، فحققت بذلك ايهاماً بالبُـعد الثالث وبالحركة الضمنية الوهمية.
شغلت الكتلة الخطيّـة الثالثة المساحة الواقعة تحت الكتلتين السابقتين، واعتمد تكوينها على شكل دفتر مفتوح خطَّ فيه الفنان عباس حديثاً نبوياً شريفاً يحمل معنى الدعاء أيضاً، وينصّ على (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، اللهم إني أسألك العفو والعافية. آمين)، واستخدم القصبة والحبر الأسود في تنفيذها بالخط الكوفي القيرواني، وباسلوب التكوين الخفيف والسطري التسلسلي المنتظم، وباتجاه أُفـقـي من اليمين الى اليسار، وبذلك منح شكلها العام انتظاماً وتوازناً.
ولكي يحقق خاصية التعدد الاخراجي لحروف النوع الواحد من الخط اختار لبعض حروفها شكلاً مختلفاً عن شكلها في الكتلة الأُولى، فحرف الألف خطّـه بالطريقة نفسها التي خطّـه بها في الكتلة الأُولى، فحقق خاصية التكرار، وأخرج حرف اللام المكرر بترويسة مثلثة وامتداد قائم، مع عنايته بالتدرج الطولي لهذه الحروف الثلاثة فمنحها بذلك طابعاً هندسياً، وخطَّ حرفي الهاء والميم بشكل مثلث مع انحناء صغير في جهة اليسار.
وأخرج حرف العين من كلمة (اعوذ) بتقويسة قصيرة في بدايتها ثم امتداد أُفـقـي، وجمع بين غلظة الحرف ورقّـته في حرف الواو، حيث اتخذ شكل مثلث غليظ ثم خط رفيع ورقيق نازل بحركة اتجاهية نحو اليسار، فأنتج بذلك حركة ضمنية وهمية وايقاعية تثير انتباه المُشاهد، واتخذ حرف الذال شكلاً أقرب ما يكون الى شكل الزاوية الهندسية.
من ميّزات الخط الكوفي القيرواني أنَّ حروفه قصيرة وقريبة من بعضها، وكذلك المسافات بين الكلمات تكون قليلة وهذا ما نلاحظه في هذه الكتلة، ففي إخراج كلمة (بك) يلاحظ المُشاهد أنَّ حرف الباء قصير، أمّـا حرف الكاف فكان أطول نسيباً، فتحققت خاصية التضاد الشكلي بينهما، فضلاً عن خاصية التكرار في حرف الميم في كلمة (من) الذي اتخذ شكلاً مثلثاً، وابتدأ حرف النون ببداية مربعة مائلة الى جهة اليسار ثم حركة قوسية متجهة الى يسار النص، وتنتهي تقويسته نهاية رفيعة بحيث أصبحت قاعدة يرتفع فوقها حرف الألف من كلمة (اللهم)، فأنتج بذلك حركة ضمنية وهمية، وأضفى على شكل الكتلة حيوية لافتة للنظر، وخطَّ حرف الألف منها بترويسة مثلثة وامتداد قائم وأقصر طولاً من حرف اللام محققاً بذلك تناسقاً شكلياً وتضاداً طولياً، واعتمد على خاصية التكرار الايقاعي في تنفيذه الخطي لحرفي الهاء والميم.
في إخراجه الفني لحرف الواو اعتمد أيضاً على خاصية التكرار حيث كرر شكله المثلث، ولكنه منحه امتداداً نازلاً نحو جهة اليسار، ورفيعاً جداً ليحقق خاصية التضاد الشكلي مع امتداد الحرف نفسه في كلمة (أعوذ). وفي خطّـه لكلمة (الحزن) يلاحظ المُشاهد عناية الفنان في تعامله مع حرفي الزاي والنون، فأخرجهما معتمداً على خاصية التكرار الشكلي وهذا ما ولّـد تناسقاً وايقاعاً، وهي الخاصية نفسها التي أخرج بها الكلمات والحروف المتشابهة في هذا الدعاء، ومنعاً للتكرار في التحليل سأكتفي بما تقدّم.
إنَّ استخدام الحبر الأسود لخط الكلمات على خلفية بيضاء يشتغل باتجاه ابرازها ولفت النظر إليها من جهة، ويحقق أقصى درجات التضاد اللوني من جهة مقابلة، فضلاً عن تحقيقه للتضاد الشكلي الذي ميّـز هذه الكتلة عن الكتل الأُخرى من جهة ثالثة.
من خلال متابعتي وتأملي في اشتغالات الفنان عباس الخطيّـة لاحظتُ غلبة سمة التنويع الإخراجي في اللوحة الواحدة، والتي تتجسّد في تنويع التكوين أو أنواع الخطوط أو أحجام الكلمات أو الأحبار والأصباغ، وفي هذه اللوحة استخدمه أيضاً في الكتلة الخطيّـة الثالثة – فضلاً عمّـا أشرتُ إليه – وذلك بإشغال مساحة الفراغ الواقع في القسم الأسفل منها بحروف الأبجدية العربية التي خطّـها بخط الثلث وبقصبة أكثر سماكة، فأنتجت حروفاً بحجم أكبر من حروف الكتلة السابقة، فحقق خاصية التضاد على عدة مستويات هي: نوعية الخط، والسماكة، والحجم، فضلاً عن استخدامه لصبغة الأموشن الأسود المتدرِّج بين درجتيه الفاتحة والغامقة، فأنتج بذلك تضاداً لافتاً، وأضفى حيوية وحركية على تكوين اللوحة، وحقق البُـعد الثالث الوهمي لأنّ هذه الحروف اتخذت موقعاً أمامياً بحيث أصبح شكل الدفتر المفتوح خلفها، كما حققه أيضاً باستعماله للتركيب الثقيل الذي تمثّـل بتراكب هذه الحروف وتقاطعها مع بعضها، فضلاً عن توزيع نقاطها في الفراغات البينية والمحيطية، وهذا ما منحها تماسكاً وتناسقاً وايقاعاً، وكذلك التنويع في ألوان هذه الحروف، فبعضها منحه اللون الأسود وهو لون الصبغة نفسها الذي خطَّ به الحروف، والبعض الآخر لـوّنه بصبغة الأموشن البيضاء فأكسبها بذلك حيوية وإشراقاً.
تُـحدد خلفية اللوحة جوّها العام من خلال نوعية خامتها وألوانها، وفي هذه اللوحة استقرت الكتل على خلفية ملـوّنة باللون الزيتوني المتدرِّج بين الدرجتين الفاتحة والغامقة، والمتداخل أيضاً، فأسهم في منح اللوحة طابعاً روحانياً خالصاً يوحي بالراحة والصفاء من جهة، وبالتفاؤل بقبول الدعاء من جهة ثانية، لأنّـه من الألوان التي تمتلك قوة تأثيرية ايجابية عالية على مُشاهدها، وتوحي بالتجدد المستمر من جهة ثالثة لكونه لون الطبيعة المتجددة حياتياً، وهذا ما يلفت فكر المُشاهد الى قصدية الفنان عباس في هذا الاختيار اللوني الذي يحيل دلالياً الى تجدد الدعاء والتضرّع الى الله سبحانه وتعالى من قِبل الإنسان وتوقّـع الاستجابة.
21/8/2022م
السيرة الذاتية للفنان عباس الطائي (عباس حسين الطائي)
/ مواليد مدينة الموصل / العراق، 18/5/1945م.
/ درس في مدارس مدينة الموصل.
/ تخـرّج من دار المعلمين عام 1964م.
/ عمل مدرساً في قسم الخط والزخرفة في معهد الفنون الجميلة في الموصل منذ عام 1980م
/ درسَ الخط العربي وفنونه منذ عام 1962م على يد الخطاط الكبير يوسف ذنون الموصلي.
/ نال تقدير جيد جداً من الخطاط المعروف المرحوم سيد ابراهيم المصري عام 1975م.
/ حصل على الإجازة في الخط العربي على يد الخطاط المعروف حامد الآمدي التركي عام 1977م.
/ حصل على الإجازة الثانية في الخط العربي على يد الخطاط الكبير يوسف ذنون عام1987.
/ درّس الخط العربي، وأقام الدورات فيه منذ عام 1972م، ولا زالت جهوده مستمرة في هذا الميدان.
/ درّسَ الخط العربي في كلية التربية والهندسة ومعهد التكنولوجيا في جامعة الموصل منذ عام 1981م.
/ شارك في الكثير من معارض الخط العربي المحلية والقطرية والعربية منذ عام 1970م.
/ شارك في المسابقات الدولية للخط العربي التي اقيمت في تركيا منذ عام 1986م، وفاز بالعديد من الجوائز فيها.
/ شارك في المهرجانات الخطية الدولية التي اقيمت في العراق منذ عام 1988، وحصل فيها على عدة جوائز.
/ أقام (10) معارض شخصية(محلية وقطرية وعربية) للخط العربي.
/ له أعمال ولوحات خطية مقتناة في الاردن ولبنان والامارات وتركيا والمانيا.
/ كتب المئات من عناوين الكتب المتنوعة، وكذلك الكتب المنهجية وغيرها والتي صدرت عن جامعة الموصل.
/ له عدة مقالات منشورة في الصحف والمجلات المحلية والقطرية والعربية.
/ أجرى عدة مقابلات تلفزيونية، ومنها بالأخص لقاء برنامج ألوان في قناة عشتار الفضائية.
/ عضو في نقابة الفنانين العراقيين في نينوى.
/ عضو في جمعية الخطاطين العراقيين في نينوى.
كتبَ عنه:
1/ داؤد سلمان الشويلي: خطاطون من الموصل يقام لهم معرض في بغداد، جريدة الراصد، العراق، ع 109، 1972م.
2/ عبد الوهاب النعيمي: الخطاط الفنان عباس الطائي ومحاولته الجديدة لنشر اللوحات الخطية، جريدة الحدباء، العراق، العدد ؟ ، السنة ؟
3/ قحطان سامي: دعوة لتحسين الخط العربي، جريدة الثورة، العراق، ع 2120، 1984م.
4/ عدنان محمد شيت: تأملات وحديث قصير مع الفنان الخطاط عباس حسين، جريدة العراق، العراق، ع2359، 1984م.
5/ جاسم الرصيف: حركة الخط جامدة إلا في العراق ومصر، جريدة الجمهورية، ع5897، 1985م.
6/ ميسر الخشاب: جمالية الكلمة، جريدة القادسية، العراق، 1985م.
7/ عدنان محمد شيت: الخطاط العراقي عباس حسين: أتطلع الى نجمة تضيء، جريدة الرسالة، الكويت، ع115، 1985م.
8/ ناصر حسين: فن الخط العربي في الموصل يستلهمه الخطاط: جريدة بغداد اوبزيرفر بالانكليزية، العراق، ع6177، 1987م.
9/ صبحي صبري: الخطاط عباس حسين: يستهويني خط الثلث، جريدة الثورة، العراق، ع6439، 1988م.
10/ عضيد طارق: الخطاط عباس الطائي: الخط العربي مرهون ببقاء اللغة العربية.
11/ ادهام محمد حنش: جريدة القادسية، العراق، ع ، 1990م.
12/ عبدالرزاق ابراهيم: جريدة الحدباء، العراق، ع 47، 1990م.
13/ صبحي صبري: الخطاط عباس الطائي ومشروع العمر، جريدة الطلبة والشباب، العراق، ع353، 1990م.
14 ادهام محمد حنش: عباس الطائي: الخط عالمي الذي أعيش فيه، جريدة الحدباء، العراق.
15/ عدنان محمد شيت: 6 عراقيون يفوزون بمسابقة عالمية للخط، جريدة العراق، العراق، ع 4320، 1990م.
16/ ابراهيم جنداري: جائزة ياقوت الدولية للخطاط عباس الطائي، جريدة الحدباء، العراق، ع458، 1990م.
17/ الثلث الباذخ والنسخ الرشيق في معرض خاص، جريدة الثورة، العراق، ع7946، 1992م.
18/ حسن النواب: الفنان عباس الطائي: استخدمت الخطوط اللينة على الجلد، جريدة العراق، العراق، ع 5002، 1992م.
19/ محمد هديب: الخطاط عباس الطائي: القاعدة قبل التجديد، جريدة الأسواق، الاردن، ع396، 1994م.
20/ جريدة الحدباء: معرض الخطاط عباس الطائي، جريدة الحدباء، العراق، ع525، 1995م.
21/ نشرت بدون اسم كاتبها: معرض الخط العربي في الفينيق، جريدة الاسواق، 1995م.
22/ عبدالخالق ناصر: الخطاط عباس الطائي: الشعب الأردني يعشق أصالة الشعب العراقي، جريدة الجمهورية، العراق، عدد8899، 1995م.
23/ محمد العامري: الفنان الطائي متمسك بأكاديمية الحرف العربي، جريدة الدستور، الأردن، 1995م.
24/ ابراهيم جنداري: معرض الخطاط عباس الطائي إضافة جديدة ومعرض متميز، جريدة الحدباء، العراق ، 1995م.
25/ حسين دعسة: الخطاط العربي عندما يصبح فنانا تشكيليا، جريدة الرأي، الاردن، ع 9158، 1995م.
26/ مضمون واحد لآية الكرسي العـظيمة، جريدة الثورة، العراق، ع9140، 1996م.
27/ نوفل قاسم علي الشهواني: في المعرض الخطي السابع للفنان عباس الطائي، عرض تخصصي لآية قرآنية واحدة، جريدة الحدباء، العراق، ع748، 1996م.
28/ عضيد طارق: عشاق الخط، مجلة فنون، العراق، ع272، 1999م.
29/ فوزي القاسم: مقابلة، جريدة الثورة، العراق، ع359، 2001م.
30/ موفق الطائي: الخطاط عباس الطائي: بين أيدينا كنوز من التراث الخالد، جريدة الحدباء، العراق، ع748، 2001م.
31/ فوزي القاسم: الخطاط عباس الطائي: اجتهد لتكون اللوحة تشكيلاً فنياً يجسد جمالية الحرف العربي، جريدة الثورة، العراق، ع10754، 2002م.
32/ عبد الوهاب النعيمي: من خلال الحرف العربي بدأ اهتمامي بالرسم واللون، جريدة الصباح، العراق، ع105، 2003م.
33/ عبد الوهاب النعيمي: الخطاط الموصلي عباس الطائي ابحار متفرد في عمق الحرف العربي، ،ع99، 2004م.
34/ عبد الوهاب النعيمي: الخطاط الموصلي عباس الطائي، جريدة الصباح، العراق، ع103، 2004م.
35/ عدنان احمد المزوري: الفنان عباس الطائي في معرضه القادم: أكتب أدعية للعراق الجريح، جريدة الاتجاه الآخر، (حوار) العراق، ع179، 2004م.
36/ ذاكر خليل العلي: الخطاط عباس حسين إضاءة في نبض الابداع الموصلي، جريدة الانقاذ، العراق، ع36، 2004م.
37/ ذاكر خليل العلي: الخطاط عباس الطائي: أسعى الى توظيف الحرف العربي بشكل فني، جريدة العراق، العراق، ع60، 2004م.
38/ اياد طلب: مايسترو الحرف العربي عباس الطائي، جريدة السيادة، العراق ، 2005م.
39/ جرجيس العـطوان: وقـفة في معرض الخطاط عباس الطائي (دعاء) اول معرض في تاريخ الموصل يضم لوحات عملاقة، جريدة عراقيون، العراق، ع212، 2009م.
40/ تجسيد لمساحات من الوعي والرؤى العميقة، الفنان.. الخطاط عباس الطائي يقيم معرضه العاشر (دعاء)، جريدة الوسيط الموصلية، العراق، ع31، 2012م.
41/ ذكره سالم فوزي عفيفي في كتابه: دراسات في الخط العربي وأعلامه، حول تاريخ وأعمال يوسف ذنون.
42/ ذكره ادهام محمد حنش في كتابه: ماضيه وحاضره.
43/ ذكره عبد العزيز عبدالله محمد في كتابه: يوسف ذنون مدرسة الابداع في الخط العربي.
44/ ذكره باسم ذنون في كتابه: خطاطون مبدعون.
45/ ذكره باسم ذنون في كتابه: من آفاق الخط العربي.
السيرة الذاتية للمؤلفة
د. وجدان توفيق حسين الخشاب
قاصّة، شاعرة، باحثة في الأدب العربي الحديث، ناقدة تشكيلية.
مواليد الموصل/ العراق 3/3/ 1959م.
درست في مدارس مدينة الموصل.
حصلت على شهادة البكالوريوس /جامعة الموصل / كلية التربية / قسم اللغة العربية / عام 1983م.
عملت في التدريس في بعض مدارس محافظة نينوى منذ عام 1983م، ثم معهد الفنون الجميلة منذ العام 1998م.
حاصلة على شهادة الماجستير/ جامعة الموصل/ كلية التربية/ قسم اللغة العربية/ عام 1998م، عنوان الرسالة (قصص غانم الدباغ القصيرة).
حاصلة على شهادة الدكتوراه/ جامعة الموصل/ كلية التربية/ قسم اللغة العربية/ عام2004م، عنوان الاطروحة (الاغتراب والتغريب في مسرحيات الفريد فرج).
ناقشت مجموعة من رسائل الماجستير واطروحة دكتوراه في جامعة الموصل / كلية التربية / قسم اللغة العربية / وكلية الآداب / قسم اللغة العربية.
أنجزت التقييم العلمي لإطروحة الدكتوراه الموسومة (العتبات النصية في روايات واسيني الأعرج)، جامعة الموصل، كلية التربية للعلوم الإنسانية.
أنجزت التقويم اللغوي لإطروحة الدكتوراه (المركز القانوني للبنك المركزي في الدولة الاتحادية) جامعة كركوك، كلية القانون والعلوم السياسية، 2020م.
نشرت نتاجاتي في الكثير من الجرائد والمجلات والمواقع الالكترونية العراقية، وبعض المجلات العربية الورقية والالكترونية.
حصلت على (شهادة تميز) المرتبة الأُولى في مادة اللغة العربية للسنة الدراسية 1999/2000، وزارة التربية.
حصلت على (شهادة تقديرية) من محافظة نينوى في العام 2012.
حصلت على درع الإبداع من رابطة التدريسيين في نينوى / المهرجان الشعري الأول عام 2014م.
حصلت على مجموعة من كتب الشكر والتقدير من وزارة التربية والمديرية العامة للتربية في محافظة نينوى.
شاركت مع الاستاذين عبد الناصر المعماري وغزوان عقراوي في إنجاز (لوحة تكريمية) للأستاذة المؤسسين الأوائل لمعهد الفنون الجميلة في بغداد، عام 2014م.
حصلت على (شهادة شكر وتقدير) من المركز العالمي للفنون التشكيلية، الاربعاء 3/ 9/2015م.
حصلت على (شهادة شكر وتقدير) من اكاديمية الرونق الدولية للتنمية والتطوير، عام 2020م.
حصلت على شهادة مشاركة في ورشة ( كيف ستكون العودة الى المدرسة في ظل جائحة كورونا) في 8/12/2020م.
المؤلفات:
1/ رمليات مُدوّرة/ نصوص وقصص/ سلسلة نون/ الاتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق/ نينوى/1995م.
2/ وقيعة وثلاث عواصف/ حوارات وقراءات/ سلسلة نون/ الاتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق/ نينوى/ 1996م.
3/ تقنيات القصة القصيرة / قصص غانم الدباغ أُنموذجاً/ مطبعة الديار/ الموصل/2012م .
4/ الاغتراب والتغريب في نصوص مسرحيات الفريد فرج/ مطبعة الديار/ الموصل/ 2012م.
5/ فرشاة ودلالات / حوار مع الفنان التشكيلي حازم صالح/ مطبعة الديار/ الموصل، 2012م.
6/ سِفر تشكيلي / سلسلة النقد التشكيلي 2/ مطبعة العلا/ الموصل، 2012.
7/ للمرايا نبش آخر/ نصوص وقصص/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد/ ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية/ 2014م.
8/ قصص من نينوى/ مجموعة مشتركة / الجزء2/2000م
9/ قصص من نينوى/ مجموعة مشتركة / الجزء3/2001م
10/ قصص من نينوى/ مجموعة مشتركة / الجزء4/ 2002م
11/ قصص من نينوى/ مجموعة مشتركة / الجزء5/ 2003م
12/ واللون يسرد الحكايا/ سلسلة النقد التشكيلي 3/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2015م.
13/ وقالت شهرزاد/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2015م.
14/ ترانيم/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
15/ ملامح على الرمال/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
16/ شموس/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
17/ مسارات من عطر/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
18/ أشتاقُ بيبونها/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
19/ رائحة الأزرق/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
20/ رقصة الألوان/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان- دهوك/ 2016م.
21/ وتأمَّل الإنسان / نصوص وامضة / كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان – دهوك/ 2016م.
22/ النفق تكفيه شمعة / نصوص وامضة / كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان – دهوك/ 2016م.
23/ والزهر إن غرَّدَ / نصوص وامضة / كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان – دهوك/ 2016م.
24/ سأتبع شمسها / نصوص وامضة / كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان – دهوك/ 2016م.
25/ خُطى الأمواج / نصوص وامضة / كتاب الكتروني/ مطبعة كوردمان– دهوك / 2016م.
26/ حافياً أُقـبِّـلُ ترابها / نصوص وامضة / كتاب الكتروني / مطبعة كوردمان – دهوك/ 2017م.
27/ قلوب في ظلٍّ أزرق/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني/ مطبعة كوردمان– دهوك/ 2018م.
28/ رُقيمات الطين/ نصوص وامضة/ كتاب الكتروني/ دار نون للطباعة والنشر والتوزيع/ الموصل/2019م.
29/ تأملات في المنجز التشكيلي / سلسلة النقد التشكيلي 4/ مطبعة كوردمان – دهوك / 2020م.
بعض المقالات المنشورة في الصحف الورقية والمواقع الالكترونية:
1/ حوار مع المرحوم القاص محمود جنداري موسوم (محمود جنداري في عصر المدن) ، منشور في يوم الاثنين 21 تشرين الثاني عام 1994م.
2/ حوار مع الشاعر رعد فاضل موسوم بـ (ومَن يتقدَّم مَن؟) منشور في 14/9/ 1994م.
3/ مقال موسوم بـ (آشوريا: رتل مكائد دامعة بالدهاء – قراءة لمجموعة الشاعر رعد فاضل)، منشورة يوم الخميس 13نيسان 1995م.
4/ مقال موسوم بـ ( لكَ المرارة إذاً – قراءة دلالية) منشور في عام 1995م.
5/ حوار مع الشاعر رعد فاضل موسوم بـ (أرى القوس نصف الكتابة) منشور في شباط 1996م.
6/ حوار مع القاص د. عمار عبدالباقي موسوم بـ (... وعمار احمد عندما تكون الكتابة موضوعاً لبدءٍ آخر) منشور في عام 1996م.
7/ أثر ألف ليلة وليلة في المسرحية العراقية: مجلة الموقف الثقافي، العدد 16،عام 1998م.
8/ العيون في الدولة العربية الاسلامية: مجلة الموقف الثقافي، العدد18، عام 1998م.
9/ الأعياد والمناسبات: مجلة الموقف الثقافي، العدد 21، عام1999م.
10/ المستشرق هاملتن جب: مجلة الموقف الثقافي، العدد 20، آذار- نيسان، عام 1999.
11/ جماليات القبح في اللوحة الفنية: مقال منشور في موقع صحيفة النور.
12/ مراجعة كتاب: أضواء على الحركة التشكيلية في نينوى: موفق الطائي / 2019م.
13/ تحولات الضمير المأزوم – قراءة في نصوص مسرحيات ( على أبواب القيامة): لعماد مصطفى ابراهيم، عام2020.
14/ تقديم كتاب (عندما توقف الزمن) للكاتب المسرحي عماد مصطفى ابراهيم، 2021م.
15/ موسوعة شعراء الموصل في العصر الحديث (1900- 2017) لماجد حامد محمد: مقال منشور في 21/5/2021م.
16/ ستظل الموصل مشرقة _ قراءة في لوحة (موصليات) للفنان مروان طارق، مقال منشور في 16/6/2021م.
17/ ذاكرة موشومة – قراءة في لوحة (غرق) للفنان احمد مزاحم، مقال منشور في 21/6/2021م.
18/ الروح المصرية في اللوحة التشكيلية – قراءة تحليلية للوحة الفنانة ايفيلين عشم الله، مقال منشور في 23/6/2021م.
19/ التمثّـل في اللوحة التشكيلية – قراءة في لوحة (موار وحوار) للفنان ناطق عزيز، مقال منشور في 11/7/2021م.
20/ التنوّع الخطي في لوحة (ن والقلم) للفنان عباس الطائي، مقال منشور في جريدة انباء الموصل، العدد1007، الاثنين 7شباط، 2022م.
21/ الفن البدائي، مقال منشور في مجلة فواصل، العدد الاول، 2019، الموصل.
22/ لوحة الإجازة الخطية للأُستاذ عباس الطائي – قراءة تحليلية، مقال منشور في جريدة انباء الموصل، العدد 992، في 13 كانون الأول 2021م.
البحوث المنشورة والمنجزة:
1 / قهوة وغرباء- قراءة ظاهراتية للحكاية الأُولى (الغرباء لا يشربون القهوة) من مسرحية (باب الفتوح) لمحمود دياب، بحث منشور في مجلة الأقلام، العدد2، 2002م.
2/ الشخصية ما بين السلبية والايجابية – شخصية المهرج في نص مسرحية المهرج لمحمد الماغوط، بحث منجز.
3/ الموازيات النصية الداخلية في مجموعة زمن الحب الآخر لغادة السمان، بحث منشور في مجلة
جامعة تكريت للعلوم الانسانية ، مجلد 16، العدد8، آب 2009م.
4/ رد الفعل الدرامي في نصوص مسرحيات غسان كنفاني، بحث منشور في مجلة جامعة تكريت للعلوم، مجلد 19، العدد1، كانون الثاني 2012م.
5/ اشراقات الأمكنة وبؤسها – رواية (موسيقى سوداء) لنجمان ياسين انموذجاً، بحث منشور عام 2013.
6/ المفارقة في قصة (حادثة مريرة) لبسام الجلبي، بحث منجز في العام 2014م.
7/ المفارقة في القصة القصيرة- قراءة في قصة (إنَّـهم يحبونه طرياً) للمرحوم بسام الجلبي.
8/ النموذج العاملي الغريماسي نسقاً وتقنية في (حكاية الملك والحطاب والتفاحة) لفلاح العيساوي: بحث منشور في مجلة كلية التربية للبنات، الجامعة العراقية، عدد 7، السنة 4، 2017م، ج2.
9/ الوظيفة الدلالية لعلامات الترقيم في قصة ( 6ريختر) لشادي ابو الدهب، بحث منجز في 2018م.
10/ سيمائية الجسد البشري في رواية (وراء الفردوس) لمنصورة عزالدين، بحث منجز في العام 2019م.
11/ الهوية الثقافية للمهمش في رواية (رجل المرايا المهشمة) للبنى ياسين، بحث منجز في 2020م.
كَـتَـبَ عنها:
1/ أشار نزار عبد الستار الى مجموعتي القصصية ( رمليات مدوَّرة) في مقالته الموسومة (سلسلة أدب الحصار) المنشورة في 30 كانون الثاني، 1996م.
2/ نشرت جريدة الحدباء خبر صدور مجموعتي (رمليات مُدوَّرة) في عددها 712، الثلاثاء ، كانون الثاني، 1996م.
3/ أشار المقال الموسوم ( في مركز دراسات جامعة الموصل البدء بمشروع أدبي كبير) والمنشور في جريدة الحدباء، العدد 780، الثلاثاء 17/6/1997م.
• 4/ سعد الدين خضر مقالة موسومة {احتفاء بـ (تايتنك) قراءة في نص وجدان الخشاب} والمنشور في جريدة الرأي،
العدد 83، السنة الثانية، الاثنين 13 تشرين الثاني، 2000م.
5/ أشار يعرب السالم الى قصتي (الكاهنة تؤشِّر) في مقالته الموسومة (قراءة توثيقية في كتاب قصص من نينوى) والمنشورة في صفحة ثقافة، في 3آب، 2002م.
6/ كتب المرحوم انور عبد العزيز عن قصّتي (الكاهنة تؤشِّر) في مقالته الموسومة ( قراءة في قصص من نينوى) المنشورة في جريدة نينوى، العدد 124، في 22/ 9/2002م.
7/ أشار علي حسين عبيد الى قصّتي (الكاهنة تؤشِّر) في مقالته الموسومة (ضوء العشب وقصص اخرى من نينوى) في الثقافية / 29/10/2002.
8/ د. بهنام عطاالله في كتابه (الضفة الأُخرى – دراسات ومقالات نقدية) الصادر عن جمعية الثقافة الكلدانية، اربيل، 2005م.
9/ المرحوم د. عمر محمد الطالب في كتابه: اعلام الموصل في القرن العشرين، الصادر عن جامعة الموصل/ مركز دراسات الموصل/ 2008م.
10/ د. علي احمد محمد العبيدي: العنوان في قصص وجدان الخشاب – دراسة سيميائية، مجلة دراسات موصلية، ع23، 2009م.
11/ الفنان طارق الشبلي مقالته الموسومة ( للمرايا وجود آخر)، والمنشورة في موقع الساحة العُمانية، في24 يناير، 2011.
12/ الأُستاذ المرحوم أنور عبد العزيز في مقالته: وجدان الخشاب وكتاب عن المعرفة في التشكيل / جريدة الزمان
الورقية والالكترونية، 12نوفمبر 2012م.
13/ الأُستاذ الصحفي صباح ابراهيم مقالته الموسومة (الاغتراب والتغريب قراءة في نصوص مسرحيات الفريد فرج) في جريدة الرأي الجديد، السبت 3 تشرين الثاني، 2012م.
14/ د. علي احمد محمد العبيدي بحثه الموسوم (سلطة المكان في قصة الخروج من التابوت نهاراً للقاصة وجدان توفيق الخشاب) والمنشور في مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية ، 2012م.
15/ أشارَ د. ابراهيم العلاف في مدونته الى كتابي: للمرايا نبش آخر... نصوص وقصص للدكتورة وجدان توفيق الخشاب – القاصة والاكاديمية العراقية الموصلية، عام 2014م. ومنحني عضوية اتحاد كُتّـاب الانترنيت العراقيين.
16/ الأُستاذ جواد عبد الكاظم محسن في كتابه: معجم الأديبات والكواتب العراقيات في العصر الحديث / ج3/ دار الفرات للثقافة والاعلام/ بابل/ 2014م.
17/ د. رسول محمد رسول مقالته الموسومة (عندما يكون القول ومضة) والمنشورة في جريدة الصباح في 7/12/2015م.
18/ ذكرني الأُستاذ قيس العذاري في مقالته (بانتظار غودو – حول المؤسسات الثقافية المستقلة) المنشورة في موقع مجلة بصرياثا، في 9/8/2015م.
19/ الأُستاذ بلّاوي فتحي حمودي الحمدوني في كتابه: أساطين الموصل المعاصرون/ دار نون للطباعة والنشر والتوزيع/ الموصل / 2019م.
20/ الأُستاذ ماجد حامد محمد في موسوعته: موسوعة شعراء الموصل في العصر الحديث (1900- 2017) الصادرة عن دار نون للطباعة والنشر، نينوى،2018م.
21/ د. بهنام عطا الله في كتابه ( فضاءات الخطاب الأدبي – جماليات الصورة وخيارات التأويل ) دراسة بعنوان (فضاءات الدلالة والبحث عن جذور التكوين في قصص وجدان الخشاب)، عام 2020م.
22/ الأُستاذ الصحفي صباح سليم علي كتب مقالة عن كتابي ( تأملات في المنجز التشكيلي... الكاتبة والناقدة الموصلية د. وجدان الخشاب) في جريدة (انباء الموصل الاقتصادية) العدد215، الاربعاء 24 آذار 2021م.
23/ أفاد الأُستاذ كريم عجيل صاحي والاستاذ عمر محمود عبد الجبوري من كتابي (الاغتراب والتغريب – قراءة في نصوص مسرحيات الفريد فرج) في بحثهما الموسوم (فاعلية الاغـتراب في شعر احمد شهاب) ، والمنشور في موقع لارك، عام 2018م.
24/ سُجِّلَ كتابي (تقنيات القصة القصيرة – قصص غانم الدباغ انموذجاً) في الفهرس العراقي الموحد – دار الكتب والوثائق العراقية بأرقام التسجيل: 631484، 631485، 631486، عام 2012م.
25/ سُجِّل كتابي (فرشاة ودلالات – حوار مع الفنان التشكيلي حازم صالح) في الفهرس العراقي الموحد – دار الكتب والوثائق العراقية، بأرقام التسجيل 629539، 629540، 629541، عام 2012م.
26/ سُجِّلَ كتابي (سفر تشكيلي) في الفهرس العراقي الموحد – دار الكتب والوثائق العراقية بأرقام التسجيل 633329، 633330، 633331، عام 2013م.
27/ سُجِّلَ كتابي ( للمرايا نبش آخر) في الفهرس العراقي الموحد- دار الكتب والوثائق العراقية، رقم التسجيل 633911،633912، 633193، عام 2014م.
الحوارات واللقاءات:
1/ حواري مع جريدة الحدباء موسوم بـ (وجدان توفيق) / العدد 709/ الثلاثاء 9/1/1996م.
2/ حواري مع الاعلامية اريان المولى منشور في جريدة باشطابيا / عام 2013م.
3/ حلقة خاصة حوارية / برنامج قناديل / قناة الموصلية / 2014م.
4/ حلقة خاصة حوارية / برنامج مدارات / قناة الموصلية / 2021م.
رابط الموقع الالكتروني: dr-wighdan.blogspot.com
المحتويات
الصفحة الموضوع
المقدمة
المحور الأول: حوار مع الفنان عباس الطائي
المحور الثاني: قراءة تحليلية للوحات الفنان عباس الطائي
لوحة (سبحان الله بكرة وأصيلا)
لوحة (إنَّ الله إذا أنعم)
لوحة الإجازة الخطيّـة
لوحة (واصبر على ما أصابك)
لوحة (ن والقلم)
لوحة (لا تحزن)
لوحة (يرفع الله الّذين آمنوا)
لوحة (يوسف)
لوحة (كن فيكون)
لوحة (طرقت باب الرجاء)
لوحة (وسيعلم الّين ظلموا)
لوحة (فمن يعمل مثقال)
لوحة (وعنت الوجوه)
لوحة (قفا نبكِ)
لوحة (ربِّ اجعل)
لوحة (حسبنا الله)
لوحة (وقل اعملوا)
لوحة (اللهم عافني)
السيرة الذاتية للفنان عباس الطائي
السيرة الذاتية للمؤلفة
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
